الخطبة بعنوان كما تدين تدان، والتي كانت بدار الحديث بالفيوش 16 شوال 1442هـ الموافق 28 مايو 2021م ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
الخطبة تحذر من الفتن التي ابتلي بها الناس في آخر الزمان بسبب الذنوب والمعاصي وتشير إلى اتباع الكثير من المسلمين لأعداء الدين. النبي صلى الله عليه وسلم حذر من التشبه بقوم آخرين.
الخطيب يحذر من انتشار الفساد والتبعية المقيتة بين المسلمين ويشير إلى أن سكوت المجتمع عن المنكرات يؤدي إلى العقاب الإلهي. يدعو إلى مراجعة النفس والتصدي للفساد.
يُحذر الخطيب من عقاب الله بسبب الذنوب والمعاصي ويشير إلى أهمية الدعاء للإصلاح وتحسين أوضاع الأمة. يتضمن المقطع الأخير دعاءً لتحقيق ذلك.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. نحمد تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهدِه الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. عباد الله، يقول الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. إن فسادًا كبيرًا ظهر في أوساط الناس في هذه الأزمنة الأخيرة بما كان من كسب الناس. والله جل وعلا يقول: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾. إنما أصاب الناس في هذا الزمان من أنواع الفتن ما ظهر منها وما بطن، فتنٌ تموج كموج البحار، حذَّر منها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وما ذلك إلا لسبب ذنوب الناس ومعاصيهم. فإن الذنوب والمعاصي، عباد الله، سببٌ عظيم لهذه الفتن التي ابتلي بها الناس في آخر الزمان. وما ذلك إلا ليرجع الناس إلى دين الله عز وجل فيستعتبوا ويتوبوا ويرجعوا إلى ما كانوا عليه وما أمرهم الله عز وجل به. فلذلك، عباد الله، نرى أن الناس تفاوتوا في آثار هذه الفتن كثرةً وقلةً بحسب انغماسهم ووقوعهم فيها. وكلما أقبل الناس عليها فإن الفتن تأتيهم بقدر إقبالهم واقتحامهم لها. وكلما ابتعدوا عنها وحذروها وحاذروها ابتعدت عنهم الفتن، جزاءً من الله سبحانه وتعالى وعدلاً. فلذلك، عباد الله، العاقل الفطن يأخذ بأسباب النجاح ويبتعد عن أسباب الخسارة والهلاك. فعلى المسلم، عباد الله، أن ينظر بنظر الشرع فيعتبر. وهكذا كذلك بما يراه من قدر الله عز وجل فيعتبر، فيكون ذلك مانعًا له وحافظًا له من أن يقتحم شيئًا تكون عاقبته عليه في العاجل أو الآجل، شاء أم أبى. فهذه سنة الله سبحانه وتعالى، ولن تجد لسنة الله تبديلاً ولن تجد لسنة الله تحويلاً. عباد الله، فتنٌ كثيرة ظهرت في أوساط الناس، حتى بين أوساط المجتمعات المسلمة، تبعيةٌ مقيتة تابع فيها الكثير من المسلمين أعداء الدين الكافرين والمجرمين والخاسرين، فكانت النهاية متشابهة وكانت العاقبة متقاربة. وما ذلك إلا بسبب هذه التبعية المقيتة وهذا المسلك المنحرف الذي سلكه الكثير من الناس، إلا من رحم الله. ومن ذلك، عباد الله، هذه التبعية المقيتة التي نراها في أحوال الناس الأسرية وحياتهم في مجتمعاتهم، تبعيةٌ مقيتة أثمرت سقوط الكثير من الأبناء في هذه الفتن التي ابتليت بها المجتمعات، حتى صار الكثير من الأبناء أشباحًا بلا أرواح لهم. تبعيةٌ مقيتة لأعداء هذا الدين، ترى ذلك في لباسهم، ترى ذلك في أخلاقياتهم، ترى ذلك في مواقفهم، ترى ذلك في سائر شؤون حياتهم. تبعيةٌ مقيتة أثمرت جيلًا منحرفًا ساقطًا واقعًا في المستنقعات والقاذورات، إلا القليل ممن عصم الله ورحم الله سبحانه وتعالى. وما ذلك إلا قليلٌ من كثير من آثار هذه الفتن على أهلها. ومن آثار هذه المعصية وهذا الانحراف وهذه التبعية المقيتة. وصدق النبي صلى الله عليه وسلم إذ يقول، كما في مسند الإمام أحمد بإسناد صحيح، من حديث عبد الله بن عمر: «من تشبه بقوم فهو منهم». وقوله عليه الصلاة والسلام: «وجعل الذل والصغار على من خالف أمري». وقد وقع الذي حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم، فقد جعل الله عز وجل الذل والصغار للكثير من المسلمين، إلا من رحم الله، بسبب معاصٍ كثيرة، ومن ذلك هذه التبعية المقيتة التي وقع فيها الكثير من الناس. عباد الله، إننا نرى الكثير من أبنائنا وبناتنا يسيرون إلى الهاوية لولا أن يلطف الله سبحانه وتعالى أو يتدارك العقلاء هذه المصيبة العظيمة وهذا الداء الكبير الذي يستفشي في المجتمع، علمه من علم وجهله من جهل. عباد الله، إننا نرى فتنًا كثيرة وعظيمة قد أقبلت، اختطفت الكثير من أبنائنا والكثير من بناتنا، حتى صار عندهم لم يعرفوا من الإسلام إلا اسمه، ولم يعرفوا من القرآن إلا رسمه. صاروا أشباحًا بلا أرواح، صار الكثير منهم تراه حيًا وهو ميت، ميت حقيقة بما كان من موت قلبه وموت روحه وموت كذلك تفكيره. لا تدري إلى أين يسير، وهو يسير إلى الهاوية ويرضى لنفسه بذلك. ولكن العجب، عباد الله، أن نرضى لأبنائنا مثل هذا في مجتمعاتنا، وأن يرضى الكثير من الآباء والكثير من الأمهات ما يرونه في بناتهم وما يرونه في كذلك أبنائهم. عباد الله، ليكن عندنا شيء من الصراحة، وليكن عندنا شيء كذلك من الصدق. هؤلاء الذين نراهم في مجتمعاتنا من الساقطين والساقطات، من المتفلتين والمتفلتات، أبناء من؟ وبنات من؟ إنهم يسيرون في الشوارع فيتخطفون بنات المسلمين، وهكذا يسرن في الشوارع فيتخطفن أبناء المسلمين. هؤلاء هم أبناء من؟ وبنات من؟ أليس أبناء هذا المجتمع وبنات هذا المجتمع؟ فأين أسر هؤلاء؟ وأين آباء هؤلاء؟ وأين أمهات هؤلاء؟ إن كان هناك غيرة أو كان هناك دين أو كان هناك مسكة عقل، لما نراه من هذا الفساد الكبير والشر المستطير الذي ينتشر في المجتمع. وإننا، والله، والله، والله، نخاف من عقاب عظيم يأتي علينا إن نحن سكتنا عن هذا المنكر الذي نراه بأعيننا ونسمعه بآذاننا ونشاهده ونلاحظه في مجتمعاتنا. إننا نخاف عقابًا من الله أن يأتينا عاجل غير آجل بسبب سكوتنا عن هذه المنكرات، وبسبب كذلك عدم أخذنا بأيدي السفهاء أن يقفوا حتى لا تغرق سفينتنا. فقد صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن مثل الواقع في حدود الله ومن لم يقع فيها كمثل قوم في سفينة، كان قوم في أعلاها وقوم في أسفلها. فكان الذين في أسفلها إذا أرادوا الماء صعدوا إلى الأعلى، فقالوا: لو أننا لم نؤذِ من فوقنا فخرقنا في نصيبنا خرقًا فلم نؤذِ من فوقنا. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو تركوهم وما أرادوا لهلكوا وهلكوا جميعًا، ولو أخذوا بأيديهم لنجوا ونجوا جميعًا». وهكذا نحن، عباد الله، كل مجتمع مثله كمثل هذه السفينة. فإذا ترك أهل السوء والفساد يعبثون بها ويخرقونها غرقت تلكم السفينة وغرق كل من فيها، وجاء عذاب الله. ألا ترون ما وقع في كثير من الأمم حين زاد شرهم وفسادهم وطغيانهم، عاقبهم الله عز وجل بالعقوبات العظيمة، سونامي هنا وهناك، وزلازل هنا وهناك، وهكذا صواعق وأمور عظيمة تهلك الناس بالآلاف ومئات الآلاف. وما هذا إلا قليل من عذاب الله سبحانه وتعالى ليجعلهم يتعظوا ويعتبروا لعلهم يرجعون. فالله الله، عباد الله، في مراجعة أنفسنا، في الأخذ بأيدي السفهاء، ألا يكون هؤلاء سببًا لهلاك المجتمعات وحصول العقاب الشديد من الله سبحانه وتعالى. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يلطف بنا وأن يحفظنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم، الصادق الأمين. أما بعد، عباد الله، إننا نأسف أننا نرى من مظاهر العيد الملازمة له ذلكم التبرج والفساد الذي لا يكاد ينقطع مع أيام الأعياد، مناظر مؤلمة ومواقف مؤذية تقع من الكثير من أبناء وبنات المسلمين. وإن كان في الحقيقة أكثر هؤلاء، كما تقدم، لم يعرفوا من الإسلام إلا اسمه، ولا من القرآن إلا رسمه. وإلا لو عرفوا الإسلام حقيقة فكانوا من أهل الصلوات، لكانت صلواتهم تنهاهم عن الفحشاء والمنكر. أو كانوا من أهل المساجد، لكانت المساجد تحجزهم عن شهواتهم. أو كانوا من أهل الصيام والقيام أو أهل القرآن، لحجزهم القرآن عما هم فيه. ولكن هذا إنما ظهر وكان من قوم إن سلخوا انسلاخًا كليًا أو جزئيًا من هذا الدين. نسأل الله سبحانه وتعالى السلام والعافية. تبرج وسفور ومجاهرة بالمعاصي، وغير ذلك من الفساد الذي يخشى أن يعمنا الله عز وجل بعقاب وعذاب بسبب ذلك. صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عائشة في الصحيحين أنه عليه الصلاة والسلام قال: «يغزو جيش الكعبة حتى إذا كانوا بميداء من الأرض خسف بأولهم وآخرهم». قالت: يا رسول الله، يخسف بأولهم وآخرهم وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم؟ فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأنه «نعم، إنه نعم، إذا كثر أو عم الخبث». وهكذا كذلك صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ويل للعرب من شر قد اقترب، ويل للعرب من شر قد اقترب»، بعد أن رأى رؤيا أفجعته وأفزعته عليه الصلاة والسلام. فإننا نخشى، عباد الله، من عقاب عظيم وعذاب كبير يصيبنا بسبب ذنوبنا ومعاصينا. فعلينا أن نرجع إلى الله، وأن ننظر فيما استرعانا الله عز وجل من رعية أن نقوم بها على الوجه الذي أمرنا الله سبحانه وتعالى. فالرجل راع في أهل بيته ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها. أين نحن من الأوامر الربانية والنصوص الشرعية التي تأمر بستر المرأة وحفظها وصيانتها؟ ألم يقل الله عز وجل: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾؟ وقد وقع من معالم الجاهلية وصورها في التبرج اليوم ما لم يُعلم فيما كان من حول الناس من قبل، تبعية مقيتة أثمرت انسلاخًا وتبرجًا وسفورًا عظيمًا. وهكذا كذلك هذه الأمور العظيمة التي انتشرت كذلك بسبب هذه البرامج الخبيثة التي استعملها واستخدمها الكثير من الأبناء في هذه الجوالات التي تسمى بالجوالات الذكية، وما هو في شبكات الإنترنت، برامج ووسائل للتواصل كانت سببًا كذلك آخر في انتشار فساد عظيم وشر كبير انحرف به وبواسطته الكثير من الأبناء والبنات، فكنا في هذه المستنقعات، مستنقعات الرذيلة والفاحشة، والعياذ بالله. وإننا نخشى، والله، أن يصيبنا ما أصاب الأمم السابقة وما أصاب من حولنا. فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في غير حديث: «ما ظهرت الفاحشة في قوم إلا ظهر فيهم الطاعون والأوجاع مما لم يكن في أسلافهم». وفي رواية: «إلا أصيبوا بالموت». وهذا قد وقع، وهو قليل من كثير من آثار هذه المعاصي التي تفشت وانتشرت. ثم ألا يخاف هؤلاء، ألا يخاف هؤلاء العقاب بما أصيب به غيرهم؟ فإنه كما تدين تدان. هذه البنت التي تصطادها هي إما أن تكون أختًا، وإما أن تكون أمًا، وإما أن تكون ابنة. فألا تخاف أن يبتليك الله بما فعلت في هذه المرأة؟ فإنك ستكون غدًا زوجًا ربما تصطاد زوجتك كما فعلت أنت بزوجة الآخر، أو تأخذ ابنتك كما فعلت أنت بابنة الآخر، أو تأخذ أختك كما فعلت أنت بأخت الآخر. فكما تدين تدان، وهذا هو الواقع. هؤلاء الذين يريدون نساء شريفات عفيفات، وهو لا يعرف العفة في حياته، فمن أين ستأتيه هذه العفيفة؟ ومن أين ستأتيه هذه الشريفة إذا هو سلك مسلك الانحراف والبعد كل البعد عن العفة؟ فإن الله عز وجل سيبتليه كما ابتلى كما هو أوقع هذا في غيره، فإنه سيقع فيه، وهذه سنة الله سبحانه وتعالى وعدل الله سبحانه وتعالى. فالله الله، يا أيها المسلم، يا أيها المسلم، أن يصيبك الله عز وجل بعقابه العاجل، فيكون لك خسارة الدنيا قبل خسارة الآخرة. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يلطف بنا، وأن يدفع عنا الفتن ما ظهر منها أو ما بطن. اللهم أصلح أحوال المسلمين في كل مكان. اللهم أصلح أحوال المسلمين في كل مكان. اللهم أصلح أحوال المسلمين في اليمن وفي سوريا والعراق وليبيا وسائر بلاد المسلمين، يا رب العالمين. اللهم انصر المستضعفين في كل مكان، كل المستضعفين في فلسطين والمستضعفين في ليبيا والعراق واليمن وغيرها من بلاد الإسلام، يا رب العالمين. اللعبنا أصلح أمتنا، ولا تؤمنا، واجعل وليتنا في من خافك واتقاك واتبع رضاك، يا رب العالمين. والحمد لله رب العالمين.