الدرس في شرح كتاب تطهير الإعتقاد 29، الدرس التاسع والعشرون:فيه (والشياطين أعظم عناية في إغواء العباد ... وأملاها علينا العلامة مفتي الحنفية في المدينة السيد محمد بن أسعد رحمه الله). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح المقطع تمثل الشيطان وتسلطه على الناس، خاصة في المجتمعات التي تفتقر إلى الإيمان. كما يوضح ارتباط شياطين الإنس والجن في إضلال الناس وتسليطهم على الكفر والسحر. يتناول قصة ضعيفة السند عن تمثل الشيطان في صورة ذئب.
يذكر المؤلف مكر الشيطان وخداعه للناس بطرق مختلفة مثل التخيلات والأصوات والقدرات الخارقة. يحذر من الاغترار بالخرافات والخزعبلات التي يبثها عباد القبور، ويبين أن النعم الدنيوية ليست دليلا على رضى الله تعالى.
ينبه الشيخ إلى أن ظهور الخوارق على أيدي بعض الناس لا يعني أنهم أولياء لله، بل قد يكونون سحرة أو مشعوذين. يشير إلى أن كرامات الأولياء تكون نتيجة الإيمان والتقوى، بينما خوارق أعداء الله تكون بسبب الكفر والفسوق.
المحققون ذكروا أن دخول الشخص كان في وقت سجن شيخ الإسلام ابن تيمية. تمت الإشارة إلى ذلك في سياق الحديث، وتم إنهاء الدرس بسبب نفاد الوقت على أن يستكمل في درس لاحق.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال الإمام الصنعاني رحمه الله تعالى: قال: والشياطين أعظم عناية في إغواء العباد عن طرق الهداية والرشاد. وقد أخرج أبو بكر البزار في مسنده «البحر الزخار» عن معاوية بن قرة، عن أبيه، قال: كنت مع أبي نريد النبي صلى الله عليه وسلم، فلما كنا ببعض الطريق مررنا بحي، فبتنا فيه، فإذا الراعي قد جاء إلى أهل الحي يسعى، يقول: لست أرعى لكم، فإن الذئب يجيء كل ليلة يأخذ شاة من الغنم والصنم ينظر ولا ينكر ولا يغير. قال: أقم علينا - أحسبه قال - حتى نأتيه، فأتوه فتكلم حوله، قال للراعي: أقم الليلة. قال: إني مقيم. قال أبي: أقيم الليلة حتى ننظر - يعني ما نهاية هذه القصة -. وهذا الحديث الذي أشار إليه فيه ضعف، كما ذكر غير واحد من أهل العلم، وأشار إلى ذلك المعلق كما ترون، فإنما داره على أزهر بن سنان، وهو ضعيف. وقد أشار الطبراني إلى تفرد الرواية به، وهكذا كذلك أشار إلى ذلك البزار. وبعض التفرد لو كان من الثقة ربما كان نكارة، فكيف إذا كان من الضعيف؟ قال: قال أبي: يقيم الليلة حتى ننظر، فبتنا ليلتنا، حتى إذا كان صلاة الغداء أقبل الراعي يشتد إلى أهل القرية، يقول لهم: البشرى، ألا ترون الذئب مربوطا بين الغنم بغير وثاق؟ فجاءوا وجئنا معهم، قال: فقال: نعم، هكذا فاصنع، فقدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحدثه أبي الحديث، فقال: «يتلعب بهم الشيطان» انتهى. وهذا الحديث ضعيف، وإن كان معناه ليس ببعيد، فإن الشيطان يتمثل، وهكذا كذلك يتصلت على الإنسان، كلما كان أبعد عن دين الله عز وجل. ومر معنا قريبا قصة خالد بن الوليد لما قطع السمرات ورجع إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فأخبره عليه الصلاة والسلام أنه لم يصنع شيئا حتى يكسر الوتن، فلما جاء وخرجت له امرأة عارية - وهي شيطانة كانت تخرج لمن يعبد ذلكم الصنم - فعممها خالد بن الوليد بالسيف حتى قتلها. ومثل ذلك ربما لا يظهر في المجتمعات التي يكون فيها إيمان وإسلام، ولكن مثله يظهر في المجتمعات التي يكون فيها كفر، كما أخبر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: أن السحر يتصلت بين أهل الجهل أكثر من أهل العلم، وأنه في المجتمعات التي يكون فيها إيمان يقل، وفي المجتمعات التي يكون فيها كفر يكثر. وهكذا كذلك ذكر بعض مشايخنا المعاصرين أنه كذلك في واقع أحوال الناس، وضرب مثلا ببعض بلاد الهند، فإن فيها من السحر ومن تأثر الناس به وتسلط السحر على أهلها ما لا يكون في بلاد الإسلام والإيمان. وهكذا كلما كان البلد أكثر كفرا كان الشيطان أكثر تسلطا وظهورا، ولذلك تجده في البوادي أكثر من الحضر، لأن أهل الحضر أهل العلم وأهل دين، في الغالب فيهم دين وفيهم علم، تقام الصلوات ويرفع الأذان وتقام الشعائر بما لا يمكن في الغالب بقاء الشياطين معه. وأما في البوادي لقلة الذكر فإن الشياطين تتسلط أكثر. فهذا الحديث ضعيف ومعناه معقول، لكن في حدود. قال: فإذا بلغ من الشيطان مثل هذا بأن يتمثل ذئبا ويعقد بين الغنم ليتم إضلال العباد بعبادة الأوتان، فكيف يستنكر المؤمن الصادق في الإيمان أن يتلعب الشيطان بالقبوريين والمجاذيب ويتصور ثعبانا يقلبونه في أيديهم ونارا يأكلونها وغير ذلك لمن صدق إيمانه ويقينه - يعني لا يشك أن هذا من فعل الجن - فإن شياطين الإنس والجن بينهما ارتباط، شياطين الإنس يكفرون بالله، وشياطين الجن تعينهم على هذا الكفر وتسلطهم على الناس بما يكون من أحوال كثيرة يظهرونها، فيظن الجهلة أنها من الكرامات، وما دروا أنه من إعانة الجن لهم. وهكذا كذلك من السحر، قال: وذكر ابن تيمية في كتابه «الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان» أنه يعرف من تخاطبه النبات بما فيها من المنافع، وإنما تخاطبه الشياطين التي دخلت فيها. قال: وأعرف من يخاطبه الحجر والشجر، وتقول: هنيئا لك يا ولي الله، ويقرأ آية الكرسي فيذهب ذلك. قال: وأعرف من يقصد صيد الطير، فتخاطبه العصافير وتقول: صدني حتى يأكلني الفقراء، ويكون الشيطان قد دخل فيها كما يدخل في الإنس ويخاطبه بذلك. ومنهم من يكون في البيت مغلقا عليه فيرى نفسه خارجه، وبالعكس، وهو لم يفتح. وأحيانا قد تكون حقائق، وأحيانا تكون أوهاما يبتل بها بعض من في قلبه خوف، خصوصا إذا كثرت إشاعة هؤلاء القبوريين وكذلك تهويلهم، حتى يربما دخل الخوف في قلوب بعض الضعفة، فظنوا فعلا أن القائمين على هذه التوابيت التي تعبد من دون الله عز وجل يملكون نفعا وضرا بالولي. وربما لم يناموا الليل ولم يأهدأ ولم يطمئن لهم بال، وكل ذلك من الخوف وتصوروا الأشياء في النوم أو رأوها في اليقظة، وهم لا يرون إلا خيالات. فإذا رأى شبح إنسان ربما خيل له خوفه أنه حيوان، وإذا رأى شبح حيوان ربما خيل له خوفه أنه شيطان. وهكذا فالخوف يفعل بصاحبه فعلا كما أنه قد يكون حقيقة بهذه الشياطين التي تفعل ما سمعنا من التمثل ونحوه. قال رحمه الله تعالى: ومنهم من يكون في البيت مغلقا عليه فيرى نفسه خارجه وبالعكس وهو لم يفتح، وكذلك في أبواب المدينة. وتكون الجن قد أدخلته وأخرجته بسرعة. ويريد أن بعض المدن في زمان المؤلف وزمن شيخ الإسلام ابن تيمية كان لها أبواب، ولا يزال بعض هذه الأبواب موجودة في عدد من المدن، مثل عندنا هنا يقولون: سدة العيد الروس، وكذلك سدة الثانية الخور - يعني مدخل مدخل لمدينة الشحر - وهكذا كذلك لأكثر المدن اليمنية سور أبواب كان يدخل منها الناس، ولا يزال آثارها موجودا. ويريد رحمه الله أن بعضهم ربما يدخل بعد إغلاق الباب، فكيف ذاك؟ يقول: إما بمعانة الشياطين أو أن الشياطين توهم أنه لم يدخل وهو دخل أو توهم أنه لم يخرج وهو خرج. وكل الأمرين ممكن، إما بالحقيقة وإما بالتخيل، بالحقيقة بأن تحمله الشياطين وهي تستطيع ذلك، وبالتخيل بأن تظهر الشيء على غير حقيقته. قال: وأعرف من يخاطبه مخاطب أو مخاطب ويقول: أنا من أمر الله، ويعده أنه المهدي الذي بشر به النبي صلى الله عليه وسلم، ويظهر له الخوارق مثل أن يخطر بقلبه تصرف في الطير والجراد بالهواء والمواشي. فإذا خطر بقلبه ذهاب الطير والجراد يمينا وشمالا ذهب حيث أراد، وإذا خطر بقلبه قيام بعض المواشي أو نوم أو ذهابه حصل ما أراد من غير حركة منه في الظاهر، وتحمله وتحمله إلى مكة، وتأتي به وتأتيه بأشخاص في صور جميلة وتقول له: هذه الملائكة الكروبيون أرادوا زيارتك. فيقول في نفسه: كيف تصوروا بصورة المردان؟ فيرفع رأسه فيجدهم بلحة. وكله من مكر الشيطان. فالشيطان قد يفتن بعض الناس مع ضعف إيمانهم ويقينهم، قد يفتنهم إما بأصوات وإما بمناظر وإما بشيء من القدرة التي يتمكن منها ولم يكن متمكنا لها من ذي قبل. ولا يزال أهل العلم يذكرون من ذلك أحوالا وصورا، بعضها له حقيقة في الوجود، وبعضها من إشاعات الأخبار ونقلة غير اثقات. فسواء كان هذا أو هذا، المقصود من ذلك أن الموحد لا ينبغي أن يغتر بالخرافات والخزعبلات التي ينشرها ويبثها عباد القبور زعما أنها من كرامات الأولياء، وهي بين أكاذيب وخيالات وبين السحر وشعودة وكهانة واستعانة بالشياطين. قال رحمه الله تعالى: وكله من مكر الشيطان. وهذا باب لو ذكرت ما أعرف منه لاحتاج إلى مجلد كبير. وقد قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ۩ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ۩ كَلَّا﴾ زجر وتنبيه على أنه ليس كل من حصلت له نعمة دنيوية تعد كرامة. فإذا كان هذا في حقه النعمة الدنيوية المحضة، فكيف بهذا الذي هو قريب من السحر والشعودة بل هو عين السحر والشعودة؟ فإذا كان الغني في الدنيا ليس غناه دليل على رضى الرب سبحانه وتعالى له، فهذا قارون قد أوتي كنوز من كنوز الدنيا عظيمة، ومع ذلك هو من الكفار الذين توعدهم الله عز وجل بالنار. ولم يعد إكرامه بالدنيا أو حصول الدنيا بين يديه إكراما، لم يعد حصول الدنيا بين يديه إكراما، بل ربما كان العكس. وهكذا كذلك ينبغي أن يعلم الموحد وأن يعلم المؤمن أن ظهور تلك الخوارق على أيدي عباد القبور وسدنة تلك القبور ليس علامة على كرامة ولا علامة على صدق أو حق، بل إنه قد يكون على العكس دليل وعلامة على أن صاحبه ساحر وكاهن ومشعود. قالوا: أن الله أكرمه بها، ولا كل من قدر عليه رزقه - يعني ضيق - يكون مهينا له بذلك، لأن من الفقراء أو من ابتلي ببعض الفقر والمسكنة أنبياء، نبينا عليه الصلاة والسلام مر به أيام فيها معنى الفقر عليه الصلاة والسلام، وهو رسول الله أتقى الناس وخليل الرحمن. قال: بل هو سبحانه يبتلي عبده بالسراء والضراء، يبتلي بالخير وبالشر وبالضيق وبالفسحة. قال: فقد يعطي النعم الدنيوية من لا يحبه ولا هو كريم عنده ليستدرجه بذلك. وقد لا تعني أنه دائما لأنه قد يحصل للآخر، قد يعطي الدنيا من يحبه، فهذا سليمان عليه الصلاة والسلام سخر الله له خيرات الدنيا، ومع ذلك هو رسول وملك ملك ورسول عليه الصلاة والسلام. إذن الإنعام ليس علامة على الرضا، ولا علامة على السخط، كما أن عدم الإنعام ليس علامة على الرضا ولا علامة على السخط. قال: ولا هو كريم عنده ليستدرجه بذلك. وقد يحمي منها من يحبه ويواليه، لأن لا تنقص بذلك مرتبته عنده، أو يقع بسببها ما يكره منه. وأيضا كرامات الأولياء لا بد أن يكون سببها الإيمان والتقوى، فما كان سببه الكفر والفسوق والعصيان فهو من خوارق أعداء الله لا من كرامات أوليائه. وكما مر معنا في كلام الإمام الشافعي والليث بن سعد: بأن المعيار والميزان الذي يعرف به الصادق من الكاذب هو الإيمان والتقوى، حتى يكون على الكتاب والسنة بحق وصدق. فلو سار على الماء أو طار في الهواء، فإنك لا تصدقه ولا تقبل منه، ولكن تعرض عمل هذا المدعي على الكتاب والسنة. قال: فما كان سببه الكفر والفسوق والعصيان فهو من خوارق أعداء الله لا من كرامات أوليائه. فهذه كلها أحوال شيطانية، وهو ممن يتناوله قوله تعالى: ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ حَتَّىٰ إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾. فلا يغتر من يشاهد ما يعظم في عينه من أحوال المجاذيب من الأمور التي يراها عنده خوارق، فإن للسحر تأثيرا عظيما في الأفعال، وهكذا الذين يقلبون الأعيان بالأسحار وغيرها. وقد ملأ سحرة فرعون الوادي بالتعابين والحنشان حتى أوجس في نفسه خيفة موسى، وحتى وصفه الله تعالى بأنه سحر عظيم. وقد سحرت اليهود سيد البشر - أي نبينا عليه الصلاة والسلام - كما ثبت في الصحيح، فكان يخيل إليه أنه يأتي الشيء وهو لم يأتيه. قال: حتى كان يخيل له أنه فعل الشيء ولم يفعله، حتى أعلمه الله بأنه سحر وأعلمه مكان السحر وفيما فعل، حتى أخرجه صلى الله عليه وعلى آله وسلم وكفاه الله شره. والقصة في الصحيحين وغيرهما مبسوطة معروفة. والسحر يفعل أعظم من هذا، فإنه قد ذكر ابن بطوطة وغيره أنه شاهد في بلاد الهند قوما توقد لهم النار العظيمة ويلبسون الثياب الرقيقة ويخوضون في تلك النار ويخرجون ويخرجون وثيابهم كأنها لم يمسها شيء. بل ذكر أنه رأى إنسانا عند بعض ملوك الهند أتى بولدين معه، ثم قطعهما أعضاء أعضاء، ثم رمى بكل عضو إلى جهة، فرقا - يعني قطعا - حتى لم يرى أحد شيئا - يعني من تلك القطع - قال: من تلك الأعضاء، ثم صاح وبكى، فلم يشعر الحاضرون إلا وقد نزل كل عضو على انفراده وانضم إلى الآخر حتى قام كل واحد منهما على عادته حيا سويا. ذكر هذا في رحلته، وهي رحلة بسيطة، وقد اختصرت طالعتها بمكة سنة ست وثلاثين ومئة وألف، وأملها علينا العلامة - أو قال نعم - قد اختصرت طالعتها بمكة سنة ست وثلاثين ومئة وألف، وأملها علينا العلامة مفتي الحنفية في المدينة السيد محمد بن أسعد رحمه الله. وكتاب ابن بطوطة فيه أشياء حق، وفيه أشياء باطل، والباطل فيها كثير، ولهذا افترى على شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تلك الفرية الشنعاء، وهو أنه حضر وشيخ الإسلام يخطب، فنزل من المنبر، وزعم أنه قال: «إن الله ينزل كنزول هذا» - وهو كذب. وقد ذكر المحققون من أهل العلم أن دخوله إلى البلد التي زعم أنه لقي فيها شيخ الإسلام كان في وقت سجن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. طيب نكتب بهذا القدر لأنتهى الوقت، ونترك الباقي إن شاء الله في درس لاحق، والله تعالى أعلم.