الدرس في خطر الأجهزة الترفيهية، خطر الأجهزة الترفيهية 16 جمادى الآخر 1429هـ ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يُناقش الخطيب خطورة الأجهزة الإلكترونية وآثارها السلبية على المجتمع، خاصة على الشباب، حيث تؤدي إلى تغير السلوكيات وانتشار الجريمة. يُحذر من تأثيرها على القيم والأخلاق الإسلامية.
يُناقش المقطع مسؤولية الوالدين عن أبنائهم في ظل وجود الأجهزة الحديثة، ويحذر من عواقب إهمال هذه المسؤولية. يُشدد على أهمية توجيه الأبناء نحو المحتوى النافع دينيا ودنيويا.
يشرح المقطع تحريم الله لبعض الأمور بسبب كثرة أضرارها، ويقاس عليها غيرها من الأمور المشابهة مثل الأجهزة الإلكترونية. يُشدد على ضرورة التوقف في الأمور المشتبهة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، يقول نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما روى أهل السنن عن نبي وريرة رضي الله عنه، أنه قال عليه الصلاة والسلام: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل». يخبر نبينا الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام أن المرء، أي كل أمرئ وإنسان صغير أو كبير ذكرًا كان أم أنثى، دينه على دين خليله، ولابد أنه يتأثر بتأثره بخليله، فيؤثر ذلك على دينه، إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر. والمقصود من ذلك الحذر من مصاحبة الأشرار والتحريص على مصاحبة الأخيار. فإن هذا مما دلت الأدلة الشرعية الكثيرة من كتاب الله سبحانه وتعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، مؤكدةً وموضحةً ومبينةً أهميته في حياة هذا الإنسان، دينيةً كانت أو غيرها، فإنه يتأثر تأثراً كبيراً بمن حوله وبمن يخالطه. ويؤكد ذلك الكثير من الأبحاث التي بحثها الكثير من العقلاء من المسلمين ومن غير المسلمين، ممن بيَّنوا حقائق ذلك بآثار كثيرة عقلية وفطرية، وهكذا شواهد واقعية تؤكد هذه الحقيقة. فإذا كان كذلك، عباد الله، فإذا كان كذلك، عباد الله، فإذاً ينبغي أن يعتني المسلم بهذا الباب اعتناءً خاصًا مهمًا، لأنه لا يضر فقط بدينه، بل يضر بدينه ودنياه. وإن مما ينبَّه عليه في مثل هذه الإجازات الصيفية، ما يبتلى به الكثير من الناس من انهمارهم وانهيارهم وتقدمهم وتهرولهم أمام الكثير من المغريات، والكثير كذلك من وسائل الترفيه التي صارت في هذا الزمان من أعظم ما ابتُلِيت به المجتمعات، تلك الوسائل المتنوعة، وأعظمها وأخطرها تلك الوسائل الترفيهية المعاصرة التي تُسمَّى بالوسائل الأكترونية، على أشكالها المتنوعة المختلفة، وصورها وأنواعها المتعددة. حتى صار هذا المجتمع المعاصر من أعظم ما ابتُلِي به وامتُحِن به، هذه الوسائل الترفيهية المعاصرة التي أثَّرت على دنيا الناس ودينهم. فحريٌ بالمسلم، عباد الله، أن يعتني بما يحفظ دين نفسه ودين أبنائه، ومن جعلهم الله جل وعلا تحت يديه. عباد الله، إن أبحاثًا كثيرة قام بها عددٌ من العُقلاء من المسلمين وغير المسلمين، يُنادون المجتمعات التي يعيشون فيها بالتقصير أو القصر من آثار هذه الأجهزة التي أضرَّت أضرارًا متنوعة بالناس. فاستلزم ذلك النصيحة لمجتمعاتهم والنصيحة لبني جلدتهم. فكيف بالمسلم وقد نُصِح بنصائح كثيرة مما في كتاب الله وسُنَّة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بما له فيه العِظة والعِبرة، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. عباد الله، أعطيكم بعض الإحصائيات التي تُبين لنا خطر هذه الأجهزة بأنواعها على الناس، سواءً تلك الأجهزة التي ابتُلِي بها الكثير من الأطفال بتساهُل الكثير من الآباء، حتى دخلت إلى تلك البيوت، فأفسدت ما أفسدت وأثَّرت ما أثَّرت، ما يُسمَّى بألعاب البلايست، أو غيره، أو كذلك تلك الألعاب الأخرى التي تتضمن بعض الأجهزة الحاسوبية أو غيرها. أو كذلك بعض الألعاب الأخرى في أجهزة أخرى، ربما لا تُوجد في هذه البلاد، ولكنها تُوجد في بلاد أخرى كثيرة. وما يلحق ذلك مما يُعرض في أجهزة التلفاز والقنوات الفضائية، ونحوها، مما يُفسِد على الناس أمورًا كثيرة تضرُّ بهم، كما سيأتي. لنعلم، عباد الله، أنَّ هذه الأجهزة قد فتكت بالمجتمعات فتكًا عظيمًا. ومما يدلُّ على ذلك كثرة انتشارها، وكثرة إقبال الناس إليها، على الأخطار التي سيأتي بيانها والتحذير منها. فقد ذكر بعض الباحثين أنه انتشر في عامٍ واحد أكثر من ثلاثٍ وسبعين مليون وحدة من أحد تلك الأجهزة، في سنةٍ واحدة، حين نزلت بعض تلك الأجهزة في أول نزولها، وكان ذلك سنة أربعٍ وتسعين من السنة الميلادية. فإذا كان هذا في أول نزولها، تم بيع هذا العدد الهائل للناس، فما ظنُّكم بآثاره على تلك الملايين المملينة التي دخلت إليهم تلك الأجهزة؟ وذكر بعضهم في بعض البحوث الموثقة والإحصائيات المعتمدة، أن بعض تلك الأفلام والألعاب، بيع منها في سنةٍ واحدة أكثر من عشرين مليون نسخة، لعبةٌ واحدة أو فيلمٌ واحد، بيع منه في سنةٍ واحدة أكثر من عشرين مليون نسخة. فكيف بالسنوات التي تبعتها؟ وكيف بغيرها من الأشياء الأخرى الكثيرة التي لا تُعد ولا تُحصى، وهي ملايين مليونة تدخل إلى مئات آلاف البيوت من بيوت المسلمين وغيرهم؟ وفي بعض تلك الإحصائيات، أن إقبال الناس لشراء هذه الأجهزة في الأيام الصيفية، أي في أيام الإجازات، تزيد نسبة مئتين في المئة من الأيام الاعتيادية. وهذا معنى أن نسبة زيادة الناس ودخول هذه الأجهزة إلى بيوتهم، يزداد عامًا بعد عام، ويوما بعد يوم. وذكر بعض الباحثين في بعض الإحصائيات الموثقة، أن نسبة البيوت التي دخلتها هذه الأجهزة بأنواعها، سواءً نوعٌ واحد منها، وفي بعض تلك البيوت أكثر من نوعٍ أو نوعين أو أكثر من هذه الأجهزة، أنها بنسبة ثمانين بالمئة، أو يقرب منها من نسبة البيوت التي لم يدخل فيها. وهذا معنى أن البيوت التي لم يدخل فيها، مدينةً وقرية، هي بمعدل الخمس فقط من تلك البيوت التي تملأ الأرض. فإذا كان كذلك، فاسألوا أنفسكم، عباد الله، عن تلك الآثار الكثيرة التي تتمرها هذه الأجهزة في دخولها تلك البيوت. ماذا تؤثر على الأبناء؟ وماذا تؤثر على النساء؟ وماذا تؤثر على الشباب؟ ماذا تؤثر وتذمر من آثار وثمار كثيرة يجتني جناها الناس بمجتمعاتهم. نعم، عباد الله، ينبغي أن نتفكر وأن نتأمل وأن نعلم أن لهذه الأجهزة آثاراً سيئة تضر بعقائد الناس، وتضر بأخلاقهم وسلوكياتهم وآدابهم وقيمهم، فضلاً عن الآثار الأخرى، صحيةً أو نفسيةً أو غير ذلك من الآثار الكثيرة. ذكر بعض الباحثين، عباد الله، أن نسبة آثار هذه الأجهزة في أمر الجريمة وما يلحق بها على المجتمع، أنها نسبة عظيمة. فذكر بعضهم في بحث في بعض الدول الكافرة، أن نسبة آثار ذلك على الصغار، تفوق على نسبة الكبار، لكثرة إدمانهم ومتابعتهم لهذه الأجهزة. فجعلوا سن الشباب، فما دونه، نسبة المقبلين على هذه الأجهزة وآثارها السلبية من انتشار الجريمة وما كان بمعناها عليهم، وتغير سلوكياتهم، أنها بأكثر من نسبة ستين في المئة من المجتمع. وانظر، يا أخي، وتتبع إلى سلوكيات الكثير من الناس الذين تأثروا بهذه الأجهزة، وأقبلوا عليها دون تدبر وتروي. كيف أثرت تلك عليهم على سلوكياتهم وعلى مسالكهم في هذه الحياة؟ فظهرت تلك الأفعال والأخلاق الشنيعة، وانتشرت في المجتمع انتشارا عظيما، بما لم يكن يعرفه ذلكم المجتمع. انتشر الزنا وتعددت وسائله وطرقه، وانتشر اللواط وانتشر معه وسائله وطرقه، وانتشرت كذلك طرق الجريمة من السرقة والقتل، وهكذا الاعتداء وغير ذلك. وما هذا إلا قليل من كثير من آثار تلك الأجهزة على متابعيها ومدمنيها. عباد الله، إن المسلم بما أعطاه الله عز وجل من الأدلة الشرعية، تلزمه بأن يقف عند حدود الله جل وعلا، وأن يعلم كما أخبره الله وأخبره رسوله صلى الله عليه وسلم، أن الحلال ما أحله الله، والحرام ما حرمه الله. كما قال سبحانه: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. انظروا وتأملوا إلى أولئك الذين أدمنوا وتعودوا تلك الأجهزة بأنواعها، كيف ماتت الغيرة عندهم، والآداب والقيم والأخلاقيات الطيبة، فضلا عن المعاني الشرعية العظيمة التي يجب أن يستمسك بها المسلم. حتى صارت تعرض تلك الأمور التي يستحيا من ذكرها في تلك الأجهزة بأنواعها، أفلام خليعة ومناظر مريبة ومواقف مخزية، ينظر إليها الرجال والنساء والصغار والكبار، حتى انتشر بسببها قلة الحياء، وسلوك طرق الفاحشة وما كان بمعناها، بما أضر بهذا المجتمع ضرارا عظيما. إن المسلم بما علم من دين الله عز وجل، يجب عليه أن يقف عند حدود الله، فيعلم أنه لا يجوز له، ولا يجوز كذلك لأحد من رعيته، أن يتركه ينظر إلى هذا الحرام، تلك النساء الكاسيات العاريات التي يعرضها في تلك الأجهزة بأنواعها، سواء الصور الحقيقية أو الصور الكرتونية، وما كان بمعناها، مما فيه محاكاة الحقيقة، سواء أكان على وجه الحقيقة أو كان على وجه الخيال، سواء أكان ذلك مما يُعرض على وجه الجد أو يُعرض على وجه المزاح. كل ذلك لا يجوز، لا يجوز للمسلم أن ينظر إلى هذه المناظر المحرمة. فلا يجوز لمسلم أن يرى صورة النساء الكاسيات العاريات، كما لا يجوز للمرأة أن ترى ما كان بمعناه من صورة الرجال والنساء. كل ذلك محرم على الرجال وعلى النساء. قال ربنا جل وعلا: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾، وقال بعدها: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾. أين نحن من هذه الآية، عباد الله؟ ويقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما جاء في صحيح مسلم من حديث جرير البجلي رضي الله تعالى عنه وأرضاه: ينهاه عن النظر، أي المحرم، ويبين له أنه ليس له إلا الأولى. وفي حديث بريدة رضي الله تعالى عنه، يقول النبي صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه أرضاه: «يا علي، إنما لك الأولى، وليست لك الآخرة». ويقول بحديث جرير، حين سئل عن نظر الفجاءة، أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يصرف بصره. فكيف بهؤلاء المسلمين الذين يدمنون النظر في تلك الأجهزة الخبيثة، بما فيها من مناظر فاحشة ومواقف مخزية وأمور يندى لها الجبين، لا يرتضيه عقل ولا شرع ولا فطرة، فضلا عن قيم وآداب وغيرها مما ينبغي أن يقف المسلم عند تلك الحدود جميعا. عباد الله، إن لهذه الأجهزة آثارا أخرى كذلك على قلوب الناس، بكثرة ما يعرض فيها من الفساد، خصوصا إذا علمنا أن أيدي يهودية وغيرها من أيدي الكافرين، هي التي تسير هذه الأجهزة بأنواعها، وتدبر ما يعرض فيها من قليل وكثير. وما يبث الناس في ذلك، إذا كان، يا عباد الله، إذا كان بعض الكفار أنكروا بعض تلك الأضرار، خوفا على أبنائهم وخوفا على مجتمعاتهم. فكيف بنا ونحن أهل إسلام، وعندنا من ديننا ما يأمرنا بالوقوف عند حدود الله سبحانه وتعالى؟ نادت بعض الجمعيات الإنسانية والمؤسسات الخيرية في تلك البلاد الكافرة، بمحاربة بعض تلك الأجهزة، وما يبث فيها ويعرض، حتى منع بيع بعضها في بعض تلك الدول، كما جرى في دولة أستراليا في سنة من السنوات الماضية. وهكذا جرى في بعض الدول شيء من النزاع، حتى وصل إلى أعلى المراتب القانونية، فوصل في ذلك النزاع في بعض تلك الأجهزة، حتى وصل في أمريكا إلى المجلس البرلماني فيه، فقيدت بعض تلك الأجهزة بقيود، ومنع أنواع منها. كل ذلك خوفا من شره وضرره. فكيف بنا ونحن أهل الإسلام، عباد الله؟ كيف بنا ونحن أهل الإسلام، عندنا من ديننا ما فيه الأمر الكثير الذي يجب على المسلم أن يقف عند حدود الله عز وجل فيه؟ عباد الله، إن لهذه الأجهزة كذلك أضرارا أخرى تضر بهذا الإنسان ضررا عظيما، ليس فقط في أمر أخلاقه وسلوكياته، وهذا أمر عظيم، وليس بالقليل ولا بالصغير. بل كذلك يضر حتى في أمر تفكيره. في هذا المجتمع، الكثير من الناس ممن يتابع هذه الأجهزة، يصير مأسورا لهذه الأجهزة بكل ما يُعرض به من ثقافة أو سياسة أو كذلك اجتماع أو حتى دين. صار دين بعض الناس بما يُعرض في تلك الأجهزة، فإن دين الكثير من الناس صار يُؤخذ من تلك الوسائل المتنوعة، مرئية أو مسموعة أو مقروعة. وهذا ليس بصحيح. بل دين الله جل وعلا يُؤخذ من كتاب الله ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، كما قال الله سبحانه: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾. والكثير ممن يُعرض وينقل قوله وفتواه في تلك الأجهزة، إلا من رحم الله، الكثير منهم هو من دينه، كما يُقال: دين يُوافق هذه الحضارة المعاصرة. فصار الكثير من الحرام عند هؤلاء حلالا، وصار الكثير من الواجبات عند هؤلاء من التشدد والتنطع. فظهر مسلك ديني فيه لوثة فكرية، ومعنى من المعاني العلمانية. حتى صار الكثير من الناس ينظر إلى الكثير من المسائل الشرعية الثابتة في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنها من أمور المتزمتين والمتشددين. ولو سئل من أين لك أن هذا من التزمت، وأن هذا من التشدد، لم يكن عنده لذلك برهان، إلا أنه سمع ذلك من شيء من وسائل الإعلام التي ذكر لكم. نعم، لم يكن عنده بذلك برهان، لا شيء من كتاب الله، ولا من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. بل بعض ذلك من المقررات التي تظافرت بها الأدلة، ومما هو معلوم في الدين بالضرورة. وصار بعضهم يجادل ويناقش بذلك. صار الحجاب عند بعض الناس محل نظر ونقاش، وصار أمر اختلاط الرجال والنساء محل نظر ونقاش عند بعض الناس. وصار كذلك التعامل بالربا، وشرب الخمور، وتناول المسكرات والمخدرات، محل نظر ومحل بحث عند بعض هؤلاء المفتونين بهذه الأجهزة، الذين أصابتهم لوثة فكرية بما يُعرض في هذه الأجهزة الخبيثة. فضلا عن تلك الأشياء الأخرى التي أضرت بالمجتمعات أضرارا عظيما. وهكذا، عباد الله، لا تسأل عن الآثار السلبية الكثيرة التي أذمرتها هذه الأجهزة على أبنائنا. وقد قال نبينا صلى الله عليه وسلم، كما في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر: «كلكم راعٍ، وكلكم مسؤولٌ عن رعيته. الرجل راعٍ في أهل بيته، ومسؤولٌ عن رعيته، والمرأة راعيةٌ في بيت زوجها، ومسؤولةٌ عن رعيتها». ويقول عليه الصلاة والسلام، كما في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: «يولد المولود على الفطرة، فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه». ومفهومه، أخي المسلم، أنك مسؤولٌ عن هذا الإبن. فإن من الأبناء، إن من الأبناء من يولد على الفطرة، فبإهمال الآباء وبتسييبهم، وبدفعهم إلى ما يضرهم، وإدخال الأشياء الخبيثة التي تفسدهم، صاروا منحرفين، صاروا منحرفين أخلاقياً ومنحرفين سلوكياً، بما يُعرض في هذه الأجهزة الخبيثة. ويقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما في صحيح مسلم من حديث معقل بن يسار رضي الله عنه أرضاه: «ما من امرئ يسترعيه الله رعية، يموت يوم يموت، وهو غاش لرعيته، إلا لم يدخل الجنة». وفي رواية: «لم يجد رايحة الجنة». انظر، يا عبد الله، إلى هذا الوعيد الشديد، ثم اسأل نفسك: هذا الذي تجلبه لأبنائك من هذه الأجهزة، هل ميزت بين النافع والضار؟ هل ميزت بين ما يجوز وما لا يجوز؟ هل صنفت بين الحلال والحرام؟ وقد قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «إن الحلال بين، وإن الحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات». ثم قال: «فمن اتقى الشبهات، فقد استبرأ لدينه وعرضه». إن الكثير من ذلك، لو قيل على أقل الأحوال أنه من المشتبهات، لوجب عليك أن تجتنبه استبراءً لدينك. فكيف وقد تضافرت الأدلة الشرعية والعقلية والواقعية التي تدل على ضررها على أبنائك وعلى ذريتك، بل ضررها على نفسك، وأنت لا تشعر. نعم، أخي المسلم، إن الكثير من الأبناء قد أصيب، أصيب بأنواع من الأمراض النفسية، اضطرابات شخصية، خوف وقلق، وهكذا كذلك جنوح إلى الإجرام، وهكذا ميول إلى الانتقام، وغير ذلك مما ينظرونه ويرونه ويتابعونه في هذه الأجهزة المتنوعة التي تضر بهم. وهكذا ربما أضرت بأجسادهم، فمنهم من يصاب في بصره بكثرة إدمانه ونظره في هذه الأجهزة، ومنهم من يصاب بمفاصله بكثرة جلوسه وعكوفه أمام هذه الأجهزة، ومنهم من يصاب كذلك في جسده، إما بتخمه وسمنه بقلة حركته، وإما بضعف وهزول بقلة شهيته. وكل ذلك من إدمان هذه الأجهزة، وما يتبع ذلك من الأمور الصحية الكثيرة. وهكذا كذلك ما أثمرته هذه الأجهزة كذلك في شخصيات الناس ونشوئهم وتربيتهم في هذا المجتمع، حتى صار الكثير من الناس كأنه ليس له صلة بهذا الإسلام، وصار له ميول وجنوح إلى تلك الثقافات الشرقية والغربية، يعتز بها ويفتخر بها، ويحاول الوصول إليها، بدون تمييز بين خيرها وشرها، وبين نافعها والضار منها. وكل ذلك منافي لما وجب على المسلم أن يسلكه شرعا وعقلا. وهكذا كذلك ما يراه في واقعه. فأسأل الله جل وعلا أن يرينا الحق حقا، ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلا، ويرزقنا اجتنابه. إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، عباد الله، بعد إذ سمعنا ما سمعنا، وجب علينا جميعًا أن نقوم بما أوجب الله عز وجل علينا، أمام كل ما يجب الحذر منه مما يضر بديننا ودنيانا. وأن نعلم أن الله جل وعلا سائلنا، وأننا موقوفون بين يديه. فما منا من أحد إلا وسيقف بين يدي الله عز وجل، ويسأله عما جرى منه. فبالصحيح من حديث عدي بن حاتم رضي الله تعالى عنه، قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ما منكم إلا سيكلم ربه، ليس بينه وبينه ترجمان، ولا حجاب يحجبه». فانظر، يا عبد الله، ما أنت سائل، وما أنت مسؤول عنه، فيما ستسأل عنه يوم القيامة، وهكذا في قبرك. فإن الكثير من الناس، لو سئل لما جلبت هذه الأجهزة لأبنائك ولأهل بيتك، لقال مجيبًا عن ذلك بأحد الأجوبة التي ليس فيها ما يبرئه، ولا ما يخرجه من السؤال وما يتبع ذلك. فإن من الناس من يقول: رأيت الناس يفعلون ذلك، فأنا أفعل مثلهم. فأبنائي وأهل بيتي مثلهم، مثل غيرهم من أهل هذا المجتمع. وليس هذا بحجة، ولا بمنجي لهذا الإنسان أمام الله جل وعلا. فإنه لا يجوز لك أن تتابع الناس، ولو كان ذلك في الشر. فإن الله جل وعلا قال: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. ويقول الله سبحانه: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾. فأنت مأمور أن تتبع طريق أهل الصلاح، لا أن تتابع المجتمع بما هو عليه، ولو كان ذلك في الشر والسوء. وهكذا، إن من الناس من يقول: أنا أكافئ أبنائي، وأجعل لهم الجائزة في هذا الذي يعرض عليهم، أو في هذه الأجهزة التي أتيت بها إليهم. فينبغي أن تسأل نفسك: هل يجوز لك أن تكافئهم، أو أن تجعل جائزتهم بما يضر بدينهم ودنياهم؟ إن هذا لا يقوله العقل، فضلاً عن من جمع الله له العقل والإسلام، بما ينبغي أن يكون له سببًا لوصوله إلى كل خير، واجتناب كل سوء وشر. وهكذا ربما بعضهم يجعل حجته بذلك، أنه يطلب بعض الإيجابيات في تلك الأجهزة، وأن الكثير منها فيه جوانب إيجابية، وأمور نافعة تفتح مدارك الأطفال، وهكذا أهل البيت. فينبغي أن تسأل نفسك: هل كل ما وجد فيه معنى من هذا المعاني، فإنه يجوز شرعًا؟ فإنه يجب أن تعلم أن العلماء قسموا الأعيان إلى ثلاثة أقسام: قسم منها ما هو شر محض، فيحرم بالمرة. وشيء منها ما هو حلال محض، ونفعه محض، فهو حلال كذلك. وشيء فيه شيء من الشر، وفيه شيء من الخير، فيه شيء من النفع، وفيه شيء من الضرر. فقسمه العلماء إلى ثلاثة أقسام. فما غلب نفعه، وجب تتبع النفع فيه، وحل بشرط عدم الوقوع في ذاك الضرر. وما كان نفعه قليل، وشره كثير، فإنه يحرم ويمنع، ولو وجد فيه بعض النفع. قال ربنا جل وعلا: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾. فبين أن فيه إثم كبير، وفيه نفع، ونفعه بما يكون من بيعه وشرائه والافتساب به. ومع ذلك، فإن الله جل وعلا حرمه، لكثرة أضراره، ولكثرة كذلك شره. وهكذا يقاس عليه غيره مما هو في معناه. وقسم ثالث، ربما هو محل نظر، لا يدرى هل تغلب المصلحة أو تغلب المفسدة؟ فعند ذلك يجب التوقف في هذا، وهو من الأمور المشتبهة. وقد قال نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «فمن اتقى الشبهات، فقد استبرأ لدينه وعرضه». أسأل الله جل وعلا أن يلهمنا رشدنا، وأن يجعلنا ممن يستمع القول، فيتبع أحسنه. إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله رب العالمين.