الدرس في شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن 29، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني
يشرح الشيخ أثر عمر بن الخطاب في حث حملة القرآن على الفرحة بهدي الله والمسارعة للخيرات، مبيناً أن "لا تكونوا عيالاً على الناس" تعني عدم التبعية للعوام وعدم الاحتياج لدنياهم. ويؤكد على التوازن بين طلب العلم والأخذ بأسباب الرزق الحلال، مستشهداً بقصة الأخوين في عهد النبي ﷺ، وأن من صدق مع الله تكفل برزقه مع وجوب بذل الأسباب.
يبيّن المقطع أن طلب العلم يعد جهاداً عظيماً يعادل الجهاد بالسيف، وأن طالب العلم في عبادة مستمرة تستوجب الإعانة والاحتساب. كما يحذر من اتخاذ القرآن وسيلة للكسب أو التطلع إلى أموال السلاطين، مستشهداً بأقوال السلف في التنزه عن الهدايا وصيانة كرامة العلم.
يحذر المقطع من طلب العلم أو تعليم القرآن بقصد الكسب الدنيوي أو الرياء، مؤكداً أن هدي السلف كان بذل المال في طلب العلم لا اكتسابه به. ويستدل بأحاديث تنهى عن الأكل بالقرآن وتصف قوماً يقيمونه إقامة القدح لكن نياتهم فاسدة يطلبون به الدنيا.
يحذر المقطع من طلب العلم بنية الدنيا، مبيناً أن من يبلغ أعلى المراتب في العلم بقصد الدنيا هم أخسر الناس صفقة. كما يشير إلى ضعف الأثر المذكور ويعد بمواصلة الدرس لاحقاً.
موقع دار الحديث بالفيوش يقدم هذه المادة: شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن للإمام النووي عليه رحمة الله، شرح فضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرعي العدني رحمه الله تعالى. بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال رحمه الله: فقد جاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: «يا معشر القراء، ارفعوا رؤوسكم، فقد وضح لكم الطريق، واستبقوا الخيرات، ولا تكونوا عيالًا على الناس». وهذا حسن. وقال عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله إذا الناس نائمون، وبنهاره إذا الناس مفطرون، وبحزنه إذا الناس يفرحون، وببكائه إذا الناس يضحكون، وبصمته إذا الناس يخوضون، وبخشوعه إذا الناس يختالون». ويقول محقق سناده: «من قطعوا». قالوا: عن الحسن رحمه الله تعالى قال: «إن من كان قبلكم رأوا القرآن رسائل من ربهم، فكانوا يتدبرونها بالليل وينفذونها بالنهار». قال النووي: «قولهم: وينفذونها بالنهار، أي يعملون بما فيها». وقالوا: عن الفضيل بن عياض، وعن الفضيل بن عياض رحمه الله قال: «ينبغي لحامل القرآن أن لا يكون له حاجة إلى أحد الخلفاء فمن دونهم». وعنه أيضًا: «حامل القرآن حامل راية الإسلام، لا ينبغي له أن يلهو مع من يلهو، ولا يسهو مع من يسهو، ولا يلغو مع من يلغو»، تعظيمًا لحق القرآن. بعدما ذكر رحمه الله الأداب التي ينبغي أن يتحلى بها حامل القرآن، ذكر بعض الآثار المؤيدة لما تقدم. من هذه الآثار: أثر عمر: «يا معشر القراء». قال النووي: «المعشر: الجماعة الذين أمرهم واحد». «ارفعوا رؤوسكم، فقد وضح لكم الطريق، واستبقوا الخيرات، ولا تكونوا عيالًا على الناس». «ارفعوا رؤوسكم، فقد وضح لكم الطريق، واستبقوا الخيرات»: ففي حث لحملة العلم والقرآن على الفرح، وعلى حمد الله تبارك وتعالى إذ وفقهم إلى هذا الطريق، فهي طريق تقود إلى الجنة؛ لأنها طريق تدل على الله، وتدل على وتقود إلى تعظيم الله وشرعه، وتوصل إلى خشية الله تبارك وتعالى. فلأجل هذا ينبغي على طالب العلم حامل القرآن أن يكون من أعظم الناس حرصًا على الخير، مسارعًا إليه. قال: «ولا تكونوا عيالًا على الناس». ماذا يريد بهذا؟ ولا تكونوا عيالًا على الناس: هل بمعنى أنكم لا تكونوا قدوة للعوام، وإنما ينبغي أن تكونوا أنتم... لا تكونوا تابعين للعوام، ولكن ينبغي أن تكونوا أنتم القدوة؟ أو لا تكونوا عيالًا على الناس بمعنى محتاجين إلى دنياهم؟ فعمل الأبطال هو الاحتراف للعيال والتكسب بالحلال، والنبي صلى الله عليه وسلم هو القائل: «كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت». فهل يريد المعنى الأول أو يريد المعنى الثاني؟ وعلى كل، من طلب العلم وصدق مع الله سبحانه وتعالى، فإن الله يتكفل برزقه. من طلب العلم وصدق مع الله، أخلص فيه لله، فالله عز وجل يتكفل برزقه. وعندنا حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم: كان أخوان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، أحدهما يطلب العلم والآخر يحترف، فشكا المحترف أخاه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لعلّك ترزق به، لعلّك ترزق به». وهكذا بهذا الوصف: طالب العلم إذا اتقى الله وأخلص لله وصدق مع الله، فإنه وإن مر بشدائد، فإن الله يقول: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾، ويقول: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾. وكما تقدم: من استطاع أن يكون له حرفة لا تشغله تمامًا عن طلب العلم، وأن يكون له دخل، فهذا الذي ينبغي على طالب العلم. من يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله، يكون صاحب عزة وصاحب شرف، ويكون صاحب عفة مع بذل الأسباب، مع بذل الأسباب، فبهذا تتم له أمور. ومع هذا، بارك الله فيكم، أيضًا كان بعض السلف من ينفق على طلاب العلم، كان من الأمراء والخلفاء من ينفقون على طلاب العلم، وكان من التجار من ينفق على طلاب العلم. ففرق شاسع وبون كبير بين ذلك الذي ينقطع في بيته منتظرًا لشيء من نوال الناس، وبين من هو في جهاد، الذين في الثغور، الذين في الثغور أمام الأعداء، إذا قيل لهم: اتركوا المرابطة واسعوا في دنياكم، لا تمكن الأعداء من الوصول إلى بلاد المسلمين والعلو على رقاب المسلمين، فهذه ثغرة يجب أن تسد، سواء كان من ولاة أمور المسلمين أو كان من الحريصين على نصرة الدين. وهكذا الجهاد بالعلم قد يكون أكبر أهمية من الجهاد بالسيف والسنان، فلهذا من رابط من طلاب العلم، فإنه في جهاد، فهو في جهاد وهو معذور على ذلك، ومن أعانه على هذا الجهاد فهو أيضًا معذور. فكما تقدم: طلاب العلم يعتبرون في جهاد، فليسوا هم وأولئك الذين ينقطعون في الزوايا والخلايا، ويمكثون في بيوتهم، ويتركون الاحتراف، سواء؛ لأن هؤلاء في عمل، وهؤلاء في بذل، وهؤلاء في نصح للدين وللشريعة، فينبغي أن يعانوا، وينبغي أن يحتسبوا الأجر، وينبغي أن يعرفوا ما بوأهم الله عز وجل فيه، وقدر النفع الذي يترتب على مواصلتهم للطلب وقيامهم بما أوجب الله تبارك وتعالى. ومع هذا وذاك، فإن استطاع طالب العلم أن يكون له دخل، ويحتسب الأجر عند الله في ذهاب الساعات والأوقات في الاحتراف، ويلتمس من الله البركة فيما يبقى له من الوقت، فهذه أعلى الدرجات، هذه أعلى الدرجات. قال: ثم ذكر أثر عبد الله بن مسعود: «ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله إذا الناس نائمون» إلى آخره. يعني: ينبغي لطالب العلم أن يتميز عن العوام، ليس من يعلم كمن لا يعلم. ثم ذكر أثر الحسن رحمه الله: قال: «إن من كان قبلكم رأوا القرآن رسائل من ربهم، فكانوا يتدبرونها بالليل وينفذونها بالنهار». نعم، هذه الغبطة التي يغبط بها العبد، قال صلى الله عليه وسلم: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار». فهذا هو الذي يغبط عليه: أنه يتلوه، وأنه يعمل. ثم أثر: ذكر أثر الفضيل: «ينبغي لحامل القرآن أن لا يكون له حاجة إلى أحد الخلفاء فمن دونهم». نعم، يعني فيه تنزه السلف عن قبول الهدايا والعطايا من قبل السلاطين فمن دونهم، في تنزه السلف، كانوا على جانب عظيم من الورع والتقوى. إلا فنعرف حديث النبي صلى الله عليه وسلم حينما أعطى لعمر شيئًا من المال فرده، قال: «أعطه من هو أفقر مني». قال: «يا عمر، إذا جاءك من هذا المال شيء وأنت غير مشرف ولا متطلع فخذه فتموله، وإلا فتصدق به». فما جاء من المال الحلال من غير تطلع ولا تشرف، فيأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقبوله. قال العلماء: هل هذا الأمر على سبيل الوجوب أو على سبيل الاستحباب؟ لكن تغيرت الأحوال بعد الزمن الأول، فصار الخلفاء لا يبالون، جمعوا المال في بيت المال من حلال أو من حرام، ظهر في بعض الخلفاء الظلم والعدوان وعدم المبالاة بحرمات الناس وأموالهم، فصار العلماء يتورعون، يعرفون مثلاً إذا أسقطوا الخليفة الأول، نهبوا أمواله، وأخذوا ما في خزائنه، وسألوا على أموال أقاربه، وقبضوا على أمراء الأجناد والأغنياء الموالين للدولة الأولى، ويحصل من هذا القَبيل ما يحصل. فهذا الذي جعل العلماء يتورعون، فمن العلماء من كان لا يقبل شيئًا ولا حبة جرهم من هؤلاء السلاطين وهؤلاء الأمراء، عملاً بالورع، مع أن موارد بيت المال متعددة، يأتي من جهة الغنائم، ويأتي من مال الخراج، وتكون بأمور حلال، لكن لما اختلط المال الحلال بالحرام، تورعوا، تورعوا ولم يقبلوا. فيقول: «ينبغي لحامل القرآن أن لا يكون له حاجة عند أحد من الخلفاء فمن دونهم»، يبتعد عن أبوابهم، صيانة للعلم، وعزازًا للنفس، وهروبًا من مواطن الذلة والمهانة، فالله سبحانه وتعالى أكرمه بالعلم، فلا يدنس هذه الكرامة باحتياجه إلى أهل الأموال أو السلطة. وعيسى بن يونس هو القائل: «ما رأيت أحدًا أحقر عنده» يعني من السلاطين والأمراء، كما رأيت عند الأعمش، مع حاجته وفقره، كان فقيرًا وكان محتاجًا، ومع ذلك يقول: «لم أر الخلفاء أحقر عند رجل مثل ما رأيت عند الأعمش»، لماذا؟ لأنه لم يحتج إلى شيء من دنياهم، وهم يحتاجون إلى العلم الذي عنده. أيضًا الأثر الأخير: «حامل القرآن حامل راية الإسلام، لا ينبغي أن يلهو مع من يلهو» إلى آخره. يعني: كما تقدم، ينبغي أن يتميز. قال رحمه الله فصلًا: ومن أهم ما يؤمر به أن يحذر كل الحذر من اتخاذ القرآن معيشة يكتسب بها. فقد جاء عن عبد الرحمن بن شبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اقرؤوا القرآن، ولا تأكلوا به، ولا تجفوا عنه، ولا تغلوا فيه». صحح العلامة الألباني. وعن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اقرؤوا القرآن قبل أن يأتي قوم يقيمونه إقامة القدح، يتعجلونه ولا يتعجلونه». قال: رواه أبو داود بمعناه من رواية سهل بن سعد، أما حديث جابر فهو صحيح. قال: معناه: يتعجلون أجره إما بمال وإما بسمعة أو نحوهما. وأما حديث سهل بن سعد فأفاد المحقق بأن إسناده ضعيف. قالوا: عن فضيل بن عمر رضي الله عنه قال: دخل رجلان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مسجدًا، فلما سلم الإمام قام رجل فتلى آيات من القرآن ثم سأل، فقال أحدهما: «إنا لله وإنا إليه راجعون، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: سيجيء قوم يسألون بالقرآن، فمن سأل بالقرآن فلا تعطوه». وهذا إسناد منقطع، فإن فضيل بن عمر لم يسمع الصحابة، نعم، فسنده ضعيف. هذا الفصل فيه ما تقدم، جعل المصنف رحمه الله يبدي ويعيد في ذكر هذه الآداب التي ينبغي أن يتحلى بها طالب العلم. قالوا: من أهم ما يؤمر به أن يحذر كل الحذر من اتخاذ القرآن معيشة يكتسب بها. مع أنه سيأتي بعد قليل ويذكر اختلاف العلماء في حكم أخذ الأجرة على تعليم القرآن، فماذا يريد بهذا الفصل؟ يريد به أنه يحذر من إفساد نية، فمقصده في تعلم وتعليم القرآن هو الحصول على المال، وهذا من فساد النية، فينبغي لطالب العلم وحامل القرآن، المتعلم القرآن أو متعلم الحديث أو متعلم الفقه، لا يريد بهذا التعلم أو بهذا التعليم عرضًا من عروض الدنيا. وهذا شأن كل عبادة: العبادات لا بد فيها من الإخلاص لله تبارك وتعالى والمتابعة للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما أن يكون قصد الطالب يأخذ علم القرآن لأجل أن يتأكل وأن يتعيش بهذا القرآن في يوم من الأيام، ماذا يريد؟ جلسة للطلاب يعلمهم لأجل أن يأكل بهذا الجلوس، وأن يأكل بهذا التعليم، هذا خطأ، بغض النظر هل يجوز أن يأخذ الأجر على تعليم القرآن؟ هذه مسألة ستأتي في الدرس القادم إن شاء الله على ما سيذكره المصنف. لكن المقصود هنا أنه يحذر من فساد نيته، أنه يريد بالعلم أو التعليم رياء أو سمعة أو دنيا أو حظًا أو منزلة أو مراءاة أو وظيفة أو مالاً أو شهرة أو شيئًا من هذه الأعراض. ذكر يعني العلماء أمورًا، ومن أهم هذه الأشياء أنه يريد بالعلم والتعليم المال، هذا خطأ، ينبغي أن يبذل المال في سبيل تحصيل العلم، لأنه يحصل العلم لأجل أن يصل به إلى المال، هذا خطأ. كان هدي السلف أنهم يسترخصون غالي الأموال ونفيس المتاع في سبيل تحصيل العلم: هذا يرث من أبيه الملايين فينفقها ولا يبقى له دينار ولا درهم في سبيل العلم والرحلة فيه، وهذا يبيع أدوات بيته في سبيل الاستمرار في طلب العلم، بل هذا يبيع سقف البيت لأجل أن يستمر في طلب العلم، وهذا ينفق على أصحابه حتى لا يبقى له شيء في العلم. فكان هدي السلف أنهم يبذلون المال لأجل الوصول به إلى العلم، ومن خالف هديهم وخرج عن طريقتهم، على العكس، يطلب العلم لأجل أن يصل به إلى المال، فهذا الذي يحذر منه المصنف. واستدل بالحديث: «اقرؤوا القرآن ولا تأكلوا به، ولا تجفوا عنه»، الجفاء: الترك والإعراض والتقصير، «ولا تغلوا فيه»، وهو مجاوزة الحد. الله سبحانه وتعالى جعل لكل شيء قدرًا، الشرع ليس لأنه شرع محبوب إلى الله سبحانه وتعالى يغلو فيه الإنسان، لا. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو». لا يغلو الإنسان في الشرع قرآنًا وسنة، وإنما المطلوب الاستقامة المطلوبة. قال: واستدل بحديث جابر: «اقرؤوا القرآن قبل أن يأتي قوم يقيمونه إقامة القدح». السهم قبل أن يوضع عليه الريش والنصل يقال له قدح، خشبة ينحتونها نحتًا، يجعلونها مستقيمة، لأن السهم إذا كانت الخشبة معوجة ما تطير، أول ما تنطلق من القوس ممكن تذهب يمين شمالاً وتسقط تحت رجله، فهم يختارون الأعواد الجيدة المستقيمة، ومع هذا ينحتونها نحتًا حتى تكون مثل القلم الرصاص، هذا أدعى أنها تطير مسافة طويلة لأنها تكون متوازنة. قال: «اقرؤوا القرآن قبل أن يأتي قوم يقيمونه إقامة القدح»: من حيث العناية بالمخارج والدقة، هذا أمر موجود، بل يفيد الحديث أنهم يبالغون في ذلك، يبالغون في التدقيق مبالغة شديدة. وسبب الحديث كما في حديث جابر هذا نفسه: أنه خرج عليهم النبي صلى الله عليه وسلم وفيهم الأعراب والأعجم، فقال: «اقرؤوا»، فكل حسن، ثم قال: «اقرؤوا القرآن قبل أن يأتي قوم» يعني فيهم الأعراب وفيهم الأعجم، الأعراب تمنعه الأعرابية من إقامته كما ينبغي، والأعجم أيضًا يعني بسبب لسانه الأعجم يحصل شيء من الخلل، لكن مع صلاح النية والحرص على التعلم، قال: «اقرؤوا، فكل حسن». لكن ما هو المخيف على طالب العلم وحامل القرآن؟ قال: «اقرؤوا القرآن قبل أن يأتي قوم يقيمونه إقامة القدح»، يتعهّد في إتقان التلاوة وفي بطئها، لكن المشكلة في فساد النية: «يتعجلونه ولا يتعجلونه»، ليس لهم هم إلى الآخرة، يريدون الدنيا بهذا الضبط وبهذا التدقيق وبهذه العناية والرعاية. هذا فيه ذم المبالغة والتكلف والتحذير من فساد النية، فإن أصحابها من أخسر الناس صفقة، هؤلاء الذين يعتنون يعني بالعلم عموماً، سواء كان علم السنة أو علم القرآن أو سائر العلوم، يعتنون حتى يصلون فيه إلى أعلى المراتب، لكن يريدون بذلك الدنيا، فهذا مذموم. ثم ذكر الأثر الأخير الذي لا يصح، ونواصل إن شاء الله في الدرس القادم. إلى هنا والحمد لله.