تعليق - الرد على الأخنائي 33

تعليق - الرد على الأخنائي 33

الدرس في تعليق - الرد على الأخنائي 33، الدرس الثالث والثلاثون : من : (وأما قوله إن الزيارة إذا كانت جائزة فالوسيلة ... فيدخل المسجد فيصلي فيه ثم يسلم على النبي ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

حكم السفر لغير المساجد الثلاثة وتفسير الحديث النبوي

يناقش حكم السفر لغير المساجد الثلاثة مستندًا إلى أقوال العلماء وتفسيراتهم للحديث النبوي 'لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد'. يُوضح أن الجمهور يرى تحريم السفر لغير هذه المساجد.

تحريم السفر واستثناءات المساجد الثلاثة

يتناول تحريم السفر لغير المساجد الثلاثة واستدلال بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم، ويوضح خصوصية زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومشروعية بعض الأفعال في غير المساجد الثلاثة.

الرد على من يجيز السفر لزيارة قبر النبي

يتناول الرد على من يرى جواز السفر لزيارة قبر النبي، مستدلًا بأن الصحابة والتابعين لم يفعلوا ذلك، ويبين أهمية قاعدة سد الذرائع في منع الوسائل المباحة إذا قادت إلى محظور شرعي.

إنكار التابعين على ابن عمر واتباع السنة

يشير إلى إنكار التابعين على ابن عمر لفعله ويبين أهمية اتباع السنة والحق، موضحًا أن فعله لم يكن متبعًا لسنة الخلفاء ولا الصحابة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال الشيخ الإسلام رحمه الله في رده، أثناء فصل: وأما قوله: إن الزيارة إذا كانت جائزة، في الوسيلة إليها جائزة، فيجوز السفر، فيقال له: هذا باطل، فليس كل ما كان جائزًا أو مستحبًا أو واجبًا جاز التوسل إليه بكل طريق، بل العموم يدعى في النهي، فما كان منهيًا عنه كان التوسل إليه محرمًا، ومن هذا سد الذرائع. وأما ما كان مأمورًا به، فلابد أن يكون له طريق، لكن لا يجب أن يجوز التوسل إليه بكل طريق، بل لو توسل الإنسان إلى الطاعة بما حرمه الله، مثل الفواحش والبغي والشرك به، والقول عليه بغير علم، لم يجز ذلك، ولو أراد أن يفعل فاحشة وزعم أنها تفضي إلى طاعة، لم يكن له ذلك. وكذلك لو أراد أن يسرك بالله ببطانه، ويقول عليه ما لم يعلم، بباطله. وكذلك لو أراد أن يسرك بالله بباطنه، ويقول عليه ما لم يعلم. نعم، يجوز أن يقول بلسانه ما لا يعتقده عند الإكراه، وأن يستعمل المعاريض عند الحاجة. وإتيان المساجد للجمعة والجماعة من أفضل القربات وأعظم الطاعات، أو إما واجب أو سنة مؤكدة. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «صلاة الرجل في المسجد تفضل على صلاته في بيته وسوقه بقدر خمس وعشرين درجة». ولو أراد مع هذا أن يسافر إلى غير المساجد الثلاثة ليصلي هناك جمعة أو جماعة، لم يكن هذا مشروعًا، بل كان محرمًا عند الأئمة والجمهور. ولو نذر ذلك لم يوفي بنذره عند أحد من الأئمة الأربعة، وعامة علماء المسلمين. وليس فيه إلا ما حكي عن الليث بن سعد، مع أن لفظه مجمل، بل ولا يجوز أن يوفي بنذره عند الأكثرين، كما قاله مالك وغيره، لقوله: «لا تشد الرحال»، وقوله في الحديث الصحيح: «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعص الله فلا يعصه». وقد اتفق العلماء على أن نذر المعصية لا يجوز الوفاء به، وإن كان صاحبه يعتقد أنه نذر طاعة، كما لو نذر ذبح نفسه أو ولده. لكن تنازعوا فيما إذا نذر ذبح ولده، ألعليه ذبح كبش أو كفارة يمين أو لا شيء عليه، على ثلاثة أقوال مشهورة، وهي ثلاث روايات عن أحمد. لكن ظاهر مذهبه الأول، وهو قول أبي حنيفة. ومذهب الشافعي: لا شيء عليه. كذلك سائر المعاصي، قيل فيها: كفارة يمين، وهو ظاهر مذهب أحمد. وقيل: لا شيء فيها، وهو المنقول عن الشافعي ومالك. وقيل: إن قصد بها اليمين، لزمته كفارة يمين، وهو مذهب أبي حنيفة والقرطبيين من أصحاب الشافعي. فالجمهور لما اعتقدوا أن قوله: «لا تشد الرحال» مراده النهي، قالوا: هو سفر معصية، فلا يجوز الوفاء به، وإن اعتقده الناذر قربة، كما قاله مالك والأكثرون. ولهذا قالوا: لا يجوز السفر لمن قصد القبر، سواء كان قبر النبي صلى الله عليه وسلم أو غيره، وإن نذره. ومن قال: السفر إلى غير المساجد الثلاثة ليس بمنهي عنه، ولا هو طاعة ولا قربة، قال: لا يجب الوفاء به، لكنه جائز. ومن هنا يعرف مذهب الشافعي وأبي حنيفة وغيرهما. فإن قالوا: إن من نذر السفر إلى غير الثلاثة يجوز له السفر، وإن لم يجب عليه، كان قولهم بجواز السفر، وأن الحديث لنفي الفضيلة، كما قاله من قاله من المتأخرين. وإن قالوا: إن هذا النذر لا يوفى به بحال، لنهي النبي صلى الله عليه وسلم أن يسافر إلى غير الثلاثة، كما قاله مالك وغيره، دل على تحريم السفر إلى غير الثلاثة. وهو لو نذر السفر للصلاة في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم أو المسجد الأقصى، جاز له السفر باتفاقهم. وإنما تنازعوا في الوجوب، فمذهب مالك وأحمد أنه يجب، ومذهب أبي حنيفة لا يجب، وللشافعي قولان. وقوله: كيف تكون الرحلة إلى القربة معصية محرمة؟ يقال له: هذا كثير في الشريعة، كالرحلة للصلاة والاعتكاف والقراءة والذكر في غير المساجد الثلاثة، فإن هذا معصية عند مالك والأكثرين. وكما لو رحلت المرأة إلى أمر غير واجب بدون إذن الزوج، كحج التطوع، فإنها راحلة إلى قربة، وهي معصية محرمة بالاتفاق. وكذلك العبد لو رحل إلى الحج بدون إذن سيده، كان رحيله إلى قربة، وكان معصية محرمة بالإجماع. وكذلك المرأة إذا رحلت بغير زوج ولا ذي محرم لزيارة غير واجبة. ومثل هذا كثير. ولو كان الطريق يحصل فيه ضرر في دينه، لم يكن له أن يسافر إلا للحج، ولا لإتيان المسجد، إن كان ذلك قربة. والمرأة بلا سفر لها أن تشهد العيد والجمعة، بل والجماعة بلا سفر. وليس لها أن تسافر إلا مع زوج أو ذي محرم. ومن طُلب بقضاء دين، لزمه قضاؤه، ولم يكن له أن يسافر بالمال الذي يجب صرفه في قضاء دينه، وإن كان قصده أن يتوسل بذلك السفر إلى الحج وغيره. في مواضع كثيرة يكون العمل طاعة إذا أمكن بلا سفر، ومع السفر لا يجوز. وصاحب الشرع قد قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد هذا، والمسجد الأقصى». ومعلوم أن سائر المساجد يستحب إتيانها بلا سفر، فهذا الفرق الثابت بنص الرسول صلى الله عليه وسلم. فإن قيل: ما رحل إليه أولئك المنهيون عن السفر ليس بقربة في حقهم. قيل له: ومن رحل لزيارة القبور لم يكن ما رحل إليه قربة في حقه، فزيارة القبور بالرحلة كالصلاة في غير المساجد الثلاثة، فالرحلة ليست بقربة ولا طاعة، بل معصية محرمة عند الأئمة الذين صرحوا بذلك، ومن وافقهم. وأما نقل القتيل إلى المساجد، فهو إتيان إليها بغير سفر، وهذا مشروع، فهو نظير نقل النبي صلى الله عليه وسلم قطاه إلى زيارة أهل البقيع، فإن ذلك عمل صالح. وكذلك الزيارة المستحبة من البلد، نقل القتيل فيها عمل صالح. وقد تبين أنه لا مناقضة في ذلك. ولو قدر أن هذا تناقض، كان تناقضًا من من قال ذلك، مثل مالك وجمهور أصحابه، ومثل من قاله من أصحاب الشافعي وأحمد. فإن المجيب ذكر القولين. فإن كان هنا عوار وشنار في القول بالتحريم، كان هذا لازمًا لمالك الإمام ومن وافقه. وحاشى لله أن يلزم مالكًا ومن وافقه تناقضًا فيها، في هذا وهم المتبعون لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. لكن هذا المعترض الجاهل، تارة يجعل قول المتبعين للسنة كمالك وغيره تناقضًا، وتارة يجعله مجاهرة للأنبياء بالعداوة، وإظهارًا لعنادهم، وهو يضيف ذلك إلى المجيب. والمجيب لم يقل إلا ما قاله هؤلاء، بل حكى قولهم وقول غيرهم، وذكر حجة القولين. بخلاف مالك وأتباعه، فإنهم جزموا بالتحريم، ولم يلتفتوا إلى قول من حمل الحديث على نفي الاستحباب، لظهور فساد هذا القول وتناقضه. وأيضًا، فهذا الذي ذكره إنما يتصور في زيارة غير قبر النبي صلى الله عليه وسلم، كأهل البقيع وشهداء أحد وسائر المؤمنين المدفونين في بلادهم. ومع هذا ما علمنا أحدًا أنه قال: يستحب السفر من مجرد هذه الزيارة، بل إما أن يكون محرمًا، وإما أن يكون مباحًا، وإن كانت الزيارة من البلد مستحبة. وأما نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فلها شأن آخر، فضله الله على غيره، فإن الله أمرنا بالصلاة والسلام مطلقًا، وأن تطلب له الوسيلة، ومحبته وتعظيمه فرض على كل أحد، بل فرض على كل أحد أن يكون الرسول أحب إليه من ولده ووالده، وهو أولى بكل مؤمن من نفسه. فحقوقه وشريعته إيجابًا واستحبابًا لا يختص ببقعة، بل هي مشروعة في جميع البقاع، لا فرق في ذلك بين أهل المدينة وغيرهم. وقد نهى أن يتخذ قبره عيدًا، وقال: «صلوا علي حيث ما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني». وقال في السلام مثل ذلك. وأخبر أن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام. وقد حيل بين قبره وبين الناس، ومنعوا من الوصول إليه، إذ لم يكن داخل الحجرة عبادة مستحبة هناك دون المساجد، بل كل ما يفعل هناك ففعله في المسجد أفضل من صلاة وتسليم عليه وغير ذلك. ولهذا لم تكن الصحابة والتابعون بالمدينة إذا دخلوا المسجد ورجعوا يقفون عند قبره، لا لصلاة ولا دعاء ولا سلام ولا غير ذلك. وقد ذكر أئمة العلم مالك وغيره أن هذا يكره. ولم يكن السلف يفعلونه، وإنه لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها. ومعلوم أنه لو كان الإتيان إلى عند القبر مستحبًا لأهل المدينة، لكان الصحابة والتابعون أعلم بذلك وأتبع له من غيرهم. ومالك وأمثاله ممن أدرك التابعين من أعلم الناس بمثل هذا. وقد ذكر أنه لم يبلغ عن أحد من صدر هذه الأمة من أهل المدينة أنه كان يقف عند القبر، لا لسلام ولا لغيره. وذكر مالك أن ذلك يكره، إلا عند السفر، لما نقل عن ابن عمر. وقد كره مالك وغيره أن يسمى هذا زيارة لقبره. وحينئذ يقال: أهل المدينة يكره لهم ما تسميه أنت زيارة لقبره. فلم يبق هذا مشروعًا بلا سفر، حتى يقال: إن السفر إليه وسيلة إلى المستحب. وإنما استحبه مالك وأحمد وغيرهما لمن سافر لأجل المسجد، فإذا صار في المسجد فيفعل ذلك. بل المستحب لأهل المدينة لا يستحب السفر له، بل إذا سافر إليها فعله. فإذا صار بالمدينة زار أهل البقيع وشهداء أحد، وزار مسجد قباء، وإن كان لم يسافر لأجل ذلك. فما لا يستحب لأهل المدينة أولى أن لا يستحب السفر إليه. وابن عمر إنما كان يقف عند القبر ويسلم إذا قدم من سفر، وقدومه لم يكن لأجل الزيارة، بل كانت المدينة وطنه، فيدخل المسجد فيصلي فيه، ثم يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم. هذا الفصل كما سمعنا جعله الرحمة الله تعالى لبيان فساد ما اعترض به المعترض من أن كل ما كان جائزًا فوسيلته جائزة، وهذا خطأ ظاهر يدل على مجازفة المعترض، وكذلك على أحسن الأحوال عدم استحضاره للمسائل العلمية والتثبت فيها قبل الكتابة والرد. وبين الشيخ رحمه الله تعالى أن قاعدة سد الذرائع تكفي في رد هذا الكلام، كيف والأمثلة الشرعية الكثيرة في منع بعض الوسائل إذا كان فيها محظور شرعي، وإن كان أصل الفعل جائز، مثل ما مثل رحمه الله في مسألة شد الرحل، فإن الحديث له تفسير متفق عليه وتفسير مختلف فيه. فعلى أقل الأحوال في تفسيره المتفق عليه يكون في ذلك إلزامًا لهذا المعترض أن هناك وسائل ممنوعة، ولو كان أصل الفعل جائزًا. ومثله سفر المرأة من دون محرم وبدون إذن، وغير ذلك مما مثل به رحمه الله تعالى. وأما قوله: وكذلك المرأة إذا رحلت بغير زوج ولا ذي محرم لزيارة غير واجبة، خصة غير الواجبة دون الواجبة، لأن الواجبة فيها خلاف. والصحيح أن الواجبة كذلك لا يجوز لها السفر بدون محرم، بل يجب أن تسافر بمحرم، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر إلا مع ذي محرم»، منها حديث ابن عباس في الصحيح. وهكذا كذلك في الرجل الذي تتبع في غزوة وأراد زوجته أن تحج، فأمره النبي عليه الصلاة والسلام أن يحج مع امرأته. وأدلة ذلك كثيرة، بل عموم قوله عليه الصلاة والسلام: «إن ما عند الله لا ينال بالحرام» يكفي. فكيف وجاءت الأدلة الخاصة في ذلك؟ ثم بين رحمه الله تعالى أن الإمام مالك قال بقول الشيخ رحمه الله. فإن كان هناك شيء فيلزم ذلك الإمام مالك. والأمر ليس كذلك، بل الإمام مالك أفتى بالصواب. بل نقل عن الإمام مالك ما هو أشد من ذلك، ليس فقط المنع من شد الرحل، بل حتى منع أهل المدينة من تكرار الزيارة إلى القبر، لا ما ثبت عن ابن عمر إذا جاء من سفر أو أراد أن يذهب إلى سفر. أما تكرار الزيارة، فإنه قد نهى عنه، فيقول: إذا كان هذا قد نهي عنه في غير سفر، فما كان بسفر من باب أولى. فإن كان هناك تشديد وإنكار، فليكن على الإمام مالك رحمه الله. والأمر ليس كذلك، بل الإمام مالك رحمه الله على الصواب. وكيف إذا انضاف إلى ذلك ما سبق، وهو أن ابن عمر وما فعله أنكر عليه بعض التابعين، وبينوا أن هذا لم يكن من سنة الخلفاء ولا سنة الصحابة، وأن ابن عمر رضي الله عنه انفرد بذلك؟ فالواجب على المنصف بعد هذا اتباع الحق. الله تعالى أعلم. إن شاء الله.