الدرس في الإيمان الأوسط 18، الدرس الثامن عشر:( أو أن يقال قد يحصل في القلب علم بالحق وتصديق به ... ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات.رواه البيهقي مرسلاً ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يبدأ الدرس بتوضيح الفرق بين التصديق والإرادة في الإيمان، حيث يشدد على أهمية الإرادة والعمل مع التصديق. كما يبين أن العلم وحده لا يكفي لدخول الإيمان.
يشرح الدرس أن الإيمان لا يتحقق بمجرد التصديق، بل يتطلب الحب والموالاة لله ورسوله، وأن الإيمان يتفاوت بين الناس حسب قوة هذه المعاني في نفوسهم.
يؤكد الدرس على أهمية العمل بالعلم وخشية الله، مشيرا إلى أن العلم وحده لا يكفي، وأن الجهل ليس فقط عدم العلم بل أيضا عدم العمل بالعلم.
تم اختتام الدرس مع الإشارة إلى استكمال الموضوع في درس لاحق، مع التعبير عن العلم الإلهي.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله، الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتابه «الإيمان الأوسط»: قال رحمه الله: «أو أن يقال: قد يحصل في القلب علم بالحق وتصديق به، ولكن ما في القلب من الحسد والكبر ونحو ذلك مانع من استسلام القلب وانقياده ومحبته. والمراد بهذا التصديق ليس هو التصديق الذي يخرج به من الكفر إلى الإيمان، ولكن المراد به التصديق الذي تحصل به المعرفة وقيام الحجة. التصديق الذي تحصل به المعرفة وقيام الحجة». قال رحمه الله تعالى: «وليس هذا كالإرادة مع العمل، لأن الإرادة مع القدرة مستلزمة للمراد، وليس العلم بالحق والتصديق به مع القدرة على العمل بموجب ذلك العمل، بل لابد مع ذلك من إرادة الحق والحب له، وهذا غير موجود عند الكافر الذي قد علم الحق، ولكن منعه الحسد والكبر من الإيمان؛ كاليهود، أو منعه حب الدنيا من الإيمان؛ كفرعون وهرقل، أو منعه من الإيمان الضعف وعدم الشجاعة؛ كأتباع الأمم الكافرة من الضعفة. علموا بالحق، لكن منعهم من الإيمان به خوفهم وجبنهم وضعفهم. وفرق بين خوف يتحقق معه كفر، وبين خوف لا يحصل معه كفر، ولكن يبطن صاحبه الإيمان. فرق بين هذا وهذا. فمن يبطن الإيمان لا يتابع الكافرين ولا يناصرهم، وإن كان لا يظهر ماذا؟ لا يظهر شعائر الإيمان لخوفه، فهذا مما يعدر فيه صاحبه، حتى لو قال الكفر على وجه الإكراه المتحقق، فهو مما يعدر به، إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان». قال رحمه الله: «فإذا قال القائل: القدرة التامة بدون الإرادة الجازمة مستلزمة لوجود المراد المقدور، موجبة لحصول المقدور، لم يكن مصيبا. بل لابد من الإرادة. وبهذا يتبين خطأ من قال: إن مجرد علم الله بالمخلوقات موجب لوجودها، كما يقول ذلك من يقول من أهل الفلسفة. كما يغلط الناس من يقول: إن مجرد إرادة الممكنات بدون القدرة موجب وجودها. وهذا ظاهر البطلان والخطأ. فإن العلم بالشيء لا يستوجب وجوده، والإرادة الممكنة لا تستلزم وجود المراد، لا تستلزم وجود المراد». وهذه عبارة عن مسائل فلسفية خاضها بعض أهل الفلسفة، وتبعهم على ذلك بعض أهل الكلام من المرجئة. وهذا هو الشاهد ها هنا؛ لأن المرجئة -من الكلابية والأشاعر والماترويدية- كثيرا ما يتابعون الفلاسفة في بعض قواعدهم ومنطقهم الفاسد، فأوقعهم ذلك في ضلالات في مواضع كثيرة من العقيدة، ومن ذلك مسائل الإيمان. قال رحمه الله: «وكما خطأوا من قال: إن مجرد القدرة كافية، بل لابد من العلم والقدرة والإرادة في وجود المقدور والمراد. والإرادة مستلزمة لتصور المراد والعلم به. والعلم والإرادة والقدرة ونحو ذلك، وإن كان قد يقال: إنها متلازمة في الحي، أو أن الحياة مستلزمة لهذه الصفات، أو أن بعض الصفات مشروط بالبعض، ولكن لا يستلزم هذا التلازم الوجود. فهناك حي، لكنه لا يعمل بمراده، ولا يحقق ما هو يقدر عليه مما علمه وأراده، سواء لوجود مانع، أو لكونه لا يريد ذلك. فإذا كان هذا في الأمور الحسية، فكذلك هو في الأمور المعنوية الشرعية. فهناك من علم بالإيمان، ولم يدخل فيه، مع تحقق العلم، وربما وجدت عنده شيء من الإرادة، لكنه لم يتبعه عمل، ولم يحصل به مقدور». فكونها متلازمة في الحي لا يعني أنها لابد أن توجد جميعا، فقد يوجد بعضها ولا يوجد البعض الآخر. ولا يوجد البعض الآخر. وهذا عبارة عن توضيح وزيادة بيان لهذه المسألة، وكيف أن بعض هؤلاء توسعوا في مثل هذه الفلسفات حتى أوقعهم ذلك في إنكار وعدم الإقرار بما هو معلوم من الدين بالضرورة، وما لا يجحده حس ولا عقل صحيح، فضلا أنه قد علم بيانه بالشرع. قال رحمه الله تعالى: «قال: وأن بعض الصفات مشروط بالبعض، فلا ريب أنه ليس كل معلوم مرادا محبوبا، ولا مقدورا، ولا كل مقدور مرادا محبوبا. وإذا كان كذلك، لم يلزم من كون الشيء معلوما مصدقا به أن يكون محبوبا معبودا. بل لابد من العلم، وأمر آخر به يكون هذا محبوبا. وهذا محبوبا؛ وذلك أن يكون مع هذا العلم والإرادة فعل لهذا المقدور، يتحقق به مع ما فيه من الحب والخضوع والذل، أنه قد حصل على وجه العبادة. قد حصل على وجهة الإكراه، أو لكونه لا يريد ذلك. فإذا كان هذا في الأمور الحسية، فكذلك هو في الأمور المعنوية الشرعية. فهناك من علم بالإيمان، ولم يدخل فيه، مع تحقق العلم، وربما وجدت عنده شيء من الإرادة، لكنه لم يتبعه عمل، ولم يحصل به مقدور». قال رحمه الله: «فمن يبطن الإيمان لا يتابع الكافرين ولا يناصرهم، وإن كان لا يظهر ماذا؟ لا يظهر شعائر الإيمان لخوفه، فهذا مما يعدر فيه صاحبه، حتى لو قال الكفر على وجه الإكراه المتحقق، فهو مما يعدر به، إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان». قال رحمه الله: «فإذا قال القائل: القدرة التامة بدون الإرادة الجازمة مستلزمة لوجود المراد المقدور، موجبة لحصول المقدور، لم يكن مصيبا. بل لابد من الإرادة. وبهذا يتبين خطأ من قال: إن مجرد علم الله بالمخلوقات موجب لوجودها، كما يقول ذلك من يقول من أهل الفلسفة. كما يغلط الناس من يقول: إن مجرد إرادة الممكنات بدون القدرة موجب وجودها. وهذا ظاهر البطلان والخطأ. فإن العلم بالشيء لا يستوجب وجوده، والإرادة الممكنة لا تستلزم وجود المراد، لا تستلزم وجود المراد». قال رحمه الله: «وقد قال كثير من الناس -من الفلاسفة، ولا طباء، ومن اتبعهم- أن اللذة إدراك الملائم، وهذا تقصير منهم. بل اللذة حال يعقب إدراك الملائم. كالإنسان الذي يحب الحلو ويشتهيه، فيدركه بالذوق والأكل، فليست اللذة مجرد ذوقه، بل أمر يجده من نفسه، يحصل مع الذوق. فلابد أولا من أمرين، وآخرا من أمرين. لابد أولا من شعور بالمحبوب، ومحبة له. فما لا شعور به لا يتصور أن يشتهي، وما يشعر به، وليس في النفس محبة له، لا يشتهي. ثم إذا حصل إدراكه بالمحبوب نفسه، حصل عقب ذلك اللذة والفرح مع ذلك». فأنت ترى كما تقدم في المثال السابق: لو أن إنسانا ليس عنده رغبة لطعام وشراب يشتهيه غيره، لو أتي به بهذا الشيء الذي يشتهيه، ما حصلت له اللذة. وإذا كانت عنده لذة ورغبة لشيء ما، وأتي له بغيره، كذلك لم تحصل له ماذا؟ لذة. ولكن تجتمع، أو يحصل تحقق حصول اللذة باجتماع هذين الأمرين معا؛ شيء من هذا الإنسان: أنه يحب ويشتهي ذلك الشيء، وشيء من هذا الذي يشتهيه: أنه يكون موافقا لما يحب ويشتهيه. كمن يشتهي العسل، فوجد العسل، فإذا ذاقه حصلت له اللذة ماذا؟ به. ومن لا يشتهي لمرض أو لغيره، فإذا أعطي العسل، هل حصلت له اللذة؟ الجواب: لا. بل العكس، قد يتضرر منه. قال رحمه الله تعالى: «ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الدعاء المأثور: «اللهم إني أسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، من غير ضراء مضر، ولا فتنة مضلة». والحديث حسن بمجموع طرقه. قالوا: في الحديث الصحيح: «إذا دخل أهل الجنة الجنة، نادى مناد: يا أهل الجنة، إن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه». فيقولون: «ما هو؟ ألم يبيض وجوهنا، ويطهر قلوبنا، ويدخلنا الجنة، ويجيرنا من النار؟». قال: «فيكشف الحجاب، فينظرون إليه. فما أعطاهم شيئا أحب إليهم من النظر إليه». رواه مسلم وغيره. فاللذة مقرونة بالنظر إليه، ولا أحب إليهم من النظر إليه؛ لما يقترن بذلك من اللذة، لا أن نفس النظر هو اللذة. فإذا حصلت اللذة بهذين الأمرين، قالوا: في الجملة، فلابد في الإيمان الذي في القلب -وهذا هو المقصود والشاهد- فهذه كلها عبارة عن توضيحات وتجلية لحقيقة الإيمان، والفرق بينه وبين التصديق. قالوا: في الجملة، فلابد في الإيمان الذي في القلب من تصديق بالله ورسوله، وحب الله ورسوله. وإلا فمجرد التصديق مع البغض لله ولرسوله، ومعادات الله ورسوله، ليس إيمانا باتفاق المسلمين. وليس مجرد التصديق والعلم استلزم الحب، إلا إذا كان القلب سليما من المعارض؛ كالحسد والكبر. لأن النفس مفطورة على حب الحق، وهو الذي يلائمها. ولا شيء أحب إلى القلوب السليم من الله. وهذا هو الحنيفية ملة إبراهيم عليه السلام، الذي اتخذه الله خليلا. فهو الميل عن الباطل، والاستقامة على الحق. الميل عن الباطل، والاستقامة على الحق. فكذلك الإيمان لا يتحقق بمجرد العلم والتصديق الذي ليس معه حب، ولا موالاة، ولا كذلك معاني التصديق الأخرى؛ من الإقرار واليقين ونحوه. قال رحمه الله: «وقد قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:88-89]، والمراد سليم من كل شيء ينافي ما يجب في حق الله ورسله وشرعه، وسائر ما أمر الله به. قال: فليس مجرد العلم موجبا لحب المعلوم، إن لم يكن في النفس قوة أخرى تلائم المعلوم. وهذه القوة موجودة في النفس. ولذلك فأهل الإيمان يتفاوتون. إيمان الأنبياء ليس كإيمان من دونهم؛ لتفاوت هذه القوة في هذه النفس. وهذا هو المقصود؛ أن أهل الإيمان ليس سواء». قال: «وكل من القوتين تقوى بالأخرى. فالعلم يقوى بالعمل، والعمل يقوى بالعلم. فمن عرف الله وقلبه سليم أحبه. وكلما ازداد له معرفة ازداد حبه له. وكلما ازداد حبه له ازداد ذكره له، ومعرفة بأسماء وصفاته. فإن قوة الحب توجب كثرة ذكر المحبوب، كما أن البغض يوجب الإعراض عن ذكر المبغض. فمن عاد الله ورسوله وحاد الله ورسوله، كان ذلك مقتضيا لإعراضه عن ذكر الله ورسوله بالخير، وعن ذكر ما يوجب المحبة، فيضعف علمه به، حتى ينساه. كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ﴾ [الحشر:19]. ويستحيل على من أحب الله أن ينساه، ومن أحب رسوله صلى الله عليه وسلم أن ينساه؛ لماذا؟ لأن كمال العلم مع كمال العمل يوجبان موافقة كثرة الذكر، والملازمة في الأعمال والأقوال التي يكون بها تحقق هذا الإيمان. وعلى خلاف ذلك الكافر والمنافق؛ فإنه لما كان عنده من الكره والبغض ما عنده، فإنه لو حصل له علم ينساه؛ لو حصل له علم ينساه؛ لأنه علم لم يكن معه كمال التصديق وتمامه، وكذلك سلامة السر، فضلا عن العلن». قال: «وقال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف:28]. قال: وَقَدْ يَحْصُلُ مَعَ ذَلِكَ تُصْدِيقٌ وَعِلْمٌ، مَعَ بُغْضٍ وَمُعَادَاةٍ، لَكِن تَصْدِيقٌ ضَعِيفٌ، وَعِلْمٌ ضَعِيفٌ. وَلَكِنْ لَوْلَا الْبُغْضُ وَالْمُعَادَاةُ لَأَوْجَبَ ذَلِكَ مِنْ مَحَبَّةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ مَا يَصِيرُ بِهِ مُؤْمِنًا». وهذا كحال بعض المنافقين الذين يحصل عندهم التردد، يكون عندهم شيء من العلم والعمل، لكنه علم وعمل ضعيف؛ لوجود شبه وشهوات أوجبت بغضا ومعاداة طغت على ذلك التصديق، وذلكم العلم، فأثمر ذلك كفرا ونفاقا. ولهذا قال: «لولا البغض والمعاداة -أي الذي يزاحم ذاك التصديق الضعيف والعلم الضعيف من محبة الله ورسوله- لصار مؤمنا. يصير مؤمنا ماذا؟ مؤمنا ضعيف الإيمان. مؤمنا ضعيف الإيمان. لكن متى؟ إذا لم يكن هناك ما ينافيه ويعارضه مما يذهب ذاك الإيمان الضعيف، وهو البغض والمعاداة. وهو البغض والمعاداة؛ لأن البغض والمعاداة ها هنا من نواقض الإيمان. البغض والمعاداة ها هنا من ماذا؟ من نواقض الإيمان. فكلمة التوحيد لها شروط، ومن أعظم شروطها الحب، وماذا؟ والموالاة. الحب والموالاة. فإذا لم يتحقق هذا، صار هذا نقضا لهذه الكلمة. وهكذا الإيمان». قال رحمه الله: «فمن شرط الإيمان وجود العلم التام. ولهذا كان الصواب أن الجهل ببعض أسماء الله وصفاته لا يكون صاحبه كافرا، إذا كان مقرا بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يبلغ ما يوجب العلم بما جهله، على وجه يقتضي كفره. إذا لم يعلمه؛ كحديث الذي أمر أهله بتحريقه، ثم تدريته. فهذا حصل عنده الجهل بصفة عظيمة من صفات الله، وهي ماذا؟ القدرة. شك في قدرة الله عز وجل. لكنه بجهله، بجهله وقع ذلك. فكان ذلك مما عذر فيه؛ لتحقق الجهل فيه. وبه يعلم أن بعض ما هو معلوم من الدين بالضرورة قد يجهل. ومن باب أولى أنه إذا تحقق الجهل به أن يُعذر به. لكن الشرط أن يتحقق وصف الجهل الصحيح له. فرق بين الجهل والتجاهل؛ فهناك من بلغت الحجة وتجاهلها، فصار جاهلا فهذا معرض. ومن أعرض عن العلم، وقد جاءه ما يوجب العلم به، فهذا مفرط. وهو ليس بمعدور. ليس بمعدور؛ كحال بعض الكفار في زمن النبي صلى الله عليه وسلم. بلغتهم دعوة النبي صلى الله عليه وسلم جملة، وإن لم يبلغهم ذلك ماذا؟ تفصيلا. فناصروا الكفار، وربما قتلوا على الكفر، وهم في عداد من الكفار. وغير الكفار في عداد الكفار». قال رحمه الله تعالى: «بل العلماء بالله يتفاضلون في العلم به. ولهذا يوصف من لم يعمل بعلمه بالجهل وعدم العلم. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ﴾ [النساء:17]. قال أبو العالية رحمه الله: «سألت أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية، فقالوا لي: كل من عصى الله فهو جاهل. وكل من تاب قبل الموت فقد تاب من قريب». ومنه قول ابن مسعود: «كفى بخشية الله علما، وكفى بالاغترار بالله جهلا». وقيل للشعبي رحمه الله: «أيها العالم؟» فقال: «العالم من يخشى الله». وقد قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:28]. وقال أبو حيان التيمي رحمه الله: «العلماء ثلاثة: عالم بالله وبأمر الله، وعالم بالله ليس عالما بأمر الله، وعالم بأمر الله ليس عالما بالله. فالعالم بالله يخشاه. والعالم بأمر الله الذي يعلم حدوده وفرائضه». وقد قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:28]. وهذا يدل على أن كل من خشى الله فهو عالم، وهو حق. ولا يدل على أن كل عالم يخشاه. لكن لما كان العلم به موجبا للخشية عند عدم المعارض، كان عدمه دليلا على ضعف الأصل؛ إذ لو قوي لدفع المعارض». وهكذا لفظ العقل يراد به الغريزة. طيب، هذا توضيح كذلك لمعنى آخر، ويؤكد ما سبق، وهو يقرره من أوجه كثيرة، وبمعاني متعددة؛ ليتحقق المقصود في هذا المقام. فالعلم بالنسبة للعالم، كذلك أهله يتفاوتون فيه أولا، ثم بالعمل به ثانيا. فإذا وافق هذا العلم العمل، حصل الانتفاع. وإلا صار هذا حجة عليه. وهكذا كذلك الإيمان لا يكفي أن يكون هناك علم وتصديق في القلب، ولا يكون معه عمل. فإذا صار هذا معلوما في حق العلم، فينبغي أن يكون معلوما في حق الإيمان وخصاله. وهذه الآثار واضحة وبينة توضح وتجلي هذا المعنى. فالمراد أن العالم الذي يخشى الله هو العالم الذي انتفع بعلمه، وهو الذي تحقق فيه معنى العلم؛ إذ برهن هذا العلم بعمله، فحصل له الانتفاع والكمال في هذا الباب. وهكذا كذلك حصول معرفة القلب بالنسبة للإيمان، مع عدم العمل، لا تنفع صاحبها. فلابد من العمل الذي يكون به تحقيق هذا التصديق. قال رحمه الله تعالى: «وهكذا لفظ العقل يراد به الغريزة التي بها يعلم، ويراد به أنواع من العلم، ويراد به العمل بموجب ذلك العلم. وكذلك لفظ الجهل يعبر به عن عدم العلم، ويعبر به عن عدم العمل بموجب العلم. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا كان أحدكم صائما فلا يرفت ولا يجهل، فإن امرؤ شاتمه وقاتله، فليقل: إني صائم». والجهل هنا هو الكلام الباطل بمنزلة الجهل المركب. ومنه قول الشاعر: «ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلين». والمراد أي: لا يغلط، ولا يخطئ أحد بباطل علينا. فمعنى «فلا يرفت ولا يجهل» أي: لا يفعل الباطل على وجه العمد. وأما الخطأ فهو معذور فيه؛ بهذا الدليل، وبغيره من الأدلة: «ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا». قال الله عز وجل: «قد فعلت». قال: «ومن هذا سميت الجاهلية جاهلية؛ يعني لكونها أصرت على أمور باطلة، ولازمتها. وصار من عظيم أوصافها. وهي متضمنة لعدم العلم، أو لعدم العمل به. ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر: «إنك امرؤ فيك جاهلية». يعني: شيء من الباطل مما كان عليه أهل الجاهلية. وهو الطعن في أنساب. لما قال له: «إن يبنى السوداء». قال: لما ساب رجلا وعيره بأمه. وقد قال تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [الفتح:26]؛ فإن الغضب والحمية تحمل المرأة على فعل ما يضره، وترك ما ينفعه. وهذا من الجهل الذي عمل بخلاف العلم؛ حتى يقدم المرأة على فعل ما يعلم أنه يضره، أو حتى يقدم المرأة على فعل ما يعلم أنه يضره؛ يعني نعرة جاهلية. كحال الكثير من الناس إلى زماننا هذا؛ من الثأر والقتل، ومناصرة الظالم على المظلوم. كل هذا حمية جاهلية». قال: «وترك ما يعلم أنه ينفع؛ لما في نفسه من البغض والمعاداة لأشخاص وأفعال؛ لكونه من قبيل أخرى مثلا. لا ينصره، ولا يؤيده؛ لأنه يظن أن ذلك ينافي كمال حميته لقبيلته. وكل هذا من الأمور الجاهلية. بل الواجب على المرأة أن يلزم الحق، ولو كان على نفسه. ولا يجرمنكم شنان قوم على أن لا تعدلوا. اعدلوا هو أقرب للتقوى». قال: «وهو في هذا الحال ليس عديم العلم والتصديق بالكلية، لكنه لما في نفسه من بغض وحسد غلب موجب ذلك لموجب العلم، فدل على ضعف العلم؛ لعدم موجبه ومقتضاه. فهل انتفع أو لم ينتفع؟ الجواب: لم ينتفع. هو عنده علم أن قتله لهذا الإنسان -مع أنه بريء- يضره، ويضر بقبيلته. الآن مثلا رجل قاتل قتل. فمن قواعد أهل الجاهلية ما يقتلون القاتل إذا كان حقيرا صغيرا، يذهبون يقتلون من أكبر رجل في القبيلة. أكبر رجل في القبيلة. هو يقدم على هذا، ويعرف أنه ظالم، أو لا يعرف؟ يعرف أنه ظالم، وأنه مخطئ، وأن هذا ليس بصواب. بل ويعرف أن هذا سيدخل عليه شرا على نفسه أولا، وعلى قبيلته، وعلى أهله وخاصته. ومع ذلك جاهليته دفعته أن يفعل هذا. فمن الخطأ أن نقول: أنه لا يعلم. ومن الخطأ أن نقول: أن علمه ذلك انتفع به. أليس كذلك؟ إذن عنده علم، ولم ينتفع به، فأضره. وهكذا كذلك من علم بالحق، وهو لم يعمل به؛ كحال المنافقين، وحال الكثير من الكافرين. فإذن العلم والتصديق وحده لا يكفي في التصويب. وفي كذلك إثبات تحقق هذا الوصف، وهو الإيمان؛ لأن الإيمان شيء أعظم من مجرد العلم والتصديق». قال رحمه الله تعالى: «وهو في هذه الحال ليس عديم العلم والتصديق بالكلية، لكنه لما في نفسه من بغض وحسد غلب موجب ذلك لموجب العلم، فدل على ضعف العلم؛ لعدم موجبه ومقتضاه. ولكن ذلك الموجب النتيجة لا توجد عنه وحده، بل عنه وعن في النفس من حب ما ينفعها، وبغض ما يضرها. فإذا حصل لها مرض، ففسدت به، أحبت ما يضرها، وأبغضت ما ينفعها. فتصير النفس كالمريض الذي يتناول ما يضره لشهوة نفسه له، ما علم أنه يضره». قلت: هذا معنى مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب البصر النافذ عند ورود الشبهات، ويحب الأقل الكامل عند حلول الشهوات». رواه البيهقي مرسلا. وهو لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم. وكما أشار: يكفي أنه روي مرسلا، فهو من قسم الضعيف. ومعنى صحيح؛ من جهة أن الأدلة الشرعية تدل على أن من ينظر بنظر وبصر نافذ عند الشبهات، فيسلم نفسه. وبعقل كامل عند الشهوات، فيحجب شهوته، ولا يسترسل. هذا محبوب عند الله؛ حتى لا يكون ممن اتخذ إلهه هواه. والمقصود من هذا هو ما تقدم من إثبات تعلق الظاهر بالباطن، وأهمية حصول الكمال بهذا التوافق. وأن من حصل له هذا التوافق كمل له الوصف، ومن لم يحصل له هذا التوافق لم يكمل له هذا الوصف. طيب، نقف لهنا، ونترك الباقي إن شاء الله في درس لاحق. والله تعالى أعلم.