الدرس في كتاب الطهارة 39، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
النفاس هو الدم الذي يخرج من المرأة بعد الولادة، ولا حد لأقله أو أكثره، وأحكامه مشابهة لأحكام الحيض. العبرة في النفاس هي بوجود الدم وصفاته.
مدته تنتهي برؤية القصة البيضاء أو الجفاف، ولا يوجد حد أدنى أو أقصى محدد لمدته، ويختلف العلماء في تعريفه ومتى يبدأ وينتهي. مدة النفاس غالبا تكون أربعين يوما.
إذا نزل الماء النازل مختلطا بدم نفاس، تترك المرأة الصلاة والصيام والعبادة. الصفرة والكدرة بعد النفاس تعتبر من النفاس، أما قبل النفاس فحكمها حكم الطهر.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. وأكثره أربعون يوما، ولا حد لأقله، وهو كالحيض. جعل المؤلف -رحمه الله- هذا الفصل للكلام على حد النفاس، وعلى مسائل النفاس كذلك. فيقول: «والنفاس أكثره أربعون يوما». في الحيد -قال رحمه الله- «لا حد لأقله ولا حد لأكثره»، وفي النفاس ذكر حدا، واستدلى -كما ذكر في الشرح- بحديث أم سلمة أنها قالت: «كان النفساء تجلس على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أربعين يوما». وهذا الحديث حسنه جماعة من أهل العلم، وهو فيه ضعف. وعلى تقدير تصحيحه، فإنه في الحقيقة لا يفيد الحصر بهذا العدد، لا يفيد الحصر بهذا العدد. وإنما فيه تغليب هذا العدد، فكونها تقول: «كان النفساء تجلس أربعين يوما»، هذا خبر. والخبر لا يفهم منه الأمر. كون أن أكثر النساء تقعد أربعين يوما، حتى إلى يومنا هذا أكثر النساء تقعد أربعين يوما، قليل من النساء من يزيد النفاس عندها أكثر من أربعين، قليل. لكن لا يعني ذلك أن النفاس لا يكون أكثر من أربعين، أو أنه إذا زاد عن أربعين فلا يعتبر نفاس، هذا ليس بصحيح. ولهذا كان القول الصواب في هذه المسألة -فالمسألة التي سبقت في الحيض- أنه لا حد لأقل النفاس، ولا لأكثره، لا حد لأقله ولا لأكثره، بل العبرة بالدم. فإن كان الدم المعروف بدم النفاس عند النساء، وصفاته كصفات دم الحيض -وعرفنا صفات دم الحيض- من يعيدها؟ نعم، من يعيد هذه الصفات؟ أسود له رائحة كريهة، غليظا، لا يتجلب -يعني يتأخر بالتجلب-. بقي هذا خامس، هذا يعتبر. هذا ما ذكروه في كتبهم: أنه يخرج من الجوف. طيب، فتشعر المرأة بأن يخرج من جوفها، هذه خمس صفات لدم الحيض، وهي كذلك لدم النفاس. فإذا وجدت، فهذا الدم هو دم النفاس، لقول النبي -عليه الصلاة والسلام-: «أليس إذا رأت الدم -أي المعهود المعروف- لم تصلي؟ لم تصلي؟» فالحكم يدور مع العلة وجودا وعدما. فقلنا: على تقدير صحة الحديث، فهو لا يفيد الحصر. فإن قيل: نقل الترمذي -رحمه الله- الإجماع على أنه تقعد المرأة أربعين يوما، وأن أكثر النفاس أربعين يوما. الجواب: أن هذا الإجماع منتقض بكلام الترمذي -رحمه الله-، فإن الترمذي -رحمه الله- بعد أن ذكر الإجماع أنهم قالوا: تقعد أربعين، ذكر في نفس الموضع أنه خالف الحسن والشعبي، وبعضهم قال: خمسين، وبعضهم قال: ستين. والإجماع المعتبر -كما قال الإمام الشافعي -رحمه الله- هو الذي إذا قلت: أجمعوا، لم تجد أحدا يخالفك، هذا هو الصحيح. فإذا قد ثبت عن هؤلاء الأئمة أن المرأة قد تقعد خمسين، وقد تقعد ستين، فالصحيح أن العبرة بالدم. فإن استمر الدم وتأكدت المرأة بذلك، فإنه يكون كذلك. طيب، فإن قالت المرأة: كيف أفعل إذا استمر؟ فإلى أي حد؟ أو إذا لم يتميز لي الدم، ما استطعت أن أميز الدم؟ نقول: في هذه الحالة ترجع إلى ماذا؟ إلى عادتها. المرأة لها عادة، بالغالب المرأة لها عادة، وتأخذ بهذه العادة. مثلا عادتها أن النفاس عندها يقعد بين الثلاثين إلى الخمسة وثلاثين، فهي تأخذ أكثر شيء خمسة وثلاثين، ما بعد الخمسة وثلاثين تصلي، تغتسل وتصلي. ما دام الدم التبس عليها، ما دام الدم التبس عليها. طيب، إذا كانت المرأة أول مرة تلد، ما عرفت؟ أول مرة تلد كيف تفعل؟ هنا كما مر في الحيض أنها ترجع إلى أهل بيتها، وأقرب الناس إليها. وقلنا: أن ذلك يكون ليس من جهة النسق فقط، بل من جهة النسق، ومن جهة المخالطة. لأن العلماء يقولون: أن الأكل والشرب والبيئة تؤثر في فترة الحمل، فترة وقته وطوله وقصره. فهي تنظر إلى أقرب الناس إليها، فإن لم يكن لها أقرباء من النساء، ولا علم لها، فتأخذ بغالب حال النساء. فإن كان غالب حال النساء أربعين، تأخذ بأربعين. هذا إذا لم يتميز لها الدم، وهذا أسهل وأحوط من أن نجعله متعلقا بعدد محدود. لأن الصحيح أن المرأة لا ينضبط أمرها بعدد محدود، فهذا خطأ عظيم يقع عند كثير من النساء. بعض النساء لا تصلي إلى بعد الأربعين، هذا خطأ. وهي قد تطهر قبل الأربعين، قد تطهر في ثلاثين، قد تطهر في عشرين. بعض النساء تطهر في أسبوعين، بل بعض النساء في الأسبوع. فكم أيام تتركها وهي لا تصلي؟ أيام كثيرة، هذا لا يجوز. وهكذا كذلك العكس، قد يكون أن النفاس يتأخر عندها أكثر من أربعين، فكذلك تنتظر ولا تستعجل. قال -رحمه الله-: «ولا حد لأقله»، أي: لا حد لأقل النفاس، يعني لأنه لم يرد به الدليل. فهو -رحمه الله- حدد الأربعين بما ورد من الدليل، ولم يحدد الأقل لأنه لم يرد فيه دليل. وهو كما قال -رحمه الله-، وهكذا كذلك لأكثره، الصواب أنه لا حد لأكثره، ولا حد كذلك لأقله. طيب، وكذلك قال -رحمه الله-: «وهو كالحيض»، يعني في الأحكام. حكمه كالحيض. ومر معنا أن الحائض أحكامها ماذا؟ أنها لا تصلي ولا تصوم، وأنها تقضي الصيام ولا تقضي الصلاة، فكذلك النفاس. فكل ما قيل بالحائض من الأحكام، فهو كذلك يلحق النفساء. ومن الأحكام التي ينبه عليها في هذا الموضع: أن بعض النساء يشكل عليهن ما هو النفاس، هل النفاس يكون بوضع الجنين في تسعة أشهر، أم أنه بوضع الحمل ولو كان في أقل من تسعة أشهر؟ وهذه مسألة اختلف فيها كذلك أهل العلم. فبعض أهل العلم قال: كل ما أسقطت وأنزلت المرأة من حمل، ولو كان ذلك في أيام، فهو يسمى نفاسا. وهذا كان يقوله شيخنا -رحمه الله تعالى- الوادعي. ومن أهل العلم من يقول: العبرة بالتخليق، إذا أخرجت المرأة ما خلقته خلقا إنسانا -يعني كاملا- فهذا نفاس، وما دون ذلك فليس بنفاس -يعني يريد أن حكمه حكم النفاس-. ومنهم من قال: إنما يكون بعد نفخ الروح. هذه ثلاثة أقوال. ونفخ الروح يكون بعد كم على ما ورد في الحديث؟ أربعة أشهر. طيب، ومنهم من قال: أن العبرة بالدم، أن العبرة بالدم. وهذا الرابع هو الأصوب، وهو الذي دل عليه الدليل. أليس إذا رأت الدم لم تصلي؟ فهذا هو أرجح هذه الأقوال الأربعة. والصحيح أنه كذلك، لا يكون ذلك في الغالب، أو يكون غالبا. هذا في كل ما تنزله المرأة، كل ما تنزل المرأة من حمل، في الغالب يكون معه هذا الدم -دم النفاس-. بالتجربة علم أن كل ما تنزله المرأة، ولو كان حتى ابن أسبوع، في الغالب يكون نفس هذا الدم، إلا إن غلب عرق على دم النفاس. أحيانا يغلب عرق، ينزل عرق فيكثر دم العرق ويغلب على دم النفاس، فهنا تأخذ بما ظهر. إن ظهر لها أنه ليس دم النفاس، فتأخذ بما ظهر، وإلا فالأصل هذا. والله تعالى أعلم، وهذا تقيدا بما ورد بالحديث، تقيدا بما ورد بالحديث. ولأن الأدلة الشرعية دلت على أن النفاس كالحيض. وبوب البخاري -رحمه الله- بصحيحه، قال: «باب من سمى النفاس حيضا»، باب من سمى النفاس حيضا. ثم ذكر بعض الآثار عن عطاء، وعن غيره. ويريد أن يستدل بذلك -رحمه الله- أن أحكام النفاس كأحكام الحيض، أحكام النفاس كأحكام الحيض. ومن الأحكام كذلك التي تتعلق بالنفاس: أن هذا الدم النازل من المرأة، أحيانا ينقطع ثم يعود. وهذا كثيرا ما يشكل على النساء، فهل إذا انقطع يكون ذلك طهرا لها؟ وبذلك يكون انتهاء النفاس عندها؟ الجواب: أنها إذا كانت طهرتها قصة بيضاء، فلا تستعجل حتى ترى القصة البيضاء. وإن كانت طهرتها جفاف، فإذا تأكدت أنه قد جاءها الجفاف، فيكون ذلك طهرها. والغالب أن النساء طهرتهن قصة بيضاء، وتعرف ذلك النساء. فإذا كان كذلك، فلا تستعجل حتى ترى القصة البيضاء. وهذا مهم أن تنتبه له المرأة، لأنه ربما يحصل لها ذلك فيسبب لها شيئا من الحيرة. ومن ذلك كذلك: أن الصفرة والكدرة، ما قيل في الحيض يقال كذلك في النفاس. فالصفرة والكدرة بعد الدم -أي دم الحيض- هو من الحيض، فكذلك بعد دم النفاس هو من النفاس. وإذا كان كذلك، فلا تستعجل حتى ترى القصة البيضاء. والكدرة والصفرة قبل دم النفاس، هو حكمه حكم ما قبل النفاس الذي هو الطهر، فحكمه حكم الطهر. إذن لا تترك الصلاة أحيانا، الحامل تبدأ ترى كدرة وصفرة قبل أن ترى دمها، فما حكم هذه الكدرة والصفرة؟ حكمها الطهارة، لأنها جاءت بعد الطهارة. فحكم الكدرة والصفرة حكم ما قبلها، فإن كان قبلها طهارة فهي طهارة، وإن كان ما قبلها ليس كذلك، فحكمها حكم الذي قبلها. ومنها كذلك نزول الماء، فقد اختلف العلماء بحكم الماء الذي ينزل أحيانا ينزل من المرأة النفساء -النفساء أي التي ولدت- ماء، فيسأل كثير من النساء: ما حكم هذا الماء؟ وحكم هذا الماء اختلف فيه العلماء. فمنهم من جعله من أوائل النفاس، فمعنى ذلك أنها تترك الصلاة. ومنهم من قال: لا. والصواب: أنه إذا صاحبه دم من دم النفاس، فحكمه حكم النفاس. أحيانا ينزل ماء مصاحب له دم، فيه صفات دم الحيض والنفاس، فهذا حكمه حكم النفاس. فحين ترى ذلك مختلطا بالدم، فتترك الصلاة. وإذا رأت ماء صافيا ليس فيه شيء، فهو مثل الكدرة والصفرة، بل أولى من الكدرة والصفرة. قلنا: الكدرة والصفرة بعد الطهر من الطهر، وحكمها حكم الذي قبلها. والماء كذلك، إذا كان ماء صافيا. وأحيانا ينزل الماء عند المرأة قبل الولادة بيومين، وأحيانا بأسبوع، ويختلف عند النساء. فالصحيح أن الحكم لحسب ماذا؟ هذا الماء النازل، إن نزل صافيا فهو كذلك، إن نزل مختلطا بدم وتأكدت أنه دم نفاس، فإنها تترك الصلاة والصيام والعبادة. فهذا هو حكم أو خلاصة ما يذكر في حكم النفساء. وبارك الله فيكم، واشتركوا في القناة.