كتاب الصلاة 1

كتاب الصلاة 1

الدرس في كتاب الصلاة 1، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تعريف الصلاة وأهمية مواقيتها

يُعرّف الكتاب الصلاة لغة وشرعًا، ويُبرز أهمية معرفة مواقيتها ووجوبها على كل مسلم بالغ عاقل. يُشدد على ضرورة فهم التعريف اللغوي والشرعي للصلاة.

حكم الصلاة على فاقدي العقل

يتناول حكم الصلاة على من فقد عقله، مثل الهرم والمغمى عليه والنائم، ويُفرّق بين حالات الإغماء المتكرر واليسير. يُحدد شروط وجوب قضاء الصلاة على هؤلاء.

حكم تارك الصلاة وتوقيتها

يشرح حكم تارك الصلاة، ويُحدد وقت صلاة الظهر بدءًا من زوال الشمس حتى مصير ظل الشيء مثله. يُبين أن تارك الصلاة يكفر كفرًا أكبر إذا تركها معاندًا.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال المولى رحمه الله تعالى: كتاب الصلاة، أي هذا مبحث يتعلق بأحكام الصلاة. والكتاب لغة: مخطوط في القرطاس لحفظه. وقد مر معنا الكلام على مثل هذا المعنى في أوائل هذا الكتاب، وفي كتب متقدمة. والصلاة قيل لغة: هو الدعاء، واشتهر هذا على ألسنة كثير من أهل العلم. وأبى ذلك الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى، وقال: إن الصلاة لغة هي الحنو والعطف الحسي أو المعنوي، وذكر لذلك أدلة من اللغة والشرع ما ينتصر به بهذا المعنى. وقوله ظاهر من جهة قوة المعنى، ومن جهة قوة الاستدلال. فعلى هذا يكون معنى الصلاة لغة: هو الحنو والعطف الحسي أو المعنوي. ومن الحسي الصلاة ذات الركوع والسجود، ومن المعنوي الدعاء، فالدعاء حنو وعطف معنوي. وعلى هذا فما جاء من مواضع ذكر الصلاة، ففيها هذا المعنى لمن تأمله ودقق النظر فيه، كما ألفت الانتباه إليه رحمه الله تعالى. وأما في الشرع، فهو التعبد لله جل وعلا بأداء هذه الصلاة المفتتحة بالتكبير، والمختتمة بالتسليم، على الكيفية الشرعية المذكورة في الكتاب والسنة. وسيأتي معنا إن شاء الله ذكر شيء كثير من أحكامها. قال المؤلف رحمه الله تعالى: أول وقت ظهر الزوال، وآخره مصير ظل الشيء مثله سوى فيء الزوال، وهو أول وقت العصر. ابتدأ المؤلف رحمه الله بذكر مواقيت الصلاة؛ لأن ذلك أول ما يحتاجه المصلي بعد الطهارة. وقد مر معنا أن العلماء يبتدئون بكتاب الطهارة؛ لأن الطهارة شرط الصلاة، ويبتدئون بالصلاة؛ لأن الصلاة الركن الأول من الأركان العملية للإسلام. فأخذوا يقسمون كتب الفقه على ما جاء في حديث جبريل عليه الصلاة والسلام حين جاء يعلم الناس أمر دينهم، كما في حديث أبي هريرة في الصحيحين، وفي حديث عمر كذلك في مسلم. وقبل الدخول في مواقيت الصلاة، نذكر أشياء مهمة نحتاجها في أوائل هذا الكتاب. أولها: معرفة وجوب هذه الصلاة على من تجب. يقول العلماء: تجب الصلاة على كل مسلم بالغ عاقل، إلا الحائض والنفساء. فتجب هذه الصلاة على كل مسلم. فرق بذلك الكافر، الكافر لا تجب، بمعنى لا تصح منه، وإن كان يعاقب عليها. كما مر معنا أن الكافر يعاقب على أصل الإسلام، وعلى تفاصيل أحكام الإسلام. وما هو الدليل على ذلك؟ نعم، الدليل على ذلك: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾، فجعل الصلاة مما يعذب عليها الكافر، مع أنه لا يؤمن بيوم الدين. فالكافر يعذب على أصل الإسلام، وعلى تفاصيل أحكام الإسلام، كما مر معنا. الكافر الزاني لا يعذب مثل الكافر الذي لم يزني، والكافر الشارب للخمر لا يعذب كالكافر الذي لا يشرب الخمر، والكافر الذي يحسن إلى المساكين والجيران ليس كالكافر الذي لا يحسن إلى هؤلاء. فالكافر يعذب على أصل الإسلام، وعلى تفاصيل أحكام الإسلام. وهكذا كذلك العاقل، وبه نعلم أن من لم يكن مسلمًا كالمشرك والمرتد لا تقبل منه الصلاة. من يقول بالمذهب العلماني، ولو كان يصلي، لا تقبل صلاته، ولا تصح. من يعبد غير الله من الأحجار وما أشبهها على شاكلتها، لا تقبل منه الصلاة، ولو صلى. كما قال سبحانه: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، وقال الله عز وجل: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وهكذا عاقل، فغير العاقل لا تصح منه الصلاة. المجنون ماذا يصح منه الصلاة؟ ولا تجب عليه. وهنا تنبيه لنوعين من الناس تجب عليهم الصلاة في حال وجود العقل، ولا تجب في حال ذهابه. الصنف الأول: الهرم، الرجل الكبير في السن، ويسأل عن هذا الكثير من الناس. يقول: عندي أب أو عندي أم كبيرا في السن، أحيانًا تعقل تدرك فتصلي، وأحيانًا لا تصلي، وأحيانًا تصلي فتحسن الصلاة، وأحيانًا لا تحسن الصلاة، فكيف نصنع؟ هل نأمرها أو لا نأمرها؟ الجواب: إذا كان العقل موجود تؤمر بالصلاة، وإذا كان العقل غير موجود فلا تؤمر بالصلاة. فلو صلت مثلًا أو صلت هذا الشيخ الكبير بغير إحسان، يكلم أنت ما صليت صلاة صحيحة، صليت ركعتين وسلمت أو صليت بسجدة واحدة، فإن فهم الكلام أمر بالإعادة، وإن لم يفهم الكلام وصار لا يستجيب للأمر، فلا يكلف عليه، ولا يشق عليه، بل يرفق به؛ لأنه بلغ مبلغًا من السن لا يدرك ولا يفهم في بعض الأحيان. كما قال سبحانه: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾. وكما الصبي، الصبي بأول سنه يعلم شيء ويذيب شيء. وكذلك إذا رد إلى أرذل العمر. وهكذا النوع الثاني من الناس: من يفقد العقل مؤقتًا كالمغمى عليه والنائم، فإنه إن فقد عقله. فالنائم يصلي متى ما استيقظ؛ لما جاء في الصحيحين من حديث أنس: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها». والمغمى عليه اختلف به العلماء، فمن أهل العلم من قال: هو كالنائم يصلي. ومن أهل العلم من قال: ليس كالنائم، بل لا يؤمر بالصلاة، ولا يقضي الصلاة. والظاهر والله تعالى أعلم التحقيق بذلك هو التفصيل. التفصيل بحال المغمى عليه، فمن الناس من يغمى عليه أيامًا ويكون حاله كحال المجنون الذي يفقد العقل، فمثل هذا لا يؤمر بقضاء الصلاة إذا كان هذا شيء متكرر معه، مثل من يبتل ببعض حالات الصرع، وما كان بمعناها. وأما الإغماء اليسير، فهو كالنوم. ومنه التخدير، تعرفون البنج الذي يكون من آثار التخدير، ربما يصحبه شيء من الإغماء والنوم العميق الذي لا يشعر ما حوله، ويستمر ذلك يوم أو أكثر من يوم، فمثل هذا يصلي. فهذا هو الأحوال. وأما كما قلنا من عنده نوبة صرع أو حالة عصاب وما كان بمعناها، فإنه ربما يكون في إغماء، ولو كان يصح أحيانًا، لكنه لا يشعر بمن حوله، أحيانًا يقعد أسبوع أو أكثر من ذلك، فأمثال هؤلاء الظاهر والله أعلم يلحقون بحكم المجنون. وعليه قول النبي عليه الصلاة والسلام: «رفع القلم عن ثلاثة»، وذكر منهم: «والمعتوه حتى يفيق». ومعنى رفع: أي لا يكتب عليه شيء. فقوله عليه الصلاة والسلام: «والمعتوه حتى يفيق»، معنى أنه لا يكتب عليه شيء، فلا قضاء عليه. وهذه الإفاقة قد تكون قريبة، وقد تكون بعيدة. بعيدة إذا عولج بعد سنوات، وقريبة إذا كان هذا العسل يأتي أحيانًا وأحيانًا، مثل كما قلنا بعض من يصاب بحالات الصرع والعصاب، فإنه ربما يغيب عنه حسه أكثر من أسبوع. والمسألة الثانية التي ينبه عليها كذلك في أوائل هذا الكتاب هي مسألة حكم هذه الصلاة، وحكم تاركها. الصلاة ركن من أركان الإسلام، وتركها على القول الصحيح من أقوال أهل العلم أنه كفر كفر أكبر. وقد اتفق العلماء على تسمية التارك للصلاة كافرًا، واختلفوا في حكم هذا الكفر. فمنهم من قال: كفر أكبر، ومنهم من قال: كفر دون كفر. والصحيح أنه كفر أكبر؛ لما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة، وهكذا فهمها الصحابة رضي الله تعالى عنهم أرضاهم. فمن أدلة الكتاب قول الله عز وجل: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾، وقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾، فعلم أنهم إذا لم يقيموا الصلاة فليسوا بإخوان، فهم كفار. ودليله من السنة ما جاء في مسلم، وحمزة جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «بين الرجل والشرك والكفر ترك الصلاة». وفي السنة وعند الإمام أحمد بإسناد حسن عن بريدة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر». وعن عبد الله بن شقيق أنه قال: «لم يكن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة». وهذا يؤكد أنه الكفر الأكبر؛ لأنه قال: «شيء من الأعمال تركه كفر»، مع أنهم سمّوا غيره من الأعمال كفرًا، فدل على أن تسمية غيره من الأعمال كفرًا هو كفر دون كفر، وتسمية الصلاة كفرًا هو الكفر الأكبر الذي يخرج من دين الإسلام. وهذا لمن تركه معاندًا، وكذلك مصرا على ذلك. وأما من وقع منه تفريط، وقع منه تفريط، فأفاتته صلاة أو بعض صلاة، ظنًا منه أن يدركها ولم يدركها، فهذا يدخل في قول الله عز وجل: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾، ونحوها من الآيات التي فيها إضاعة الصلاة، فهو ليس بكفر، فهو ليس بكفر بنص القرآن، وبفهم بعض السلف. وبهذا يكون تمام القول في هذه المسألة، وحكم تارك الصلاة أنه يقتل بنص حديث عبد الله بن عمر في الصحيح: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة». الحديث. وفيه أن تارك الصلاة يقتل. قال العلماء: وحده أن يستتاب، فإن صلى إلى إدبار الوقت للصلاة الأخرى، وإلا قتل. وذلك لما جاء في الصحيح في حديث أنس: «ليس في النوم تفريط، ولكن التفريط فيمن يدع الصلاة حتى يأتي وقت الصلاة الأخرى». قالوا: في هذا الحديث جليل على أن التفريط هو تعمد ترك الصلاة إلى دخول وقت الصلاة الأخرى، فإنه بهذا يعلم أنه أصر على التفريط. واتجه المؤلف رحمه الله كما قلنا بكلام على المواقيت، وأول هذه المواقيت وقت الظهر. ونذكر مختصرًا وقت الظهر. قال: أن وقت الظهر أول وقت الظهر الزوال، يعني إذا زالت الشمس. ومعنى الزوال هو ميل الشمس عن كبد السماء من جهة المشرق إلى جهة المغرب. وجعل العلماء للزوال علامات وطرق كما سيأتي معنا إن شاء الله في الدرس اللاحق. قال: وآخره مصير ظل الشيء مثله. آخر وقت الظهر مصير ظل الشيء مثله، يعني إذا كان عندك شاخص طوله متر، فإذا صار ظل الشيء مثله فزاد عليه، أي زاد عن المتر فقد خرج وقت الظهر ودخل وقت العصر. لكن قال: سوى فيء الزوال. ومعنى فيء الزوال هو الظل الذي يكون في وقت الزوال؛ لأنه يأتي أيام في السنة يكون للشاخص ظل في وقت الزوال. فإن كان له ظل في وقت الزوال، فأنت تضيف هذا الظل فوق ظل الشيء حتى يدخل وقت صلاة العصر وينتهي وقت صلاة الظهر. فإن لم يكن وقت الزوال لهذا الشاخص يعني ظل لم يكن له ظل في وقت الزوال، فإنك تكتفي بطول الشاخص فقط. تكتفي بطول الشاخص فقط، فمثلًا إن كان وقت الزوال ليس هناك ظل، فإذا طول الشاخص متر، فبعد متر إذا صار ظل الشيء متر وزاد عن ذلك قليلًا أول ما يزيد ينتهي وقت الظهر ويدخل وقت العصر. بينما لو كان وقت الزوال يوجد لهذا الشاخص ظل طوله مثلًا ربع متر، وطول الشاخص متر، صار الوقت الذي ينتهي به الظهر هو ما زاد عن المتر والربع، ما زاد عن المتر والربع. وهكذا. فهذا هو معنى قوله: سوى فيء الزوال، يعني سوى الظل الذي يكون في الزوال. وسأتي معنا إن شاء الله تنبيه على هذه النقطة خاصة، ووجه الخطأ في الدرس اللاحق. وإلى هنا والحمد لله رب العالمين.