شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن 16

شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن 16

الدرس في شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن 16، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني

آداب حامل القرآن: الأذكار والمراقبة والتوكل

يؤكد المقطع على وجوب التزام حامل القرآن بالأذكار والنوافل، ومراقبة الله في السر والعلانة، والتوكل عليه في كل أمر. كما يبين حقوق المتعلم على معلمه من الرفق والترحيب والإحسان، مشيراً إلى أن الطالب هو الوارث الحقيقي للعلم.

حقوق المتعلم على المعلم وآداب التعليم والنصيحة

يستعرض المقطع حقوق الطالب على المعلم من الرفق والترحيب وبذل النصيحة والإعانة، مستنداً إلى آيات وأحاديث تحث على اللين. ويشير إلى أن بركة العلم تتوقف على صدق وإخلاص وأخلاق الطرفين، وأن أي تقصير ينقص من هذه البركة.

آداب المعلم في التحفيز على العلم والزهد في الدنيا

يشدد المقطع على أن يكون المعلم سمحاً متلطفاً، محرضاً طلابه على طلب العلم بذكر فضائله الدنيوية والأخروية. ويوضح أن الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة من أهم عوامل التحصيل، وأن الإخلاص يجلب المكانة دون إثم.

خاتمة الدرس وإعلان المواصلة

يختتم الشيخ الدرس الحالي معلناً عن مواصلة الشرح في الدرس القادم، مختتماً بالحمد لله. تُعد هذه الخاتمة تمهيداً لاستكمال الموضوع في الجلسة التالية.

التفريغ النصي الكامل

موقع دار الحديث بالفيوش يقدم هذه المادة: شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن للإمام النووي عليه رحمة الله، شرح فضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرع العدني رحمه الله تعالى. بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد: فقرأنا في هذا الفصل: قالوا ينبغي أن يستعمل الأحاديث الواردة في التسبيح والتهليل ونحوها من الأذكار والدعوات. هكذا ينبغي لحامل القرآن ومعلمه ومتعلمه، وهكذا طالب العلم عمومًا، كما أن المسلم مطالب أيضًا على وجه العموم أن يعمل بما يعلم في باب الأذكار وباب النوافل. قال: "أن يستعمل الأحاديث الواردة في التسبيح والتهليل". قد قال النبي صلى الله عليه وسلم حينما جاء الرجل وقال: "يا رسول الله، إن شرائع الإسلام قد كثرت علينا، فمرنا بباب جامع نتمسك به"، قال: "لا يزال لسانك رطبًا من ذكر الله". وهكذا يحرص على النوافل: نوافل الصلاة، وهكذا نوافل الصوم، وهكذا نوافل الصدقات. قالوا: أن يراقب الله تعالى في سره وعلانيته ويحافظ على ذلك. نعم، المراقبة: أن يعلم أن الله تبارك وتعالى مطلع عليه ومشاهد لأحواله، فهو لا يحب أن يرى منه ربه سبحانه وتعالى إلا كل خير وجميل، فيراقب الله؛ فإن الله مطلع على أحواله كلها. ﴿ وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ﴾، ﴿ وَالَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾. وهكذا ربنا تبارك وتعالى لا تخفى عليه خافية. فمن راقب الله سبحانه وتعالى فإنه يفعل الخير ويجتنب الشر، ويخشى ربه تبارك وتعالى ويخافه ويتقيه. قال: "ويحيا" - وأن يكون تعويله في جميع أموره على الله تعالى. نعم، اعتماده على الله ووثوقه بالله ورجوعه إلى ربه تبارك وتعالى، لا سيما إذا اشتدت الأمور وعظمت البلايا، فإن المرجع والمفزع إلى الله سبحانه وتعالى. حتى في المسائل العلمية، إذا استغلقت عليه فإنه يرجع إلى ربه تبارك وتعالى. وكان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إذا تغلقت عليه بعض المسائل يقول: «اللهم يا معلم آدم، علمني، اللهم يا مفهم سليمان، فهمني». فالرجوع إلى الله تبارك وتعالى. قال: فصل: وينبغي له أن يرفق بمن يقرأ عليه ويرحب به ويحسن إليه بحسب حالهما. فقد روينا عن أبي هارون العبدي قال: كنا نأتي أبا سعيد الخدري رضي الله عنه فيقول: "مرحبًا بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم". إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الناس لكم تبع، وإن رجالًا يأتونكم من أقطار الأرض يتفقهون في الدين، فإذا أتوكم فاستوصوا بهم خيرًا». رواه الترمذي وابن ماجه وغيرهما. وروينا نحوه في مسند الدارمي عن أبي الدرداء أيضًا. نعم، حديث أبي سعيد ضعيف جدًا، وحديث الدرداء ضعيف. نعم، هنا وصايا للمعلم تجاه المتعلم: أنه يحسن إليه ويرفق به ويتقدم إليه بأنواع الإحسان كما سيأتي، وذلك لأن للمتعلم حقًا على المعلم؛ فإنه يأخذ منه البضاعة ويعمل لها ويتاجر بها ويحرص على تحصيل المكاسب لها. فهذا المتعلم أولاً: اختار هذا المعلم دون غيره. ثم إن هذا المتعلم يعتبر الوارث الحقيقي لهذا المعلم: ﴿ فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ﴾. هي وراثة العلم والحكمة. فما هي بضاعة المعلم؟ بضاعة المعلم: هذا العلم. ومعلوم أن المعلم نفس تعليمه يعتبر عبادة يؤجر على تعليمه، سواء فهم المتعلم أو لم يفهم. أصل جلوس المعلمين للتعليم يعتبر عبادة من العبادات الجليلة، سواء فهم الطلاب أو لم يفهموا. فكيف إذا كان الطالب قد فهم وانتفع في نفسه ونفع الله به غيره؟ لا شك أن هذا من الأجور الباقية المتسلسلة الدائمة لهذا المعلم. فإن الطالب يأخذ منه البضاعة ويحرص على تنميتها ويحرص على تكثيرها ويحرص على البحث على الأرباح فيها. البضاعة بضاعة المعلم، وهذا الطالب يسوق لهذه البضاعة ويبحث عن الزبائن. فكلما انتشر علم المعلم على يد هؤلاء الطلاب، كلما وصل من الأجر والخير لهذا المعلم. والله سبحانه وتعالى هو القائل: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ ﴾: ما قدموا من أعمال وما ترتب عليها من مصالح أو من مفاسد، من خير أو من شر. فمن يعمل في الخير فالله تبارك وتعالى يعجره - لا سيما إذا ترتبت المصالح والمنافع الكثيرة. ومن يعمل شرًا وترتب عليه شر، فالله سبحانه وتعالى قد أحصى عليه عمله، قد أحصى عليه عمله. فلهذا فإن للمتعلم حقًا على المعلم، وكما سيأتي أن للمعلم أيضًا حقًا على المتعلم. فمن هذه الأمور: قال: يرفق به، بمن يقرأ عليه، ويرحب به، ويحسن إليه بحسب الحال. قال: فصل: وينبغي أن يبذل لهم النصيحة. هو سند في الترحيب، يعني معنى كلامه: إذا جاء في حال الإقبال إليه يظهر لهم البشر وطلاقة الوجه ويرحب بهم ترحيبًا: "مرحبًا وأهلًا، حياكم الله". والسند لحديث أبي سعيد. قال: فصل: وينبغي أن يبذل لهم النصيحة. فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الدين النصيحة: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم». رواه مسلم. قالوا: من النصيحة لله تعالى والكتاب: إكرام قارئه وطالبه، وإرشاده إلى مصلحته، والرفق به، ومساعدته على طلبه بما أمكنه، وتألف قلب الطالب، وأن يكون سمحًا بتعليمه، في رفق متلطفًا به، ومحرضًا له على التعلم. وينبغي له أن يذكره فضيلة ذلك ليكون سببًا في نشاطه وزيادة في رغبته، ويزهده في الدنيا ويصرف الركون إليها والاغترار بها. ويذكر أن الاشتغال بالقرآن وسائر العلوم الشرعية هو طريقة الحازمين وعباد الله العارفين، وأن ذلك رتبة الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم. قبل هذا مرت بنا بعض التعليقات للنووي رحمه الله، من ذلك قوله: "ابن ماجه: قال هو أبو عبد الله محمد بن يزيد". قال: "أبو الدرداء: اسمه عويمر، وقيل عامر". نعم، أيضًا مما يكون على المعلم تجاه المتعلم: أنه يبذل له النصيحة. قالوا: من النصيحة لله تعالى والكتاب: إكرام قارئه وطالبه، وإرشاده إلى مصلحته، والرفق به، ومساعدته. نعم، يحرص المعلم على أن يفيد الطالب، وعلى أن يتوجه له بخالص النصيحة، وعلى أن يعينه فيما قدر عليه واستطاع، بمال أو بعلم أو بجاه، في حدود الاستطاعة، وأن يترفق به؛ فإن الرفق مطلوب مع القريب والبعيد. والنبي صلى الله عليه وسلم هو القائل: «ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه». والله تبارك وتعالى بعث نبيين كريمين إلى فرعون، فقال لهما: ﴿ فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ﴾. والله سبحانه وتعالى هو القائل: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾. قال: "ومساعدته على طلبه بما أمكنه وتألف قلب الطالب". نعم، الطالب الحريص على العلم، المتأدب بآدابه، المفضي أوقاته في تحصيله، هذا يعتبر ذهبًا إبريزًا. هذا ينبغي أن يعان بكل ما يستطاع عونه عليه: حريص عليه، ومتأدب به، وراغب فيه، ومشغوف به. فهذا إذا وجد، ينبغي أن يعتنى به غاية العناية في حدود الاستطاعة. فهكذا كان السلف مع طلابهم، ولهذا أثمرت، أثمرت، أثمرت تعليمًا، وحصلت البركة. إذا كان الصدق والإخلاص والرغبة والأخلاق من قبل المعلم والمتعلم، فإنه تكون نتائج عظيمة وبركات عظيمة وكبيرة. لكن إذا حصل التقصير، بحسب التقصير من المدرس يفوته من الخير بحسب تقصيره، سواء كان في جانب الإخلاص أو عدم الصدق أو عدم الأخلاق التي ينبغي أن يتخلق بها المعلم، يفوته قبل أن يفوت الطالب، يفوته من بركة العلم والتعليم ما يفوت بقدر ما عنده من نقص وتقصير. وهكذا في الجانب الآخر: بقدر ما يكون عند الطالب من تقصير وإهمال أو عدم صدق وإخلاص، يكون النقص في العلم الذي يتحصل عليه. فكل من المعلم والمتعلم، المدرس والطالب، كل مطالب بما أوجب الله سبحانه وتعالى وبما ندب الله عز وجل. فكل ما حصل تقصير من أحد الجانبين فاته من الخير، فاته من الخير. لا تلقَ اللائمة على المدرس، ومعنى ذلك أن يبقى الطالب يفعل ما يشاء ويتصرف بما يشاء. لا، إذا حصل التقصير من المعلم فإنه يحرم نفسه قبل أن يحرم الآخرين من بركة وخير وثمرات هذا العلم. وإذا حصل في الجانب الآخر، فأيضًا يفوت الطالب من الخير بقدر ما عنده من نقص. قال رحمه الله: "وأن يكون سمحًا بتعليمه": يعني سهلًا وكريمًا، لا يتعنت، في رفق متلطفًا به: يعني سهلًا بإلقائه إلى مريديه ومبتغيه، محرضًا له على التعلم، كثير النصح له على الرغبة وعلى الإقبال وعلى الاشتغال وقضاء العقود في تحصيل العلم. قال: "ينبغي له أن يذكره فضيلة ذلك": يعني فضيلة التعلم وما يترتب عليها من الثمار الحسن والأجور الكثيرة. يعني كلما ذكرت الفضائل حصل ما سيذكره المصنف. قال: "ليكون سببًا في نشاطه وزيادة في رغبته". فحتى في باب الدنيا: إذا أردت أن تحرض إنسانًا على الدخول في مشروع، فإنك تكثر من ذكر فوائد هذا المشروع: "انظر فلانًا قد دخل في هذا المشروع وفعل وعمل وكسب، وانظر إلى فلان، وانظر...". فبكثرة الإلحاح ممكن يقتنع، يضع المليون ريال ويساهم في هذا المشروع؛ لأنه وجد من يحرضه يذكر له محاسن وفوائد هذا المشروع. وهكذا في باب العلم: فكثرة وضع وطرح فضائل وحسنات وخيرات العلم مما يبعث الطلاب على محبة العلم، وعلى الجد والاجتهاد فيه، وعلى الرغبة فيه، وعلى بذل الأوقات ونفائس الأوقات والأموال في سبيل تحصيله؛ لأنه يعرف أن العلم جوهرة، العلم جوهرة، إذن يسرخص كل غالٍ ونفيس في تحصيل هذا العلم. فهذه من المهمات: أن تذكر فضائل العلم لطلاب العلم، هذا مما يبعثهم على الرغبة والمحبة والنشاط في العلم. قالوا: "يزهدهم في الدنيا ويصرفهم عن الركون إليها والاغترار بها". نعم، الدنيا ثانية، والآخرة هي الباقية المستمرة، هي الحياة الباقية. فهكذا كما تقدم، يعني نحو هذا الكلام في الفصل الذي قبله: الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة. فكلما كان الطالب أكثر زهدًا، كلما كان بإذن الله تبارك وتعالى أكثر تحصيلًا. أما من أحب الدنيا، فحب العلم صعب أن يجتمع: محبة الدنيا والتوسع فيها، التوسع في المآكل، في الملابس، في المشارب، في المساكن، في المراكب. هو يحب الدنيا ويحب أن يتوسع فيها، وفي نفس الوقت يريد أن يتوسع في العلم. قد لا يجتمع، قد لا يجتمع؛ لأنه يعرض له أمر من أمور الدنيا فيميل؛ لأنه قد أحب الدنيا. فأين الإيثار؟ إيثار العلم على الدنيا وملذاتها وشهواتها. فهذا من المهمات. ولهذا كان العلماء كثيرين، كان العلماء كثيري النصح للطلاب بالإقبال على العلم وعدم الانشغال بالدنيا وزهرتها. سبحان الله، مثل ما تقدم معنا في فصل الإخلاص: نبه بعض العلماء، وهذا أمر دقيق، أن ما يطلبه المراؤون بطريق العلم، ما يطلبه المراؤون من وراء العلم بطريق الرياء وعدم الإخلاص، يجده المخلصون وأكثر منه من طريق الإخلاص. مثلاً: من طلب العلم لأجل الشهرة، هذا طالب علم يرائي، ليس له غرض صحيح في طلب العلم، إنما يريد شهرة. يقول العلماء: لو أنه أخلص، الشهرة تكون له مع أنه ما يطلبها. طلب العلم لأجل الرفعة والمكانة: هذا المخلص يطلب العلم لله سبحانه وتعالى، ويرفعه الله تبارك وتعالى بطلبه وإخلاصه. فالذي يصل إليه المراؤون يعني من طريق الرياء ونحو ذلك من الشوائب، يصل إليه أهل الإخلاص بدون ما يكون قد تأثم بفعله. وهكذا يعني في باب الدنيا: تعرفون قول جماعة من السلف: "من أراد الدنيا فعليه بالعلم، ومن أراد الآخرة فعليه بالعلم، ومن أراد الدنيا والآخرة فعليه بالعلم". سبحان الله: من أراد الدنيا فعليه بالعلم، من أراد الآخرة فعليه بالعلم، من أراد الدنيا والآخرة فعليه بالعلم. بمعنى أن الدنيا تأتي، الدنيا تأتي وإن لم يطلبها، وإن لم يحرص عليها، وإن لم يفسد نيتها لأجلها. ويذكره أن الاشتغال بالقرآن وسائر العلوم الشرعية هو طريقة الحازمين، عباد الله العارفين، ذلك رتبة الأنبياء صلى الله عليه وسلم. نعم، العلماء ورثوا الأنبياء. نواصل إن شاء الله في الدرس القادم. إلى هنا والحمد لله.