المحاضرة بعنوان من أسباب السعادة ما جاء في سورة العصر، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني
تستهل المحاضرة ببيان فضل القرآن الكريم وكونه شفاءً وهداية، ثم تتناول سورة العصر بوصفها سورة وجيزة جامعة لأسباب السعادة والخسران. يوضح الشيخ أن الله أقسم بالعصر تنبيهاً على قيمته، ويقرر أن الناس كلهم في خسران إلا من آمن وعمل الصالحات وتواصى بالحق والصبر.
يشرح المقطع أن الإنسان في خسارة إلا من حقق أربعة أمور: الإيمان الحقيقي المتضمن للاعتقاد والقول والعمل، والأعمال الصالحة المشروطة بالإخلاص والمتابعة، والتواصي بالحق والصبر. ويؤكد أن الإيمان هو المفتاح لقبول الأعمال، وأن المؤمن الحق يسارع إلى الخيرات ويحرص على إصلاح نفسه وغيره.
يبيّن المقطع أن قيام الأمة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو سبب عزّها ونصرها، وأن النصيحة والإصلاح واجب مستدلاً بآيات تشترط وجود المصلحين لنجاة المجتمعات. ويؤكد أن الاستمرار في هذا الطريق يستلزم الصبر على الطاعة والمعصية وأقدار الله المؤلمة.
يختتم المتحدث بالدعاء بأن يوفق الله الجميع ليكونوا من أهل الآيات الثلاث الكريمات، وأن يحقق لهم ما يرضي الله، مختتماً بالحمد لله.
موقع دار الحديث بالفيوش يقدم هذه المادة من أسباب السعادة ما جاء في سورة العصر، محاضرة قيمة لفضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرعي العدني رحمه الله تعالى. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فالله عز وجل جعل في كتابه الخير والهدى والنور والرحمة والشفاء لما في الصدور، كما قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾. وهكذا يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾. وهكذا يقول الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾. فإذا عرفنا أن هذا الكتاب له شأن عظيم ومنزل رفيع عند الله سبحانه وتعالى، ووصفه بالأوصاف العظيمة والجليلة؛ ليعظمه المسلمون ويعرفوا قدره، ويفيئوا ويرجعوا إليه. فمن كتاب الله سبحانه وتعالى سورة وجيزة وهي عظيمة وبليغة، تضمنت المعاني الكثيرة، وتضمنت أسباب الفلاح والسعادة وأسباب الخسارة. ولا شك أن كل واحد يحرص على أن يفوز ويسعد، وعلى أن ينجو ويسلم في الدنيا والآخرة. وهذه الأسباب قد لا يدركها كثير من الناس، والله سبحانه وتعالى بيّن لنا في هذه السورة العظيمة والوجيزة في كلمات يسيرة أسباب السعادة وأسباب الربح والفوز. وهكذا بيّن لنا ربنا تبارك وتعالى أسباب الهلاك والخسارة، وأن الفشل... قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾. هذه السورة التي قال فيها الشافعي رحمه الله: "لو تدبرها الناس لوسعتهم" أو "لكفتهم". نعم، سورة قصيرة لكنها بليغة ووجيزة. فالله عز وجل يقول فيها: ﴿وَالْعَصْرِ﴾، أقسم الله سبحانه وتعالى بالعصر الذي هو الوقت والزمن، وهذا الدهر الذي فيه من العبر، وفيه من تقلب الليل والنهار، وفيه من الحوادث والمتغيرات والحياة والموت والأمور العظام. هذا الزمن الذي من الناس من يستغله في طاعة الله وإصلاح نفسه وإصلاح أسرته، ومن الناس من يتخذه لعباً ولهواً وتفلتاً وتمرداً على أوامر الله، واستحلالاً لنعم الله سبحانه وتعالى في معاصيه، ومن الناس من يذهب عليه هذا الوقت سبهللاً ويمضي عليه في الأكل والشرب والتمتع بالملذات. فالله سبحانه وتعالى أقسم بالعصر، والله عز وجل له أن يحلف ويقسم بما شاء من مخلوقاته، لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون. ولكن لا يحلف الله سبحانه وتعالى بشيء إلا وله سر عظيم، وفيه إشارة إلى الاعتبار والنظر في هذا الذي أقسم الله سبحانه وتعالى به. أما قسم المخلوق بغير الله سبحانه وتعالى فهذا يعتبر شركاً بالله عز وجل. أما الله سبحانه وتعالى فله أن يقسم بما شاء، أقسم الله بالليل، وبالشمس، وأقسم بالضحى، وأقسم بالذاريات، وأقسم بأمور كثيرة. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾. هكذا يخبر الله سبحانه وتعالى أن الناس جميعاً في خسارة، وفي هلاك، وفي فشل. الناس كلهم: الملك والمملوك، والغني والفقير، والذكر والأنثى، والعالم والجاهل، والشريف والوضيع، الناس كلهم بدون استثناء ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾. الناس كلهم في خسارة في مساعيهم وأعمالهم، وفي حياتهم الدنيا، وفيما يقدمون به على ربهم سبحانه وتعالى. ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾. لا شك أن الذي يحرص على النجاح يفزع ويخاف، كيف يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾؟ لا بد أنه سيبحث عن أسباب النجاح، ولا بد أنه يسعى في أن يخرج نفسه من هذه الخسارة. ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾، ثم أكرم الله سبحانه وتعالى عباده فبين لهم أسباب السعادة وأسباب النجاة من الخسارة، فقال سبحانه وتعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾. فالله عز وجل يقول: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، الإيمان بالله سبحانه وتعالى الذي هو اليقين والتصديق والاعتقاد بأنه لا يستحق العبادة إلا الله سبحانه وتعالى، ثم النطق بهذا الذي في القلب من العلم واليقين والرضا والاطمئنان، وهكذا العمل بالجوارح. هذا هو الإيمان بالله سبحانه وتعالى الذي هو أجل النعم ورأس المنن. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين. فالإيمان بالله سبحانه وتعالى لا يُسأل عن أهميته، ولا يُسأل عن فضله وخيراته وحسناته، فإنه الفاصل بين المؤمن والكافر، وهو أعظم سبب في حصول السعادة والنجاة من الخسارة. وهكذا الإيمان الذي هو المفتاح الذي به تقبل جميع الأعمال، وأما بدونه فمهما قدم الإنسان، ومهما عمل الإنسان، ومهما ركع وسجد وبذل وأنفق وتعب وسهر، فطالما ليس عنده الإيمان بالله سبحانه وتعالى، فالله عز وجل لا يقبل منه أعماله، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾. فالله عز وجل أشاد بهذا الإيمان، فعلى الناس جميعاً، على الرجال والنساء، أن يعلم كل واحد أن من أعظم أسباب النجاة من الخسارة تحقيق الإيمان بالله سبحانه وتعالى، الذي هو اعتقاد بالجنان، وقول باللسان، وعمل بالجوارح والأركان، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، مع أن العمل الصالح داخل في الإيمان، لكن خصه الله عز وجل بالذكر لأهميته. فليس الإيمان كما يظن بعض الناس أنه فقط مجرد التصديق بالقلب، فيسرح ويمرح ويلعب ويلهو ويغفل ويعبث ويضيع حياته، ويقول: "أنا مؤمن". لا، المؤمنون في كتاب الله هم العاملون، والإيمان هو الذي يدعو أصحابه إلى العمل الصالح. ولهذا الله سبحانه وتعالى كثيراً ما ينادي أهل الإيمان بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ افعلوا كذا، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ لا تفعلوا كذا، إشارة إلى أن الإيمان هو الذي يحمل أصحابه ويدفعهم ويحثهم إلى المسابقة والمسارعة إلى العمل الصالح، وإلى امتثال الأوامر واجتناب النواهي. نعم، فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، حققوا الإيمان بالله وسارعوا إلى مرضاة الله، وتنافسوا في هذه الخيرات والأعمال الصالحات. الأعمال الصالحة التي توفّر فيها شرط الإخلاص لله والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهما شرط قبول العمل: الإيمان الذي هو الإخلاص، والمتابعة للنبي صلى الله عليه وسلم. وقد تقدم الكلام في الدرس الماضي على ما يتعلق بالعمل الصالح والحث عليه. ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾. هكذا وصف الله سبحانه وتعالى هؤلاء الناجين أنهم يتواصون فيما بينهم بالحق، ولا يكتفي الواحد منهم بأن يصلح نفسه، بل يحرص على أن يصلح نفسه ويصلح أسرته ويصلح من استطاع من عباد الله سبحانه وتعالى. ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾، الذي هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. بهذا تقوم الأمة وتنتصر، وبهذا تعز الأمة، وبهذا تظهر الفضائل وتختفي الرذائل، وبهذا أيضاً ينصر الدين، وبهذا تكون العزة لهذه الأمة. فلا قوام لها ولا عزة ولا نصرة إلا بقيامها بهذه الشعيرة العظيمة والفريضة الكبيرة، ألا وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي به ميز الله سبحانه وتعالى هذه الأمة وشرفها ورفع من قدرها: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾. فليس بين العباد وبين ربهم سبحانه وتعالى صلة ولا نسب إلا بالإيمان والعمل الصالح. فالله سبحانه وتعالى ذكر أن أسباب خيرية هذه الأمة إيمانها بالله وقيامها بهذه الفريضة. فهكذا تحرص المرأة المسلمة على أن تصلح من نفسها، وعلى أن تنقل هذا الخير إلى غيرها، وعلى أن تنصح لمجتمعها ولأخواتها ولمن استطاعت أن تنصح لهم. فهذه من أسباب السعادة. ولا يعتبر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا تعتبر نصيحة، من التدخل في شؤون الآخرين كما يظن بعض الناس، يعني: "دعوا الناس على ما هم عليه، كل واحد حر". وهذا غير صحيح، هذا غير صحيح. الله سبحانه وتعالى لم يقل: الناس أحرار، وإنما هم تعتريهم النقائص والزلل والخطأ. ومن هذا الذي هو كامل إلا من عصمه الله سبحانه وتعالى؟ فما من واحد منا إلا ويعتريه من الجهل والنقص والغفلة واستيلاء الشيطان عليه. فبالتذكير والتعليم والنصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يتعلم الجاهل، ويتنبه الغافل، ويرجع ويقرب البعيد والمدبر. فهذه مسألة لا يستهان بها: إحياء هذه الشعيرة، التناصح والتآمر بالمعروف والتناهي عن المنكر، على مستوى البيوت أو المسجد، وعلى مستوى الأقارب والصديقات، وعلى مستوى الأسرة جميعاً. فلذلك هذا من أسباب الصلاح والنجاة. فالله سبحانه وتعالى ينجي الأمة بأسرها متى ما وجد فيها المصلحون: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾. لم يقل: "صالحون"، لا يكفي وجود الصالح، لكن لا بد من وجود المصلح الذي يصلح ما أفسد الناس، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. ثم قال سبحانه: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾. فمن جاهد نفسه على إقامة طاعة الله، ومن حقق الإيمان بالله، ومن سارع إلى مرضاة الله بالأعمال الصالحة، ومن أمر بالمعروف ونهى عن المنكر، فلا بد أن يصبر. فهذه الحياة، حياة الإيمان وحياة الطاعة والاستقامة، تحتاج إلى صبر من صاحبها. وإن لم يستطع أن يواصل الطريق، أنه يصبر على إقامة طاعة الله مع أن الجنة حُفت بالمكاره، ولا يستطيع الصبر عن معاصي الله مع أن النار حُفت بالشهوات، ولا يستطيع الاستمرار في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع كثرة العداء والمشاغبين، وكثرة العوائق، وضعف النفوس، وسلطان الشيطان. فلذلك قال الله: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾: صبر على الاستمرار على طاعة الله، وصبر على البعد عن معاصي الله، وصبر على أقدار الله سبحانه وتعالى المؤلمة، والبلايا تلاحق المسلم، والمصائب والمحن والفتن. لكن من لجأ إلى الله واستعان به وصبر على إقامة طاعته والبعد عن معاصيه فهو الموفق. فلذلك ختم الله سبحانه وتعالى هذه السورة: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾، الذي ليس عنده الصبر ما يستطيع أن يستمر ولا يواصل. ولهذا قال الله سبحانه وتعالى مخبراً عن لقمان: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾. هكذا يقول الله: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾، ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾. فلا بد من الصبر والمصابرة. فهذه خصال كريمة وصفات عظيمة حميدة ذكرها الله سبحانه وتعالى في كتابه لحصول النجاة والسعادة. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفق الجميع لأن نكون من أهل هذه الآيات الثلاث الكريمات. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى، والحمد لله.