الدرس في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 50، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش المقطع ادعاءات النصارى حول تعظيم الحواريين في القرآن ويرد عليها، موضحا أن تفسيرهم للقرآن باطل. يبين أن دين النصارى مبدل وليس متبعا للمسيح أو الحواريين كما يدعون.
يتناول إرسال الله للرسل إلى الأمم المختلفة منذ القدم، ويشير إلى أن كل أمة أرسل إليها رسولا يدعوها إلى عبادة الله وحده. كما يبين أن الحواريون جزء من سلسلة الرسل الذين أرسلهم الله.
يوجب الله طاعة رسوله وأولي الأمر ورد التنازع إلى الله ورسوله، ويحذر من التحاكم إلى غير كتاب الله ورسوله. يُظهر أن الرسل الذين أرسلهم الله يشملون جميع الأنبياء.
دعا إبراهيم قومه إلى عبادة الله وحده وترك الشرك، ثم بشر بدخوله الجنة بعد وفاته. لم ينزل الله أي عذاب سماوي على قومه بعد وفاته.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة، قال شيخ الإسلام تقي الدين رحمه الله في كتابه «الجواب الصحيح ومدل دين المسيح»: قال فصلا: أما قولهم: وحوارييهم الذين أرسلهم إلينا أنذرونا وبلغتنا وسلموا لنا ديننا، الذين قد عظموا في هذا الكتاب، قد عظموا في هذا الكتاب بقوله في سورة الحديد: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾، وقال في سورة البقرة: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾، فأعنى بقوله: «أنبياءه المبشرين»، ورسوله ينذر بذلك الحواريين الذين داروا في سبعة أقاليم العالم، نعني في نسخة: فعنى بقوله: «أنبياءه المبشرين»، فعنى وبشروا بالكتاب الواحد الذي هو الإنجيل الطاهر، لأنه لو عنى إبراهيم وداود وموسى ومحمد لكان قال: «معهم الكتب»، لأن كل واحد منهم جاء بكتاب دون غيره، ولم يقل إلا «الكتاب» الواحد، لأنهما أتى جماع مبشرين بكتاب واحد، غير الحواريين الذين أتوا بالإنجيل الطاهر. وجاء أيضا في الكتاب: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾، يعني الحواريين، لم يقل: «رسول»، إنما قال: «المرسلين». والجواب من وجوه: أحدها: أنه ليس فيما ذكر ولا في غيره ما يوجب تكذيب الرسول الذي أرسل إليكم وإلى غيركم، وتمسككم بدين مبدل منسوخ، كما أنه ليس فيما يعظم به موسى والتوراة ومن اتبع موسى ما يوجب لليهود تكذيب الرسول الذي أرسل إليهم وتمسكهم بدين مبدل منسوخ. الثاني: أن قولهم: ولا نتبع غير المسيح وحواريه، قول باطل، فإنهم ليسوا متبعين لا المسيح ولا لحواريه، لوجوه: أحدها: أن دينهم مبدل، ليس كله عن المسيح والحواريين، بل أكثر شرائعهم أو كثير منها ليست عن المسيح والحواريين. الثاني: أن المسيح بشر بأحمد، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾، فإذا لم يتبعوا أحمد كانوا مكذبين للمسيح، وعندهم من البشارات عن المسيح وغيره من الأنبياء بأحمد ما هو مبسوط في موضع آخر، كما سيأتي إن شاء الله. وإنما المقصود هنا منع احتجاجهم بشيء مما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، وبيان أنه حجة عليهم لا لهم، إذ زعموا أن في بعضه حجة لهم. الثالث: أن قولهم عن الحواريين: أنهم الرسل الذين عظموا في هذا الكتاب، قول باطل، فسروا به القرآن تفسيرا باطلا من جنس تفسيرهم: «الذين أنعمت عليهم» بالنصارى، وتفسيرهم: «بإذن» أن ينفخوا فيه فيكون طيرا، «بإذن الله» الذي هو كلمة الله المتحدة في الناسود، وتفسيرهم: «ألف لام ميم ذلك الكتاب» بالإنجيل، وتفسيرهم: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾، هم النصارى، وتفسيرهم قوله: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، هم النصارى إلا الذين ظلموا هم اليهود، وأمثال ذلك من تفسيرهم القرآن مثل ما يفسرون به التوراة والإنجيل والزبور من التفاسير التي هي من تحريف الكلم عن مواضعه والإلحاد في آيات الله والكذب على أنبيائه، بما يظهر أنه كذب على الأنبياء لكل من تذبر ذلك. وبطلان ذلك يظهر من وجوه: أحدها: أن الله قال: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾، وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا﴾، اسم جمع مضاف يعم جميع من أرسله الله تعالى. الثاني: أن حق الرسل بهذا الحكم الرسل الذين سماهم في القرآن، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾، وقال في سورة الشعراء: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾، وقوله: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وقوله: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وقوله: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وقوله: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا﴾، فقال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾، وذكر قصته، ثم قال بعد ذلك: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ وَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾، ثم لما قضى قصته قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ ثُمَّ رَسُلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ ثُمَّ رَسُلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ﴾، فذكر إرسال رسله تترى أي: متواترة، ثم ذكر إرسال موسى وهارون، وإرسال موسى وهارون قبل المسيح بمدة طويلة. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾، فهذا إخبار منه سبحانه وتعالى بأنه بعث في كل أمة رسولا يدعوهم إلى عبادة الله وحده. وقال تعالى في المسيح صلوات الله عليه: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾، فأخبر أن المسيح رسول من هؤلاء الرسل، قد خلت من قبله الرسل، وقد بعث في كل أمة رسوله. وقد روى في حديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أن الأنبياء مئة ألف وأربعة وعشرون ألف نبي، وأن الرسل منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر»، وبعض الناس صحح هذا الحديث، وبعضهم يضعفه. فإن كان صحيحا فالرسل ثلاثمائة وثلاثة عشر، وإن لم تعرف صحته أمكن أن يكون بقدر ذلك، وأن يكون أكثر كما يمكن أن يكون أقل، فإن الله تعالى أخبر أنه بعث في كل أمة رسوله. وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أنتم توفون سبعين أمة، أنتم أكرمها وأفضلها على الله»، وهو حديث جيد. وقال تعالى في سورة الزمر: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾، وقال تعالى في سورة تبارك: ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ﴾، فهذا إخبار منه بأن كل فوج يلقى في النار، وقد جاءهم نذير، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾، وقد قال تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾، وقال تعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾، فقد أرسل الله قبل المسيح رسلا كثيرين إلى جميع الأمم. فكيف يجوز أن يدعى أن المراد بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾، هم الحواريون فقط الذين أرسلهم المسيح، مع أن الحواريين رسل المسيح بمنزلة رسل موسى وإبراهيم ورسل محمد صلى الله عليه وسلم، ومن أرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم وجب الطاعته على الناس فيما يبلغه عن رسول الله، كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن عصى أميري فقد عصاني»، فبين أن أميره إنما تجب طاعته في المعروف الذي أمر الله به ورسوله، لا في كل ما يأمر به. وفي الصحيحين عن علي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث جيشا وأمر عليهم رجلا وأمرهم أن يسمعوا ويطيعوا، فأغضبوه، فقال: «اجمعوا لي حطبا»، فجمعوا له، ثم قال: «أوقدوا نارا»، فأوقدوا نارا، ثم قال: «ألم يأمركم رسول الله أن تسمعوا لي وتطيعوا؟» قالوا: «بلى»، قال: «فادخلوها»، فنظر بعضهم إلى بعض وقالوا: «إنما فررنا إلى رسول الله من النار»، فكانوا كذلك حتى سكن غضبه، فلما رجعوا ذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: «لو دخلوها ما خرجوا منها أبدا»، وقال: «لا طاعة في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف». وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره، إلا أن يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية فلا سمع وطاعة». وفي مسلم عن أم الحسين: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع يقول: «ولو استعمل عليكم عبد أسود يقودكم بكتاب الله فاسمعوا وأطيعوا». وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ليبلغ الشاهد الغائب، فرب مبلغ أوعى له من سامع». وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار». وفي السنن عنه أنه قال: «نضر الله امرأ سمع منا حديثا فبلغه إلى من لم يسمعه، ورب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه». فالحواريون في تبليغهم عن المسيح كسائر أصحاب الأنبياء في تبليغهم عنهم. وقال الله تعالى في كتابه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾، وأولي الأمر هم العلماء والأمراء، فإذا أمروا بما أمر الله به ورسوله وجبت طاعتهم، وإن تنازع الناس في شيء وجب رده إلى الله والرسول، لا يرد إلى أحد دون الرسل الذين أرسلهم الله، كما قال في الآية الأخرى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، والكتاب اسم جنس لكل كتاب أنزله الله، ليس المراد به كتابا معينا، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾، ولم يرد بهذا أن يؤمن بكتاب معين واحد، بل هذا يتضمن الإيمان بالتوراة والإنجيل والقرآن وكل ما أنزله الله من كتاب. كما قال في سورة الشورى: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمْ﴾، فأمره الله تعالى أن يؤمن بكل ما أنزل الله من كتاب، وأن يعدل بين من بلغتهم رسالته. كما قال: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾، فكل من بلغه القرآن فهو مخاطب به، يتناوله خطاب القرآن. وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «بلغوا عني ولو آية». وقال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾، وفي القراءة الأخرى: «وكتبه ورسوله»، وكل القراءتين موافقة للأخرى. وقوله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾، أي فاختلفوا بعد ذلك، كما قال في سورة أخرى: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا﴾، فلما اختلف بنو آدم بعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب، وذلك تناول كل كتاب أنزله الله ليحكم الله ويحكم كتابه بين الناس بالحق، فالحاكم بين الناس والله تعالى وحكمه في كتبه المنزلة. فلهذا أمر الله المؤمنين إذا تنازعوا في شيء أن يردوه إلى الله والرسول، والرد إلى الله والرد إلى كتابه، فأمرهم بالرد إلى كتابه ورسوله. وقد ذم تعالى من لم يتحاكم إلى كتابه ورسوله، فقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾. فقد تبين أن الرسل الذين ذكرهم الله في قوله: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾، يتناول الرسل الذين أرسلهم الله تعالى كلهم، ومن حقهم بذلك الرسل الذين أخبر في القرآن أنه أرسلهم إلى عباده. فظهر بطلان قولهم: إنهم الحواريون. الوجه الثالث: أنه قال: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾، فذكر أنه أنزل الحديد أيضا ليتبين من يجاهد في سبيل الله بالحديد، والنصارى يزعمون أن الحواريين والنصارى لم يؤمروا بقتال أحد بالحديد. الوجه الرابع: أنه قال بعد ذلك: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ثُمَّ قَفَيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾، وإخباره بإرسال نوح وإبراهيم بعد قوله: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾، من باب ذكر الخاص بعد العام، وبيان مختص بالخاص من الأحكام التي امتاز بها عن غيره مما دخل في العام. كما يأمر السلطان العسكر بالجهاد، ويأمر فلانا وفلانا بأن يفعلوا كذا وكذا. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾، فنوح هو أبو الآدميين الذين حدثوا بعد الطوفان، فإن الله أغرق ولد آدم إلا أهل السفينة. وقال في نوح: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمْ الْبَاقِينَ﴾، وإبراهيم جعل الأنبياء بعده من ذريته، كما قال تعالى في إبراهيم: ﴿وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾، ثم قال بعد أن ذكر إرسال نوح وإبراهيم: ﴿ثُمَّ قَفَيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ﴾، فأخبر أنه قفى على آثارهم برسله، وقفى بعيسى بن مريم وآتاه الإنجيل، وهؤلاء رسل قبل المسيح، وآخرهم المسيح، ولم يذكر أنه أرسل أحدا من أتباع المسيح، بل أخبر أنه جعل في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة. فكيف يجوز أن يقال: إن مراده بالرسل الذين أرسلهم بالبينات وأنزل معهم الكتاب والميزان هم الحواريون دون الرسل الذين ذكرهم وأرسلهم قبل المسيح؟ الوجه الخامس: أنه ليس في القرآن آية تنطق بأن الحواريين رسل الله، بل ولا صرح في القرآن بأنه أرسلهم، لكن قال في سورة ياسين: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَشَرًا بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ أَفَلَا تَسْمَعُونَ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِهِ فَاسْمَعُونِ قِيلَ دَخَلَ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ إِنْ كَانَت