الدرس في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 83، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
استشهد الشيخ عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك بكلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه 'الجواب الصحيح من بدل دين المسيح'، حيث أثبت كفر اليهود وظلمهم واستحقاقهم للعذاب. وأكد أن هذا معلوم بالاضطرار من دين محمد صلى الله عليه وسلم.
اليهود والنصارى كفروا بالرسل وأنكروا الحق، وتعرضوا للغضب الإلهي ولعنة الله، وضربت عليهم الذلة والمسكنة. أمر الله المسلمين بمجادلة أهل الكتاب بالتي هي أحسن إلا من ظلم منهم.
يتناول تحريف النصارى للكتب الإلهية وتفسيرهم الخاطئ لبعض آيات القرآن، ويبين كذبهم وافتراءهم على النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ويظهر عدم إنصافهم وغشهم في تفسيرهم للآيات القرآنية.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتاب «الجواب الصحيح من بدل دين المسيح»: «... وصل ثم قالوا: فأما الذين ظلموا فما يشك أحد في أنهم اليهود الذين سجدوا لرأس العجل، وكفروا بالله مرارا كثيرا، ليست واحدة، وقتلوا أنبياءه ورسله، وعبدوا الأصنام، وذبحوا للشياطين، ليس حيوانات غير ناطقة فقط، بل بنيهم وبناتهم، حسب ما شهد الله عليهم قائلا على لسان داود النبي عليه السلام في كتاب الزبور، في مزمور 105: ﴿ذبحوا بنيهم وبناتهم للشياطين وأراقوا دما زكيا دم بنيهم وبناتهم الذين ذبحوا للمنحوتات بكنعان وقد تنجست الأرض بالدماء وتنجست أعمالهم وزنوا بضعائنهم وسقط الرب عليهم ورذل ميراثهم﴾». وقال أيضا: «بضعائنهم أن جاء نسخة بضعائنهم، وجاء بضعائنهم». وقوله «بضعائنهم» يعني بأعدائهم، فاليهود من حقدهم وعداوتهم يعني يرصدون نساء المخالفين، يعني يقولوا عملتهم في نسخة بضعائنهم. ثم ينظر إذا أحد استطاع أن ينظر في الزبور، مزمور 105، إذا تيسر تستطيع بالإنترنت أو شيء ينظر هذه الكلمة، حتى بالترجمة، هل الأعداء أم الأقرباء؟ الضعائن النساء القريبات، والضعائن النساء نساء الأعداء. قال: وقال أيضا على لساني أشعياء النبي عليه السلام يقول الله في بني إسرائيل: ﴿لم يسمعوا وصايا لم يحفظوا كل ما أوصيتهم به بل غيروا ونقضوا الميثاق الذي كنت جعلته لهم إلى الأبد فلذلك أجلستهم عليهم الحزن أو الحزن وأهلكتهم وانقطع ممن يبقى منهم الفرح والسرور﴾. هكذا قال الله على سكان بيت المقدس بني إسرائيل: ﴿سأبددهم بين الأمم وفي تلك الأيام يرفعون الأمم أصواتهم ويسبحون الله ويمجدونه بأصوات عالية ويجتمعون من أقطار الأرض ومن جزائر البحر ومن البلدان البعيدة ويقدسون اسم الله ويرجعون إلى الله إله إسرائيل ويكونون شعبه وأما بنوا إسرائيل فيكونون مبددين في الأرض﴾. وقال أشعياء النبي عليه السلام يقول الله: ﴿يا بني إسرائيل نجستم جبل المقدس فإني سأفنيكم بالحرب وتموتون وذلك لأني دعوتكم فلم تجيبوا وكلمتكم فلم تسمعوا وعملتم الشيء بين يدي﴾. وقال أشعياء أيضا: «إن الله قد بغض بني إسرائيل وأخرجهم من بيوتهم ومن بيته، ولا يغفر لهم لأنهم لعنة وجعلوا لعنة الناس، فلذلك أهلكهم الله وبددهم بين الأمم، ولا يعود يرحمهم ولا ينظر إليهم برحمة إلى أبد الآبدين، ولا يقربون لله قربانا ولا ذبيحة في ذلك اليوم وذلك الزمان، ولا يفرح بنو إسرائيل لأنهم قد ظلموا عن الله عز وجل». وقال أرمياء النبي عليه السلام: «كما أن الحبشي لا يستطيع أن يكون أبيض، فكذلك بنو إسرائيل لا يتركون عادتهم الخبيثة، ولذلك إني لأرحم ولا أشفق ولا أرق على الأمة الخبيثة». وقال حزقيال للنبي عليه السلام: «قال الله: إنما رفعت يدي عن بني إسرائيل وبددتهم بين الأمم لأنهم لم يعملوا بوصاياي ولم يطيعوا أمري وخالفوني فيها فيما قلت لهم ولم يسمعوا لي». ومثل هذا القول في التوراة وكتب الأنبياء وزبور داود شيء كثير، يقرؤونها اليهود في كنائسهم ويقرؤونها ولا ينكرون منها حرفا واحدا، ومثل ما هو عندهم وكذلك عندنا في جميع الألسنة». انتهى. والجواب أن يقال: أما كون اليهود ظالمين كافرين معتدين مستحقين لعذاب الله وعقابه، فهذا معلوم بالاضطرار من دين محمد صلى الله عليه وسلم، منقول بالتواتر، كما علم بالاضطرار والنقل المتواتر عنه صلى الله عليه وسلم أن النصارى أيضا ظالمون معتدون كافرون مستحقون لعذاب الله وعقابه. وفي اليهود من الكفر ما ليس في النصارى، وفي النصارى ما ليس في اليهود. فإن اليهود بدلوا شريعة التوراة قبل أن يأتيهم المسيح من مريم، فلما أتاهم كفروا به وكذبوه، فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم كذبوه، فباءوا بغضب على غضب، كما قال تعالى عنهم: ﴿أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون﴾. ولقد أتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل وأتينا عيسى بن مريم البينات وأيدناه بروح القدس، فكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون. وقالوا: ﴿قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين لئس ما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده فباءوا بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين﴾. وإذا قيل لهم: «آمنوا بما أنزل الله»، قالوا: «نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقا لما معهم». قل: «فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين؟ ولقد جاءكم موسى بالبينات ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون». وإذا أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور: «خذوا ما أتيناكم بقوة واسمعوا». قالوا: «سمعنا وعصينا وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم». قل: «بئس ما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين». فغضب عليهم أولا بتكذيب المسيح، وثانيا بتكذيب محمد صلى الله عليه وسلم. وقال تعالى: ﴿ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباءوا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون﴾. قال تعالى: ﴿لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون﴾. قال تعالى: ﴿قل هل ننبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت فأولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل﴾. فتبين أن اليهود لعنهم الله وأنهم عبدوا الطاغوت وأنه جعل منهم القردة والخنازير، ومثل هذا في القرآن كثير. لكن قول القائل: إنهم المرادون بقوله تعالى: ﴿إلا الذين ظلموا منهم﴾ في قوله: ﴿ولا تجادل أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم﴾، غلط بين. ولهذا كان باطلا باتفاق المسلمين. فإن قوله تعالى: ﴿ولا تجادل أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن﴾، ناه عن مجادلة أهل الكتاب من اليهود والنصارى إلا بالتي هي أحسن. وقوله: ﴿إلا الذين ظلموا من الطائفتين جميعا﴾. ولهذا كان الواجب على المسلمين إذا جادلوهم أن يجادلوهم بالتي هي أحسن، إلا من ظلم من الطائفتين، فإنه يعاقب باللسان تارة وباليد أخرى، كما أمر الله ورسوله لجهاد الظالمين من هؤلاء. فجاهد النبي صلى الله عليه وسلم اليهود الذين كانوا بالمدينة النبوية وحولها وقريبا منها، كما جاهد بني قينقاع والنضير وقريظة وأهل خيبر وأهل وادي القرى وغيرهم. وكما جاهد النصارى عامة، وغزاهم بالشام، عربهم ورومهم، وأغزاهم قبل ذلك نوابه: زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة، وأمر بغزوهم، فغزاهم بعده خلفاؤه الراشدون. والنبي صلى الله عليه وسلم لما قدم وفد نجران النصارى، جادلهم في مسجده بالتي هي أحسن، ثم أمره الله سبحانه أن يدعوهم إلى المباهلة، فامتنعوا عن مباهلته وأقروا بأداء الجزية عن يد وهم صاغرون. فما تقدم ذكر ذلك مفصلا، فجادل بعضهم بالتي هي أحسن، والظالم منهم عقبه وجاهده، كما عقب الظالم من اليهود. ومن أعجب الأشياء قولهم: «أما الذين ظلموا فلا يشك أحد أنهم اليهود». فإن هذا من جنس قولهم: ﴿ثم وجدنا في الكتاب ما هو أعظم من هذا برهانا﴾، وهو قوله في سورة الشورى: ﴿قل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم﴾، كما تقدم. ومن جنس قولهم في قوله: ﴿ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون﴾. إنه عنى بالكتاب الإنجيل، والذين يؤمنون بالغيب النصارى، والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك هم المسلمون. وزعمهم أن قولهم هذا بين ظاهر. وتفاسير النصارى للكتب الإلهية فيها من التحريف لكلمات الله والإلحاد في أسماء الله وآياته ما يطول وصفه، ولا ينقضي التعجب منه. لكن إقدامهم على تفسير القرآن بالإلحاد والتحريف أعجب وأعجب. فقولهم: إن محمدا صلى الله عليه وسلم ذكر أنه لم يرسل إليهم، وأنه ثناء على الدين الذي هم عليه بعد النسخ والتبديل بعد مبعثه صلى الله عليه وسلم، وأن قوله: ﴿صراط الذين أنعمت عليهم﴾ أراد به النصارى، وقوله: ﴿لقد أرسلنا رسلنا﴾ أراد به الحواريين، وقوله: ﴿وأنزل معهم الكتاب بالحق لتحكم بين الناس﴾ أراد به الإنجيل. فإن في هذا من الكذب الظاهر والافتراء على محمد صلى الله عليه وسلم بأنه أراد هذه الأمور، ما هو من جنس افترائهم على الأنبياء. فإنهم أخبروا أن المسيح هو خالق السماوات والأرض، وأن التوراة والزبور وغيرهما من الكتب أخبرت بذلك. ثم يأتون إلى ما يعلم كل عاقل أن محمدا صلى الله عليه وسلم لم يرده، فيقولون: «إنه لا يشك فيه أحد، وإنه قول ظاهر بين». وكل من عرف حال محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به من القرآن والدين، يعلم علما يقينيا ضروريا أن محمدا صلى الله عليه وسلم لم يكن يجعل النصارى مؤمنين دون اليهود، بل كان يكفر الطائفتين ويأمر بجهادهم، ويكفر من لم يرد جهادهم واجبا عليه. وهذا مما اتفق عليه المسلمون، وهو منقول عندهم عن نبيهم نقلا متواترا. بل هذا يعلمه من حاله الموافق والمخالف، إلا من هو مفرط في الجهل بحاله، أو من هو معاند عنادا ظاهرا. بسم الله الرحمن الرحيم. هذا الفصل كما ترون ظاهر وواضح. ونستفيد منه كذلك أن النصارى قوم أهل جهل وعدم إنصاف. فإذا كان هذا في مثل هذه الآيات وقع فيه التحريف، إما بجهل، ولا يمتنع أن يكون جهل مثله فيما هم عليه من دين استوجب ذلك تحريف الكثير من الآيات أو النصوص الواردة عن الأنبياء، أو ظلم وعدم إنصاف، كما هو ظاهر من هذه الآيات، خصوصا مع هؤلاء الذين هم أعلم الناس أنها ليس فيها الدلالة على ما يدعون، لكنه التلبيس على البسطاء أو نقول على المبتدئين وغير العالمين من جهلة الأمم. فإن مثل هذا الكلام إنما ينطلي على الجاهل، أما العالم ومن عنده أدنى معرفة لا ينطلي عليه مثل هذا الكلام. وبه نصل إلى أن النصارى ليسوا أهل إنصاف، بل هم أهل غش وخيانة وتدليس. فما فعلوا في مثل هذه الآيات لا يمتنع أن يكون فعلوا مثله وأعظم فيما يدعون أنه حق من دينهم الذي هو قائم على الكثير من التحريف والتبديل. والله تعالى أعلم.