الخطبة بعنوان فضل العشر وبعض أحكام الأضاحي، والتي كانت بدار الحديث بالفيوش بتاريخ 1 ذو الحجة 1445هـ الموافق 7 يونيو 2024م ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
العشر من ذي الحجة هي أفضل أيام الدنيا للعمل الصالح، وتشمل أحكام الأضاحي وفضلها. الأضاحي لها شروط ووقت ذبح محدد.
الأضحية لها أحكام وشروط لصحة ذبحها، وتعتبر أفضل من الصدقة في أيام العشر. وقت الذبح مرتبط بأيام معينة بعد عيد الأضحى.
يوم عرفة له فضل عظيم ومشروعية للذكر والدعاء فيه. إظهار توحيد الله عند الذبح مهم، وتعدد الأضاحي لمن استطاع ذلك مشروع.
الدعاء لله لصلاح الإمام واختيار من يخافه ويتقيه للولاية. الحمد لله رب العالمين على نعمه.
فضل العشر وبعض أحكام الأضاحي إن الله سبحانه وتعالى أكرمنا بدخول عشر عظيمة، عشر هي أفضل عشر في الدنيا، فقد صح في البخاري وغيره من حديث عبد الله بن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من أيام العمل الصالح فيهن أفضل من هذه العشر»، قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله يا رسول الله؟ قال: «ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل ذهب بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء». ويهذا ذهب بعض أهل العلم إلى القول بوجوب الأضحية على من كان مستطيعًا بهذه الأضحية وكان ذو سعة وميسرة، وقول جمهور أهل العلم أنها سنة مؤكدة، وتتأكد أكثر على من كان ذا سعة وميسرة، لما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة. وقد صح عن نبينا صلى الله عليه وسلم بالأضاحي أحكامًا مهمة ينبغي للمسلم أن يتعلمها وأن يقرأ ويتفقه ويُفهم ما يحتاجه منها. من هذه الأحكام أنه جعل لهذه الأضحية وقت ابتداء ووقت انتهاء، فينبغي للمسلم أن يعرف وقت الابتداء ويعرف وقت الانتهاء. فقد صح بالصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين أقرنين أملحين، يعني كامل الصفات. وجاء في السنن بإسناد صحيح أنه كان ينظر في سواد ويأكل في سواد ويمشي في سواد، ومعنى أن السواد في جهة عينيه وفي فمه وفي أرجله. قال العلماء: وهذا زيادة في ملاحته وجماله وكمال صفته. أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن أربع بالأضاحي: العوراء البين عورها، والعرجاء البين عرجها، والمريضة البين مرضها، والضعيفة التي لا تنقي، أي التي ضعفها بين وواضح. علم من هذا الحديث أن هذه الصفات الأربع لا تجزئ بالأضاحي، وما كان لمعناها أو أولى منها -وهو من باب أولى- فإذا لم تجزئ العوراء لم تجزئ العمياء من باب أولى، وإذا لم تجزئ العرجاء لم تجزئ الكسحاء وما كان بمعناها مما هو أولى منها، وهكذا قل في سائر الصفات. بما صح في حديث النبي صلى الله عليه وسلم، فيستحب -يا أيها المسلم- تعظيمًا لله وإظهارًا لشعيرة الله أن تذبح بنفسك إن استطعت، أو تحضرها وتعظم الله وتكبره وتظهر توحيده سبحانه وتعالى وشكره. ومن ذلك أنك تذبح لله عز وجل خالصًا، فقد أظهر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك جليًا وعلم أصحابه خلافًا للمشركين الذين كانوا في أيام الحج يكثرون من الدبائح لغير الله للأوثان والأصنام وما يقربون من شركهم الذي كانوا يفعلون. خطبة لفضيلة شيخنا العلامة أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي حفظه الله، كانت بتاريخ الواحد من شهر ذي الحجة لعام ألف وأربعمائة وخمسة وأربعين من الهجرة النبوية على صاحبها الصلاة والسلام. سجلت هذه المادة في دار الحديث بالفيوش حرسها الله. إن الحمد لله، نحمد تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. أيها الناس عباد الله، إن الله سبحانه وتعالى أكرمنا بدخول عشرٍ عظيمة، عشرٍ هي أفضل عشرٍ في الدنيا. فقد صح في البخاري وغيره من حديث عبد الله بن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من أيامٍ العمل الصالح فيهن أفضل من هذه العشر»، قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله يا رسول الله؟ قال: «ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجلٌ ذهب بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء». وجاء معناه في مسند الإمام أحمد وغيره من حديث بن عمر بإسنادٍ صحيح. وجاء في حديثٍ آخر صحيح عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: «أن أفضل أيام الدنيا عشرُ ذي الحجَّة». وقد أكرمك الله يا عبد الله ببلوغ هذه العشر لتستغلها وتعمرها بصالح الأعمال، فتزداد في الحسنات وتكفِّر من السيئات وترتفع في الدرجات. جمع الله عز وجل فيها أصناف أصول العبادات من الصلاة والصيام والصدقة والحجِّ والذبح وغير ذلك من الأعمال. ولذلك كان على القول الصحيح من أقوال أهل العلم أن عشر أيام ذي الحجَّة -أي نهارها- أفضل من العشر الأخيرة من رمضان، وليالي رمضان العشر الأخير منها أفضل من ليالي العشر من ذي الحجَّة. وبه يصح ونفهم دقة كلام نبينا صلى الله عليه وسلم حين قال: «ما من أيامٍ...» -واليوم يُطلق على النهار- وبحديث جابر: «أفضل أيام الدنيا...» -والأيام تُطلق على النهار- فاستغل نهارك بالأعمال الصالحة الكثيرة من الصلاة والصيام والصدقة وهكذا. الذكر -فإن الذكر كذلك- في هذه العشر مُفضلٌ على غيرها من الأيام، لما جاء في حديث بن عمر ومعنى من حديث أبي هريرة. وهكذا جاء عنهما من فعلهما: أنهما كانا يُكبِّران في العشر، فيكبِّر الناس بتكبيرهما. وهذا ما يُسمِّيه العلماء بالتكبير المُطلق في أيام العشر تعظيمًا لله سبحانه وتعالى. بل ذكر الله عز وجل فضل العشر في كتابه في آياتٍ عديدة. ففسِّر قول الله عز وجل: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ أن العشر تتناول عشرة الحجة، وقيل العشر الأخيرة من رمضان، وكلاهما قولٌ مشهورٌ عن عددٍ من الصحابة والتابعين وأئمة أهل العلم من أهل التفسير والحديث وغيرهم. وهكذا قول الله عز وجل: ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾، هذه الأيام المعلومات هي أيام العشر التي فيها هذه الفضائل الكثيرة. وقول الله عز وجل: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ كذلك فُسِّر أنه نحر ما أمر الله بنحره، وأعظم ما يكون في أيام العشر. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم حتى أصحابه على التضحية والنحر في هذه العشر، حتى جاء عنه عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي يحسِّنه جماعة من أهل العلم: «من كان له سعة ولم يضحِّي فلا يقربن مصلَّانا». ومعناه الأمر والحث على الذبح لمن كان ذو سعة وعنده ميسرة، وليس معناه التحريم أو التأثيم على القول الصحيح. وهو مثل: «من أكل ثومًا أو بصلا فلا يقربن مصلَّانا»، فقد فصل العلماء في ذلك إلى كراهة التنزيه وكراهة التحريم بحسبه. وهكذا هنا على القول الصحيح من أقوال أهل العلم. ولهذا ذهب بعض أهل العلم إلى القول بوجوب الأضحية على من كان مستطيعًا لهذه الأضحية وكان ذو سعة وميسرة. وقول جمهور أهل العلم أنها سنة مؤكدة، وتتأكد أكثر على من كان ذا سعة وميسرة، لما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحرص على هذه التضحية في كل عام، مع ما لا يخفى عليكم من شدة حال الصحابة بل وحال النبي صلى الله عليه وسلم، فهو الذي كان حال بيته كما قالت عائشة رضي الله عنها: «إنِ كان ليمر الهلال ثم الهلال ثم الهلال -يعني ثلاثة أشهر- وما يوقد في أبيات رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء» -يعني كان أكلهم في غير ما يطبخ- فقيل لها: «وما كان طعامكم؟» -يعني إذا كنتم لا تطبخون فماذا تأكلون؟ قالت: «الأسودان: التمر والماء». بل كان أحيانًا عليه الصلاة والسلام لا يتيسر له حتى التمر أن يجده في بيته، فيخرج وهو جائع، ويلقى كما جاء في الصحيح: أبا بكر قد أخرجه الجوع من بيته، ويخرجان فيريان عمر رضي الله عنه وقد أخرجه الجوع من بيته، لم يجدوا حتى تمرة يسكتون بها جوعهم عليه الصلاة والسلام ورضي الله عنهم وأرضاهم. وفي حديث عائشة: «أن امرأة فقيرة مسكينة جاءتها تستطعمها، فرقّت حالها لعائشة، فدخلت بيتها فلم تجد إلا ثلاثة تمرات، لم تجد في بيتها بأكمله إلا ثلاثة تمرات، فأخذت التمرات الثلاث فأعطتها وأعطت ابنتَيْها تمرة، فأكلت كل بنت ما عندها. فلما رفعت الأم تمرتها إلى فيها استطعمتها ابنتها، قالت عائشة: فشقت التمرة نصفين فأعطت كل واحدة نصفها. قالت رضي الله عنها وأرضاها: فأعجبني ذلك، فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم بحالها وما وقع لها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لقد أدخلها الله الجنة بهذه التمرة»». والشاهد من الحديث: هذا كان حال الصحابة وفقرهم وجوعهم، ومع ذلك كانوا يحرصون على التضحية في أيام التضحية، امتثالًا لأمر الله واستجابة لكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحرصًا منهم على أداء هذه الشعيرة العظيمة التي تعظم فيه حرمات الله عز وجل. والله عز وجل يقول: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾. وقال الله عز وجل: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾. فالمقصود من هذا: أن أداء هذه الشعيرة تعظيمًا لحرمات الله وإظهارًا لعبادة الله وتوحيده وشكره. ولهذا كان القول الصحيح من أقوال أهل العلم: أن التضحية بالذبح أو النحر أفضل من الصدقة، ولو كان بعشر أضعافها أو أكثر من المال، لما خص الله عز وجل في الأضحية من الأجر العظيم الكثير. وقد صح عن نبينا صلى الله عليه وسلم بالأضاحي أحكامًا مهمة ينبغي للمسلم أن يتعلمها وأن يقرأ ويتفقه ويُفهم ما يحتاجه منها. من هذه الأحكام: أنه جعل لهذه الأضحية وقت ابتداء ووقت انتهاء، فينبغي للمسلم أن يعرف وقت الابتداء ويعرف وقت الانتهاء. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم بالصحيح عن عدد من الصحابة أنه قال: «من ذبح قبل الصلاة فشاته شاة لحم»، وأمر من ذبح قبل الصلاة أن يذبح مكانها أخرى. ومعنى: «أن من ذبح قبل الصلاة فأضحيته لا تجزئ أضحية، ولكنها شاة لحم». فإذا أراد الأضحية فعليه أن يذبح مكانها أخرى. والمقصود بالصلاة: صلاة العيد. فمن صلى العيد حل له أن يذبح الأضحية. وكان النبي صلى الله عليه وسلم ينحر ويذبح كما جاء في حديث جابر بن عبد الله في مصلاه الذي صلى فيه، وذلك لفوائد كثيرة منها: أنه يجد العون في هذا الذبح، ومنها: أنه يجد الإعانة في توزيع ما يتيسر توزيعه من لحومها، وغير ذلك من الفوائد الأخرى من إظهار شعيرة الله وبيان سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الذبح. وقد صح في الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه: «أن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين أقرنين أملحين -يعني كامل الصفات-». وجاء في السنن بإسناد صحيح: «أنه كان ينظر في سواد ويأكل في سواد ويمشي في سواد». ومعناه: أن السواد في جهة عينيه وفي فمه وفي أرجله. قال العلماء: وهذا زيادة في ملاحته وجماله وكمال صفته. فإذا أراد الإنسان أن يضحي فعليه أن ينتقي كامل الصفات أفضلها وأجملها وأسمنها وأحسنها. ولا شرط أن يكون أغلاها، ولكن المقصود أن تجتمع الصفات الكاملة فيها، فهذا هو الأفضل والأكمل. وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صفات أن تقع في هذه الأضاحي، فإذا وقعت كانت هذه الأضاحي غير مجزئة. وهي كل صفة تضر بوصفها وتنقص من كذلك شروطها. فقد جاء في حديث جابر وغيره: «أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن أربع في الأضاحي: العوراء البين عورها، والعرجاء البين عرجها، والمريضة البين مرضها، والكسيرة التي لا تنقي». فإذا لم تجزئ العوراء لم تجزئ العمياء من باب أولى، وإذا لم تجزئ العرجاء لم تجزئ الكسحاء وما كان بمعناها مما هو أولى منها، وهكذا قل في سائر الصفات. لما صح في حديث النبي صلى الله عليه وسلم. ويفهم من هذا الحديث: أن العرجاء إذا كان يسيرًا ليس بينًا فإنه لا يضر، وإن كان خلاف الأفضل فإنه لا يضر. وهذا هو الصحيح من أقوال أهل العلم. فإذا كانت عرجها يسيرًا أو عورها يسيرًا أو مرضها يسيرًا فإنه لا يضر ويجزئ، ولكن الأفضل والأكمل أن يأتي بكاملة الصفات. لما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم. وهكذا نبه العلماء: أن إذا كانت هذه الأضحية سليمة ثم دخل عليها عيب طارئ قبل الذبح، فإن هذا العيب إن كان بغير إرادته وبغير تفريطه، فالصحيح من أقوال أهل العلم: أنها لا تبطل أضحيته، لما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أن رجلًا كانت عنده أضحية، فجاء ذئب فأكل من ذنبها أو من شيء منها، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ضحِّ بأضحيتك -أو قال: اذبح أضحيتك-». فلم ينهه ولم يبين له أن هذا يضر بأضحيته. فهم العلماء من هذا: أن العيب إذا طرأ بغير تفريط فإنه لا يضره، ويكمل أضحيته وأجره على الله سبحانه وتعالى. وهكذا كذلك جعل الإسلام لهذه الأضحية منتهى. ومنتهى هذه الأضحية آخر أيام يوم التشريق. فأيام التضحية أربعة أيام، يبتدئ من يوم العاشر -يوم العاشر من ذي الحجة- وبعده ثلاثة أيام هي أيام التشريق: الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر، إلى قبل غروب الشمس. فإذا غربت شمس يوم الثالث عشر فإنه لا تجزئ لضحية. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يفقهنا بأمور شرعنا، وأن يبصرنا بأمور ديننا، وأن يجعلنا هداة مهتدين. والحمد لله رب العالمين. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم الصادق الأمين. أما بعد عباد الله، وإن من عظيم فضائل هذه العشر: أن فيها يوم عرفة، الذي يباهي فيه الرب العظيم بخلقه أجمعين، فيباهي بأهل الموقف ملائكته سبحانه وتعالى، حتى أنه سبحانه وتعالى يغفر لكل من كان في الموقف. وأكرم الله عز وجل من لم يوفقه الله عز وجل للحج بأن يصوم هذا اليوم، كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أنه يكفر السنة الماضية والسنة الباقية»، إكرامًا منه سبحانه وتعالى وتفضلًا. وشرع في هذا اليوم ذكر الله سبحانه وتعالى ودعائه خصوصًا بعد الظهر. فأفضل الدعاء وأجوب الدعاء: دعاء عشية عرفة. وهذا على القول الصحيح من أقوال أهل العلم عام للحجاج وغير الحجاج، وهو في غير الحجاج له أجر، وفي الحجاج أجر أكبر وأكثر وأعظم. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أفضل ما قلت أنا والنبيون يوم عرفة». وفي رواية: «عشية عرفة». وهذا عام يشمل الحجيج وغير الحجيج. «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، له الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير». فذكر الله واللهت بتوحيده من أعظم الذكر الذي يذكر في العشر، وفي يوم التاسع خاصة تعظيمًا لله سبحانه وتعالى. فإن من عظيم فضائل هذه العشر: إظهار توحيد الله عز وجل وذكره وإخلاص عبادته سبحانه وتعالى بالذكر العام والذكر بالتوحيد والتكبير. والذكر كذلك عند الذبح، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أنه حين ذبح سمى الله وكبره، وقال: اللهم إن هذا منك وإليك». وفي رواية صحيحة: «أنه جعل الأول -أي الكبش الأول- عنه وعن أهل بيته، وجعل الكبش الثاني عنه وعن من لم يتيسر من أمته للذبح». قال العلماء: وفي هذا دليل على استحباب تعدد الأضاحي لمن استطاع ذلك أن يضحي عن من لم يستطع أن يضحي من المسلمين. فإن كان عنده سعة وزع الأضاحي على أفراد الناس، وله بكل واحد يعطيه أجر مثله، لا ينقص من أجره شيئًا. وإن كان لا يستطيع فعل كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم: ضحى بواحدة فقط عن سائر من لم يستطع أن يضحي من أمته، ووزعها صدقة للفقراء والمساكين كما أمر الله عز وجل بإطعام البائس الفقير. وهكذا تعظيمًا لله وإظهارًا لتوحيده، يستحب لصاحب الأضحية أن يحضر أضحيته، كما صح عن أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر ابنته فاطمة أن تحضر أضحيتها وتشهدها. وأن لها أجر في ذلك مع كل قطرة من دم تنزل منها. فيستحب -يا أيها المسلم- تعظيمًا لله وإظهارًا لشعيرة الله أن تذبح بنفسك إن استطعت، أو تحضرها وتعظم الله وتكبره وتظهر توحيده سبحانه وتعالى وشكره. ومن ذلك: أنك تذبح لله عز وجل خالصًا، فقد أظهر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك جليًا وعلم أصحابه خلافًا للمشركين الذين كانوا في أيام الحج يكثرون من الدبائح لغير الله للأوثان والأصنام وما يقربون من شركهم الذي كانوا يفعلون. وسواء كان الشرك شرك المقصد أو شرك الوسيلة، فكلاهما شرك يجب الحذر منه. وسواء تلفظ بذلك أو لم يتلفظ. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «إن قول القائل: أن هذه الذبيحة لفلان -يريدوا الأولياء الذين يذبحوا لهم- بعض الباطنية والصوفية أعظم شركًا من قول النصارى باسم المسيح. فإن ذاك شرك قصد، وهذا شرك سبب ووسيلة. وشرك القصد أعظم من شرك الوسيلة، وكلاهما شرك يجب اجتنابه». فلا يجوز أن تقول: «بسم الله وباسم فلان من الولي من الأولياء». فهذا مثل فعل النصارى حين يذبحون فيقولون: «بسم الله وباسم المسيح». ومثل فعل اليهود حين يذبحون فيقولون: «بسم الله وباسم عزير». وأعظم من هذا شركًا وكفرًا: أن يذبح فيتلفظ بلسانه أو ينوي بقلبه أنها لله وللولي الفلاني. أو يأتي بها فيذبح وضحيته أو ذبيحته عند المقبرة بقرب القبة الفلانية أو المسجد الفلاني لأجل الولي الفلاني، كما يفعله بعض الجهال ممن طغت عليهم هذه اللوثات الشركية. هدانا الله وإياهم لسواء السبيل، وإلى الدين القويم المستقيم. وجعلنا وإياكم من أهل توحيده وصدق اتباع رسوله صلى الله عليه وسلم. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يلهمنا رشدنا، وأن يوفقنا لما فيه الخير لنا في ديننا ودنيانا، وأن يصلح أحوالنا وأحوال المسلمين في كل مكان. اللهم أصلح أحوالنا وأحوال المسلمين في كل مكان يا رب العالمين. اللهم أصلح أحوال المسلمين في فلسطين وسائر بلاد المسلمين يا رب العالمين. اللهم عليك باليهود الغاصبين الظالمين، اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك. اللهم اقتلهم بددًا، ولا تبقي منهم أحدًا، واجعلهم يا ربي واجعلهم يا ربي عبرة وغاية ونهاية يا رب العالمين. اللهم صلح إمامنا وتناولات أمورنا، واجعل ولايتك في من خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين. والحمد لله رب العالمين.