مفيد المستفيد 14

مفيد المستفيد 14

الدرس في مفيد المستفيد 14، الدرس الرابع عشر:من( وأما كلام سائر أتباع الأئمة في التكفير فنذكر منه قليلا من كثير ... كفر ابن سينا وهو رجل معين مصنف يتظاهر بالإسلام ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مسألة تكفير المعين والردة

يناقش تكفير المعين والحكم على من فعل الردة بأنه مرتد وكافر، ويُفصل الكلام في هذه المسألة. يُشرح أن الكفر يتحقق إذا كان الفعل على وجه الاستصغار والاستهانة.

حكم النذر لغير الله وانتشار الشرك

يناقش حكم النذر لغير الله تعالى وانتشار الشرك بين العوام، ويبين أن العلماء يبينون الحكم الشرعي ولا يملكون منع الناس من الوقوع في الشرك. يستشهد بكلام العلماء على كفر من يعتقد تصرف الموتى في الأمور الدنيوية.

تحذير من اتباع الآخرين دون الحق

يُنبه إلى خطورة التعلل باتباع الآخرين دون اتباع الحق، ويحذر من أن يعتقد الشخص أنه معذور باتباع غيره. يشير إلى أن الله لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه.

حكم المخالف لأحكام الإسلام

يشرح حكم من يخالف أحكام الإسلام ويعتبره كافرًا، ويذكر مراد المؤلف من ذلك. يشير إلى اكتفائه بالشرح حتى هذه النقطة ويعد بمتابعة الباقي في درس لاحق.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في كتابه «مفيد المستفيد في كفر تارك التوحيد»: قال رحمه الله: «أما كلام سائر أتباع الأئمة في التكفير، فنذكر منه قليلًا من كثير»، يعني في تكفير المعين والحكم على من فعل الردة بأنه مرتد وكافر، ولو عنده شيء من خصال الإسلام، ولو اشتهر كذلك بالإسلام؛ لأن فعله للناقض من نواقض الإسلام أخرجه من دائرة الإسلام. قال رحمه الله: «أما كلام الحنفية، فكلامهم في هذا من أغلظ الكلام»، يعني من أشده. فإن الحنفية اشتهروا بالتشديد في أحكام الردة، حتى أنهم ذكروا أشياء يخالفهم بعض الأئمة فيها، ويُفصلون فيها. وأكثر هذا الكلام مذكور في كتب الفقه والأحكام في باب حكم المرتد. قال رحمه الله: «فكلامهم في هذا من أغلظ الكلام، حتى إنهم يكفرون المعين إذا قال: مصحف، أو مسيجد، أو صلى صلاة بلا وضوء، ونحو ذلك». والصحيح في هذا التفصيل: إذا فعل ذلك على وجه الاستصغار والاستهانة بالمصحف والمسجد، فهو كفر. وإذا قال ذلك أو فعل ذلك، ليس على وجه الاستحلال، ولا على وجه الاستصغار والاستخفاف، فهي معصية. وقد يُعذر صاحبها إذا كان يظن أن هذا يجوز. وبعضهم يجعل مثل هذا خلاف الأفضل والأولى، يعني تسمية المسجد الصغير مسيجد. وإن كان في اللغة يجوز، لكن نبه العلماء أن الأولى، على أقل الأحوال، ترك التعبير بهذا اللفظ تعظيمًا لبيوت الله. هذا على أقل الأحوال، وإلا فبعضهم يرى الكراهة، وبعضهم يرى التحريم، وبعضهم يرى أنه كبيرة، وبعضهم يرى أنه كفر وردة. والصحيح التفصيل كما سبق. وهكذا الصلاة بلا وضوء، إذا فعل ذلك مستحلًا ومستهينًا ومستخفًا، فهو كفر. وأما إذا فعله على وجه الحياء، أو كذلك الخوف والذل، ونحو ذلك، فمثل هذا يُعد معصية، ولا يصل إلى الكفر. وقد يفعله الجاهل، فيُعذر الجاهل. قد يفعل مثل ذلك يظن أنه يجوز له مثل هذا. قال: وقال في «النهر الفائق»: قال: وعلم أن الشيخ قاسمًا قال في شرح «درر البحار» -يعني من كتب الحنفية- أن النذر الذي يقع من أكثر العوام، وبِهِ نعرف أن الشيخ رحمه الله كان موسوعة في اطلاعه على كلام أهل العلم. انظر هذا الكلام قبل مئات السنين، وهو اطلع على هذه الكتب ووقف عليها وعلى دقائق المسائل فيها. واليوم، إلى يومنا هذا، مثل هذه الكتب ربما لم تتيسر في كثير من المكتبات، ولم يقف عليها الكثير من العلماء، فضلًا عن طلبة العلم؛ فيدل كذلك على علو همة أولئك العلماء، وأنهم علماء أرباب -أي أصحاب- همم عالية، حتى استطاعوا أن يقفوا على كتب لم تتيسر اليوم، على ما تيسر في هذا الزمان من وسائل الطبع والنقل وغير ذلك، مما يعاصر هذا الحديث. وذلك لعلو همتهم في تحصيل العلم والنظر في كتبه. قال رحمه الله: قال في شرح «درر البحار»: «إن النذر الذي يقع من أكثر العوام بأن يأتي إلى قبر بعض الصلحاء قائلًا: يا سيدي فلان، إن رد غائبي أو عوفي مريضي، فلك من الذهب أو الفضة أو الشمع أو الزيت كذا، باطل» -أي هذا النذر- إجماعًا. إلى أن قال: «ومنها ظن أن الميت يتصرف في الأمر، واعتقاد هذا كفر». إلى أن قال: «وقد ابتلي الناس بذلك، لا سيما في مولد الشيخ أحمد البدوي». انتهى كلامه. وهذا الذي استشهد به الشيخ رحمه الله ظاهر في أن هؤلاء العلماء نصوا على أن بعض من ينتسب إلى الإسلام يفعل ما هو شرك وكفر، فيكون بهذا مرتدًا؛ لأنه فعل ما هو شرك وكفر. وهذا لا شك على أحد حالين: إما فيما هو معلوم من الدين بالضرورة، فمن بلغه القرآن قامت عليه الحجة. وإما فيما قد يخفى، لكن قد قامت به الحجة ببيان أهل العلم وكلامهم. وعلى هذا يحمل حكم مثل هؤلاء العلماء على بعض العوام؛ يعني أن بعض العامة قد يلحقهم حكم الكفر؛ لأنهم على أحد هاتين الحالتين. قال رحمه الله: «فانظر إلى تصريحه أن هذا كفر، مع قوله: أنه يقع من أكثر العوام، وأن أهل العلم قد ابتلوا بما لا قدرة لهم على إزالته». يعني أن هذا الشيء انتشر وتفشى، وصار العلماء ليس بإمكانهم منعه؛ لأنه لا سلطان يعين على ذلك، ولا آذان صاغية تستجيب لكلام العلماء الصادقين. فعند ذلك ليس على العلماء إلا أن يبينوا الحكم، يقولوا: هذا شرك، وهذا كفر. ومن فعل ذلك فنقض عليه من الشرك والكفر. فمن وقع بعد ذلك، وقد قامت عليه الحجة، فهو قد وقع بما وقع، إلا أن يعذره عذر، كأن يلبس عليه عالم سوء وظلاله. فعند ذلك يتعلق ذمته بمن أضله. وليس كل من أضل فهو معذور. ننتبه لهذا: ليس كل من أضل فهو معذور. فقد ذكر لنا ربنا جل وعلا في مواضع من كتابه أن أتباعًا ومتبوعين يدخلون جميعًا النار. وفي هؤلاء الأتباع والمتبوعين من هو ضال ومضل أضل بعضهم بعضًا، ومع ذلك لم يُعذر المتبوع ولا التابع، بل التابع والمتبوع كلهم في نار الجحيم: ﴿اتَّبَرَأَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا مِنْ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾. وهكذا: ﴿وَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنْ الْعَذَابِ﴾، ونحوها من الآيات التي فيها ذكر الأتباع والمتبوعين. فليس كل من أضل يقول كما يقول اليوم بعض العامة: يقول: أنا ما لقيت، أنا علقت ذمتي بفلان وأمره إلى الله. لا، هذا ما ينجيك عند الله سبحانه وتعالى؛ لأن الله سبحانه إذا علم أنك قد فهمت دين الله وقامت عليك حجته، فلا يُعذرك بقولك: أنا في رقبة فلان. ما ينفع أن تقول: أنا في رقبة فلان؛ لأن الحجة قد قامت عليك، وأنت فقط تتعلل بفلان، وهو ليس لك بعذر ولا علة. فأنت في نار جهنم. وهكذا الذي يضل الناس كذلك في نار جهنم، والعياذ بالله. احذر، احذر من أن تتعلل بما ليس بعذر ولا علة. فإن الله عز وجل أخبرنا أن أناسًا من متبوعين وتابعين كلهم يدخلون نار جهنم. وما عذر لا العالم ولا الجاهل. لماذا؟ لأن الجاهل قامت عليه الحجة. أما جاهل ما قامت عليه الحجة، فهذا نرجو أن الله يعفو عنه؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾، ﴿فَمَنْ بَلَغَتْهُ الرِّسَالَةُ فَهُوَ لَيْسَ بِمَعْذُورٍ﴾. قال: ومنها ضن. قال رحمه الله: «فانظر إلى تصريحي أن هذا كفر، مع قولي أنه يقع من أكثر العوام، وأن أهل العلم قد ابتلوا بما لا قدرة لهم على إزالته». وقال القرطبي رحمه الله: لما ذكر سماع النقر أو صورته، قال: «هذا حرام بالإجماع»، يعني استعمال آلات اللهو والطرب. قال: «وقد رأيت فتوى شيخ الإسلام جمال الملة» -يعني من الحنفية، والقرطبي من المالكية- قال: «أن مستحل هذا كافر». والملة عندهم لقب للعالم، يقال في بلاد الهند. قال: «أن مستحل هذا كافر». ولما علم أن حرمته بالإجماع، لزم أن يكفر مستحله؛ يعني الذي يفعله فعل الحلال، فيستحل آلات اللهو والطرب، فيجادل ويقول: هو حلال، وليس له في ذلك شبهة، فهو كافر. في نص هذا العالم من علماء الحنفية. وفيه تفصيل: التفصيل أن يقال: إن لم تكن عنده شبهة؛ لأنه ربما تكون عنده شبهة، كأن يسمع مثلًا من أحد يحله من أهل العلم. وهذا كذلك ينتبه له: ليس كل من تعلق بعالم ظن أنه ناجٍ. ولكن إذا قامت عليه الحجة وجب عليه اتباع الحق، ولا يتعلل باتباع أحد؛ فإنه لا يخل له أن يتبع أحدًا على الحق. قال: فقد رأيت كلام القرطبي، وكلام الشيخ الذي نقل عنه في كفر من استحل السماع والرقص، مع كونه دون ما نحن فيه بالإجماع؛ يعني دون ما نحن فيه من مسائل العقيدة التي الإجماع فيها أشد من مسائل آلات اللهو والطرب والسماع والرقص. ومع ذلك نقل التكفير فيه. فكيف لا ينقل التكفير في مسائل الاعتقاد؟ قال: وقال أبو العباس رحمه الله -يعني ابن تيمية- حدثني ابن الخضيري عن والده الشيخ الخضيري إمام الحنفية في زمانه، قال: «كان فقهاء بخارى يقولون في ابن سينا: كان كافرًا ذكيًا». فهذا إمام الحنفية في زمنه حكى عن فقهاء بخارى جملة كفر ابن سينا، وهو رجل معين، مصنف، يتظاهر بالإسلام. ابن سينا معروف، صاحب كتاب الطب، وله مؤلفات كثيرة. وقد خاض في علم الفلسفة، وكفره بعض أهل العلم، وفصل فيه بعضهم. والشاهد أن العلماء أو بعض العلماء كفره؛ لأجل ما عنده من موجبات الكفر، مع كونه محسوبًا من علماء الإسلام، عنده ناس آخرون. فكيف بمن ظهر منه الشرك الصريح؟ فهو أولى بأن يحكم عليه بالكفر، ولو فعل ما فعل من أحكام الإسلام. هذا مراد المؤلف رحمه الله تعالى. نكتفي بهذا، ونترك الباقي إن شاء الله لدرس اللاحق، والله تعالى أعلم.