الدرس في القول السديد في مقاصد التوحيد 24، الدرس الرابع والعشرون:من( باب لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله ... الحادية عشرة:لا نذر لابن آدم فيما لا يملك ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
ينهى الإسلام عن الذبح لله في الأماكن التي يذبح فيها لغير الله، ويستدل بحديث ثابت بن الضحاك وآية قرآنية تنهى عن الصلاة في مسجد الضرار. هذا الباب يظهر حرص الإسلام على حماية التوحيد ومنع الشرك.
لا تجوز الصلاة في الأماكن التي فيها شرك أو قبر أو تابوت يعبد من دون الله، ويجب إزالة مظاهر الوثنية منها إذا حولت إلى مسجد. كما لا يجوز الذبح والتعبد لله في مواضع كانت تستخدم للشرك.
الإسلام يحصر أعياد المسلمين في الفطر والأضحى، ويحذر من المشاركة في أعياد الجاهلية أو التعبد في أماكن كانت تستخدم لذلك. المعصية يمكن أن تؤثر على الأرض، ويستشهد بحديث ينهى عن الوفاء بنذر في معصية الله.
النذر لا يصح فيما لا يملكه الإنسان لأنه تعدٍ على حقوق الغير. هذا الحكم يبين حدود تصرف الإنسان فيما ليس له حق فيه.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، في كتاب التوحيد: باب لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله. وقول الله تعالى: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ الآية. قال عن ثابت بن الضحاك رضي الله عنه: قال: نذر رجل أن ينحر إبلا ببوانة، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ قالوا: لا. قال: فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ قالوا: لا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أوفي بنذرك، فإنه لا وفاء لندر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم». رواه أبو داود، إسناده على شرطهما. قال فيه مسائل: الأولى تفسير قوله: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾. الثاني أن المعصي قد تؤثر في الأرض، وكذلك الطاعة. الثالثة رد المسألة المشكلة إلى المسألة البينة ليزول الإشكال. الرابعة استفصال المفتي إذا احتاج إلى ذلك. الخامسة أن تخصيص البقعة بالنذر لا بأس به إذا خلا من الموانع. السادسة المنع منه إذا كان فيه وثن من أوثان الجاهلية، ولو بعد زواله. السابعة المنع منه إذا كان فيه عيد من أعيادهم، ولو بعد زواله. الثامنة لا يجوز الوفاء بما نذر في تلك البقعة؛ لأنه نذر معصية. التاسعة الحذر من مشابهة المشركين في أعيادهم، ولو لم يقصده. العاشرة لا نذر في معصية. الحادية عشر لا نذر لابن آدم فيما لا يملك. أورد رحمه الله تعالى الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، هذا الباب: باب لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله، بعد باب ما جاء في الذبح لغير الله؛ ليبين رحمه الله تعالى أن النهي عن الذبح ليس فقط لغير الله، بل ورد ما هو أعظم من ذلك وأشد، مما فيه حماية حمى التوحيد، وقطع أسباب ووسائل الشرك. ومن ذلك النهي عن الذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله. فإذا كان كذلك، فصار هذا أشد، ومن باب أولى الذبح لغير الله، أنه لا يجوز ولا يشك في تحريمه. وقوله: باب لا يذبح لله، اختلف الشراح في «لا» هل هي للنهي أو النفي؟ والأقرب أنها للنهي؛ لأنه جزم بذلك فيما ذكر بعد في المسائل، وهكذا كذلك فيما أورده من حديث. وقوله: «لله بمكان يذبح فيه لغير الله»، ظاهر دلالة ذلك من حديث ثابت بن الضحاك، كما سيأتي. ثم قال رحمه الله: وقول الله تعالى: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾، أي: على مسجد الضرار الذي بناه المنافقون، كما في سبب نزول الآيات في سورة التوبة، بعد رجوع النبي صلى الله عليه وسلم من تبوك. ووجه الشاهد من أن النبي صلى الله عليه وسلم نهي أن يقوم في مسجد؛ لأنه لم يبن لله عز وجل، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما سيصلي فيه لمن لله، والمصلي من النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه. ومع ذلك؛ لأنه بني لغير الله، وإنما أريد به الإفساد والإضرار، منع ربنا جل وعلا نبيه عليه الصلاة والسلام والمؤمنين أن يصلوا فيه: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لِمَسْجِدٍ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾. وهكذا يقاس عليه ما كان مثله أو أولى منه. فإذا كان هذا في حق الصلاة، فكذلك يقال فيما هو مثله أو أولى منه، فلا يجوز أن يصلى لله في موضع يقع فيه الشرك، ولو كان هذا الموضع مسجدا كالمساجد التي فيها قبور أو توابيت، ولو لم يكن قبرا، حتى إذا لم يكن قبرا، بل كان تابوتا فقط، بعض المساجد ليس فيها قبر، لكن فيه تابوت علم للقبر، وهو ما يسمونه بالاشتهار، ما دام هذا التابوت يعبد من دون الله عز وجل، ومع الله، فلا يجوز الصلاة في هذا المسجد. قال: فإن قال قائل: كيف وقد روي عن عمر رضي الله عنه الصلاة في الكنيسة؟ الجواب: أن العلماء أجابوا عن هذا بجوابين: الجواب الأول: أن هذه الكنيسة قد حولت إلى مسجد، ولا بأس بالصلاة في الكنائس ومعابد الكفار إذا لم يكن فيها قبر، إذا حولت إلى مساجد. أما أن يصلى فيها لله ويصلى فيها لغير الله، لا، لا يجوز. كأن يسجد فيه للصليب، ويعبد الصليب، ويأتي المسلم فيصلي لله فيه، والصليب في الكنيسة، هذا لا يجوز، بل يزال الصليب، وتبعد مظاهر الوثنية من المسجد، من الكنيسة، من صور وتماثيل وصلبان وغير ذلك، ويحول إلى مسجد، هذا يجوز. وأكثر أهل السير والتاريخ حملوا ما روي عن عمر على هذا المعنى؛ لأنه إنما دخل فاتحا رضي الله عنه. والوجه الثاني، وهذا ضعيف: أنهم صلوا للضرورة، خافوا أن تفوتهم الصلاة، ولم يجدوا مكانا للصلاة إلا ذاك. وهذا ضعيف، والأول هو الأصح والأقرب. وقوله رحمه الله: عن ثابت بن الضحاك، وهو الأشهلي رضي الله عنه أرضاه، قال: نذر رجل أن ينحر إبلا ببوانة. وقوله: إبل، يدل أنها كثيرة، وجاء في بعض الروايات أنها مئة، وجاء في بعض الروايات أنها إبل وغنم. وقوله: ببوانة، رواية بفتح الباء، ورواية بضم الباء، بوانة وبوانة، وذكر الوجهين غير واحد من أهل العلم وشراح كتاب التوحيد، وهو موضع هضبة وراء ينبع، قرب ساحل البحر، وينبع مدينة مشهورة اليوم بالقرب من المدينة في الطريق الساحلي إلى جدة. وقوله: فسأل النبي صلى الله عليه وسلم: هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ الوثن هو كل ما عبد من غير الله ومع الله، سواء كان له صورة أو ليس له صورة، ومنه القبر والنصب، بل والطواغيت. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي حسنه جمع من أهل العلم: «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد». فقول النبي صلى الله عليه وسلم: هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ يعني لو كان فيه، إذن لا يجوز أن توفي بالنذر. وهذا هو الشاهد: أنه لا يتعبد لله في مكان يعبد فيه غيره، ومنه الذبح، لا يذبح لله في مكان يذبح فيه لغيره. قال: قالوا: لا. قال: فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ قالوا: لا. وفيه دليل كذلك أنه لا يجوز الذبح والتعبد لله في موضع كان فيه عيد من أعياد الجاهلية. والعيد هو ما يعود الناس إليه، وما يعود على الناس في سنة: أو في شهر: أو في أسبوع: أو غير ذلك. فمثل هذه التجمعات التي يجتمع عليها الناس اليوم من عباد القبور، مما يسمى بالزيارات، هي بمثابة أعياد أهل الجاهلية. فكان أهل الجاهلية لهم اجتماعات ومزارات يجتمعون على أوثان في أيام معلومة، وأماكن معلومة. وبه يعلم أنه لا يجوز مثل ذلك. وأما أعياد أهل الإسلام فهي محصورة محدودة، فما كان منها عيدا زمانيا فهو محصور بالفطر والأضحى، كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم بحديث أنس، فقد أبدل الله أهل الإسلام بهذين العيدين عن سائر أعياد أهل الجاهلية. وأما المكانية فالمساجد الثلاثة، والمشاعر مشاعر الحج، هي التي يعودها الناس، وما سوى ذلك لا يجوز التعبد لله بالرحلة إليها وعودها، لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد. وبه يعلم أنه لا يجوز حضور أي عيد من أعياد الجاهلية، بل ولا يجوز التعبد لله فيه في موضع فيه عيد من أعياد الجاهلية، ولو كان في ذاك الوقت لا يقوم في ذاك المكان عيد. فقال: قالوا: لا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أوفي بنذرك، فإنه لا وفاء لندر في معصية الله». وفيه أن ما سبق من معصية الله، وكل ما كان من معصية الله، فلا وفاء فيه. قال: رواه أبو داود، إسناده على شرطهما، وهو صحيح كما أشار المعلق: صحيح العلام الألباني رحمه الله، بل وغيره كذلك. وقوله: فيه مسائل: الأولى تفسير قوله: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾، سبق: أي لا يجوز الصلاة في مكان بني لغير الله، ولغير مرضات الله، فمن باب أولى الذبح. وقوله: الثاني أن المعصي قد تؤثر في الأرض، وكذلك الطاعة: يعني كون المكان كان يعبد فيه لغير الله، وثنا من الأوثان، أو كان فيه عيد من أعياد الجاهلية، ولو كان قديما، فإن هذا يؤثر على البقعة، ولهذا بقي حكم عدم جواز الذبح في هذه البقعة، مع أن العيد غير موجود، والوثن غير موجود. قال: الثالثة رد المسألة المشكلة إلى المسألة البينة ليزول الإشكال: يعني في سؤال النبي صلى الله عليه وسلم واستفصاله؛ لأنه بهذا يزول الإشكال، ويبين ما يجوز وما لا يجوز. وقوله: الرابعة استفصال المفتي إذا احتاج إلى ذلك: يعني في سؤال النبي صلى الله عليه وسلم، وسبق لماذا سأل. وقوله: الخامسة أن تخصيص البقعة بالنذر لا بأس به إذا خلا من الموانع. ومن الموانع تخصيص على وجه التعبد، فهو بدعة. فلو أن إنسانا خص مكانا بعينه على وجه التعبد، فهو بدعة. وقوله: السادس المنع منه إذا كان فيه وثن من أوثان الجاهلية، ولو بعد زواله، هذا ظاهر في الحديث؛ لأنه قال: هل كان فيه وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ فقوله: كان، لشيء مضى وزال وذهب، وليس هو بموجود. وقوله: السابع المنع منه إذا كان فيه عيد من أعيادهم، ولو بعد زواله، كذلك يقال بمثل ما قيل قبل. وقوله: الثامن لا يجوز الوفاء بما نذر في تلك البقعة؛ لأنه نذر معصية؛ لأن ذلك ذريعة للشرك، وما كان ذريعة للشرك فهو معصية، بل هو أعظم من المعصية. وقوله: التاسع الحذر من مشابهة المشركين في أعيادهم، ولو لم يقصده؛ لأنه لو فعل ذلك، صار فيه مشابه لهم، ولو كان قصده عبادة لله، فقد منعه النبي عليه الصلاة والسلام، فمن باب أولى إذا كان الزمان زمان عيد للمشركين، أو المكان مكان عيد للمشركين، فلا يجوز موافقة بذلك. وقوله: العاشر لا نذر في معصية الله، واضح؛ فإنه علم ذلك بنهي النبي صلى الله عليه وسلم والتنصيص عليه: لا وفاء لندر في معصية الله. ومنه نذر الغضب، لا يجوز الوفاء به، ما دام أنه في معصية. وقوله: الحادي عشر لا نذر لابن آدم فيما لا يملك؛ لأنه ليس له، وإنما يتصرف فيما هو له، وما ليس له لا يجوز التصرف فيه؛ لأنه حق الغير. نكتفي بهذا، ونترك الباقي إلى درس لاحق إن شاء الله تعالى.