الدرس في تعليق - الرد على الأخنائي 19، الردس التاسع عشر : من : (فصل:ثم قال المعترض وصح النبي أنه خرج إلى زيارة قتلى ... عند أهل العلم بالحديث كما قد بسط هذا في مواضع ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
شيخ الإسلام يرد على من يحتج بزيارة النبي لقبر أمه لإثبات جواز زيارة القبور، ويوضح المراد بزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم. الزيارة كانت في طريقه ولم يمشِ إليها، وأنها كانت للرقة والاعتبار لا للتبرك أو الدعاء.
يناقش الاعتراضات حول زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم ويرد عليها بأن الأحاديث الصحيحة حول الزيارة لا تعني السفر خصيصا للقبر، بل تعني زيارته ضمن زيارة المسجد النبوي.
يناقش ادعاء وجود أحاديث صحيحة في زيارة قبر النبي ويرده، ويبين عدم وجود دليل صحيح في لفظ قبر النبي، وما ورد في ذلك فهو ضعيف أو كذب موضوع عند أهل العلم بالحديث.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال شيخ الإسلام رحمه الله في "رد عطاء الأقناء": فصل، ثم قال المعترض: وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خرج إلى زيارة قتلى أحد، وإلى بقيع الغرقد، وهذا الأمر لا ينكره من أئمة النقل أحد. وبالصحيح أنه صلى الله عليه وسلم استأذن ربه في زيارة قبر أمه فأذن له، وأجيب في ذلك لما سأله، فعلام يحمل هذا القائل زيارته لقبر أمه ومشيَ الذي منه صدر؟ فإن حمله على التحريم فقد ظلم وكفر، وإن حمله على الجواز والندب فقد لزمته الحجة والتقم الحجر. قال: هذا الكلام ممني على افترائه المتقدم، وهو أن المجيب يحرم زيارة القبور مطلقًا. وقد تقدم أن هذا افتراء عليه، بل هو يجوز زيارة قبور المؤمنين للدعاء لهم والاستغفار، ويجوز زيارة قبر الكافر للرقة والاعتبار، كزيارة النبي صلى الله عليه وسلم قبر أمه. ثم يقال له: أولًا، النبي صلى الله عليه وسلم لم يسافر لزيارتها، بل ذلك في طريقه لما فتح مكة. ويقال له: من أين لك أنه مشى إلى قبر أمه؟ وإن كان المشي جائزًا، فإنه إنما زارها في طريقه في السفر، وكان راكبًا، وقبرها كان بارزًا، فعله لما نزل عنده، وقبرها كان بالأبواء، بل نزل عنده لم يحتج إلى المشي إليه. ولكن هذا لا خبرة له بالنصوص كيف قيلت، ولا بتفصيل أفعال النبي صلى الله عليه وسلم. ويقال له: هذه الزيادة ليست من جنس زيارة قبور الأنبياء، هذه الزيارة ليست من جنس زيارة قبور الأنبياء والصالحين التي يقصد بها التبرك بهم ودعاؤهم والاستشفاع بهم. فإن هذا لا يجوز أن يقصده النبي صلى الله عليه وسلم بزيارة أهل البقيع وقتل أحد، فكيف بقبر أمه؟ بل هذه الزيارة بالرقة والاعتبار، وهذه جائزة، ما زال السلف يجوزون هذه وأمثالها، وهذا مذكور في عموم كتبه وفتاويه، معروف عنه عند كل من يعرف ما يقول في هذا الباب. وليس في جواب الفتاوى المتنازع فيها نهي عن هذا، ولا حكاية نهي فيها عن أحد. والحديث قد رواه مسلم في صحيحه من وجهين عن أبي هريرة، قال في أحدهما: استأذنت ربي في أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي. وقال في الآخر: زار النبي صلى الله عليه وسلم قبر أمي فبكى، وأبكى من حوله، فقال صلى الله عليه وسلم: "استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يأذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكركم الموت". وهذه الزيارة كانت عام الفتح في سفره. والجواب من الشيخ رحمه الله على المعترض ظاهر، فالجواب سبق منه رحمه الله تعالى الكلام على أنه رحمه الله لا ينهى عن زيارة القبور مطلقًا، وإنما ينهى ما دل عليه الدليل. فلو قدر أن هذا الحديث فيه ما يوهم جواز السفر للزيارة، فهو ليس صريحًا، والأحاديث القاضية بالنهي صريحة. وزيادة على ذلك فهم السلف من الصحابة والتابعين وأتباع التابعين. وأعظم من هذا سد ذريعة الشرك، فإن النزاع والخلاف في قبر النبي عليه الصلاة والسلام، وأكثر من يشد الرحل للسفر في قلبه ما ينافي الشرع، فإنهم لا يقصدون الدعاء له ولا سؤال الوسيلة ولا غير ذلك مما هو مشروع، ولكن كما يزعمون النيل من الشفاعة أو غير ذلك، مع أنها لا تنال بالوصول إلى قبره. والباقي ظاهر. قال: فصل، قال المعترض: وورد في زيارة قبره أحاديث صحيحة، وغيرها مما لم يبلغ درجة الصحيح، لكنها يجوز الاستدلال بها على الأحكام الشرعية، ويحصل بها الترجيح. والجواب من وجوه: أحدها أن يقال: لو ورد من ذلك ما هو صحيح لكان إنما يدل على مطلق الزيارة، وليس في جواب الاستفتاء نهي عن مطلق الزيارة، ولا حتى نزاع في ذلك الجواب، وإنما فيها ذكر النزاع فيمن لم يكن سفره إلا لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين. وحينئذ فلو كان في هذا الباب حديث صحيح لم يتناول محل النزاع، ولا فيه رد على ما ذكره المجيب من النزاع والإجماع. الثاني: أنه لو قدر أنه ورد في زيارة قبره أحاديث صحيحة لكان المراد بها هو المراد بقول من قال من العلماء: إنه يستحب زيارة قبره. ومرادهم بذلك السفر إلى مسجده، وفي مسجده يسلم عليه ويصلى عليه ويدعى له ويثنى عليه، ليس المراد أنه يدخل إلى قبره ويوصل إليه. وحينئذ فهذا المراد قد استحبه المجيب، وذكر أنه مستحب بالنص والإجماع. فمن حكى عن المجيب أنه لا يستحب ما استحبه علماء المسلمين من زيارة قبره على الوجه المشروع، فقد استحق ما يستحقه الكاذب المفتري. وإذا كان يستحب هذا وهو المراد بزيارة قبره، فزيارة قبره بهذا المعنى من مواقع الإجماع لا من موارد النزاع. الثالث: أن نقول: قول القائل: إنه ورد في زيارة قبره أحاديث صحيحة، قول لم يذكر عليه دليلًا. فإذا قيل له: لا نسلم أنه ورد في ذلك حديث صحيح، احتاج إلى الجواب، وهو لم يذكر شيئًا من تلك الأحاديث. كما ذكر قوله: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها". وكما ذكر زيارته لأهل البقيع وأحد، فإن هذا صحيح، وهنا لم يذكر شيئًا من الحديث الصحيح، فبقي ما ذكره دعوى مجردة، تقابل بالمنع. الوجه الرابع: أن نقول: هذا قول باطل، لم يقول أحد من علماء المسلمين العارفين بالصحيح: ليس بالأحاديث التي رويت بلغ زيارة قبره حديث صحيح عند أهل المعرفة. ولم يخرج أرباب الصحيح شيئًا من ذلك، ولا أرباب السنن المعتمدة كسنن أبي داود والنسائي والترمذي ونحوهم. ولا أهل المساند التي من هذا الجنس كمسند أحمد وغيره، ولا في موطأ مالك، ولا مسند الشافعي ونحو ذلك شيء من ذلك. ولا احتج إمام من أئمة المسلمين كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم بحديث فيه ذكر زيارة قبره، فكيف تكون في ذلك حديثًا صحيحًا؟ ولم يعرف أحد من أئمة الدين ولا علماء الحديث. ومن أين لهذا وأمثاله أن تلك الأحاديث صحيحة، وهو لا يعرف هذا الشأن؟ الوجه الخامس: قوله: وغيرها مما لم تبلغ درجة الصحيح، لكنها يجوز الاستدلال بها على الأحكام الشرعية، ويحصل بها الترجيح. فيقال له: اصطلاح الترمذي ومن بعده أن الحديث ثلاثة أقسام: صحيح، وحسن، وضعيف. والضعيف قد يكون موضوعًا يعلم أنه كذب، وقد لا يكون كذلك. فما ليس بصحيح وكان حسنًا على هذا الاصطلاح تحتج به، وهو لم يذكر حديثًا وبيّن أنه حسن يجوز الاستدلال به. فنقول له: لا نسلم أنه ورد من ذلك ما يجوز الاستدلال به، وهو لم يذكر إلا دعوى مجردة، فيقابل بالمنع. الوجه السادس: أن يقال: ليس في هذا الباب ما يجوز الاستدلال به، بل كلها ضعيفة بل موضوعة، كما قد بسط في مواضع، وذكرت هذه الأحاديث، وذكرت كلام الأئمة عليها حديثًا حديثًا. بل ولا أعرف عن أحد من الصحابة أنه تكلم بلفظ زيارة قبره البتة، فلم يكن هذا اللفظ معروفًا عندهم. ولهذا كره مالك التكلم به، بخلاف لفظ زيارة القبور مطلقًا، فإن هذا اللفظ معروف عند النبي صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه. وفي القرآن: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾، لكن معناه عند الأكثرين الموت، وعند طائفة هي زيارتها للتفاخر بالموتى والتكاثر. وأما لفظ قبر النبي صلى الله عليه وسلم على الخصوص، فلا يعرف لا عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه. وكل ما روي فيه فهو ضعيف، بل هو كذب موضوع عند أهل العلم بالحديث، كما قد بسط هذا في مواضع. إلى هنا إن شاء الله.