دروس وعبر من رحلتي إلى أوربا

الدرس في دروس وعبر من رحلتي إلى أوربا، 18 رجب 1430 هـ ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

موقف أهل السنة من الإرهاب والتطرف

يتحدث عن أهمية موقف أهل السنة في مواجهة الإرهاب والتطرف بحكمة وعدم الإفراط أو التفريط. يشدد على ضرورة التمييز بين الإرهابيين وأهل الصلاح.

نعمة الإسلام والملاحظات في السفر إلى أوروبا

يصف تجربة السفر إلى أوروبا وملاحظة التناقض في معاملة المسلمين وغير المسلمين، ويبرز أهمية التمسك بالإسلام. يشير إلى كرامة المرأة المسلمة مقارنة بالمجتمعات الغربية.

زيارة المساجد والمراكز الإسلامية في أوروبا وتأثيرها

يصف زيارة المساجد والمراكز الإسلامية في أوروبا ويشير إلى كثرة المساجد واهتمام الإخوة بالدعوة وتعليم السنة. يذكر بعض الشخصيات البارزة في هذه المراكز.

أهمية العلم والدعوة في تنمية المجتمعات

يؤكد على أهمية العلم والدعوة في تنمية المجتمعات المسلمة ويحذر من تسلط دعاة السوء. يشدد على أهمية تعاون الجميع في نشر المواد الدعوية الصحيحة.

تغطية النقص في الدعوة إلى الله

يناقش الحاجة إلى تغطية النقص في الدعوة من خلال مواد هادفة وصائبة. يشير إلى أهمية حمل الدعاة لمواد مناسبة للنشر بين الناس.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فنحمد الله جل وعلا حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا جل وعلا ويرضى. نحمده سبحانه على ما أنعم علينا من نعمة الإيمان والإسلام والتوفيق لسنة النبي عليه الصلاة والسلام، وذلك من عظيم نعم الله عز وجل التي أنعم بها علينا وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. ونحمد الله جل وعلا الذي يسر لنا مثل هذا المجلس المبارك نتذاكر فيه ما ينفعنا. وقد سمعتم كلمة هذا المجلس: «دروس وعبر من رحلة أوروبا»، والمقصود من هذا هو أن ينتفع المرء في نفسه أولًا، وأن ينتفع كذلك من يسمع ومن يبلغه مثل هذا الحديث. فليس المتكلم بمعزل عن الانتفاع، فضلًا عن السامع. فرب مواقف تمر بالإنسان، إذا لم يقف عندها ويأخذ العبرة والعظة، لم ينتفع بتلك المواقف. وما أكثر المواقف والأحداث التي تمر بحياة الإنسان، وهي محل عظة وذكرى وعبرة، ولكن القليل من الناس من يتعظ ويعتبر ويتذكر. ومن باب التعاون على الخير، فما في الليل والنهار من أحداث وأحوال وأهوال وغير ذلك، سبب للاتعاض والادكار، وسبب كذلك لإعانة الإنسان في سيره إلى ربه سبحانه وتعالى أن يسير سيرًا مستقيما أو أن يكون على خلاف ذلك. وهذه الرحلة فيها أشياء كثيرة، يكفي أن نعلم أن كل لحظة من لحظاتها كان فيها مواقف ولقاءات بعدد من الإخوة، وانتقال في عدد من المواضع، ويشق حصر ذلك وذكره على وجه التفصيل. ولكن المقصود هو ذكر ذلك مجملًا، وأخذ شيء من الدروس والعبر في ذلك. فأما مبتدأ هذه الرحلة، فكان حرص من إخواننا في تلك البلاد على زيارتهم، فكانت الزيارة. وكان في طريق هذه الرحلة التوقف للانتقال إلى رحلة أخرى في مدينة دبي، وكان عندها اللقاء بإخواننا في تلك البلدة، وكانت جلسة مباركة طيبة على ضيق الوقت وقلة انتشار الخبر، إلا أنه اجتمع عدد كثير من الإخوة، وحصل ما فيه النفع والخير. ثم كان الانت، وفي ثنايا هذا الانتقال نأخذ بعض الدروس والعظات التي ينبغي أن يقف عندها المسلم موقفًا، وأن كذلك يأخذ منها ما يكون به الانتفاع. فمن ذلك ما يمر بالمسلم في مثل هذه الأيام، خصوصًا وقد ملئت وسائل الإعلام بما فيه التهويل على مسائل الإرهاب، حتى صار الناس فيه طرفان ووسط. صار الناس فيه طرفان ووسط: قوم غلوا في هذا الباب حتى اتهموا كل صاحب لحية وكل صاحب مظهر من مظاهر الإسلام بأنه يمثل الإرهاب. فعند ذلك لا تسأل عن الشر الذي يلاقيه، وعن المضايقات التي يجدها، وعن كذلك أمور حسية ومعنوية يجدها في طريقه وفي حياته اليومية. ويزداد الأمر سوءًا عند تنقله في مثل هذه الرحلات، فإنه يواجه في مواضع شتى، وفي مواطن مختلفة، صنوفًا من مثل هذه المواقف السيئة، أحيانًا بحسن نية، وأحيانًا أخرى - وهو الأكثر - بسوء نية من قبل بعض الحاقدين على المسلمين، وعلى كل ما يصل إلى التدين والالتزام بصلة. فها هنا ينبغي أن يظهر موقف أهل السنة السلفي الصحيح في مثل هذا المقام، أولًا بإظهار حقيقة ما يجب أن يكون عليه الموقف الصواب في مثل هذا المقام، بأن يفرق بين هذا الإفراط وذاك التفريط. فلا ننكر وجود طوائف غالية في المجتمع تمثل إرهابًا وتشويهًا لصورة الإسلام، والإسلام منه بريء، وهم أولئك الخوارج، ومن سلك مسلكهم من دعاة التكفير والتفجير. وفي المقابل، لا يجوز لنا أن نتهم، وأن كذلك نعتدي على حقوق الأبرياء، وعلى كذلك أهل الصلاح، وكل من كان عليه مظهر من مظاهر الصلاح. فإن ذلك أولًا مما ينافي ديننا، خصوصًا وأننا في بلاد مسلمة، وفي كذلك مجتمعات إسلامية. فالواجب أن يكون أهل الإسلام بعضهم لبعض عونًا، وأن يضعوا الشيء في موضعه الصحيح، لا إفراط ولا تفريط. وهذا مع ما أوجبه الشرع، فهو الذي يوجبه كذلك التصرف الصحيح الذي ينبغي أن يتصرفه العقلاء. ورب بعض تلك التصرفات السيئة والانتهاكات والاعتداءات أثمرت فكرًا خارجيًا، وحقدًا وميلًا إلى الفكر الخارجي من حيث لا يشعر أولئك القوم. وأنا أقول هذه الكلمة؛ لأنه في الحقيقة ربما كان ميول بعض من لا علم عنده، ومن عنده علم قليل، كان ميوله إلى بعض ذاك الفكر التكفيري، وذاك المذهب الخارجي، هو بسبب تسلط بعض السفهاء في مواضع شتى، في مجتمعات متنوعة، حتى أضمر ذاك الشاب حقدًا على من يعتدي عليه وعلى كرامته، وصار عند ذلك له الميول إلى ذاك الفكر التكفيري. فنقول: كلمة ينبغي أن تلقى آذانًا صاغية، وتصرفات حكيمة: لا يجوز لنا أن نعين على نشر الفكر الإرهابي بسوء تصرفاتنا، وسوء مواقفنا، وسوء معاملاتنا مع كل من أظهر مظهر الإسلام والتدين. فإن ذلك في الحقيقة من أعظم المهيجات التي تهيج انتشار الفكر الإرهابي في المجتمعات؛ لأنهم بذلك يوجدون فجوة، ويوجدون هوة بين أهل التدين وبين غيرهم، فيكون ذلك سببًا في ميول الكثير من المتدينين، بل ربما بعضهم يكره الفكر الإرهابي، ولكنه لشدة ما يجد من الأذى، ربما مال بقلبه أو بجسده إلى بعض تلك المذاهب الباطلة. فينبغي أن يتصرف الناس في مثل هذا المقام التصرفات الحكيمة. وما أحسن ما تصرف به بعض الدول المجاورة، وهكذا بمشورة علماء أهل السنة والجماعة ممن عرفوا بالإمامة والهداية، وبالرسوخ، وكذلك السبق في هذا الباب، في التصرف مع المذنبين، فضلًا عن غيرهم، مما تكون له عواقب حسنة. وهنا كذلك كلمة أخرى في مثل هذا المقام: لا ينبغي أن يدفع المسلم ما يلقاه من أذية، وما يقابله كذلك من اعتداء، أن يدفعه ذلك أن يتصرف تصرفًا يكون به سببًا في تشويه صورة الإسلام وحملته. بل ينبغي أن يعبر أمثال هؤلاء، وخصوصًا أن في أمثال هؤلاء الكثير من الجهال، والكثير ممن قد شوشت عليه وسائل الإعلام، وربما كذلك يجد أوامر يؤمر بها. فلذلك ينبغي أن تقابل تلك المواقف بالصبر وبالحكمة وبالحلم الذي يندفع به ذاك الشر وتلك الأذية. وربما كذلك تحصل أشياء مما يكون فيها أمور تقتضي مواقف، لكن المسلم هو الذي يسلك ما أمر به شرعًا من تتبع أعلى المصالح والوصول إليها، وأكبر المفاسد ودفعها. فإن طلب أعلى المصلحتين ودفع أفسد المفسدتين مما طلب المسلم بتحصيله ودفعه. وهذا الذي ينبغي أن يراعيه المسلم، ولو كان ذلك على حساب حقه، ولو كان ذلك على حساب كذلك ربما عرضه أو غير ذلك. ونسأل الله عز وجل أن يعيننا جميعًا على أنفسنا الأمارة بالسوء. وعظة أخرى كذلك في مثل هذا المقام لمن كان له يد على بعض تلك الجهات، فيوجهها بما يكون به تزديد الأمور وتقريبها، وبما يكون به كذلك وضع الشيء في موضعه، أن يسلك المسلك الصحيح في التصرف في مثل هذا المقام. وكذلك مما ربما يجده المسلم ويأسف له، ما قد يجده من بعض التجاوزات في التفريق بين معاملة المسلمين والكافرين، ومعاملة بعض المتقين والفجار، كيف تكون في بعض المواقف تلك الأذيات، وكذلك المواقف السيئة. وعلى العكس، ربما للغير. ولكن في مثل هذا المقام، ينبغي أن يسلك مسلك كذلك الصبر. ومرت بنا طرفة في رحلتنا: أحد الإخوة اليمنيين عنده جواز أوروبي، فمر في هذا المطار بجوازه اليمني، فأوذي أذية عظيمة. فالمرة الأخرى مر بالجواز الأوروبي، فلما مر، إذا بالمعامل يتملق بالكلمات اللطيفة والعبارات. والرجل تركه لم يتكلم معه بكلمة بالعربية، ثم تكلم كلمة بلغة ذاك الجواز. فلما تودد إليه، قال له بلغته: «مرسي» - شكرًا بالفرنسية - قال له: «مرسي»، فسكت ولم يجيبه. فقال له بجانبه رجل قحطاني سعودي: قال له الرجل: «يقول لك شكرًا، لماذا لم ترد عليه؟» قال: «ليرد عليه الجواز؛ لأنه لم يحترمني لشخصي، وإنما احترمني لجوازي». إذن الجواز الذي سيشكره، ولست أنا الذي سأشكره. ونحو ذلك من المواقف، ولكن الذي أنصح نفسي وإخواني بالصبر والحلم، وكذلك سعة الصدر في مثل هذا المقام، خصوصًا وأنك تحمل دعوة، وأنك تمثل إسلامًا. فأسأل الله عز وجل أن يعيننا على أنفسنا. ومما يذكر أننا حين نزلنا أول ما نزلنا مطار فرانفورت في ألمانيا، وكان ذلك أول دخولنا، رأينا ذاك المجتمع الذي به تعرف نعمة الإسلام ونعمة أهله. فالناس في الحقيقة في حياة تعيسة. تعرف نعمة الإسلام على أهله من جوانب كثيرة. فإنك ترى ذاك المجتمع وقد اكتنفته شرور متنوعة، وأنواع من معاني البؤس. فالناس في مواقف عجيبة، سواء إن تأملت ألبستهم ومظاهرهم، كيف قد عبثوا بأنفسهم عبثًا عجيبًا. تلك الشعور التي قد عبث أهلها بها بقصات مختلفة ومتنوعة، أو تلك الألوان العجيبة، ربما تجد ألوانًا ليست من ألوان بني آدم، حتى في الشعر، ربما تجد بعضهم قد صبغ شعره اللون الأزرق، وبعضهم ربما صبغ شعره اللون الأحمر. وهذا والله قد رأيناه في بعض المواضع، فسبحان الله، عبثوا بأنفسهم عبثًا عجيبًا. فتحمد الله عز وجل على نعمة الإسلام، كيف وفقنا الله عز وجل لما فيه الخير لنا في عقيدتنا، وفي عباداتنا، وفي معاملاتنا، وفي أخلاقنا وسلوكنا، بل حتى في ملابسنا، وفي مظهرنا. فإنك تحمد الله عز وجل على نعمة الإسلام الذي أكرم الله عز وجل أهله لأكمل خلق، وأقوم طريق وسبيل. ولو تأملت أولئك، كيف عبثوا بأنفسهم عبثًا عظيمًا في ألبستهم، تارة يلبسون المشقق المقطع، وتارة يلبسون القصير الذي لا منتهى لقصره، ربما ما بقي إلا أن لا يكون شيء. وهكذا تارة يعبثون بأنفسهم بخرز يضعونها أحيانًا تحت الشفة، وأحيانًا في الأذن، ربما من أسفلها إلى أعلاها كلها خرز. وهكذا ربما كذلك في الوجنتين خرز، وربما كذلك في اللسان، حتى خرز خرزة وضع في اللسان من فوق، وربما من أسفل، وغير ذلك من الأشياء العجيبة التي تراها. فتحمد الله عز وجل على نعمة الإسلام. ومع ذلك، كما سمعت، فهم يبحثون بهذا كله عن معنى السعادة. وفي الحقيقة، ليست السعادة بهذا، بل السعادة بالتمسك بدين الله سبحانه وتعالى. فسعادة هذا الجسد بما يكون بإعطاء حقه في ظاهره وباطنه، وفي كذلك روحه وجسده، وعلى الوجه العدل الذي علمه الله سبحانه وتعالى، ويكون به صلاح هذا الإنسان، لا بعاطفة الإنسان، ولا بهواه. ومن تأمل في ذاك المجتمع، عرف أن حدود الهوى، وكذلك أبعاد العواطف في الحقيقة لا نهاية لها؛ لأنك ترى أن الناس قد انغمسوا في أهوائهم، وقد غرقوا في عواطفهم، وتتبعوا أشياء لا نهاية لها، ومع ذلك لم يقف عند ذلك على حد، حتى ترى فيهم من يسمي نفسه «عبدة الشيطان»، لهم مظاهر معروفة معلومة، يلبسون السواد، ويجعلون فوق أعينهم وتحتها السواد، ولهم صفات معروفة، عبثوا بمظهرهم كما عبثوا بعقائدهم، وعبثوا بأخلاقهم، وعبثوا كذلك بسائر أحوالهم في هذه الدنيا. وهكذا تعرف به حقيقة كرامة المرأة المسلمة. فالمرأة المسلمة في بلاد الإسلام، والله إنها لكريمة، معززة محفوظة مصونة. أما في تلك البلاد، فهي مهدرة، وهي بضاعة رخيصة في متناول كل فاسد ومفسد، وصارت سلعة يتاجر بها، وصارت كذلك متعة يتمتع بها وينتقل بها إلى غيرها. وربما إذا عقلت فيهم امرأة ما استطاعت أن تدفع ما يكون عليه حال الكثير من النساء في ذاك المجتمع، حتى صارت تجاريه ببعض شره. وكل ذلك سوء وذل للمرأة في تلك البلاد. وهكذا أشياء كثيرة، كلها بالجملة تذكرنا بنعمة الإيمان والإسلام والتوفيق لسنة النبي عليه الصلاة والسلام. وهكذا كذلك تتأمل حين تنتقل من موضع إلى آخر، وترى أحوال المسلمين، تعرف فضل العلم وأهله، وفضل التوفيق للسنة، كيف أن أناسًا بعد ضلال الكفر وظلماته الكثيرة، إذا أراد أن ينجو، ربما نجى إلى إسلام محرف ومشوه، وظن نفسه أنه نجى، وهو في الحقيقة ما زال في هلكته. فبه يعرف المرء المسلم حقيقة نعمة الإيمان والإسلام، وعلى السنة على وجه الخصوص. وهكذا كذلك مما يذكر في هذا المقام، ما رأيناه من إقبال الإخوة في مواضع كثيرة على السنة، وعلى كذلك الطريقة السلفية. فإن هذا مما تقر به الأعين. أخوة كثر في مواضع شتى، تتعجب أن الإسلام والسنة على وجه الخصوص قد بلغ مثل تلك المواضع والمواطن. مساجد كثيرة زرناها في بلدة ألمانيا، وهكذا كذلك بعدها في بلاد كثيرة. وإخوة أفاضل لقيناهم في مواضع كثيرة. ولولا الإطالة وخشيت أن لا أتقن هذا الباب، فأذكر ذلك على وجه الاختصار. مررنا في بلدة ألمانيا، في مدينة فرانكفورد وما حولها، بمسجد الأثر، والذي فيه مجموعة من إخواننا من أهل السنة الأفاضل. وكانوا - جزاهم الله خيرًا - يعني مجموعة كبيرة، ربما الآن لا أستحضر جميع الأسماء. أذكر منهم أخانا، أخونا أبو كنزة بدر حفظه الله تعالى، وهكذا كذلك الإخوة الآخرون كالأخ عبد الكريم، وغيره من الإخوة، وأخونا كذلك أبو أيمن، وأبو سفيان، وأخوة كثر، جزاهم الله خيرًا، هم على خير. وأسأل الله عز وجل أن يجمع أمرهم، ويعينهم على ما فيه نصرة الإسلام والسنة. وهكذا كذلك من زرناهم من الإخوة في مسجد السوق، وهكذا كذلك في مسجد السلام. فما من موضع من المواضع تمر به، إلا وتقر عينك بما تراه من إقبال المسلمين. وهكذا كذلك بعد ذلك في بلاد أخرى، كإخواننا في بلجيكا، في مركز الفرقان الذي يقوم عليه أخونا لخ محمد حفظه الله تعالى، ومن معه من الإخوة. وهكذا كذلك من زرناهم، وهم كثر في فرنسا، في مواضع كثيرة، يشق حصرها، كمسجد أخينا الشيخ عمار حفظه الله تعالى، وهو أحد خريجي الجامعة الإسلامية، ومن معه من الإخوة الأفاضل في تلك المدينة التي لا أحفظ اسمها. والآن تركوان - هنا سجل لي أبو حذيفة أسماء بعض المدن - مدينة تركوان، وهي فيها كذلك أخونا الفاضل أبو توفيق حفظه الله، وهو أحد طلاب هذه الدار، الذين صراحة اغتبطنا بوجوده بين إخوانه في ذاك المكان، مع من معه من الإخوة حفظهم الله تعالى. وكذلك ما كان في مدينة باريس، وما حولها من المساجد التي زرناها، وهي كذلك كثيرة. وفيهم أخوة كثر، كالأخ عبد السلام، وسليم، وعبد الكريم، وصادق، وغيرهم من الإخوة. وكانت هناك كلمات ومحاضرات في بعض المساجد، كمسجد مدينة جونيس، وأخرى اسمها سارترو فيل، وأخرى اسمها فيتري، وكذلك فيل فرانس، وأشياء ربما ما أستطيع نطقها. ولكن المقصود من هذا أن هذه المساجد كان فيها عدد من الإخوة، خصوصًا بعض الدعاة وطلبة العلم، كأخونا سفيان، وأبو زيد، وغيرهم من الدعاة، وأخوة كثر مقبلون على الخير إقبالًا عظيمًا. فيفرح الإنسان بهذا الخير الذي يراه، ويتذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم الذي جاء في مسند الإمام أحمد، وغيره، وأصله في صحيح مسلم، في حديث ثوبان شداد، أن النبي عليه الصلاة والسلام ذكر أنه «زويت له هذه الأرض، وأن ملكه سيبلغ ما زوي منها، وأنه ما من بيت حجر ولا مدر إلا وسيدخله هذا الدين، بعز عزيز، وذل ذليل، ذلًا يذل الله عز وجل به الكفر وأهله، وعزًا يعز الله عز وجل به الإسلام وأهله». وهذا والله ترى آثاره ومعاني هذا الحديث في تلك الجموع العظيمة التي تراها في تلك المدن. وما أنت تتصور أنه يوجد مثل هؤلاء المسلمين، خصوصًا في بلدة فرنسا، فقد رأينا فيها إقبالًا عظيمًا. وقد أخبرني الإخوة أنه يوجد في مدينة باريس وما حولها أكثر من ألف وثمانمائة مسجد ومصلى. تأملوا هذا العدد، وكم يقبل عليه من المسلمين. بل بعض الضغوط التي وقعت من بعض الجهات في تلك البلاد، حتى كادوا أن يمنعوا بعض المساجد. وتعرفون يستمع في إخواننا هناك، وأمروا من قبل أن تكون مساجدهم في القبو - يعني في الدور الأرضي من العمائر - ونحوها. ثم بعد ذلك جاء القرار بإلغاء المساجد من القبو. فكان في ذلك زيادة الخير. يريدون أن يطفئوا نور الله، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون. فطلبوا أن لا يبنى مسجد في الأعلى، في الخارج، زعمًا منهم محاربة للإرهاب. فكلما اجتمع الإخوة في مكان، إذا بهم يتفاجأون من هذه الأعداد الكبيرة التي وجدت في أحياء متعددة، فبنيت المساجد في الأعلى، وبقيت المصليات في الأسفل، وكلها قد استغلت. فصار في ذلك سبب في زيادة المصليات والمساجد، حتى كما قال الإخوة بلغت أكثر من ألف وثمانمائة مسجد ومصلى. وهذا من فضل الله عز وجل، وبفضل الله عز وجل أن الإخوة - بحمد الله عز وجل - هم على كلمة واحدة، ومعرفة شديدة لمنهج أهل السنة والجماعة وطريقتهم، والسير بسير علمائهم. فعلماؤهم هم علماؤنا، علماء هذه البلاد، وهكذا كذلك في أرض الحرمين، كالشيخ عبد العزيز آل الشيخ، وكذلك صالح آل الشيخ، والفوزان، والشيخ ربيع، والشيخ عبيد الجابري حفظه الله. وهكذا كذلك مشايخ أهل السنة في هذا البلد، فهم - ما شاء الله - على معرفة دقيقة بأحوال وأخبار أهل السنة، ودعوة أهل السنة. وهذا مما يفرح به، خصوصًا إخواننا في فرنسا. وهكذا لهم أمثال في مواضع أخرى، مثل بعض الإخوة في ألمانيا، وهكذا في السويد، وهكذا كذلك في إيطاليا. فكلهم - ما شاء الله - على خير، وعلى معرفة للدعوة السلفية، وعلمائها، وإجلال لهم. فالطاعن فيهما مطعون فيه، على ما كان قد سبق أن من علامات أهل البدع الوقيعة في أهل الأثر. وهكذا كذلك بعد هذه المدينة، انتقلنا إلى مدن أخرى في فرنسا، منها منطقة في الفرنس، وفيها مجموعة من الإخوة كذلك على خير. وكذلك بعدها انتقلنا عند بعض الإخوة، وهو الأخ سعد حفظه الله، في منطقة روان، ثم إلى منطقة مارسيل عند الشيخ أبي عبد الحليم عبد الهادي حفظه الله تعالى. وهو شيخ فاضل، عنده معرفة وبصيرة بأحوال الدعوة في أوروبا، ويتفقد إخوانه الدعاة والمساجد هناك، ويعرف المشايخ، وعلى صلة مستمرة بالمشايخ حفظه الله تعالى. ومسجده في الحقيقة من أكبر المساجد، وأحسنها في إقبال الإخوة، وفي النشاط الدعوي. فجزاه الله خيرًا، ومن معه من الإخوة الأفاضل في ذاك الموضع. وكلهم على ثغرة، نسأل الله عز وجل أن يبارك لهم، وينفع بهم. وهكذا كذلك الإخوة في إيطاليا، فإنهم كذلك على خير، وعندهم مساجد في مواضع كثيرة. ومنهم الذين تمت زيارتهم في مدينة - بالقرب من مدينة ميلانو - أظن اسمها ماذا - بحذيفة - نسيت اسمها - المهم مدينة بجانب تلك المدينة، في مسجد التوحيد، وفيها أخ فاضل، وطالب علم مجتهد، وهو أخونا أبو عثمان حفظه الله تعالى، قائم بدروس متنوعة في العقيدة والفقه والحديث، جزاه الله خيرًا. وأخوة آخرون كذلك في مسجد آخر في مدينة أخرى، فيها مسجد آخر يسمى مسجد التوحيد كذلك، وفيها إخوة أفاضل، وفيهم الأخ أبو أحمد حفظه الله تعالى. وكلهم مجتهد في الدعوة إلى الله، وفي تعليم الناس السنة. وهذا من فضل الله عز وجل. وهكذا كذلك الإخوة في السويد، فإنهم على خير. ومما يذكر في تلك المدينة أننا حين زرنا الموضع الذي فيه الإخوة، هم يسكنون مدينة أكثر ساكنيها من المسلمين. وتتعجب إذا دخلت فيها، حين ترى مظاهر الإسلام من الحجاب الشرعي، ومن كذلك تمرر الإخوة ذهابهم وإيابهم، حتى ربما تنسى أنك في بلد كفر، وأنك في غير بلد إسلامي، لما ترى من تلك المظاهر في ذاك الموضع. وبقدر ما يفرح المسلم بهذا الخير، وإقبال الناس عليه، فإنك تخاف على تلك الجموع أن يصيبها ما أصاب المجتمع. فتعرفون الأحاديث الكثيرة في التحذير من المقام في بلاد المشركين والكافرين، ومنها قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أنا بريء من مسلم يعيش بين ظهراني المشركين»، «المسلم والمشرك لا تتراءى نارهما»، أي: لا ينبغي أن يرى المسلم نار المشرك، ومعناه: لا ينبغي له أن يسكن بالقرب منه، بل يجب عليه أن يبتعد منه. ومن تأمل حال الكثير من المسلمين هناك، فإنه يجد أن الكثير منهم يفتن بما في تلك البلاد من الفتن. وكما ذكر الكثير من الإخوة أن الكثير منهم إذا تمسك بدينه، فإنه يصل إلى حد معين، لا يستطيع أن يزيد عليه، لما عليه حال الناس، وواقعهم مما لا يعين على الزيادة في الخير، ومما لا يعين كذلك على الاستمساك به على أكمل وجوه وأرفعها. ثم انتقلنا إلى السويد، وقد زرنا مركز بن عباس، الذي فيه الأخ الفاضل عبد الودود، وهو من أفاضل الإخوة، قائم بتدريس إخوانه، والدعوة إلى الله، والدروس المستمرة. وهو من خريجي الجامعة الإسلامية، حفظه الله تعالى، ومن طلبة شيخنا الشيخ عبيد بن عبد الله الجابري، حفظهم الله تعالى جميعًا. وبه نعرف كذلك في مثل هذا المقام أهمية العلم، وكذلك أثر أهله على أصحابه، وعلى تلك المجتمعات، وغيرها من المجتمعات التي تفتقر إلى العلم أشد من افتقارها إلى الطعام والشراب. فإن حملة العلم هم من أعظم أسباب إدخال الحياة على الناس في المجتمعات. فليست المجتمعات تعمر بالمساجد، ولا بالمراكز التي تبنى وهي خالية من الدعاة إلى الله الذين يوجهون الناس إلى ما فيه الصلاح لهم في دينهم، وفي دنياهم. ولذلك فإننا مما شاهدنا، والتمسناه بركت تلك المساجد والمراكز التي يقوم عليها إخواننا من طلبة العلم، والمحبين للسنة من أهل السنة في تلك المدن المتنوعة، في تلك البلاد الشاسعة، أن الله نفع بها، وبارك، وكان سببًا في حماية المجتمع المسلم، ومن فيه من المسلمين، من شرور شر ذاك المجتمع الكافر. بينما ترى ربما مراكز إسلامية عظيمة، بعضها ما تستطيع أن تراها من سعة مساحتها، بنيان وحدائق وسور. ومع ذلك ربما أثرها ضعيف، وربما تسلط على بعضها بعض دعاة السوء، كمعظم المراكز تسلط عليها أهل حزب التحرير، الذين صاروا ليس سببًا في صلاح المسلمين، بل سببًا في انحرافهم - والعياذ بالله - من مجاراتهم للمجتمع، حتى أخبرني بعض الإخوان أن بعض دعاة ذاك الحزب يفتي بجواز مجلات الخلاعة، وغير ذلك من الأشياء الفاسدة، بأمور عقلية كلها مجاراة للمجتمع - والعياذ بالله. فهنا لفتة وتنبيه لكل من له يد، أو له سلطة، أو له لسان على شيء من تلك المراكز، سواء أكانت من جهات حكومية، أو جمعيات خيرية، أو غير ذلك من جهات أخرى، أن يتق الله عز وجل فيما ينبغي أن يكون عليه حال هذه المراكز؛ فإنها أمانة، وإنها يوم القيامة حسرة وندامة. أمانة عظيمة ينبغي أن تؤدى بعض الواجب الذي يجب أن يؤدى في مثل تلك البلاد، لا أن تترك خاوية، أو أن تجعل للإحتفالات والمهرجانات، وغير ذلك، وهي خالية، وفي معزل عن الدعوة والتعليم، وعن وضع دروس العقيدة، والدروس التربوية، وكذلك استمرار ما ينفع الناس في عباداتهم، وفي معاملاتهم. أن تكون هناك مجموعة، وطائفة من المعلمين والمعلمات الذين يسعون إلى إنشاء أجيال تحتفظ وتعتز بدينها، عزة حقيقية، يظهر ذلك في عقائدهم، وفي عباداتهم، وفي معاملاتهم، وفي أخلاقهم وسلوكياتهم، حتى في ملابسهم. للأسف ربما تجد بعض الناس ينتسب للإسلام، ولا ترى عليه مظاهر الإسلام. وربما كان سبب ذلك أن لهذا الإنسان بذاك المجتمع مرجعية فاسدة، وواجهة سيئة توجهه، ويتجه إليها في أمر دينه، والسؤال عنه، لا يعينه على الثبات، ولا على الاستقامة الصحيحة؛ لعدم الناصح، والواعظ، والموجه الصحيح. فينبغي أن تؤدى تلك الأمانة على الوجه الصحيح. ومما يذكر كذلك في هذا المقام، ما عليه من أحوال المسلمين الذين ربما يتسلط عليهم من قبل بعض الكافرين. وهذه سنة الله عز وجل: الصراع بين أهل الحق وأهل الباطل. سنة الله سبحانه وتعالى. ويبغي في هذا المقام أن يجتهد أهل الحق في مقابل ذلك في نصرة هذا الدين، أولًا في نصرته في أنفسهم بتعلم العلم النافع، والعمل به. وهكذا كذلك في نصرته في غيرهم، بما ينبغي أن يكون من إيصال هذا الإسلام الصافي كما جاء به نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، إلى من لا يعرفه، أو إلى من يعرفه مشوهًا، أن تصحح صورته في الوصول إليه. وهذا في الحقيقة يحتاج إلى جهود كثيرة، جهود من جهود الأفراد، وهكذا من جهود جهات أخرى أكبر من ذلك. فكم هم الدعاة وطلبة العلم الذين يحتاجون إلى ما يعينهم في دعوتهم، وما يعينهم في إيصال الخير الذي معهم؟ وكم هم الذين كذلك يحتاجون إلى من يقف معهم في مواقفهم، ويثبتهم؟ وكم هم الذين يحتاجون إلى من ينتشلهم من أيدي آثمة، من أيدي الكافرين؟ فإن بعض المسلمين - وللأسف - لقلة دينه وعلمه، وربما كذلك أعان على ذلك تخلي المسلمين عنه، دفعه للجوء إلى أولئك الكافرين. وقد زرنا أحد الملاجئ في هولندا، وهناك عدة من الملاجئ في تلك البلاد تصل إلى أكثر من ستمائة ملجئ. وفي الملجئ الواحد ما بين المئة إلى الألف بين أفراد وأسر. ماذا تظن يفعل في تلك الملاجئ؟ تلك الملاجئ التي أكثرها من المسلمين، إما من الصومال، أو من العراق، أو من الشيشان، أو كذلك من البوسنة، وما حولها من بلاد المسلمين. فالشاهد: أكثر من في تلك الملاجئ هم من المسلمين. ثم انظر ماذا يكون فيها من إغراءات دنيوية، وتضييع للدين. في تلك الملاجئ تصرف لهم مبالغ يومية، وهكذا كذلك نفق لأطعام والشراب والملبس، وغير ذلك من التسهيلات التي لا تعينهم على أن يثبتوا على دينهم، بل العكس يكون في ذلك إغراءات لانحرافهم، ومسايرتهم للمجتمع، مع ما في ذاك المكان من أسباب الفساد والشر، طبعًا ملاجئ مختلطة، وفيها شر كثير، وخمور، وغير ذلك، وأشياء يندى لها الجبين. ونأسف - نأسف في الحقيقة - لأناس في بلاد الإسلام يرسلون بأبنائهم، أو بأسرهم، أو ربما يذهبون بأنفسهم إلى تلك البلاد، طلبًا - كما يزعمون - في تحسين حياتهم المعيشية. ولا يدرون أنهم يبيعون هذا الدين الذي هو أعظم ما عندهم، بدنيا حقيرة دانية دنيئة، يكون بها خسارة الدنيا والآخرة. فإن لله، وإن إليه راجعون. وكم قد حصل - كم قد حصل - لتلك الأسر، للأسر والأفراد من الابتعاد عن دين الله عز وجل؟ فما هي إلا أشهر قليلة، حتى تنتقل تلك البداوة، وذاك التحشم إلى فساد، وفجور، وغير ذلك. فإن لله، وإن إليه راجعون. وكذلك لم تعدم تلك الملاجئ من دعاة يدعون إلى الله عز وجل فيها، وكذلك يبينون الخير. ومع ذلك فصوتهم ضعيف أمام الشر في ذاك المكان. فهنا ينبغي أن يتق الله عز وجل من يرسل بابنه، أو كذلك يحث بإرسال أسرته إلى تلك البلاد، فيما يزعم أنه لتحسين الحياة المعيشية، وهو في الحقيقة يلقى سخط الله، بما يكون من وضع من دفعه للذهاب إلى تلك البلاد، فيما يكون فيه الضر لدينه ودنياه؛ لأن حقيقة الدنيا ليس بكثرة الأموال، ولا كذلك بماذا رغد العيش، بقدر ما يكون فيه السلامة لهذا الإنسان من شرور هذه الدنيا، وسلامته من شرورها، باستمساكه بدين الله سبحانه وتعالى. وإلا فهو من الهالكين، ولو كان - والله - من أغنى من أغنى الناس. وهكذا كذلك مما يذكر في هذا المقام، ما ينبغي التذكير به من أهمية تعاون الجميع في نشر المطويات والأشرطة السلفية التي تدعو إلى الإسلام الصافي النقي. ففي الحقيقة في تنقلاتنا افتقرنا إلى مثل هذه المطويات والأشرطة التي تعين على إيصال الخير والحق والهدى إلى تلك المواضع. وعلمنا أننا بحاجة ماسة إلى تغطية هذا النقص في هذا المقام؛ لأننا ربما نجد بعض المطويات، وبعض كذلك الأشرطة، لكن القليل منها ما ينفع أن ينشر بين الناس، والقليل منها ما يكون هادفًا وصوابًا، ويحصل به المقصود في نشره بين الناس. وهكذا كذلك مما يذكر في هذا المقام، ما ينبغي أن يحمله الداعي إلى الله، وطالب العلم