الدرس في شرح حائية ابن أبي داود 4، الدرس الرابع : وفيه البيت( ولا تكن في القران بالوقف قائلاً ...كما قال أتباع لجهم وصححوا ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تناول المؤلف مسألة التوقف في القرآن حيث يعتبر هذا التوقف مذهبًا باطلاً يخالف الحق ويؤدي إلى نفي صفة القرآن غير المخلوق. يُوضح أن هذا المذهب يتبناه بعض الجهمية إما لإخفاء بدعتهم أو جهلاً بعدم معرفتهم للحق.
يفسر الشيخ معاني النسخ المختلفة للحديث ويبين أن التسهيل والتسامح في أمور الدين يجب أن يكون مبنيا على الحجة والبرهان وقول أهل العلم الراسخين. يشدد على أهمية الرجوع إلى أهل العلم في المسائل الدقيقة.
المقطع يشرح بيت شعر يتعلق بمجموعة ضالة واتفقت في باطنها مع مذهب جهم بن صفوان. يُظهر الشرح أن هؤلاء يُظهرون قولًا ويخفون موافقتهم لمذهب جهم بن صفوان.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: «ولا تك في القرآن بالوقف قائلا كما قال أتباع لجهم وصححه». انتقل المؤلف رحمه الله بعد الإشارة إلى هاتين المسألتين السالفتين في مسألة الكلام، وهي مسألة إثبات الكلام لله جل وعلا حقيقة على ما يليق بجلال الله وعظمته، وإثبات أن القرآن كلام الله كذلك غير مخلوق. ناسب أن ينتقل إلى مسألة ثالثة من مسائل هذا المبحث، وهي مسألة التوقف في القرآن. وذلك أن صنفا من الناس توقفوا في القرآن، وهم على طائفتين: طائفة توقفوا في ذلك وكانوا من الجهمية، لما رأوا انكشاف قول الجهمية في قولهم أن القرآن مخلوق، وتابعهم على ذلك المعتزلة، فكشفوا وفضحوا ونكل بهم أهل السنة. وتابعهم على ذلك بقول خفي، كما قلنا الكلابية والأشاعر والماتريدية، الذين ذهبوا إلى التفريق بين ما في المصاحف وما في النفس، فأثبتوا الكلام النفسي ونفوا هذا الكلام الذي في المصاحف، بأن الذي في المصاحف مخلوق، والذي في النفس ليس بمخلوق. ثم بعد ذلك تابعت البدعة، صار قوم يخفون هذه البدعة بشيء من التورع البارد، كما يقال التورع البارد. ذلك أنهم قالوا: القرآن لا نقول فيه مخلوق ولا غير مخلوق، بل نتوقف، زعما منهم أن هذا مما لم يرد فيه النص، يعني لم يأت نص صريح بأنه مخلوق أو غير مخلوق. كأنهم يريدون أن يكون شيء بالقرآن أو بالسنة باللفظ أن القرآن مخلوق أو غير مخلوق هكذا. وهذا كما قلنا في أول الأمر هو مذهب وقول بعض الجهمية، والمراد بالجهمية في هذا المبحث وفي غيره من المباحث الأخرى إذا أطلقوا: كل من خالف بمبحث السلف ووافق أهل التعطيل فيطلق عليهم جهمية، لأن هذا القول في أول الأمر قاله أتباع جهم، ثم تتابع الناس بمتابعتهم لذلكم القول في زيادة فيه، وكما يقال من مقل ومن مستكثر من هذه البدعة. فكل من كان عنده هذه البدعة سمى جهميا، ولو كان أشعريا، ولو كان ماتريديا، ولو كان كلابيا، ولو كان معتزليا، يقال له جهمي. وصنف آخر أو طائفة أخرى من القائلين بذلك: قوم جُهال، ليس عندهم رسوخ في عقيدة أهل السنة والجماعة، ولا معرفة ودراية بكلام أهل العلم في هذا المبحث، فصاروا يتابعون ظنا منهم أن هذا هو الاعتدال والوسط. ولأجل هذا كان أئمة يتشددون على أهل هذا القول، فقد روي عن جماعة من الأئمة منهم الإمام أحمد رحمه الله أنه كان يقول: «الواقفة شر من الجهمية»، الواقفة شر من الجهمية. لماذا؟ لأن الجهمية أمر واضح، أمر واضح وبين وظاهر، وشرهم معلوم، وبدعتهم كذلك لا تخطأ. لكن هؤلاء الواقفة هم الذين يلعبون على العامة أمر دينهم، بحجة الاعتدال والتوسط والإنصاف. ولهذا كان يقول: «الواقفة شر من الجهمية». وهكذا نقل هذا غير واحد، فعبد الله بن أحمد في كتاب السنة، والخلال في كتاب السنة، وهكذا ابن بطة في الإبانة، وهكذا الآجري في الشريعة، وغيرهم من أئمة السنة. ومن كتب في معتقد أهل السنة والجماعة نقل ذلك عن عدد من أئمة المسلمين وعلمائهم. لماذا؟ لهذين السببين: أنه بهذه الفتنة وبهذا المبحث صار قوم من الجهمية يبطلون عقيدة أهل السنة ويؤصلون ويبقون عقيدة الجهمية. فإنهم إذا قالوا: لا نقول مخلوق ولا غير مخلوق، انتهى الأمر. ليش؟ إلى عدم إثبات الحق، وهو أنه ماذا؟ وهو أنه غير مخلوق. إذا قالوا: لا نقول مخلوق ولا غير مخلوق، انتهوا إلى نفي الحق، وهو أنه غير مخلوق. ولهذا صاروا شر من الجهمية. وهكذا كذلك لأن بعض هؤلاء ربما يتابعهم بجهل، فيلبس على بعض العامة بهذا الاعتدال والتوسط المزعوم والإنصاف. ولهذا صار هذا القول قاعدة يذكرها العلماء في مسائل كثيرة، ولو في غير مسألة القرآن، بأن كل توقف واعتدال وإنصاف مزعوم يخالف الحق، فهو بمثل قول الواقفة في مسألة القرآن. صار هذا مثلا يضرب لكل من ادعى الاعتدال والتوسط والإنصاف في شيء يخالف الحق الذي دل عليه الدليل، فإنه يقال له: قال الإمام أحمد رحمه الله: «الواقفة شر من الجهمية». أي مثلا في زماننا هذا يأتي إنسان فيقول: أبو الحسن مبتدع، وآخر يقول: أن أبو الحسن غير مبتدع، ويأتي واحد واقف ويقول: لا ما نقول مبتدع ولا نقول غير مبتدع، نحن متوقفون. فنقول له كما قال الإمام أحمد رحمه الله: «الواقفة شر من الجهمية». هل هو جهمي؟ لا ليس بجهمي، لكن نقول كما بهذا المعنى. يعني الواقفة شر من الحسنية، المتوقف بالحسنيين شر من الحسنيين، لأن هؤلاء الحسنيين هم في الحقيقة أمرهم فاضح واتضح وبين وانكشف، فقد خالفوا أهل السنة والجماعة وخالفوا أهل البدع والضلال، وصار الائتلاف والاجتماع على الباطل بما لا يفعله أحد. لكن الشر الذي يدخل على بعض الناس يدخل من قوم يزعمون أنهم متوقفون، وأنهم ما استطاعوا أن يحكموا ولم يعرفوا. وفي هذا طائفة من أهل البدع يوافقون هؤلاء فيما هم فيه، وطائفة أخرى هم جُهال ما بحثوا في القضية ولا اطلعوا عليها ولا عرفوها، فوافقوا هؤلاء على قولهم. وليس المراد أن هذه البدعة مثل هذه البدعة، لكن المراد أن هذا الحكم ينطبق على مثله في مثل هذا الحكم. وهذا هو المعنى أن هذه صارت قاعدة وعلم من القواعد العلمية. قال المؤلف رحمه الله: «ولا تك في القرآن بالوقف قائلا»، يعني انتبه واحذر أن تكون من يتوقف في القرآن فيقول مثلا: لا أقول مخلوق ولا أقول غير مخلوق. لماذا؟ لأن هذا أمر واضح وبيّن، وقد علمت أدلة الكتاب والسنة التي تدل أن القرآن غير مخلوق، وهو كذلك الذي عليه أئمة الدين، وما نقله العلماء وبصفه لكتبه. ولأنه كذلك هو قول أحد طائفتين: طائفة من أتباع الجهمية حذر منهم العلماء بأعيانهم وأسمائهم، ومبسوط ذلك في كتب الاعتقاد. وطائفة ثانية من الجهلة الذين لم يعرفوا بالرسوخ في العلم توقفوا بشيء لا يجوز لهم التوقف فيه. قال: «كما قال أتباع لجهم وصححوا»، أي كما قال أتباع لجهم وصححوا هذا القول. صححوا قول من قال بالتوقف. وأسجحوا، طيب نسخة كذلك يجوز. وصححوا وأسجحوا، وجاء في نسخة كذلك وأسمحوا. فهذه ثلاثة نسخ جاءت في البيت. «وجاء وصححوا» يعني صححوا مذهب جهم. وهؤلاء كما قلنا أحد طائفتين: إما قوم من الجهمية يخفون بدعتهم، والطائفة الثانية قوم من الجُهال لا يدرون الحق من الباطل. وعلى النسخة الثانية «وأسجحوا»، السجح هو اللين والسهولة، لكنه لين وسهولة غير مكتسب، يعني لا يكتسب الإنسان بنفسه، فيقال مثلا: هذا وجه أسجح، يعني لين وأملس. وهذه ناقة سجحاء، أي طويلة ملساء لينة. ويقال: هذا سهل أسجح، أي أملس. فهو يذكر للشيء اللين والسهل والسمح الذي لا يكون مكتسبا. وكأنه بهذا أشار رحمه الله إذا صحت هذه النسخة الأخرى، فيكون المعنى أن طائفة منهم ليس من ذات أنفسهم يريدون هذا اللين مع الجهمية، لكنه شيء دخل عليهم بسبب جهلهم. وهكذا كذلك نسخة «وأسمحوا»، نسخة «وأسمحوا» يعني يكون المراد أنهم سهلوا بشيء لا يجوز التسهيل فيه، وتسامحوا بشيء لا يجوز التسهيل والتسامح فيه، لأن هذا الباب دين، ولا يجوز ذلك إلا بالحجة والبرهان، ولا يجوز ذلك إلا بقول أهل العلم، كلام أهل العلم الراسخين. فإن الإنسان لا يأخذ المسألة بالعقل، بعض الأمور تخفى على بعض أهل العلم، وينبغي لأهل العلم إن كانوا من أهل العلم الراسخين في العلم، وكذلك الخبيرين به أن يسلم ذلك بعضهم لبعض، ويعترف بالفضل لأهل الفضل. فإذا كانت المسألة دقيقة من مسائل الحديث، مثلا أنا لست عالما بعلم الحديث، فأنا أحيله إن كنت منصفا إلى غيري ممن أعرفه أنه أقوى مني في علم الحديث. وإن كنت أنا مثلا لست قويا في معرفة الفرق والملل والنحل والطوائف، وأعرف غيري من أهل السنة هو متمكن بهذا الباب، فإن الإنصاف يدفعني أن أسلم هذه القضية لغيري، لأنه أعرف مني بهذا وأعرف نفسي أنني لست قوي في هذا الشيء على شيء يقين وبرهان. فما دام أنني مستيئس، فمن الإنصاف أن أحيله إلى غيري. فكيف إذا عرفت أنني أنا أصلا أجهل هذه القضية؟ هل يجوز لي أن أحكم بجهل؟ هذه مرتبة ثانية. والمرتبة الثالثة وهي أعظم: كيف يجوز لي أن أخالف غيري ممن هو أعلم مني وأرسخ وأكبر وأكثر في مسألة ظهر لهم الحق فيها ولم يظهر لي؟ ظهر لهم الحق فيها ولم يظهر لي. وهذه مرتبة ثالثة. ومرتبة رابعة وهي أشد: كيف إذا كان كلام هؤلاء الأعلم والأرسخ والأكثر والأكبر كان شديدا غاية التشديد في إنكار هذه البدعة وفي الإنكار على من وقع فيها؟ فكيف يجوز لي إذا كنت أنا ممن يريد الحق أن أقع في مثل هذا الخطأ؟ أقل الأحوال أنني أسلم نفسي من هذا، ولو من باب ترك الشبهات، ولو من باب ترك الشبهات. فإذا مثل هذا لا يجوز التسامح به بعد هذه الأمور كلها، لا يجوز التسامح به. وهذا يفيدنا شيء عظيم، وهو درس وضابط وقاعدة من القواعد العلمية التي يستفيدها طالب العلم في كثير من المسائل الخلافية في الحكم على الأشخاص وعلى الجماعات وعلى الأقوال، وعلى كذلك الكثير من الحوادث والأفعال. فإن ذلك ينبغي أن يراعى مثل هذه الضابطة، مثل هذا الضابط، وهو أن الشيء لا يؤخذ بالعقل ولا بالعاطفة ولا بالرأي، ولكن بالدليل والشاهد والبرهان، وقول الراسخين من كلام أهل العلم، هذا هو الواجب. وانظروا إلى هذه المسألة وقلنا: خالفت فيها طائفتان، وكان هذا الخلاف مثمرا، هذا الذي سمعناه، وهو تشديد السلف على من خالف ذلك، بغض النظر أن الذي وقع فيه وقع بجهل أو وقع بعمد. وهذا هو معنى النسخة الثانية. «وإيش قال وسمحوا» يعني وسجحوا وسمحوا، النسخة «وَسَمَحُوا» يعني سمحوا في شيء لا يجوز لهم التسامح به. «وأمن وصححوا» يعني أنهم قائلين بهذا القول، عن شيء في باطنهم من موافقة لمذهب الإمام الضال، رئيس أهل الضلال في باب التعطيل، وهو جهم بن صفوان. هذا خلاصة ما يذكر بهذا البيت.