تفسير سورة الصف من تفسير الجلالين 4

تفسير سورة الصف من تفسير الجلالين 4

الدرس في تفسير سورة الصف من تفسير الجلالين 4، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

فضل الإيمان والجهاد

تفسير الآيات من سورة الصف التي تحث على الإيمان والجهاد بأموالنا وأنفسنا، وتعد هذه الأعمال بأفضل الأعمال عند الله. يُشترط الإيمان والإخلاص لله.

أهمية الجهاد وإخلاص النية

الجهاد في سبيل الله من لوازم الإيمان ويجب أن يكون خالصًا لله لتحقيق الأجر والمغفرة. الإخلاص في الجهاد شرط لصحة العمل وقبوله.

منزلة الجهاد وأثره في نصرة الدين

الجهاد هو ذروة سنام الدين وسبب لنصرة الله، وقد وعد الله المجاهدين بخيرية الدنيا والآخرة. الجهاد أدى إلى انتشار الإسلام وتحقيق النصر على أعداء الله.

التفريغ النصي الكامل

﴿يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين﴾. قال المفسر رحمه الله: «يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم -بالتخفيف والتشديد- من عذاب أليم مؤلم، فكأنهم قالوا: نعم، فقال: تؤمنون -تدومون على الإيمان- لله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم، ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون أنه خير لكم فافعلوه، يغفر -جواب شرط مقدر- أي: إن تفعلوه يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن -إقامة- ذلك الفوز العظيم، ويؤتكم نعمة أخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب، وبشر المؤمنين بالنصر والفتح». بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، ما زلنا في هذه السورة العظيمة سورة الصف، وفي هذه الآيات العظيمات التي فيها الأعمال الفاضلة. وقد مر معنا في أول السورة ما روي في حديث عبد الله بن سلام حين تذاكر: «أي الأعمال أحب إلى الله سبحانه وتعالى؟» فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم رجلًا جمعهم، ثم قرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآيات من أول سورة الصف إلى قوله: «كبر مقتًا». وفي رواية: «إلى آخرها»، ففي هذه الآيات الدلالة على أفضل الأعمال عند الله سبحانه وتعالى وأحبها. وقوله سبحانه: ﴿هل أدلكم على تجارة تنجيكم﴾، قرأ بالتخفيف والتجديد -يعني قراءتان سبعيتان-، قرأ ابن عامر بالتجديد «تنجيكم»، وقرأ البقية «تنجيكم» على قراءتنا -قراءة حفص عن عاصم-. وقوله: «هل أدلكم» جاء الخبر بصيغة الاستفهام، والمراد: هذا هو الذي يحبه الله من أفضل الأعمال، الإيمان بالله ورسوله والمجاهد في سبيله بالمال والنفس، وأن ذلك هو الخير -أي الأفضل عند الله والأحب-. ففيه حث على فعل هذه الخصال، وفيه كذلك اشتراط الإيمان في الأعمال الصالحة. وفسر الإيمان بنقيض الكفر، وفسر بالإخلاص، وكلاهما مطلوب. فمن شرط الأعمال الصالحة أن يكون عاملها مؤمنًا مخلصًا لله عز وجل. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم -صحيح مسلم- الحديث «بهريرا» رضي الله عنه، قوله عليه الصلاة والسلام: «من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه». وقوله سبحانه وتعالى: «بالله ورسوله»، الإيمان بالله بكل معاني الإيمان بربوبيته وإلوهيته وأسمائه وصفاته، تحقيق معنى عبوديته على الوجه الذي أراده الله سبحانه وتعالى. وهكذا الإيمان برسوله صلى الله عليه وسلم، فـ«لا إله إلا الله» لا معبود بحق إلا الله، و«محمد رسول الله» لا متبوع بحق إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكلما كمل العبد بإيمانه كملت مجازاته، وكلما كمل العبد في اتباعه كذلك كملت مجازاته. وقوله: «وتجاهدون في سبيل الله»، الجهاد في سبيل الله من الإيمان، فهو من لوازم الإيمان بالله وبرسوله، ولكنه من ذكر الخاص بعد العام تنبيهًا على أهميته. فالجهاد في سبيل الله ذروة سنام هذا الدين. والآيات فيها الحث على الجهاد في سبيل الله، لما في الجهاد في سبيل الله من عظيم الفضل في نصرة هذا الدين بالمال والنفس. قدم المال على النفس، وقدم الاشتراط على المطلوب؛ ليعلم أن الشأن كل الشأن ليس أن يتحقق الجهاد بالفعل، لقد رمى الشأن كل الشأن أن يكون خالصًا لله سبحانه وتعالى، أن تكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا وفجروا هي السفلى. فمن جاهد بنفسه وماله وكان في جهاده العجب والرياء والسمعة أو شيء من أغراض الدنيا، فإنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى. فكم من مجاهد مأزور غير مأجور؛ لأنه ما أراد وجه الله سبحانه وتعالى، إنما قاتل حمية أو عجبًا ورياء وسمعة أو غير ذلك، كما جاءت الأحاديث الكثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في الأمر بإخلاص الجهاد لله عز وجل. وقدم المال على النفس ليس لأفضلية المال على النفس على الصحيح، ولكن للدلالة على ما فيه من المنفعة. هذا وجهه، قال بعضهم: لأن الشح به قد يكون عند بعض الناس أكثر، وقيل غير ذلك. وقوله: «ذلك خير لكم إن كنتم تعلمون»، قال: «أنه خير لكم فافعلوه»، الجملة خبر أريد بها الإنشاء، وإذا جاء الخبر وأريد به الإنشاء فيكون أبلغ من الإنشاء المجرد، أي: أن هذا هو واقع الأمر، فالواجب امتثاله وتحقيقه، وأن يكون كذلك دون طلب، فكيف إذا جاء الطلب فإنه من باب أولى. وقوله سبحانه: «يغفر» قال: جواب شرط مقدر، أي: إن تفعلوه يغفر. وفهم هذا من الجملة التي قبله، فهذه كذلك من الجوائز التي ينالها من حقق ذلكم الشرط، فليس فقط فيه الخيرية، بل فيه كذلك المغفرة. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه: «يغفر للمجاهد في سبيل الله بأول قطرة تقطر من جسده من دمه، فيغفر الله عز وجل له كل شيء إلا الدين»، كما صحت به السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم. وهل هو مخصوص بالدين؟ قال العلماء: كل ما يدخل في معنى الدين من حقوق الآدميين، فما كان من حقوق الآدميين فيجب على المسلم أن يتحلل منه في الدنيا، وما كان من حق الله فالله عز وجل يغفره كله. وقوله: «ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن»، هذه جوائز أخرى زائدة عن معنى الخيرية التي هي خيرية الدنيا وخيرية الآخرة. خيرية الدنيا بالغنيمة والنصر والقوة والشجاعة والتمكين، وخيرية الآخرة بعظيم فضل الله عز وجل على المجاهدين، فأعد الله عز وجل للمجاهدين الدرجات الكثيرة في الجنة. ومن ذلك أنه سبحانه وتعالى يدخلهم جنات عدن -أخص الجنات- التي فيها معاني الرفعة، وفيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، مع ما فيها من عظيم الرفع عند الله سبحانه وتعالى. وقوله: «إقامة» أي: أنهم يقيمون فيها «ذلك الفوز العظيم»، أي: هذه الجوائز الكثيرة التي ذكرها الله من خير الدنيا وخير الآخرة. وقوله سبحانه: «وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب»، أي: مع هذا كله كذلك هذا سبب لتحقق ما تحبونه من نصر هذا الدين. فالجهاد في سبيل الله ذروة سنام هذا الدين، فالمجاهد يفتح سنة حسنة وبابًا لنصرة دين الله عز وجل. ولذلك لولا الجهاد في سبيل الله -بعد توفيق الله سبحانه وتعالى- لم يبلغ هذا الدين ما بلغ مشرقًا ومغربًا وشمالًا وجنوبًا. وهذا من نصر الله سبحانه وتعالى، ابتدأ الجهاد بجهاد الدفع وجهاد يسير يوم بدر وأحد وما بعده، حتى وصل المجاهدون في سبيل الله إلى أقصى الشرق والغرب والشمال والجنوب، فكان ملك أهل الإسلام ملكًا لا يعرف في تاريخ البشرية ما بلغ ملكًا إلا لأهل الإسلام، حتى أخذوا ملك كسرى وفارس. وهذا لم يكن إلا لأهل الإسلام، وهذا بعض قول الله عز وجل: «نصر من الله وفتح قريب»، فسر بأنه فتح مكة، وفسر بأعم من ذلك، أي: أن الله عز وجل يفتح على المؤمنين مكة وغيرها. والآيات كما تقدم معنا بعضها مكية وبعضها مدنية، حتى إن بعضها مدنية فالصحيح أنها كانت قبل الفتح -قبل فتح مكة-، وهذا هو الصحيح، فيكون المقصود فتح مكة وغيرها من بلاد الكافرين؛ لأن مكة كانت بلاد كفر، فالمقصود «فتح قريب» يفتح الله عز وجل به على أهل الإسلام والإيمان. وهذا ما تحقق في زمن النبي صلى الله عليه وسلم بفتح مكة وما جاورها، ثم ما جسره الله لصحابته رضي الله عنهم من بعده، فملكوا ملكًا سري وهرقل، بتحقيق ما وعدهم الله عز وجل به. وكان من أعظم أسباب ذلك هذه الشروط التي ذكرها الله عز وجل: إيمان بالله ورسوله، وجهاد في سبيله بالمال والنفس. وهذا يدلنا على عظيم منزلة الجهاد في سبيل الله بالشروط المعروفة المذكورة التي ذكرها أهل العلم، وضوابطها التي يكون بها حفظ الإسلام وأهله، وكذلك الضفر على الكافرين ومن معهم. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم عن نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.