الدرس في حاشية الأصول الثلاثة لابن قاسم 24، تابع : رسالته صلى الله عليه وسلم. ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
الهجرة هي الانتقال من بلد الشرك إلى بلد الإسلام لتحقيق إقامة الدين وإظهار شعائره. وهي ليست مقتصرة على الانتقال الجغرافي فقط.
الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام واجبة على المسلمين القادرين، وتاركها يعد مرتكبًا لكبيرة من الكبائر. وقد توعده الله بنار جهنم.
الهجرة واجبة على من يستطيعها، ويعذر المستضعفون لعدم استطاعتهم. يجب على المسلم البحث عن مكان يحفظ فيه دينه ويحافظ على ذريته.
ينصح بالانتقال إلى بلاد أو مجتمعات إسلامية صالحة لحفظ الدين والذريّة. الهجرة قد تكون واجبة أو مستحبة حسب الظروف.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: قوله «وفرضت عليه الصلاوات الخمس» قال رحمه الله: وكان أول فرضها خمسين صلاة، ولم يزل يتردد بين موسى وربه حتى وضعها إلى خمس، وقال: هي خمس وهي خمسون؛ الحسنة بعشر أمثالها. وهذا وقع في قصة الإسراء، كما هو معروف في صحيحي البخاري ومسلم من حديث أنس، فقد جاء فيه: «إنهن خمس صلوات في كل يوم وليلة، لكل صلاة عشر، فذلك خمسون صلاة، والحسنة بعشر أمثالها»، فضاعف ربنا سبحانه وتعالى العمل إلى عشر أضعاف، رحمةً وفضلًا منه سبحانه وتعالى. قال: ثم هبط إلى بيت المقدس، وهبط الأنبياء معه، وأمهم في بيت المقدس. وفي هذا دليل على فضله عليه الصلاة والسلام؛ فكونه أم بالأنبياء دل ذلك على فضله عليه الصلاة والسلام عليهم. وقد قال: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر». قال: ثم ركب البراق ورجع إلى مكة، وحدثهم عما رأى في مسيره، صلوات الله وسلامه عليه. واستدل به كذلك العلماء على أن دين الإسلام ناسخ لسائر الديانات؛ ولهذا تابعه جميع الأنبياء، فصلوا خلفه عليه الصلاة والسلام. وذكر البراق جاء في أحاديث الإسراء والمعراج. وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بما رآه في ذلك اليوم من أشياء كثيرة، حتى رأى بعض أهل الجنة وبعض أهل النار. وقد فسره العلماء، كشيخ الإسلام وغيره، بأنه رأى الأرواح صورت بصورة الأجساد؛ لأن الأرواح تنتقل بين القبور وبين موضعها من جنة أو نار، تنعم أو تعذب. قال رحمه الله تعالى: قوله «وصلى في مكة ثلاث سنين» قال: يعني بعد أن عُرج به، وفُرضت عليه، قبل الهجرة، كما هو ظاهر سياق ابن إسحاق. أن الإسراء قبل الهجرة بثلاث سنين، وقيل: سنة، وقيل: ونصف، وقيل: بخمس. فالله أعلم، وليس هناك شيء صحيح صريح يجزم به المرء. فالله أعلم. كما قال رحمه الله تعالى: قوله «وبعدها أُمر بالهجرة إلى المدينة» قال: أي وبعد الثلاث عشرة من بعثته صلى الله عليه وسلم أُمر بمفارقة المشركين وأوطانهم؛ بحيث يتمكن من إظهار دينه والدعوة إلى الله في غير بلادهم؛ فإن ذلك واجب وفرض. وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. ولا يتم الفرض والواجب إلا مع مفارقة المشركين عن الأوطان؛ فإنه إذا كان في بلد لا يقدر على إظهار دينه والتصريح به وتبيينه، وجب عليه مفارقة ذلك الوطن لإظهار دينه. فالوطن الحقيقي هو الوطن الذي تستطيع أن تعبد الله عز وجل وتقيم دين الله فيه. وبهذا يعلم أن تعلق الناس بالله عز وجل وبدين الله هو الذي ينفعهم. أما تعلقهم بالأرض وبالوطنيات بهذه المعاني، فإنه مما لا ينفع الناس، بل مما يضر، خصوصًا إذا صار الولاء والبراء عليه، والحب والبغض به، والقرب والبعد كذلك منه وإليه؛ فإن ذلك يورث من الولاء والبراء المذموم والمحبة الهالكة ما يكون سببًا لخسارة الدنيا والآخرة. وهذا هو الواقع الذي ابتلي به الناس اليوم، إلا من رحم الله. كان شيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله يكثر، إذا جاء ذكر الاحتفالات والأعياد الوطنية، أن يقول: «ليس ينفع الناس إلا أن يتعلقوا بالله، وأن يربطوا بدين الله. أما هذه الوطنيات فهي تضر ولا تنفع». وصدق رحمه الله؛ لأن مبناها على الولاء والبراء الساقط المتعلق بالأرض، فيلزم من ذلك استواء الكافر والفاجر والمسلم؛ البر والفاجر والمسلم والكافر. وهذا هو الواقع. وكيف يقام دين الله أو تكون العزة لأهل الإسلام؟! وهذا هو مبنى الحب والبغض والولاء والبراء والنصرة ونحوها. فلذلك تكون وطنيات هشة سرعان ما تتمزق. وما يحصل فيها من معاني الخيانة والمكر وحب الدنيا والتنافس عليها، وعدم حتى الطاعة الشرعية لولاة الأمور. فأهل الإسلام بحق وصدق، أهل السنة والجماعة، ينضبطون بنصوص الكتاب والسنة. ومن ذلك أنهم يعينون ولاة أمورهم المسلمين على إصلاح الدنيا والدين. وهذا بماذا كان؟ بالدين. وأما بالوطنيات، لا يحصل هذا، بل يحصل من الغش والخيانة والخداع وعدم الصدق وبيع الذمم ما لا يخفى على العارفين. وهكذا أيضًا أمر آخر: أن المرء متى ما لم يستطع أن يقيم دينه، فهو يفارق الأرض ويذهب حيث يستطيع أن يقيم دين الله سبحانه وتعالى. فليست تلك الأرض بأفضل من مكة، وهي أحب البقاء إلى الله وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم. ومع ذلك تركها لله سبحانه وتعالى، وهاجر ليقيم دين الله سبحانه وتعالى. وهكذا المسلم يفر بدينه إلى المكان الذي يستطيع أن يقيم فيه دينه، ولو في أقصى الأرض؛ المهم يقيم دين الله ويرضي ربه سبحانه وتعالى. قال رحمه الله تعالى: قوله «والهجرة الانتقال من بلد الشرك إلى بلد الإسلام» هذا من معاني الهجرة، كما سيأتي إن شاء الله. هذا من معاني الهجرة، وإلا في الهجرة أنواع. ومنها: الانتقال من بلاد الخوف إلى بلاد الأمن، ومنها: الانتقال من بلد لا يقيم فيه دين الله إلى بلد يستطيع أن يقيم دين الله، ولو كان البلد الثاني بلاد كفر. ومن معنى هذا وذاك الهجرة الأولى، هجرة الصحابة إلى الحبشة؛ فإنها من دار كفر إلى دار كفر، لكن كفر أخف من كفر. وهكذا يطالب المسلم إذا لم يستطع أن يتخلص من الشر أن يخففه. فاليوم الذي لا يستطيع أن يهاجر من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، فلا أقل أن يبحث عن بلد قريب منه يكون أخف شرًا وأقل ضررًا، كما فعل المسلمون في الهجرة الأولى. قال رحمه الله تعالى: «إحرازًا» قال: إحرازًا للدين. وسمي المهاجرون مهاجرين؛ لأنهم هجروا ديارهم ومساكنهم التي نشأوا بها لله، ولحقوا بدار ليس لهم فيها أهل ولا مال. حين هاجروا إلى المدينة. فكل من فارق بلده فهو مهاجر. والمهاجر في الأصل، والمهاجرة في الأصل: مصارمة الغير ومقاطعته ومباعدته. هذا هو الأصل في معنى الهجر والمهاجرة. لكن أطلق هنا؛ لأن صاحبه ترك ذلك لله، فصار كأنه حصلت له مهاجرة. ولأن للهجرة أحكامًا شرعية. من هذه الأحكام: أنه لا يجوز له الرجوع إلى بلاد المهجر حيث هاجر منه، إلا لضرورة أو شيء ملح، كما صحت به السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم. واليوم فهم الناس الهجرة بمفهوم خاطئ ومختلف تمامًا؛ فبدلًا من أن يخرج الرجل من بلد الكفر إلى بلاد الإسلام، صار بعض المسلمين يخرج من بلاد الإسلام إلى بلاد الكفر، وللأسف، ويقولون: «هذا مهاجر». كيف مهاجر؟! الهجرة في الإسلام: خروج من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام. وهؤلاء سموا الهجرة بغير اسمها، بل هذا محرم، كما سيأتي إن شاء الله. قال رحمه الله تعالى: قوله «والهجرة فريضة على هذه الأمة من بلد الشرك إلى بلد الإسلام» قال: معلوم ثبوتها بالكتاب والسنة والإجماع، وسيأتي إن شاء الله أدلتها. قال: «متوعد من تركها» أي: بالوعيد الشديد. وقد حكي الإجماع على وجوبها. وكل من ذكر الآيات التي ستأتي من المفسرين والعلماء، ينقل معه كثيرًا وغالبًا الإجماع. قال: «من بلد الشرك إلى بلد الإسلام» غير واحد من أهل العلم. بل فرضها الله على رسوله والصحابة قبل فرض الصوم والحج، كما هو مقرر في كتب الأصول والفروع. معلوم بالضرورة من الدين؛ يعني كما هو مذكور في كتب العقائد، وكتب الفقه، وغيره مما يتعلق بفروع المسائل وتقسيم الدين إلى فصول وفروع؛ تقسيم محدث. ولكن جرى على ألسنة وأقلام بعض أهل العلم، من باب التعريف بما اشتهر؛ يعني الإخبار بما اشتهر. وإلا في مواضع أخرى من كتبهم قد بيّنوا أن هذا التقسيم تقسيم محدث، قسمه أهل الباطل؛ ليبطلوا خبر الآحاد بالتفريق بين الأصول - وهي العقائد - والفروع - وهو ما دون ذلك. وهو يريد رحمه الله: أنه لعظيم منزلة الهجرة، فردت قبل فرض الصوم والحج؛ فالصوم والحج فرضا في المدينة، وأما الهجرة فرضت في مكة قبل الهجرة. بل الهجرة الأولى كانت قبل الصلاة، في قول بعض أهل العلم. قال رحمه الله تعالى: «وهي باقي» قول: وهي باقية إلى أن تقوم الساعة، باتفاق من يعتد به من أهل العلم. قال شيخ الإسلام - يعني ابن تيمية رحمه الله -: «لا يسلم أحد من الشرك إلا بالمباينة لأهله». وسيأتي إن شاء الله من النصوص: أن الهجرة باقية إلى قيام الساعة. فكل أحد ابتلي بمعنى من معاني ما يقتضي الهجرة، فيهاجر. والهجرة أقسام وأنواع. فمن الهجرة: الهجرة من بلاد الكفر والشرك والنفاق إلى بلاد التوحيد والإيمان والطاعة. وهكذا الهجرة من بلاد المعاصي إلى بلاد الاستقامة والطاعة. وهكذا أيضًا الهجرة من بلاد البدع إلى بلاد السنة. وهكذا أيضًا من الهجرة: الهجرة من بلاد الخوف إلى بلاد الأمن. وهي أقسام كثيرة، ذكرها الحافظ ابن رجب في «جامع العلوم والحكم». قال رحمه الله تعالى: قوله «والدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾﴿قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ الآية» قال: يعني بالإقامة بين أظهر الكفار. نزلت في أناس من أهل مكة تكلموا بالإسلام ولم يهاجروا؛ يعني أسلموا وتأخروا ولم يهاجروا. فقال أي سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ أراد ملك الموت، أعوانه، أو ملك الموت وحده. فإن العرب قد تخاطب الواحد بلفظ الجمع. يعني قوله: «الملائكة» جمع، وقد يراد به جنس الملائكة، فيكون المقصود واحد، أطلق عليه بصيغة الجمع. وهذا يرد في اللغة. وكذلك قد يكون من معه من أعوان يعينونه في ذلك. قال: قوله «ظالمي أنفسهم» أي: بترك الهجرة؛ فسماهم الله عز وجل ظالمين. فإذن هم وقعوا في الظلم والمعصية بهذه الفعلة، وهذا التخلف عن الهجرة. قال رحمه الله: قوله «فيما كنتم» أي: لما مكثتم هاهنا وتركتم الهجرة؛ استفهام وإنكار وتوبيخ وتقريع، يعود معناه إلى: لما مكثتم هاهنا وتركتم الهجرة. وفي «أي فريق كنتم» والملائكة تعلم في أي فريق كان فيه التاركون للهجرة؛ يعني أنهم من أهل الإسلام، لكنهم لتخلفهم يعاتبون ويعاقبون ويوبخون، فضلًا عن عذاب الله الذي خوفوا به. قال: بعد ما وجبت عليهم. قوله: «قالوا كنا مستضعفين في الأرض» أي: عاجزين عن الهجرة، لا نقدر على الخروج من البلد ولا الذهاب في الأرض. قال: قوله «قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها» يعني إلى المدينة؛ فتخرج من بين أهل الشرك، ولم تعذرهم الملائكة. والآية عامة، لكن أول موضع مقصود هو المدينة؛ فإنها مهاجر النبي صلى الله عليه وسلم. ومن لم يستطع إلى المدينة، فإلى أي موضع آخر؛ كما هاجر أهل الهجرة الأولى إلى الحبشة. وهكذا أيضًا من خرج من بلاد الكفر إلى بلاد أخف كفرًا وشرًا، يفر بدينه من موضع الفتنة والشر؛ لأن بلاد الكفر شر في الدين وفي الدنيا. قال رحمه الله تعالى: قال: يعني إلى المدينة؛ فتخرج من بين أهل الشرك، ولم تعذرهم الملائكة. وفي الحديث: «من جاء مع المشرك وسكن معه فإنه مثله» يعني: يلحقه ما يلحقهم. ولا يكون كافرًا إلا إذا وقع منه الكفر، لكن مثله فيما يلحقه من عقاب الدنيا. وهكذا أيضًا ما قد يكون من عقاب الآخرة، من أثر تغير دينه. وهذا هو الغالب؛ فلا يأمن أن يغير دينه رغبة أو رهبة. فإن من الناس من يغير دينه رهبة من الخوف والشدة. وقد وقع هذا في تاريخ الكثير من المسلمين، ممن رضي البقاء في بلاد الكفر، فغير دينه بالرهبة، بالقوة. ومن لم يرضَ قتل. وإذا سلم، فلا تسلم الذرية. ومنهم من يغير رغبة، طمعًا في الدنيا؛ لأنه لا يصل إليها إلا بتلك المداهنة المحرمة، فيتنازل عن الكثير من دينه لأجل الدنيا. كما هو الحاصل اليوم ممن بقي من المسلمين في بلاد الكفار، يتنازل عن الكثير لأجل الدنيا؛ فهو كل يوم يقدم تنازلات في عقيدته، في عبادته، في أخلاقه، في أبنائه، حتى يسلب الأبناء. ولهذا صار الكثير من أبناء المسلمين في بلاد الكفر، لا ترى فيهم معاني الإسلام، لا ظاهرًا ولا باطنًا. بل هم ربما يذكرون أن لهم آباء وأجدادًا كانوا من المسلمين. فلم يبق معه لا لغة ولا عقيدة ولا عبادة ولا شيء. وللأسف. ومع ذلك هم من من كان يومًا من الأيام من أبناء المسلمين. وهذا الحديث الذي أشار إليه رواه أبو داود عن سمرة بن جندب رضي الله عنه، وهو حديث صحيح. وقد ذكره الشيخ الألباني رحمه الله في «صحيح أبي داود» و«صحيح الجامع». قال: رواه أبو داود، وغيره في أحاديث أخر؛ يعني في الهجرة، وسيأتي بعضها إن شاء الله. قال: قوله «فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرًا» قال: أي بئس المصير إلى جهنم. وانظروا كيف توعد الله المتخلف عن الهجرة بجهنم وساءت مصيرًا. قال: أي بئس المصير إلى جهنم. وهذا فيه: أن تارك الهجرة بعد ما وجبت عليه، مرتكب لكبيرة من كبائر الذنوب؛ لأنه توعد بنار جهنم وساءت مصيرًا. وهذا يدل على أن ترك الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، كبيرة من الكبائر. وليست معصية فحسب، بل هي كبيرة من الكبائر. وهذا كما قال لمن وجبت في حقه، ومع ذلك وهو مستطيع لم يفعل. فإن قال قائل: ما حد هذه الاستطاعة؟ فيقال: حد الاستطاعة دون استطاعة الحج. دون استطاعة الحج؛ إذا كان العلماء قالوا في استطاعة الحج: الشيء الزائد عن حاجته الضرورية من نفقته ونفقة أبنائه وأسرته لعام، فما زاد عن ذلك وجب عليه الحج، ويعد هذا من المستطيعين. فالهجرة أقل من ذلك؛ الهجرة أقل من ذلك. فمن استطاع أن يخرج من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، وعنده الزاد والراحلة، وما كان بمعناه مما يوصله إلى بلاد الإسلام، كفى ذلك. كفى ذلك. ولا يمنع أن يكون عنده شيء مما يتسبب به أو يستنفقه في أول أيامه. لكن أن يضيع عمره وهو يجمع لأجل أن يهاجر، تمر السنة والخمس والعشر، وما زال الرجل إذا سئل: «ما لك لم تهاجر؟» قال: «أهيئ نفسي للهجرة». يقال: «الهجرة استطاعتها دون استطاعة الحج». فينبغي الحذر من أن تقع في كبيرة من الكبائر. بل أعظم من هذا: أن يسلب منك دينك، وأن كذلك يذهب الدين عن أبنائك. وهذا هو الواقع. وما أكثر الوقاع في عالمنا المعاصر اليوم من آثار تخلف بعض الناس عن الهجرة، فأمور مؤلمة، وأشياء محزنة؛ بسبب تخلف الكثير عن الهجرة، وبقائهم في بلاد الكفر، وعدم ذهاب إلى بلاد الإسلام. لو افتقدت ولدًا من أولادك، ما نفعك شيء. ما نفعك شيء من ذلك الذي أنت تتخلف لأجله في بلاد الكفر؛ فأنت مسؤول عنه يوم القيامة، يسألك الله سبحانه وتعالى سؤالًا عظيمًا. وما أكثر المسلمين الذين افتقدوا أبناءهم في بلاد الكفر؛ عندهم من أبنائهم إما أخذوا عنوة من بين أيديهم فذهبوا، وإما أن يكون كذلك انحراف الأبناء، من فساد وانحراف تلك المجتمعات الكافرة. قال رحمه الله تعالى: قال: وقوله «إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا» قال: أي العاجز عن الهجرة. والولدان: جمع وليد، ووليدة. والوليد: الغلام قبل أن يحتلم. فدل على أن من كان بمعنى هؤلاء، من الصغار الذين لم يبلغوا، فهم لا يستطيعون الهجرة لضعفهم، ولخوفهم على أنفسهم. أو النساء الضعيفات، اللواتي كذلك محل ضعف وعدم استطاعة وقدرة، لضعفها من ناحية الجسدية، وكذلك غيرها من مواضع الضعف فيها؛ فهي تخاف على نفسها. وهكذا الرجال الذين هم بمعنى هؤلاء، كالذين يسقط عنهم الجهاد في سبيل الله؛ لأن الهجرة لها مرتبة كمرتبة الجهاد في سبيل الله. ومع ذلك فهي يدخل فيها النساء والضعفة إن استطاعوا. ولهذا قال: «لا يستطيعون حيلة» يعني: إذا استطاعوا فيجب. بخلاف الجهاد؛ فإنه لا جهاد على النساء، ولا على الأطفال، ولا على الأعمى، ولا على الأعرج. لكن الأعمى والأعرج والطفل والمرأة، إذا استطاع الهجرة وجبت عليه الهجرة. فصار شرط الهجرة أشد من شرط ماذا؟ الجهاد في سبيل الله. والحكم يدور مع علة وجودًا وعدمًا؛ فإذا ذهبت الموانع، فإنه يجب في حقهم. وليس يستحب. وقد هاجر النساء في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وفررن وفررن بدينهن إلى المدينة. واستدل العلماء بآيات المهاجرات في سورة الممتحنة، وغيرها من الأحاديث الكثيرة، على جواز هجرة المرأة بدون محرم. جواز هجرة المرأة بدون محرم؛ إذا كانت مفسدة بقائها في بلاد الكفر أشد من مفسدة سفرها بدون محرم؛ فكلاهما مفسدة. كونها تبقى في بلاد الكفر مفسدة، وكونها تسافر بدون محرم مفسدة. فأي المفسدتين أعظم؟ دفعت المفسدة الكبرى بماذا؟ بالمفسدة الصغرى. وتحرص طبعًا على أن تؤمن نفسها؛ إما بأن تسافر مع رفقة تأمن على نفسها وعرضها ومالها وغير ذلك. وهكذا أيضًا يفعل الضعفة. قال رحمه الله: قوله «لا يستطيعون حيلة» أي: من مفارقة المشركين؛ فلا يقدرون على حيلة، ولا على نفقة، ولا على القوة للخروج. وفي هذا دليل على أن من معاني الحيلة: القوة الجسدية. ولم لم يكن معه نفقة كافية؟ فلو كانت عنده قوة جسدية، كرجل قوي يذهب، وما سيضيعه الله؛ يعمل في الطريق أجيرًا حتى يكتسب ويواصل هجرته، ويخرج من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، ويسلم بدينه، ويعمل ما أمره الله سبحانه وتعالى من طاعته في باب الهجرة. وهو من معاني التوحيد؛ لأن من التوحيد: الولاء والبراء، والسلامة بالعقيدة والعبادة، أن تكون لله خالصة محققة في أرض الله. وهذا لا يمكن أن يكون في بلاد الكفر. قال رحمه الله تعالى: وقوله «ولا يهتدون سبيلا» أي: لا يعرفون طريقًا إلى الخروج من مكة إلى المدينة؛ حيث كانت هي إذ ذاك بلد الإسلام. فعلم أن من الأعذار: عدم الحيل والاستطاعة من النفقة، ومن القوة الجسدية. ولهذا لا يعذر من الرجال إلا أهل الأعذار. وأن كذلك مما يُعذر من الهجرة: عدم معرفة الطريق؛ كونه في بلاد كفر لا يعرف أين يذهب، لا يعرف بلاد إسلام، أو لا يعرف الطريق ليصل إلى بلاد الإسلام مثلًا؛ فهذا عذر. لكن عليه أن يجتهد حتى يعرف الطريق، أو يخرج مع من يعرف الطريق. واليوم في هذا الزمان، وسائل ذلك كثيرة بحمد الله. قال رحمه الله تعالى: قوله «فأولئك عسى الله أن يعفوا عنهم» قال: أن يتجاوز عن المستضعفين وأهل الأعذار بترك الهجرة. وعسى من الله واجب؛ لأنه للإطماع. يعني: من كان هذا وصفه، فعسى الله أن يتجاوز عنهم، ويعفو عنهم. ومفهومه: من ليس له مثل هذا العذر، فإنه لا يعذر. فإذا كان هذا في أهل الأعذار لا يعذرون إلا مع وجود عدم الحيلة والسبيل، فكيف بمن هو ليس من أهل الأعذار؟ ليس برجل ضعيف، ولا امرأة ليس لها محرم، ولا ولد ليس له أب؛ فهؤلاء يجب عليهم، لا شك. قال رحمه الله: وكان الله غفورًا رحيمًا. قال: أي عفوًا يتجاوز عن سيئاتهم، غفورًا لمن تاب إليه. لا يكلف نفسًا إلا وسعها. قال ابن عباس: «كنت أنا وأمي من المستضعفين». وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو للمستضعفين في الصلاة؛ لأنه تأخر في هجرته. ولما علمنا أن العباس إنما أسلم متأخرًا، أسلم متأخرًا؛ فأبوه كان على الكفر، فلم يستطع أن يهاجر في أول الإسلام مع النبي صلى الله عليه وسلم. فكان هو وأمه من المستضعفين؛ لأنهم أسلموا قبل أبيهم. قال رحمه الله تعالى: فمثل هذا إذا هاجر قد يضر أول من يضر به من؟ أبوه. أول من يضر به أبوه. وهو صغير دون سن البلوغ. قال قوله رحمه الله: وقوله تعالى: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ قال: أمر تعالى عباده المؤمنين بالهجرة من البلد الذي لا يقدرون فيه على إقامة الدين إلى أرضه الواسعة. وأخبر أن الأرض غير ضيقة، بل واسعة تسع جميع الخلائق. فإذا كان الإنسان في أرض لم يتمكن من إظهار دينه فيها، فإن الله قد وسع له الأرض ليعبده فيها كما أمر. وكذلك يجب على كل من كان ببلد يعمل فيها بالمعاصي، ولا يمكنه تغيرها، أن يهاجر منها. وهذا من معاني الهجرة كما تقدم. ومعانيها كثيرة. فأرض الله واسعة؛ فعليك أن تجتهد في البحث عن المكان الذي تحفظ به دينك، وتحافظ على ذريتك؛ فتقيمهم على الإسلام والسنة والاستقامة والأخلاق الفاضلة الكريمة. وهذا لا يمكن في وسط مجتمع مليء بالشركيات والمعاصي والبدع، وغير ذلك من الأخلاق الساقطة والأمور الردية. ولهذا ينبغي للمسلم أن يبحث عن مجتمع مثالي. وهي تتفاوت؛ قد يكون في بلد كافر؛ فيجب أن يخرج إلى بلاد الإسلام. فإن لم يستطع، فلا أقل أن يذهب في بيئة مسلمة مثلًا. إنسان في بلاد كفر لا يستطيع في الوقت الحاضر الخروج. طيب أنت تستطيع أن تخفف الشر؛ بدلا من أن تسكن في حارة كلها كفار، ابحث عن منطقة فيها أهل الإسلام؛ فتسكن بجانبهم، تحفظ نفسك وتحفظ أبنائك، وتستطيع أن تقيم دينك قدر المستطاع. إذا كان في هذا البلد شيء من التضييق على المسلمين، اذهب إلى بلد آخر ليس فيه هذا التضييق؛ تخفف عن نفسك من تلك الأمور التي تضر بدينك وبذريتك. وهكذا. وحتى في بلاد الإسلام قد يكون إنسان ببلاد إسلام، لكن هذا البلد مشهور بالمعاصي؛ فإذا كان كذلك، اذهب إلى بلد آخر فيه طاعة؛ تحفظ نفسك وتحفظ ذريتك. أو بلد مشهور بالبدع؛ تنتقل إلى بلد آخر معروف بالسنة. وهكذا أيضًا. حتى ما هو فوق ذلك في الفضل؛ مثل أن يكون بلد إسلام، والمعاصي كغيره من البلاد، لكن يوجد مواضع فيه من طلبة العلم ومن أهل الطاعة والسنة، من يعينوا على حفظك وحفظ ذريتك، وإعانتك على الاجتهاد بالخير والطاعة والاستقامة والتربية الحسنة لك ولأولادك؛ لا شك أن الانتقال إلى هؤلاء خير لك. ولهذا الهجرة منها ما هو واجب، ومنها ما هو مستحب. الهجرة المطلوبة منها ما هو واجب، ومنها ما هو مستحب. والحرص على المجتمع المثالي الذي يحفظ المسلم فيه دينه، فهو إن لم يكن مستحبًا، إن لم يكن واجبًا، فلا أقل أن يكون مستحبًا. ومن ذلك بفضل الله: مراكز أهل السنة في هذه البلاد اليمنية؛ فإنها بمثابة المجتمعات المثالية التي يحفظ المسلم بها نفسه وذريته على الخير؛ عقيدة وعبادة ومعاملة وأخلاقًا وسلوكًا؛ بوجوده بين إخوانه من طلبة العلم والمحبين للسنة؛ يعين بعضهم بعضًا على ما فيه كمال الدين بقدر المستطاع. قال رحمه الله تعالى: قوله «فإيايا فاعبدون» أي: وحدون في أرضي الواسعة التي خلقتها وما عليها لكم، وخلقتكم عليها لعبادتي. وفي الحديث القدسي: «ابن آدم خلقتك لأجلي، وخلقت كل شيء لأجلك». والله أعلم بهذا الحديث؛ لما قف عليه يحتاج إلى بحث. قال قوله: قال البغوي رحمه الله تعالى: قال: هو الملقب بمحي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود الفرّاء، صاحب التفسير و«شرح السنة» وغيرهما، المتوفى سنة ستة عشر وخمسمائة. فهو أحد أئمة السنة، وله كتاب عظيم اسمه «شرح السنة» للإمام البغوي؛ كتاب عظيم فيه مسائل كثيرة من مسائل السنة، وما نقله مما يوضح أشياء كثيرة مما جاءت في الكتاب والسنة، وما كان عليه سلف الأمة. وقد انتقد عليه بعض المسائل في باب الصفات. وهذا مما يذكر على وجه التنبيه، ولا يقتضي ذلك أن يخرج الرجل من السنة أو يتهم ببدعة؛ بل هو من علماء السنة المعروفين. لكن كما قيل: «لكل جواد كبوة، ولكل عالم هفوة». وهذا وهذا مما وقع فيه، وربما دخل عليه من بعض من كان يقرأ أو يسمع لهم. قال رحمه الله تعالى: قوله «سبب نزول هذه الآية في المسلمين الذين بمكة» طيب نقف إلى هنا إن شاء الله لانتهاء الوقت. والله تعالى أعلم.