تفسير سورة الحديد من تفسير الجلالين 6

تفسير سورة الحديد من تفسير الجلالين 6

الدرس في تفسير سورة الحديد من تفسير الجلالين 6، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

حوار المنافقين والمؤمنين يوم القيامة

ينادي المنافقون المؤمنين يوم القيامة متسائلين عن مشاركتهم معهم في الدنيا، فيجيب المؤمنون بأنهم كانوا معهم ظاهريًا لكنهم فتنوا أنفسهم بالنفاق والشك. هذا الحوار يظهر ضلال المنافقين وهلاكهم بسبب نفاقهم واغترارهم بالدنيا.

تفسير الآيات القرآنية المتعلقة بالنفاق والكفر

يفسر الشيخ الآيات القرآنية التي تصف المنافقين، موضحًا معاني التربص والريبة والأماني التي أدت إلى نفاقهم. كما يشرح كيف أن المنافقين اغترّوا بالدنيا واشتكوا في دين الإسلام، مما أدى إلى ضلالهم وهلاكهم.

عاقبة الظالمين والمنافقين في الآخرة

يتناول المقطع تفسير الآيات القرآنية التي تتحدث عن المنافقين وأمانيهم الزائفة وغرورهم بالدنيا، ويشرح كيف أن الشيطان يغريهم ويمنعهم من قبول الحق. كما يوضح أن النار هي المأوى للكفار والمنافقين يوم القيامة.

التفريغ النصي الكامل

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ينادونهم ألم نكن معكم؟ قالوا: بلى، ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله الغرور. فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا، مأواكم النار، هي مولاكم وبئس المصير. قال المفسر رحمه الله: ينادونهم ألم نكن معكم على الطاعة؟ قالوا: بلى، ولكنكم فتنتم أنفسكم بالنفاق، وتربصتم بالمؤمنين الدوائر، وارتبتم، شككتم في دين الإسلام، وغرتكم الأماني والأطماع حتى جاء أمر الله الموت، وغركم بالله الغرور الشيطان. فاليوم لا يؤخذ -بالياء والتاء- منكم فدية ولا من الذين كفروا، مأواكم النار، هي مولاكم أولى بكم، وبئس المصير. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، ما زلنا في هذه الآيات في هذه السورة العظيمة سورة الحديد، ومر معنا في الآيات السابقات ما ذكر من حال المؤمنين والمنافقين، وتبعًا لذلك قوله جل وعلا في هذه الآية عن المنافقين حين ينادون المؤمنين بعد أن يحرموا ويحال بينهم وبين ما وفق إليه أهل الإيمان بذلكم السور، وضياع ذلكم النور. عند ذلك ينادي أهل النفاق أهل الإيمان: ألم نكن معكم؟ أي في الطاعات. وقول المفسر رحمه الله: أي على الطاعة، فالطاعة ليست الإيمان، إنما الأعمال الظاهرة. وكانوا مع المؤمنين في الجمع والجماعات، وفي كذلك الجهاد والغزوات، وفي صنوف من الطاعات، لكن كانت تلك الطاعات مجردة عن الإيمان، بل رياء وسمعة ونفاق وكذب وزور. فقال، فيقول المؤمنون بما كان من وجودهم معهم في أبواب الطاعات: قالوا: بلى، ولكنكم فتنتم أنفسكم. قال المفسر رحمه الله: بالنفاق. وهذا من التفسير ببعض المعنى، وأهم المعنى، وإلا فأسباب الفتنة كثيرة. فإنهم فتنوا أنفسهم بالنفاق الذي هو سبب ما هم فيه، وهذا النفاق له أسباب. فإن من أسباب النفاق الدنيا، كما كان حال بعض المنافقين، ومن أسباب النفاق كذلك الصحبة السيئة، وغير ذلك مما كان سببًا في حصول ذلك النفاق لهؤلاء. وقوله رحمه الله في تفسيره جل وعلا: ﴿وتربصتم﴾ قال: بالمؤمنين الدوائر، يعني لم تكتفوا بأنكم لم تصدقوا في أعمالكم تلك بأن كنتم على نفاق، بل زدتم على ذلك أنكم أعنتم الكافرين على المؤمنين، وهذا هو التربص. وتربصتم قال: بالمؤمنين الدوائر، ولا يخفى ما وقع من المنافقين في وقائع كثيرة عامة وخاصة، فإنهم لم يزالوا ولا يزالوا يتربصون بالمؤمنين حتى أعانوا وعاونوا المشركين، وكان منهم ما كان، حتى طعنهم في عرض النبي صلى الله عليه وسلم، وإثارتهم للفتنة بين المهاجرين والأنصار، فشرهم كثير، فضحهم الله عز وجل في سورة التوبة، وهكذا كذلك في سورة المنافقين. قال: ﴿وارتبتم﴾ شككتم في دين الإسلام، وهذا كذلك من معاني الريبة، وإلا فالريبة أوسع من ذلك. والشك ليس هو الريبة، فاختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى. الريبة شيء زائد عن الشك، هو ميل مع طعن في الحق. الشاك هو الذي لم يترجح له أحد الطرفين، وأما صاحب الريب فهم الذين عندهم ترجح أحد الطرفين على الآخر. فهؤلاء حصل عندهم ريب في الحق، ولا ينافي هذا قول الله عز وجل في وصف المؤمنين ﴿لا ريب فيه﴾ لأن المقصود لا ريب في الإيمان. وهؤلاء حصل منهم الريب في الإيمان، أي أهل النفاق، فأهل الإيمان عندهم يقين في الإيمان الذي هم فيه، ومن يقينهم أنه ليس عندهم ذرة شك ولا دون ذلك. وأهل النفاق على العكس، فإنهم تعدى عندهم الشك إلى أن صار فوق الإيمان، وهذا حال المنافقين، ولهذا تجرأوا بالتربص وبالأذية وبكذلك الهمز واللمز وغير ذلك مما كان يصدر من المنافقين. وقوله سبحانه: ﴿وغرتكم الأماني﴾ قال: الأطماع، يعني مما كان سببًا في ذلك النفاق. وهذا من التفسير ببعض المعنى، وقد فسر عن جماعة من السلف بأنه الاغترار بالدنيا وطول الأمل فيها، وطمعهم كذلك بالوصول إلى التمكين ونزع ذلك الخير الذي مع المؤمنين. كما كان حال رأس المنافقين، كان يرجو أن يكون رأسًا في المدينة، فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم والتف الناس حوله من المهاجرين والأنصار، فكأنه فاته ما كان يرجوه من الترأس والتزعم، فعند ذلك كان هذا سببًا في عدم دخوله في الإيمان ووقوعه في النفاق. وهذا من الأماني أنه يتمنى أن يصل إلى ما يرجوه من الترأس والتزعم، ولذلك كان يكيد المكائد ويقف في صف اليهود والمشركين رجاء أن يصل إلى ما يريد وما يتمنى. وهكذا كل منافق له أمنية، بل ربما أماني، ومن هذه الأماني أطمع يرجو تحصيلها من هذه الدنيا الزائلة. وقوله: ﴿حتى جاء أمر الله﴾ قال رحمه الله: الموت، وهذا من التفسير كذلك ببعض المعنى، فإن أمر الله الموت أو عذابه وعقوبته، فكل ذلك من أمر الله. ﴿وغركم بالله الغرور﴾ قال: الشيطان، أي سبب هذا الغرور، وإلا فمن الغرور الاغترار بالملك أو الاغترار بالولد أو الاغترار بالمال أو الجمال أو غير ذلك من أمور الدنيا الزائلة. فإن بعض متاع الدنيا الزائل قد يكون سببًا في الحرمان من توفيق للحق، ولذلك كان أكثر أتباع الأنبياء من الفقراء، وقليل أن يكون فيهم من الأغنياء، لأن أكثر الأغنياء يغترون بما في أيديهم فيمنعهم ذلك من قبول الحق والدخول فيه. وهكذا حال المنافقين. وقوله رحمه الله: بالياء والتاء في قوله ﴿فاليوم لا يؤخذ﴾ أي رواية، قراءتان سبعيتان مشهورتان كما أشار في التعليق: لا يؤخذ ولا تؤخذ، لأن التأنيث ها هنا لفظًا، فالمقصود الفدية. وهكذا كذلك قوله: ﴿ولا من الذين كفروا مأواكم النار هي مولاكم﴾ أي لا يقبل الله عز وجل من المنافقين ولا من الكافرين فدية، فحال الآخرة ليس كحال الدنيا، لأن هذا كان زعم بعض المنافقين وظنهم، فإنهم يظنون أنهم ربما يفديهم بعض أبنائهم المؤمنين -كرأس النفاق- أو كذلك يظنون أن أمر الآخرة كأمر الدنيا في وجود الفداء كفداء الأسرى. فنفى الله عز وجل ذلك: أنه لا يكون يوم القيامة كما أخبر الله عز وجل في الآيات الأخرى: ﴿يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه﴾، فإذا كان ألصق الناس بقرابته وأقربهم وأخلصهم له يفر في ذلك اليوم، فكيف بمن هو دونه؟ ولذلك قرنهم بالكافرين، أي لا فرق بين المنافقين والكفار. ﴿مأواكم النار هي مولاكم﴾ قال: أي أولى بكم، والمعنى لا مولى ينجيكم، بل الذي تتولاكم هي النار، أعاذنا الله وإياكم والسامعين من عذابها. ﴿وبئس المصير﴾ أي كذلك في الدنيا، في البرزخ ويوم القيامة، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يتجاوز عنا وأن يجعلنا من خالص عباده المؤمنين. إلى هنا والله تعالى أعلم، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.