الدرس في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 46، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل تفسير آية الحديد وشرح معنى الرهبانية التي ابتدعها النصارى، حيث يُبين أن الآية تمدح من اتبع عيسى عليه السلام وليس الرهبانية نفسها. يُظهر أن الرهبانية لم تكن من أوامر الله.
يُناقش هذا الفصل مفهوم الرهبانية في القرآن ويُظهر أنها بدعة لم يشرعها الله. يُفسر الآية القرآنية ويُبين الفرق بين الجعل الشرعي والجعل الكوني.
يتناول هذا الفصل شرح الاستثناء المنقطع في القرآن وتفسير الآيات المتعلقة بالرهبانية. يُبين أن الله لم يمدح الرهبانية وإنما مدح من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم واتبع المسيح على دينه الأصلي.
يُوضح هذا الفصل حكم الرهبانية في الإسلام، حيث تُعتبر بدعة سواء تم الالتزام بها أو لم يتم. يُبين أن الالتزام بها أو عدمه يزيد من البدعة إما بالكذب أو بالنفاق.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال شيخ الإسلام تيمي رحمه الله في كتابه الجواب الصحيح: نبدل دين المسيح فصل. فأما قوله تعالى: ﴿قَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾، ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهم النبوة والكتاب، فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون. ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى بن مريم وآتيناه الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون. فهو حق كما قال تعالى، وليس في ذلك مدح للرهبانية ولا لمن بدل دين المسيح. وإنما فيه مدح لمن اتبعه بما جعل الله في قلوبهم من الرحمة والرأفة، حيث يقول: ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾. ثم قالوا: رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم. وهذه الرهبانية لم يشرعها الله ولم يجعلها مشروعة لهم، بل نفى جعله عنها كما نفى ذلك عما ابتدعه المشركون بقوله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾. وهذا الجعل المنفي عن البدع هو الجعل الذي أثبته للمشروع بقوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾، وقوله: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ﴾. فالرهبانية ابتدعوها لم يشرعها الله. وللناس في قوله "ورهبانية" قولان: أحدهما إنها منصوبة، يعني ابتدعوها إما بفعل مضمر يفسره ما بعده، أو يقال هذا الفعل عمل في المضمر والمظهر كما هو قول الكوفيين، حكاه عنهم ابن جرير وثعلب وغيرهما. ونظيره قوله: ﴿يَدْخُلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾، وقوله: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾. وعلى هذا القول فلا تكون الرهبانية معطوفة على الرأفة والرحمة. والقول الثاني: إنها معطوفة عليها، فيكون الله قد جعل في قلوبهم الرأفة والرحمة والرهبانية المبتدعة. ويكون هذا جعلا خلقيا كونيا. والجعل الكوني يتناول الخير والشر، كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾. وعلى هذا القول فلا مدح للرهبانية بجعلها في القلوب. فثبت على التقديرين أنه ليس في القرآن مدح للرهبانية. ثم قال: ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾، أي لم يكتب عليهم إلا ابتغاء رضوان الله. وابتغاء رضوان الله بفعل ما أمر به لا بما يبتدع. وهذا يسمى استثناء منقطعا كما في قوله: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾. وذكر أنهم تدعوا الرهبانية ولا يجوز أن يكون المعنى أن الله كتبها عليهم ابتغاء رضوان الله. فإن الله لا يفعل شيئا ابتغاء رضوان نفسه. ولا أن المعنى أنهم ابتدعوها ابتغاء رضوانه كما يظن هذا وهذا بعض الغالطين. ثم قال تعالى: ﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ﴾، وهم الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم. ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾. ولو أريد الذين آمنوا بالمسيح أيضا، فالمراد من اتبعه على دينه الذي لم يبدل. فلم يمدح سبحانه إلا من اتبع المسيح على دينه الذي لم يبدل، ومن آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم. لم يمدح النصارى الذين بدلوا دين المسيح، ولا الذين لم يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم. جعل المؤلف رحمه الله تعالى هذا الفصل في الجواب على شبهتهم في آية سورة الحديد، وأن الله مدح الرهبانية، ويريدون بذلك تصحيح ما هم عليه من دين، ولو بعض ما هم عليه. وأبان المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الفصل أن هذا ليس بصحيح. وعلى تقدير صحته، فالأدلة الشرعية في القرآن وفي السنة يفسر بعضها بعضا. فالرهبانية بدعة سواء روعية أو لم ترعى. فإذا روعية فإنها لم تخرج من كونها بدعة. وإذا لم ترعى زادت مع البدعة الكذب. والله تعالى أعلم.