الدرس في شرح العقيدة الواسطية للهراس 119، الدرس التاسع عشر بعد المائة:من( ويتولون أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم ... وأفضلهن على الإطلاق خديجة وعائشة رضي الله عنهما ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول المقطع منزلة أمهات المؤمنين عند أهل السنة والجماعة، ويبرز فضل خديجة وعائشة. كانت خديجة أول من آمن بالنبي وأعظم أزواجه فضلاً في بداية الإسلام، بينما تميزت عائشة بحملها للدين ونشر العلم في أواخر الإسلام.
يناقش المقطع مسألة الطعن في أبي حنيفة النعمان وضرورة الرفق بالمخالفين. العلماء الكبار لم يتكلموا في أبي حنيفة بشكل سلبي رغم معرفتهم بمؤاخذاته، ويبين أهمية كتمان بعض العلم خشية الفتنة.
يُناقش المقطع منهج أهل السنة في التعامل مع أخطاء الأئمة والعلماء، ويُشدد على أهمية عدم نشر الأخطاء التي يرتكبها أهل السنة. الردود على أهل السنة لا تكون بمؤلفات خاصة بل بمناصحة وتنبيهات في مؤلفات عامة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «ويتولون أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين، ويؤمنون بأنهن أزواجه في الآخرة، خصوصا خديجة رضي الله عنها، أم أكثر أولاده، وأول من آمن به، وعاضده على أمره، وكان لها منه المنزلة العالية، والصديق بنت الصديق رضي الله عنها، التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: «فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام». أورد رحمه الله تعالى هذا المبحث في ذكره، أو في سياق ذكره لفضائل الصحابة، وهو من التفصيل بعد الإجمال، وذكر الخاص بعد العام، تنبيها لهذا الخاص، وهذا المبين لما له من مكانه في منهج وعقيدة أهل السنة والجماعة. فلكون بعض أهل الأهواء طعنوا في فضل أمهات المؤمنين، خصوصا عائشة رضي الله تعالى عنها، صار أهل السنة والجماعة يخصون ذكرها، وهذا من قديم كتابة وتأليف أهل العلم، ومر معنا قريبا ما نقل صاحب الإبانة من نقله عن إمام أحمد رحمه الله، تكفير من طعن في عائشة وفضلها، لأنه مكذب للقرآن، خصوصا من اتهمها في عرضها، كفعل بعض الرافضة، وقد برأها الله عز وجل في كتابه. وقوله رحمه الله: «ويتولون أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين»، أولا: لأنهن من آل البيت، كما سبق معنا. وثانيا: لأنهن أمهات، فهن أعظم من سائر آل البيت، لأن النص دل على أنهن أمهات المؤمنين، فيكون لهن من الاحترام والتبجيل أعظم مما ينبغي أن يكون لأمهات النسب، لأنهن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وهو كالأب لهذه الأمة، كما قال الله عز وجل: «النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم». وخص ذكر خديجة رضي الله عنها، وعائشة رضي الله تعالى عنها، من باب ذكر بعض الخاص، تنبيها على البعض الآخر، وليس معناه أن باقي الأزواج ليس لهن فضل، بل لهن فضل، ولكن أراد هذا المقام أن يذكر وينبه ما هو أهم على وجه الاختصار. قال الشارح رحمه الله: أزواجه صلى الله عليه وسلم هن من تزوجهن بنكاح، فأولهن خديجة بنت خويلد، وهي كما قال رحمه الله: أكثر أم أكثر أولاده، وأول من آمن به، وعضده على أمره، ولهذا قال نبينا عليه الصلاة والسلام في فضلها: «أن لها بيتا في الجنة من ذهب لا نصب فيه ولا صخب»، وأن جبريل أتاه يبشره بذلك عليه الصلاة والسلام. فخديجة أفضل النساء، بل هي أفضل أزواج النبي عليه الصلاة والسلام، ورضي الله تعالى عنهن جميعا، حتى عائشة، على فضلها، أفضل من عائشة في سابقتها وتأثيرها ونصرتها في أول الإسلام. وقد أشار إلى هذا المعنى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، فهي بهذا الاعتبار لم يشاركها أحد، لا عائشة ولا غير عائشة. وإن عائشة لها فضل بما كان من حملها للدين، وعلمها، وتبليغها، وإدراكها للعلم في آخر الإسلام، بما لم يدرك هذه المنزلة أحد من النساء، حتى من أزواجه عليه الصلاة والسلام، حتى خديجة، فهي تميزت بهذا. وأما الفضل بالجملة، فهو لخديجة رضي الله عنها وأرضاها. وأما بهذا الاعتبار، فلعائشة خاصة رضي الله عنها وأرضاها. وقد أشار إلى هذا المعنى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وفي الفتاوى. وهكذا نحوه الحافظ ابن حجر في الفتح. قال رحمه الله تعالى: «فأولهن خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، تزوجها بمكة قبل البعثة، وكانت سنها خمسا وعشرين، وكانت تكبره بخمسة عشر عاما، ولم يتزوج عليها حتى توفيت، وقد رزق منها بكل أولاده إلا إبراهيم، وكانت أول من آمن به، وقواه على احتمال أعباء الرسالة، وقد ماتت قبل الهجرة بثلاث أو بثلاث سنين، عن خمس وستين سنة، فرضي الله عنها وأرضاها». قال: «فتزوج بعدها سودة بنت زمعة رضي الله تعالى عنها، فهي ثاني نسائه رضي الله عنها، تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم بعد خديجة، وهي التي وهبت يومها لعائشة حين كبرت، فقد توفي النبي صلى الله عليه وسلم عن تسع من النسوة، ولكنه كان يقسم لثمان، فوهبت سودة يومها لعائشة رضي الله تعالى عنها». قال: «وعقد على عائشة رضي الله عنها، وكانت بنت ست سنين، حتى إذا هاجر إلى المدينة بنى بها وهي بنت تسع، يعني عقد عليها وهي بنت ست، وتزوجها عليه الصلاة والسلام، ودخل بها وهي بنت تسع. وعائشة رضي الله تعالى عنها هي ثالث نساء النبي صلى الله عليه وسلم زواجا، وتليها حفصة بنت عمر رضي الله عنها وأرضاها، ثم زينب بنت خزيمة بن الحارث القيسية من بني هلال بن عامر، وتوفيت عنده بعد شهرين من ضمه لها». وبعدها كما قال رحمه الله الشارح: «ومن زوجاته أيضا أم سلمة رضي الله عنها، تزوجها بعد زوجها أبي سلمة، وفي قصة تزويجها من النبي صلى الله عليه وسلم خلاف، من كان وليها، وقد اختلف في ذلك، قيل: عمر بن الخطاب، وقيل: ولدها سلمة، ونقل ذلك ابن إسحاق، كما قال عن من لا يتهمه. وقيل: ولدها عمر، وهو ضعيف لم يصح. قيل: لأن النبي صلى الله عليه وسلم توفي وهو ابن تسع، فيكون حينها ابن ثلاث. وقيل: إن ذلك من خصائصه، أي النكاح بلا ولي عليه الصلاة والسلام. وقد أشار إلى هذه الأقوال ابن القيم رحمه الله في الزاد». قال رحمه الله: «وزينب بنت جحش تزوجها بعد تطليق زيد بن حارثة لها، أو على الأصح زوجه الله إياها، وهذا هو الصحيح، وقد ذكر الله عز وجل ذلك في كتابه، وكانت تفتخر بذلك على سائر النساء، تقول: كما جاء في البخاري من حديث أنس: «زوجكن أهاليكن، وزوجني الله من فوق سبع سماوات». قال: «وجويرية بنت الحارث، وهي بعد زينب في التزويج، تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم بعد زينب، والنبي صلى الله عليه وسلم رخص له في تعدد النساء لما في ذلك من الحكمة، فإن الله جل وعلا شرع لنبيه صلى الله عليه وسلم ذلك لحكمة. ومن هذه الحكمة كما ذكر العلماء: التأليف، تأليف قبائل العرب، وكذلك جهات الناس، بما يكون فيه دعوتهم إلى الإسلام». ومن تأمل حوادث زواج النبي صلى الله عليه وسلم بأكثر هؤلاء النسوة، فإنه يكون كذلك، سواء من يستعين به النبي عليه الصلاة والسلام، كأبي بكر وعمر، أو من تكون مدعاة لدعوة قومها، وتأليف قومها، كزوج النبي صلى الله عليه وسلم من زينب، وجويرية، وصفية، وغير ذلك ممن تزوجهن النبي صلى الله عليه وسلم، أو ذكر معناه، حتى الإماء. وهبنا إليه من الإماء ممن تسر بهم، ما كان له سبب، وهو قريب من هذا السبب. فأول الإماء مارية أم إبراهيم، فإنها أهديت له من بعض ملوك مصر. وهكذا ريحانة، وكذلك جارية، قيل: وهبتها له زينب بنت جحش. وجارية أخرى ذكرت، وقيل: هي الثالثة، ذكرها أبو عبيد. فالشاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان تعدد نكاحه لهذا المعنى. ويؤكد ذلك أنه صلى الله عليه وسلم لم يتزوج بكرا إلا عائشة رضي الله عنها. ولو كان قصده النساء كما زعم أعداء الدين، لكان عليه الصلاة والسلام تزوج من البكر ما شاء، ولا يعجزه ذلك عليه الصلاة والسلام، بل يفرح الناس بذلك. ومع ذلك قال عليه الصلاة والسلام: «لا تعرضوا علي نساءكم، ولا بناتكم». وهذا عليه الصلاة والسلام من دل على شيء، دل على ما سبق. قال رحمه الله تعالى: «وجويرية بنت الحارث، وصفية بنت حيي، وكان اعتقها عليه الصلاة والسلام، وكان عقدها صداقها لزواجها. وهل هذا كان خاصا به عليه الصلاة والسلام، أو هو عام لكل الأمة في هذا خلاف، فذهب إئمة الثلاثة إلى أنه ليس بخاص، لأنه الأصل، أي عموم التشريع، وهذا هو الراجح، أي أنه ليس خاصا به عليه الصلاة والسلام. ذهب بعض أهل العلم أنه من خصوصياته. وذهب بعضهم إلى غير ذلك، أنه عام. والصحيح أنه عام، وليس هو من خصوصياته، لعموم الدليل في ذلك، ولا دليل يدل على التخصيص، والأصل هو عموم التشريع». قال رحمه الله تعالى: «وحفصة بنت عمر، وهي كما قلنا رابع النساء زواجا، تزوجهن النبي صلى الله عليه وسلم، فقد تزوجها النبي عليه الصلاة والسلام بعد عقده على عائشة. قال رحمه الله: أو بعد زواجه. قال رحمه الله: وزينب بنت خزيمة كما تقدم. قال: وكلهن أمهات المؤمنين، وهن أزواجه صلى الله عليه وسلم في الآخرة. ومنهن أم حبيبة بنت أبي سفيان، واسمها رملة، وقيل: هند. وهكذا منهن ميمونة بنت الحارث الهلالية، فكلهن كما قال رحمه الله: أمهات المؤمنين، وهن أزواجه صلى الله عليه وسلم في الآخرة». قال رحمه الله: «وأفضلهن على الإطلاق خديجة وعائشة رضي الله عنهما، ولهذا ذكرهن المؤلف رحمه الله تعالى. وليس معنى هذا أن غيرهن ليس لهن فضل، بل لهن فضل، وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم عدة فضائل لعدد من نسائه. ومن ذلك زينب بنت جحش، فقد أخبر أن أولهن لحاقا به بعد موته، وأنها أطولهن يدا، يعني أكثرهن صدقة، كما قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: فقد توفيت سنة عشرين للهجرة، وهي أول نسائه من كنا معه موتا، ولحاقا به عليه الصلاة والسلام. كما أن آخر نسائه موتا عليه الصلاة والسلام كان في سنة اثنين وستين للهجرة، في خلافة يزيد رحمه الله تعالى». قال رحمه الله تعالى: «ويتبرؤون من طريقة الروافض...». طيب، هذا السائل يقول: ما رأيكم فيما نتكلم في أبي حنيفة النعمان بسخرية واستهزاء؟ قال في أبي حنيفة: الصواب في أبي حنيفة كما تعلمون، أن أبا حنيفة اشتهر عند العامة والخاصة، وعند أهل العلم وغيرهم، أنه أحد الأئمة الأربعة، ولا يخفى على خواص طلبة العلم أن الإمام أبا حنيفة رحمه الله تعالى كان قد أخذ عليه العلماء بعض المؤاخذات، سواء فيما يتعلق ببعض مسائل العقيدة، كمبحث الإيمان، أو غيره، أو بعض المسائل الفقهية. لكن كما مر معنا: أن بعض أهل العلم ذكر أنه تراجع عن تلك المباحث، خصوصا ما يتعلق بالعقيدة. وبعضها اجتهد فيها فأخطأ، لكن جرى عمل أهل العلم وطريقتهم على احترامه، وحفظ منزلته، مما علمهم بما قد نقله بعض أهل العلم في كتب التراجم من ذكر بعض تلك المؤاخذات، وهو لا يخفى، ولم يخف عليهم. وينبغي لطالب العلم أن يعلم أن لهذا المعنى سرا ينبغي أن يتأمله ويتتبعه، ولن يكون هو أغير على دين الله، وأحفظ لحدوده، من أولئك العلماء الذين عرفوا بالتحقيق، وبالرسوخ في العلم، وبالإمامة، والديانة، والنصر لدين الله، والمحاربة لأهل الأهواء والبدع، مع ما علم عنهم من شجاعة وإنصاف، وهكذا كذلك تجرد للحق والدليل، وتبرأ من أهل الباطل وأهله. فإن بغي أن يعرف أن لهذا السبب سرا، وأقصد بهذا عدد من الأئمة الذين عرفوا بالإمامة والرسوخ والتحقيق، كشيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذ ابن القيم، والإمام ابن رجب، والحافظ ابن حجر، وغيرهم من أهل العلم، ممن هم ليسوا بحنفية، حتى إنهم يتعصبوا لأبي حنيفة، ولا أنهم جهلوا وغفلوا مثل هذا المعنى، لأنهم نقلوه في كتبهم، وذكروا بعض تلك المؤاخذات، بل ولهم كذلك تنبيهات وتحقيقات في تلك المباحث. فينبغي أن يسأل نفسه طالب العلم: لماذا لم يتكلم هؤلاء في أبي حنيفة، ولم يطعنوا فيه كما طعن فيه بعض الناس؟ الجواب لا شك أن لهذا سببا وحكمة. والسبب والحكمة في ذلك أمور، ومن أعظمها، أو تجتمع في ثلاثة خصال. أولها: الرفق بالمخالفين ممن هو متعصب أو متعاطف لهذا الإمام، وهم كثر، وليسوا بقليل، وهم كثر ليسوا بقليل. ومن العلم أن يكتم العالم بعض العلم خشية الفتنة، وقد صح كما مر معنا: «ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغ عقولهم، إلا كان لبعضهم فتنة»، كما روي عن ابن مسعود. وهكذا كذلك نحو ما روي عن علي رضي الله عنه. وهذا المعنى ينبغي أن يتصور إذا بثوا مثل هذا الكلام للعامة، مثل ما يفعل بعض السفهاء اليوم، فيبث مثل هذا الكلام في الطعن بأبي حنيفة رحمه الله، ربما في خطبة جمعة، أو في درس عام، وكذلك لعامة الناس، لعامة الناس، وهذا خطأ، وهذا خطأ. ولهذا أنكر العلماء مثل هذا الفعل. وقف شيخنا محمد بن صالح عثيمين رحمه الله مرة، ونحن نطلب العلم عنده، على رسالة لشيخنا مقبل رحمه الله في الطعن في أبي حنيفة، أو في ذكر نقولات كلام العلماء في أبي حنيفة، فغضب غضبا شديدا أن ينشر هذا الطالب هذا الكتاب بين الطلاب، فقالوا له: هذا ألفه الشيخ فلان، يريدون الشيخ مقبلا رحمه الله، قال: هو عالم اجتهد وأخطأ، لكن أنت طالب عندي، وأنا أرى أن فعلك هذا فيه ما فيه من الاعتداء. ثم ذكر أشياء مما يكون به الفتنة والمفسدة بنشر مثل هذه الرسالة، خصوصا وأنه كان يرتاد لمسجد الشيخ الكثير من الحنفية، تعرفون بعض الأتراك أحناف متعصبون، وبعض الأفغان يعني أحناف متعصبون، ويحضر في درس الشيخ بعض الأحناف، وربما أفراد من الأتراك، ولا يريد الشيخ رحمه الله إثارة مثل هذا. ونحو هذا يحمل ما فعله شيخ الإسلام، وتلميذ ابن القيم، وغيرهم من العلماء. لأنه يوجد ممن ينتسب للعلم، فضلا عن غيرهم، من عنده تعصب لأبي حنيفة، ربما تثور ثائرته، وينسى كل حق عنده عند المخالف، وربما يعادي، ويكون عنده ما عنده، بسبب طعن هذا الإنسان في مثل هذا الإمام. فمثل هذا المعنى ينبغي أن يتأمل، فليس كل العلم يبث للناس، بل بعض العلم يبقى عند خواص طلبة العلم. هذا ما كان من حق يتعلق بهذا الإمام، فكيف إذا كان الكثير المنقول مما نقله الخطيب البغدادي، أو ما نقله عبد الله بن أحمد، كذلك ابن الإمام أحمد، الكثير منه بين بعض المبالغات التي ليس لها أسانيد صحيحة، وبعضها وكما تعرفون طريقة أهل السنة التحقيق، وبعضها مما كان قد قاله ورجع، وقليل منها أو كثير بالنسبة لغيره من الأئمة، وهو قليل بالنسبة لكثرة ما نقل في الطعن فيه، هو مما صح، لكنه يقال فيه كما سبق: أنه من العلم الذي يطوى ولا يروى، لعدم حاجتنا إليه الآن. لو كان أبو حنيفة موجودا، ممكن يحذر من بعض تلك الفتن، لكن أبو حنيفة مات رحمه الله، ولا أحد ينشر ذلك فينسبه إليه. فإن وجد احتاج المقام إلى التنبيه من ذلك. وأما ما دام أنه رجل مات، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تذكروا موتاكم إلا بخير». فهو مات، مع ما كان منه من بذل للإسلام والمسلمين، نسأل الله عز وجل أن يغفر له، ولا حاجة لأن نجعل مخاصمات ومشادات في شيء لم يكن من طريقة أهل العلم، ولا فيه مصلحة، لا من قريب ولا من بعيد. بعض الناس يأخذه العناد، إلا وإلا كأنه ما فيه قضية إلا أن يطعن في أبي حنيفة. طيب، ما هي الحكمة من هذا؟ ما هي الحكمة أو المصلحة المرجوة من هذا؟ ما أن مثلا بلدنا هذه لا يوجد فيها أحد متعصب لأبي حنيفة، لا يوجد فيها أحد متعصب لأبي حنيفة، ومع ذلك يعني يشغلون الليل والنهار في هذا، ومخاصمات فيما لا فائدة فيه. والأمر الثاني الذي قد يكون هو من الحكمة، هو أن بعض هؤلاء العلماء كذلك قد ينظر إلى معنى آخر فيما يتعلق بالنقل عن مثل هذا الإمام، وهو ما سمعتم: أنه رجل أفضى إلى الله سبحانه وتعالى، ومات، والأموات لا يذكرون إلا بالخير، خصوصا من كان له سابقة وإمامة وحسنة فيما يظهر من ترجمته، ونقل أهل العلم عنه. فإن ما قد يصدر منه قد يكون خطأ يغفر إن شاء الله في جانب حسناته، ولا يوجد في الظاهر أحد يحتاج لأجله أن ينبه على خطأه، ومغتر. وما كان كذلك، نبه عليه العلماء. انظر شيخ الإسلام حين يذكر قضية الإرجاء، إرجاء الفقهاء، وما أخطأ فيه حماد بن أبي سليمان، فإنه يذكر معه خطأ أبي حنيفة في هذا الباب، وينبه عليه، وينبه على مرجئة الفقهاء، ومن أخطأ في ذلك من حنفية، ويشير في مواضع من كتبه: كيف أن تلميذه أبا يوسف رجع عن قول شيخه، وأشار إلى ما عليه أهل الحق. وهكذا محمد بن الحسن رحمه الله، ويحيل إلى عقيدة كذلك الطحاوي، وكل هذا إشارات لمن قد يغتر من الحنفية ببعض ما ينقل عن أبي حنيفة، لكن بغير خصومات، وبغير كذلك تشويش على عامة الناس، لأن مثل هذا يذكر لخواص طلبة العلم، ويذكر في مجالس علمية، ونحو ذلك. وكما تعرفون: درء المفاسد أولى من جلب المصالح. وثالثا: أن هؤلاء العلماء كشيخ الإسلام، وتلميذ ابن القيم رحمه الله، ومن سلك مسلكهم من أهل العلم، هم سلكوا بهذا طريقة أهل العلم في معالجة بعض الأخطاء، إذا لم يظهر أثرها في المجتمع. ولهذا لم يؤلف مؤلفا خاصا في الطعن في أبي حنيفة، ولا في غيره من الأئمة ممن عرف بالسنة، وهذا شيء يجهله بعض المتعجلين: أن أخطاء أهل السنة مما ينبغي أن تطوى ولا تروى، لأنه يستغلها الأعداء، ولو كان الخطأ كبيرا، ولو كان الخطأ كبيرا. ما دام أنه من أهل السنة، فيكون ذكر خطأه في معالجة ذلك فيما بينك وبينه، إن كان حيا، وإن كان ميتا، ففي ضمن ما يكون فيه التنبيه على الخطأ، دون التشنيع على الشخص عموما. وانتبه لهذا الفرق. لم يؤلف العلماء مؤلفا خاصا لو تأملت في سيرة وتراجم أهل العلم من أهل السنة، لم يؤلف مؤلفا خاصا في الرد على أحد من أهل السنة بعينه، في مؤلف خاص ينفرد به. رد شيخ الإسلام على البكري، ورد شيخ الإسلام على عدد من أهل الباطل، كالرازي، وعدد من الرافضة، ورد من قبله على عدد من أهل الباطل بأسمائهم، وبمؤلفات بأشخاصهم، كما رد الدارمي رحمه الله على بشر المريسي في مؤلفين، ورد غيره كذلك على أشخاص من أهل الباطل والبدع. لكن ما علم أن أحدا من علماء أهل السنة رد على أحد من عرف بالسنة بالجملة، في شخصه، وبمؤلف خاص. اللهم إلا ما قد يقع بين من عرف أنه وقع بينه وبين قرينه، ما قد يقع، وهذا قد ذكر العلماء أنه من كلام الأقران الذي لا يقبل قول بعضهم في بعض، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام، وابن القيم، والذهبي في تراجم عدد من الأئمة من أئمة أهل السنة، ولم يقبلوا مثل ذلك، ولا اعتبروه أنه من العلم. فننتبه لهذا المعنى، ننتبه لهذا المعنى. وأريد بهذا: ننبه أنه ليس من منهج علماء أهل السنة المحققين الرد على أشخاص أهل السنة بمؤلفات خاصة، فإن ذلك لم يكن من طريقتهم، لأن أخطاءهم وإن كبرت، فهي مما ينبغي أن لا تنشر، فيستغلها أعداء السنة. وأذكر كلمة جميلة ذكر عدد من مشايخنا وعلمائنا فيما يتعلق ببعض أهل السنة الذين وقعت منهم أخطاء، ولم يرد عليهم علماء السنة في زمانهم، مع أنها أخطاء في العقيدة، لكن لم يرد عليهم بأشخاصهم، مثل الإمام الصنعاني، والإمام الشوكاني، وهكذا صديق حسن خان. كل هؤلاء الثلاثة كانوا في فترات متفاوتة، ولهم في زمانهم من علماء السنة والتوحيد من كان ينكر بعض ما يصدر من هؤلاء الأئمة، وتعرفون الإمام الشوكاني رحمه الله له الطرافة في باب الأسماء والصفات، ومع ذلك لم يرد عليه، ونقل بعض مشايخنا عن بعض مشايخ الأئمة النجدية: أنهم ذكر لهم، كما في بعض الرسائل والمسائل المنقول عنهم، ذكر لهم من بعض تلاميذهم بعض أخطاء هؤلاء الأئمة، وأنهم هيجوا للرد عليهم، فلم يردوا، وبينوا واعتذروا بأن هؤلاء هم واجهوا أهل السنة في بلادهم، وإذا طعن فيهم كان طعنا في السنة التي يحملونها. انظر إلى النظر إلى المصالح والمفاسد: أن طعن فيهم طعن في السنة التي يحملونها، فإذا صار الصنعاني صاحب الدر النضيد في الرد على أهل الشرك في زمانه، يطعن فيه، وفي بعض ما يصدر منه، ماذا يكون حال الموحدين في بلده؟ وماذا يكون حال القبورية ومن كان على طريقتهم من أهل الباطل في بلده مع هذا الإمام؟ لكنهم غضوا الطرف عن تلك الأخطاء، مع المناصحة والتنبيهات في المؤلفات. إذا قرأت في كتب أئمة النجدية، يذكرون أن الصنعاني له بعض المؤاخذات في عقيدته، ويذكرون في ثنايا كتبهم المؤاخذات على الشوكاني، ويذكرون في ثنايا كتبهم المؤاخذات على صديق حسن خان، لكن ما ألفوا عليه ردا خاصا، ولا مؤلفا خاصا في ذكر المؤاخذات عليه، ولا الطعن فيه من هذا الباب. وأذكر كلمة جميلة كذلك لشيخنا ربيع حفظه الله تعالى، وذكر له بعض أهل الشام، وما عندهم من أخطاء، فقال: كما صبر علماؤنا على صديق وعلى الشوكاني وعلى الصنعاني، فنحن نصبر على أهل الشام، إخواننا أهل الشام عندهم أخطاء، ولكن نعالج هذه الأخطاء بما لا يستغلها أعداء السنة، بما لا يستغلها أعداء السنة. وإن عولجت فتعالج بغير مؤلفات خاصة، فانتبهوا لهذا. ولهذا لما خرج كتاب شيخنا مقبل رحمه الله في الرد على رشيد رضا، أنكر ذلك الشيخ الألباني رحمه الله، وقال: ليته لم يؤلف هذا، بل ناصح الشيخ الألباني رحمه الله شيخنا مقبلا رحمه الله بأن لا يخرج هذا. وهذا لو تأملت هو من هذا المقام، فلو أن شيخنا رحمه الله ذكره بثنايا كتبه لكان كافيا، لما لرشيد رضا من إحياء السنة في زمانه، وفي بلده، مما لم يقم بمثله أحد من أهل السنة في زمانه، وليس معنى ذلك أنه كامل، هو أخطأ في هذا الباب، وتأثر بمحمد عبده وغيره في بعض المسائل، لكن إفراد مؤلف خاص في ذلك قد يضر، خصوصا إذا كان هذا العالم حي، إذا كان هذا العالم حي، الأثر والضرر يكون أكبر وأعظم. ونحوه كذلك إنكار شيخنا رحمه الله محمد بن صالح عثيمين على شيخنا مقبل رحمه الله في تأليف مؤلف خاص فيما يتعلق بمثالب أبي حنيفة، ليس هو ينكرها، فهو يعلم ووقف على بعض هذه الأخطاء، لكن تأليف مؤلف خاص في ذلك، وإفراد ذلك في مؤلف، هذا مما وسع العلماء السكوت عنه، فكان يسع من بعدهم السكوت عنه. وليس معنى هذا أن هذه الأخطاء لا تذكر، ربما تذكر، لكن في ثنايا كتب، ليس بمؤلف خاص مفرد، ليس بمؤلف خاص مفرد. وهذه وجهات نظر العلماء، وقد يكون شيخنا رحمه الله اجتهد، وله وجهة نظر في هذا، لكن أريد أن يردد طالب العلم هذا المعنى في نفسه، ويتأمل: لماذا العلماء لم يفردوا مؤلفات في ذلك، خصوصا فيما يتعلق بأهل زمانهم؟ وبهذا تعرف عمق فهم بعض العلماء، ومراتب العلماء، عمق فهم بعض العلماء، ومراتب العلماء حقيقة في هذا الدين. ولهذا تجد في بعض التراجم يقولون: كان عالم عامة، يقولون: فلان كان عالم عامة، أيش يريدون بعالم عامة؟ لأن العالم الذي يصلح لي سياسة الأمور للأمة، وعمومها، هذا ليس يصلح له كل أحد. مثل شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله، كان عالم أمة وعالم عامة، وهذا ليس بالأمر السهل، بل هو صعب. ومن يتتبع سير العلماء وتراجم العلماء، يجد مثل هذا المعنى، ويتجلى في ذهنه: أن سياسة الشعوب والأمم والناس، ليس يحسنه كل من ينتسب إلى العلم، ربما رجل ينتسب إلى العلم، وهو عالم وراسخ في علمه، وفي علومه التي بين يديه، ويعلم فيها، ويجتهد فيها، لكن ليس يصلح للمجتمعات مثل ما يصلح غيره. وهذا لأن سياسة المجتمعات وأمور الأمة العامة والخاصة تحتاج إلى عمق وفقه، ومتابعة لسير العلماء، بما هو فوق ما قد يكون عند العلماء، وهم من العلماء، ولكن كما قال الله عز وجل: «وفوق كل ذي علم عليم». وهذه الوقفة ما أردت بها جهة من الجهات، ولا شخصا من الأشخاص، بقدر ما أردت أن ينبه نفسي وإخواني إلى الطريقة العلمية التي ينبغي أن يتهذب بها طالب العلم في حياته العلمية، ومشواره العلمي، وما يمر به من مواقف وأحداث تجاه مثل هذه المسائل. فليكن معها، ويسلك معها مسلك الرفق والهدوء والسكون، وفي ذلك السلامة. ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه. وأعتذر على الإطالة، وإلى هنا والله تعالى أعلم.