الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 184، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يروي المقطع قصة ثابت بن قيس واستشهاده في معركة اليمامة، وظهور كرامته بعد وفاته في رؤيا رجل رأى مكان درعه المسروقة. تعتبر هذه القصة دليلاً على صدق نبوّة النبي صلى الله عليه وسلم وكرامة أتباعه.
يتناول المقطع مسائل وفضائل مستفادة من حديث ثابت بن قيس، منها كرامات الصحابة وفضلهم ونصرتهم لدين الله، ويناقش حكم الطعن فيهم، كما يتطرق إلى موضوع الرؤيا ومنزلتها في الدين.
الرؤى المنامية لا تعتبر حجة شرعية إلا إذا احتفت بها قرائن تدل على صدقها، وقد يعمل بها في بعض الأمور المتعلقة بالحقوق المالية أو غيرها إذا كانت مؤيدة بقرائن، ويُنصح بإكرام الميت إذا تتابعت الرؤى بذلك.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله تعالى في كتابه «الصحيح المسند من دلائل النبوة»: قال الحاكم رحمه الله تعالى: حدثني محمد بن صالح بن هانه، قال: حدثنا السري بن خزيمة، قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا حماد بن سلمة، قال: حدثنا ثابت عن أنس: أن ثابت بن قيس جاء يوم اليمامة وقد تحنط وليس أكفانه، قال: «وليس ها هنا؟ نعم، نعم». ولبس أكفانه، قال: ولبس أكفانه. وقد انهزم أصحابه، وقال: «اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء، وأعتذر إليك مما صنع هؤلاء، فبئس ما عودتم أقرانكم، خلوا بيننا وبين أقراننا ساعة». قال: ثم حمل فقاتل ساعة فقتل. وكانت درعه قد سرقت، فرآه رجل فيما يرى النائم، فقال: «إن درعي في قدر تحت إكاف بمكان كذا وكذا». وأوصى بوصايا، فطلب الدرع فوجد حيث قال، فأنفذوا وصيته. قال: «صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه». يعني القائل الحاكم. قال شيخنا أبو عبد الرحمن: قال أبو عبد الرحمن -يعني نفسه- رحمه الله: محمد بن صالح بن هانئ ترجم له السبكي في «طبقات الشافعية»، وذكر ثناء أبو عبد الله بن الأخرم. وترجم له الحافظ بن كثير في «البداية والنهاية»، لكنه قال: محمد بن صالح بن يزيد، وقال: «كان يحفظ ويفهم، وكان ثقة زاهدًا، لا يأكل إلا من كسب يده، ولا يقطع صلاة الليل». معناه: ممن تقبل روايته -أي شيخ الحاكم-. قال: وأما السري بن خزيم فهو حافظ جليل القدر، له ترجمة في «سير إعلام النبلاء». والحديث قال فيه الهيثمي: ومعناه أنه كذلك ممن تقبل روايته. وأما بقية رجال الإسناد فيما بعد السري فهم ممن تقبل روايتهم من رجال الصحيح. قال: والحديث قال فيه الهيثمي: قلت: هو في الصحيح غير قصة الدرع، رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح. يعني أصل القصة في الصحيح دون الرؤية التي فيها ذكر قصة الدرع والوصايا. أورد شيخنا رحمه الله هذا الحديث في سياق لذكره لكرامات أتباع النبي صلى الله عليه وسلم، فكرامات أتباعه دلائل لصدق نبوته ورسالته عليه الصلاة والسلام. وها هنا في هذه القصة كرامة لثابت بن قيس رضي الله عنه أرضاه، حيث أن الله عز وجل أكرمه بما أكرمه مما يرجى له من الشهادة. وهكذا كذلك ما كان من تأييد كرامة الله له بصدق الرؤية التي رؤيت له رضي الله عنه، فتحقق معناها. ففي هذا الحديث مجموعة من المسائل، أولها ما لأجله أورد شيخنا رحمه الله له هذا الحديث، ففيه كرامة من كرامات ثابت بن قيس رضي الله عنه، وكذلك فيه دليل من دلائل نبوته وصدق رسالته عليه الصلاة والسلام على الوجه الذي تقدم. وفيه من المسائل كذلك فضل ثابت بن قيس رضي الله عنه أرضاه. وفيه من المسائل كذلك ما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم أرضاهم من البلاء الحسن في نصرة هذا الدين وحفظه. وبهذا وغيره من الفضائل الكثيرة استحقوا السابقة والفضل، فإن الله استفى من الناس رسوله صلى الله عليه وسلم، واستفى من الناس لنصرة دينه وصحبته رضي الله عليه الصلاة والسلام الصحابة رضي الله عنهم أرضاهم، فهم ممن استفى من الناس. فهذا قليل من كثير من فضل الصحابة رضي الله عنهم أرضاهم، فالطعن فيهم طعن وانتقاص في دين الله جل وعلا، بل في اختيار الله عز وجل هؤلاء الكرام في نصرة دينه وصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم. ولهذا قال من قال من أهل العلم: إن من طعن في الصحابة وانتقصهم كان كافرًا بالله عز وجل، لماذا؟ لأنه بهذا كذب القرآن والسنة التي فيها ما لا يخفى مما تظافرت فيه ذكر فضلهم رضي الله عنهم أرضاهم. وفيه من المسائل كذلك ما قد يقع من التقصير من أهل الفضل، فلا ينقص ذلك فضلهم. فهنا كما نرى حصل ما حصل من انهزام القوم، فقال ما قال ثابت بن قيس رضي الله عنه أرضاه. وكما تقدم وتكرر كثيرًا أن أهل الفضل مهما بلغوا من الفضل فلن تكون لهم منزلة الكمال، فكل ابن آدم خطأ. فكيف إذا كان صاحب الفضل له من الفضل والسابقة ما معه ينمحي أو يمحى ذلك النقص والتقصير؟ وكما قال الإمام ابن القيم رحمه الله في ذكر فضل الصحابة رضي الله عنهم: «أنهم كالماء الكثير، فإذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث». لم يحمل الخبث. فالبحر إن سقطت فيه نجاسة هل تنجسه؟ الجواب: لا. فالصحابة رضي الله عنهم في عظيم فضلهم وسابقتهم ونصرتهم لدين الله عز وجل وغير ذلك من الفضائل هم مثل هذا وأعظم. ولهذا قال من قال من أهل العلم: أن الصحابة لا يذكرون إلا بالجميل، لا يذكرون إلا بالجميل. وهكذا كذلك في هذا الحديث من المسائل تصديق تحقق الرؤيا ومنزلتها في هذا الدين. والناس في الرؤيا طرفان ووسط. فإن من الناس من أنكرها وكذب بها وجحدها، وكان مخطئًا وظالمًا. ومن الناس من بالغ فيها وتوسع حتى بنى عليها الأحكام وجعلها مصدرًا من مصادر التشريع، كحال المتصوفة ومن سلك مسلكهم، وهكذا من تشبه بهم، وهم كذلك على باطل وظلال. والوسط الذي عليه أهل السنة والجماعة: أن الرؤية حق، وأنها جزء من سبعين جزءًا كما صح معناه عن النبي صلى الله عليه وسلم. وجيء بألفاظ أخرى من وحي النبوة ومعناه: أن الله عز وجل جعلها إذا كانت على الوجه الحق سببًا لإظهار بعض الغيب مما يكون من مما يوحيه ويقذفه في نفس الرائي، فيتحقق كما رأى، فيكون ذلك تصديقًا لمعنى حديث النبي صلى الله عليه وسلم. وهنا يأتي السؤال: فإذا كان كذلك، فهل يعمل بالرؤى؟ الجواب: الأصل لا يعمل بها إلا إذا احتفت بها ما يدل على صدقها، فإنه يعمل بها. وإن كان لا يثبت بها أحكام. فإذا يفرق من جهة الأحكام لا تثبت بها أحكام، فإن الوحي انقطع بموت النبي صلى الله عليه وسلم، والدين قد أكمل. وبه نعرف ضلال المتصوفة ومن سلك مسلكهم بإضافة الأحكام بالرؤى، تارة يفتدعون صلوات وأذكار وأنواعًا من البدع والخرافات بحجة أن شيخهم الصالح رأى في المنام وأوحي إليه أن هذا مما فيه كذا وكذا من الفضل وكذا وكذا من الأجر، وغير ذلك من الكذب والافتراء على دين الله جل وعلا وشرعه. وهكذا كذلك يقال مثله فيما هو مما يكون بين الناس من وصية، وكذلك ما كان بمعناه مما يكون بين الناس. فمثل هذا إذا احتفت به قرينة تدل على صدقه فإنه يعمل به، كما في هذا الحديث. فالقرينة كون الدرع وجد في المكان الذي رؤي، فدل ذلك أنها رؤيا حق. لأن ما يراه الإنسان في المنام ثلاثة أقسام: قسم منه مما يكون من الشيطان وهو الحلم، وقسم منه ما يكون من أضغاث الأحلام، وهو ما يكون له سابق ذكر في حياة الإنسان، فتتعلق تلك السابقة التي رآها أو سمعها، فيكون لها أثر في رؤية أضغاث الأحلام. وقسم ثالث هي الرؤية الصالحة التي هي جزء من أربعين جزءًا أو سبعين جزءًا كما جاء في الروايات مما جاء من معنى وحي النبوة، يعني مما يقذفه الله عز وجل في قلب هذا الذي رأى، فيكون من الرؤية الصالحة. فهذا الثالث هو المقصود ها هنا، فإذا أيد بقرينة تدل على صدقه وأن رؤية صالحة فإنه يعمل بها، مثل في هذه القصة. فلما رأوا أن الدرع وجد علموا أن ما أوصى به فهي وصية حق، أن ما أوصى به وصية حق، فنفذوا هذه الوصية. وهنا يأتي سؤال: هل نفذوها على وجه الوجوب الشرعي أو على وجه الإكرام لهذا الصحابي رضي الله عنه؟ الظاهر الثاني. فإن العلماء أجمعوا أنه لا يجب بالرؤى أحكام ولا يلزم بها أحد. فهذا من باب الإكرام، فمثلًا لو أن ميتًا مات فرأى أكثر من واحد من ورثته أن الميت أوصاهم، ولم يكن أوصى مكتوبًا ولا مسموعًا أنهم رأوا في منامهم أنه أوصاهم أن يتصدقوا بكذا وكذا من ماله مما هو دون الثلث، فهل يجب على الورثة أن يفعلوا ذلك؟ الجواب الصحيح: لا يجب. الصحيح: لا يجب. لكن إكرامًا للميت ما دامت تتابعت الرؤى ينبغي عليهم أن يفعلوا ذلك. ينبغي عليهم أن يفعلوا ذلك. فلو فعل ذلك بعضهم واعترض بعض لم يجب على الذي اعترض أن يلزم. لم يجب على الذي اعترض أن يلزم، لأن الرؤية لا تثبت بها أحكام. هذا خلاصة ما يذكر بهذا الحديث، به نكتفي، والله تعالى أعلم.