المحاضرة بعنوان لا نصر إلا بإيمان وتوكل، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
التوكل على الله هو شرط أساسي للنصر مع الإيمان، ويعني الاعتماد على الله مع الأخذ بالأسباب. هذا المفهوم هو أساس قوة المؤمن وثباته أمام التحديات.
التوكل لا يتعارض مع الأخذ بالأسباب، بل يقتضي بذل الجهد ثم التوكل على الله. الأنبياء والرسل مثل إبراهيم ومحمد وموسى عليهم السلام نصرهم الله بعد أن بذلوا الأسباب وتوكلوا عليه.
المؤمن الذي يتوكل على الله حق التوكل يكون قوياً وثابتاً أمام الأحداث، ولا يهتم بإقبال أو إدبار الأسباب الخارجية. هذا التوكل يجعل الفرد بقوة أمة كاملة كما هو الحال مع إبراهيم عليه السلام.
تحقيق حقيقة التفويض والتوكل على الله سبحانه وتعالى، فإذا تحقق ذلك هانت كل الأمور، لأن حقيقة النصر على وجه الإجمال تكمن في شيئين اثنين: إيمان بالله وتوكل عليه. فإذا تحقق الإيمان بقي التوكل، وقد جمع بينهما في آيات كثيرة، قال الله عز وجل: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، وقال في حق بعض الرسل وأتباعهم: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا﴾. فإن المرء قد يؤتى من عدم إيمانه بالله علمًا وعملًا، فيكون به الهزيمة، وإما من عدم تفويض أمره إلى الله وتحقيق توكله عليه، لأنه قد يوجد إيمان لكن يضعف التوكل، فعند ذلك يستعجل النصر، وتعظم عنده الأسباب. أما إذا تحقق معنى التوكل، وحقيقة التوكل هو تمام التفويض والثقة بالله عز وجل في تحقق المطلوب المحبوب ودفع المكروه المرهوب، فإذا توكل العبد على الله حق التوكل. ومن التوكل الأخذ بالأسباب، لكن ليس الاعتماد على الأسباب، فعند ذلك إذا أقبلت الأسباب أو أدبرت بعد أخذه بكل الأسباب الحسية والمعنوية التي يكون بها النصر، فهو لا يبالي، لا يبالي كحال الرسل عليهم الصلاة والسلام، لما توكلوا على الله حق توكله، ما بالوا بتخلف الأسباب بعد إذ بذلوا الجهد في الوصول إليها، وعلموا أن الله الذي فوضوا أمرهم به ناصرهم علمًا يقينًا، فما بالوا بإقبال الأسباب وإدبارها. فلما رمي إبراهيم عليه الصلاة والسلام في النار قال: «حسبي الله نعم الوكيل»، فجعلها الله له بردا وسلاما، كما جاء في البخاري بحديث ابن عباس. والنبي عليه الصلاة والسلام لما قال له الناس: «إن الناس قد جمعوا لكم»، قال: «حسبنا الله ونعم الوكيل»، فنصره الله. وموسى عليه الصلاة والسلام لما وقف بطرف الماء والعدو من خلفه والماء من أمامه، قال بعض من معه: «إنا لمدركون»، قال: «كلا إن معي ربي سيهدين»، فنصره الله. وكذلك المؤمن الذي قد وثق بربه وعظم توكله عليه، مهما حصل له فهو عظيم الثقة بربه، فهو بهذا قوي، رب واحد أقوى من أمة بقوة يقينه وتوكله على ربه سبحانه وتعالى، فإنه يعلم أن الخير فيما يختاره الله له، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، كما جاء في وصية النبي صلى الله عليه وسلم بحديث ابن عباس. فهو حديث عظيم بالتوكل، أمره بأوله بالتوكل، وبين له حقيقته. فمن توكل على الله حق توكله لم يبالي بإقبال الأسباب وإدبارها، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء فلن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن يضروك بشيء فلن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك. متى يتحقق هذا؟ إذا تحقق التوكل الحق. فإذا تحقق التوكل الحق قويا أهل هذا الدين قوة لا يعلم قدرها إلا الله سبحانه وتعالى، فرب رجل واحد عنده من عظيم التوكل بالله وصحته ما يساوي أمة من الناس، كإبراهيم عليه الصلاة والسلام إمام المتوكلين، فهو أمة سماها الله أمة، بماذا؟ بما كان من عظيم إيمانه وصحة توكله على ربه سبحانه وتعالى، وبه.