الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 131، الدرس الحادي والثلاثون بعد المائة:من( قال الإمام مسلم رحمه الله:حدثنا أحمد بن جناب المصيصي ... آخذ بلجامها وهو يقول:أنا النبي لا كذب*أنا ابن عبدالمطلب ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يبدأ الشرح بحديث البراء بن عازب الذي يصف معركة حنين وفرار المسلمين في البداية ثم نصرهم بدعاء النبي. يتضمن تعليقات على رواة الحديث.
يشرح المقطع دلائل نبوته عليه الصلاة والسلام وإجابة الله لدعائه، ويستخلص مسائل فقهية ولغوية من الحديث مثل سنة الله في ابتلاء أهل الحق.
يؤكد على أهمية التواضع وعدم الاغترار بالكثرة أو القوة المادية، ويشدد على استخدام القوة لتشجيع المسلمين وإرهاب الأعداء مع أهمية الاستعداد ومعرفة مواقع العدو.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي، رحمه الله تعالى، في كتابه «صحيح المسند من دلائل النبوة». قال رحمه الله تعالى: قال مسلم رحمه الله: حدثنا أحمد بن جناب المصيصي، وابن المغير أبو الوليد، صدوق، تفرد لما مسلم رحمه الله بالرواية له دون البخاري، قال: حدثنا عيسى بن يونس، وهو ابن أبي إسحاق السبيعي، كان ثقة مأمونًا حافظًا وصاحب عبادة، قال عن زكريا. وزكريا كما قال الشيخ: هو ابن أبي زائدة، وأصله من همدان وادعة، وهو أحد الثقات الذين روى لهم الإمام مسلم رحمه الله، لكن في سماعه عن أبي إسحاق شيء، لأنه روى له في آخر أمره، قال عن أبي إسحاق، وهو السبيعي، قال: جاء رجل إلى البراء فقال: أكنتم وليتم يوم حنين يا أبا عمارة؟ فقال: أشهد على نبي الله صلى الله عليه وسلم ما ولّى، ولكنه انطلق إخفاءً من الناس، وحسر إلى هذا الحي من هوازن، وهم قوم رماة، فرموهم برشق من نبل كأنها رجل من جراد، ومعناه: حتى صارت السماء مليئة بالسهام، كأنها من كثافتها كملايين الجراد التي في السماء تكون كالرجل. قال: فانكشفوا، فأقبل القوم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو سفيان بن الحارث يقود به بغلته، فنزل ودعا واستنصر، وهو يقول: أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب، اللهم نزل نصرك. عندكم نزل أو أنزل في همزة نزل. قال البراء: كن والله إذا احمر البأس نتقي به -أي النبي عليه الصلاة والسلام- وإن الشجاع منا للذي يحاذي به -يعني النبي صلى الله عليه وسلم. قال: وحدثنا محمد بن المثنى وأبو موسى العنزي، تفرد الإمام مسلم رحمه الله بالرواية له دون البخاري، وكان صاحب كتاب، قال: وابن بشار، وهو محمد بن بشار بن عثمان العبدي، أحد الثقات الحفاظ، والملقب ببندار لكثرة حفظه وسعة علمه -يعني الكيس الكبير- قال: واللفظ لابن المثنى، قالا: حدثنا محمد بن جعفر، وهو ربيب شعبة، الملقب بغندر، لازم شعبة فترة طويلة، وكان صاحب كتاب، فأخذ عنه علمًا كثيرًا حتى نافس الحفاظ من أصحاب شعبة، على أنه كانت فيه غفلة، رحمه الله تعالى. وفي سيرة هذا الإمام محل احتداء لكل من ابتلي بشيء في حفظه، أو كذلك في قلة استطاعته لتحصيل العلم، أن يعلم أنه وجد في طريق طلاب العلم وآخذيه من ابتلي بما هو أشد منه، ولكن بالاستمرار والملازمة نبغوا وبلغوا المنازل العلية في العلم. قال: حدثنا شعبة، وابن الحجاج أبو بسطام أمير المؤمنين في الحديث، لقبه به الثوري رحمه الله، قال عن أبي إسحاق، وهو السبيعي. ويروى عن شعبة أنه قال: كفيتكم تدليس ثلاثة من هؤلاء الثلاثة؟ يا أبي عبد الله، نعم، قتادة والأعمش وهذا -يعني يا أبا إسحاق- وقد قال الشيخ رحمه الله: أبو إسحاق والسبيعي، وستأتي متابعة للزكريا وتصريح بإسحاق بالسمع، لأن الزكريا في رواية عن أبي إسحاق شيء، فلا يصلح أن يصحح الحديث بتفرده، ولهذا أورد الإمام مسلم رحمه الله هذه المتابعة، وهي متابعة محمد بن جعفر وشعبة، طريق محمد بن جعفر عن شعبة عن أبي إسحاق، وفيها التصريح بالسمع، قال: سمعت البراء وسأله رجل من قيس: أفررتم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين؟ فقال البراء: ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفر، وكانت هوازن يومئذ رماة، وإن لما حملنا عليهم من كشفه، فأكببنا على الغنائم، فاستقبلونا بالسهام، ولقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته البيضاء، وإن أبا سفيان بن الحارث آخذ بلجامها، ويقول: أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب. أورد شيخنا رحمه الله هذا الحديث بطريقيه، وفيه من دلائل نبوته وصدق رسالة عليه الصلاة والسلام إجابة الله لدعاء نبيه في غزوة حنين، هذه الغزوة التي امتحن فيها أهل الإيمان، وهذا موضع من مواضع كثيرة من مواضع إجابة دعاء الله لنبيه عليه الصلاة والسلام، فقد استجاب الله لدعاء نبيه عليه الصلاة والسلام في مواضع كثيرة، ومنها هذا الموضع، وهو يدل على أنه نبي مؤيد مرسل عليه الصلاة والسلام، وصدق بآيات كثيرة، ومنها إجابة الدعاء. وفيه من المسائل كذلك ما سبق وتقدم سنة الله جل وعلا في ابتلاء أهل الحق بأهل الباطل، فمن تمر به مثل هذه الأحداث والوقائع يتسل بها ويعلم أنه إذا وقع هذا في زمن النبي عليه الصلاة والسلام ومن معه من خيار الصحابة، فمن دونهم من باب أولى أن يصاب بشيء من الامتحان والابتلاء، فليس وقوع الابتلاء والامتحان علامة عدم رضى الرب سبحانه وتعالى عن عبده، ولا كذلك علامة كذلك على عدم أهلية أهل الحق، ولكن ربنا جل وعلا يبتلي عباده بالنعماء، وهكذا كذلك بالشدائد والبلاء، وله الحكمة البالغة في ذلك. وفيه من المسائل كذلك ما كان عليه الصحابة رضي الله تعالى عنهم من العلم والحلم، وكذلك الأدب، فانظروا إلى هذا الجواب لهذا السؤال، وهذا كذلك مبحث من مباحث البلاغة واللغة، يسميه بعض أهل البلاغة أسلوب الحكيم، أن يكون الجواب على خلاف السؤال، ليس فرارًا وحيدة، ولكن انتقال إلى ما هو أنفع، سأل الرجل: هل فررتم؟ فأجاب: أشهد على نبي الله صلى الله عليه وسلم ما ولّى، وفي الرواية الأخرى: ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفر، وهذا أسلوب من أساليب اللغة العربية، وهو ما يسميه أهل البلاغة بأسلوب الحكيم، ويستعمل في مثل هذه المواضع إذا كان السؤال فيه تعنت، وفيه تدخل في خصوصيات أو غير ذلك مما يكره الجواب عنه، فمن الحلم والعلم أن يكون الجواب بمثل هذا السياق، تنتقل في الجواب إلى شيء آخر، تشعر السائل أنه لا حاجة للجواب على مثل هذا السؤال، ولكن أجيبك بما هو أنفع لك. وهكذا كذلك في هذا الحديث بعض وقائع قصة حنين التي ابتل الله عز وجل عباده حين غرتهم الكثرة، فقالوا: لن نغلب من قلة اليوم، بعد عام الفتح ودخول الكثير من القبائل في أهل الإسلام، خرجوا أكثر من عشرة آلاف، فقالوا: لن نغلب من قلة اليوم، فابتلاهم الله عز وجل وامتحنهم. ويوم حنين إذ عجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم من الله شيئًا، ما أغنت تلك الكثرة، ابتلاهم الله عز وجل بهوازن، وكانوا قومًا رماة. وفي هذا الحديث أهمية تعلم الرمي، وأنه من أعظم أسباب القوة، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي» كررها ثلاثًا عليه الصلاة والسلام، مفسرًا بها الآية: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾، فكل معاني الرمي ينبغي أن يحسنها ويتعلمها أهل الإسلام، لأن القوة فيها، والقوة فيها، واليوم وسائل الرمي كثيرة، فينبغي أن يكون أهل الإسلام من أعرف الناس بهذه الوسائل، وأحرص الناس على تعلمها، لما حدتهم ديننا على ذلك. وفيه كذلك من المسائل ما لا يجوز من الاغترار والعجب بالنفس، فإن ذلك ربما يكون سببًا للهزيمة والامتحان والابتلاء، فلا ينبغي للإنسان أن يغتر بما معه من خير، لا علم ولا دين ولا كذلك دنيا، فلينبغي أن يحرص على الكمال والحسن، وفي نفس الوقت يكون عنده شيء من التواضع والانكسار. وكان نبينا عليه الصلاة والسلام يعلم أصحابه ذلك بقوله وفعله وتقريره، ولهذا شرع عند فتح بلاد أن يدخلها متواضعًا، لما فتح الله عز وجل عليه مكة دخلها وهو متأطئ راسع عليه الصلاة والسلام، حتى يعلم أصحابه عدم العجب والغرور، وعدم كذلك الترفع والتعالي. وهكذا كذلك طالب العلم ينبغي أن يتخلق بهذا الخلق، فإذا أعطاه الله علمًا لا يفتخر به ولا يستظهر عضلاته به أبدًا، بل ما يزيده العلم إلا تواضعًا، وما يزيده إلا انكسارًا ولينًا، فإذا أثني عليه كسر هذا الثناء، وإذا وجد في نفسه رفعة كذلك عالج ذلك بالضد حتى لا يبتلى بسبب عجبه وغروره فيحرم بركة هذا العلم وخير هذا العلم. وفي هذا الحديث من المسائل شجاعة النبي صلى الله عليه وسلم، وشيء من أحواله عليه الصلاة والسلام، وكما سمعنا كان يعرف الرجل في شجاعته بقربه من النبي صلى الله عليه وسلم. وفيه كذلك من المسائل جواز إظهار القوة لا على وجه الكبر والخيلاء، ولكن على وجه تشجيع الغير، وكذلك إرهاب العدو، وإنما الأعمال بالنيات، فقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أنا بن نبي لا كذب، أنا بن عبد المطلب» حث لنفسه ولغيره أن يقبلوا على العدو، وأن كذلك يكون في ذلك تخويف وتخويف وإضعاف وإرهاب للعدو. وعلى هذا يحمل ما ورد في هذا الباب من معاني حسية قولية، فهي لا تنافي الأمر بالتواضع، وكذلك عدم الكبر والفخر والخيلاء، لأن المقصود من ذلك هو تشجيع الجيش وإرهاب العدو، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «هذه مشية يبغضها الله إلا في هذا الموضع، إلا في هذا الموضع»، لماذا؟ لأن فيها إدخال الثقة والقوة في نفوس الجيش، وكذلك إدخال الرهبة والخوف في نفوس العدو، لأنها معنى من معاني الطمأنينة واليقين، وهذا مطلوب. ولهذا كان من إعانة الله عز وجل لعباده وخلقه وتوفيقه لهم ينزل عليهم السكينة في الحرب بالنعاس والمطر، حتى تقبل نفوسهم وهي هادئة مطمئنة، وبه يُعلم كذلك أن الهدوء والسكينة والطمأنينة وعدم الذعر مما يطلب في هذه المواضع، لأن الذعر سبب لعدم حسن التصرف وحصول الخلل، وهذا هو الواقع إذا ابتلي الناس في وقت الشدة يصيبهم الذعر، فتكثر الأخطاء وتحصل العشوائية في التصرفات. وفي هذا الحديث كذلك إشارة لما جاء في بعض الروايات الأخرى من سبب الانكشاف الذي حصل للصحابة، فإنهم لم يستجيبوا لأمر النبي صلى الله عليه وسلم فيما أمرهم به، فإنهم نزلوا في واد وقد أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يتعجلوا في التعمق والدخول في الوادي، وكان القوم قد ترصدوا لهم في أعلى الوادي وفي ثناياه -يعني المواضع المرتفعة- فتركوهم حتى دخلوا في الوادي فرموهم بالنبال. وفيه كذلك أهمية معرفة مواضع العدو، وكذلك جعل المظنة في استغلالهم لتلك المواقع التي قد يكون فيها الإضرار، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم أن لا يدخل دفعة واحدة خشية هذا المعنى، وقد وقع نكتب بهذا القدر، والله تعالى أعلم. شكرًا.