التقريرات السنية على المنظومة البيقونية 20

التقريرات السنية على المنظومة البيقونية 20

الدرس في التقريرات السنية على المنظومة البيقونية 20، الدرس العشرون : الحديث العالي والحديث النازل . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تعريف العلو في الإسناد وبيان كيفيته

العلو في الإسناد هو أن يكون الراوي أبعد في الزمن من الشيخ مقارنة بشيخه، ويعتبر نسبيًا حيث يعتمد على مقارنة الفترات الزمنية بين الرواة وشيوخهم. اختلف العلماء في تحديد الفترة الزمنية التي تعتبر علوًا.

أقسام العلو في الإسناد وتصنيفاته

العلو في الإسناد ينقسم إلى عدة أقسام، منها العلو إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بقلة عدد الرواة، والعلو إلى أئمة الحديث المشهورين. كما يشمل العلو إلى كتب الحديث المعتمدة مثل الصحيحين والسنن.

أنواع العلو في الإسناد وتفصيلها

ينقسم العلو في الإسناد إلى أنواع مثل الموافقة والبدل والمساواة والمصافحة، وهي تشير إلى طرق مختلفة لرواية الحديث بإسناد أعلى. بعض هذه الأنواع أصبح صعب التحقيق في العصر الحالي.

  • 20 جمادى الآخرة 1430هـ - 13/06/2009مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال المعلق رحمه الله تعالى: أقسام العلو في الإسناد، قال: العلو في الإسناد خمسة أقسام. القسم الأول: العلو إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، بمعنى قلة عدد الرواة الذين بين المحدث وبينه صلوات الله وسلامه عليه. وهذا القسم أجل الأقسام وأفضلها، بشرط أن يكون الإسناد صحيحًا نظيفًا خاليًا ممن يتهم. فهذا هو المقصود من ذكر علو الإسناد، فإنه إذا أطلق هذا المبحث إنما يراد به علو الإسناد إلى النبي عليه الصلاة والسلام. وعليه ما روي من ذكر فضل العلو عن الأئمة، يحمل على هذا. بيت خال وإسناد عال، أي عال يصل به إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وقوله رحمه الله: بشرط أن يكون الإسناد صحيحًا نظيفًا خاليًا ممن يتهم، لأنه لا فائدة أن يكون الإسناد عاليًا وهو ملفق ومكذوب، بل هذا لا يزيده إلا ضعفًا وردًا. قال: فأما إن كان مع الضعف فلا فضل فيه، لا سيما إن اجتمع على بعض الكذابين المتأخرين. لأن بعض الضعف قد يكون ضعفًا ينجبر، فإذا كان من الضعف الذي ينجبر فهذا ينفع. وأما إذا كان من الضعف الذي لا ينجبر كالشديد أو ما هو أعظم من ذلك، فيه ممن اتهم بالكذب، فهذا أشد وأشد. قال: لا سيما إن اجتمع على بعض الكذابين المتأخرين، ممن ادعى السماع من الصحابة، كابن هدبة، ودينار، ونعيم بن سالم، ويعلى بن الأشدق. وهؤلاء مجموعة من الكذابين أشار إليهم الحفاظ، وهم ادعوا الرواية عن الصحابة بأسانيد عالية، وتوصل إليهم بعض الرواة بشيء من العلوب، ولكن نبه الحفاظ أن روايتهم من الروايات الباطلة المنكرة التي هي من الكذب. فابن هدبة هو أبو هدبة إبراهيم بن هدبة البصري، أحد الكذابين، يروي عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أحاديث، بينما هو يروي عنه بعد مئتين سنة. وأنَس بن مالك إنما توفي رضي الله عنه في سنة 92 هجرية، انظر كم بينهما. والعجب أن بعض الناس صدقه في ذلك، كما ذكر أبو نعيم الحافظ رحمه الله أن المأمون كان ممن يصدقه في تحديثه، بل يمكنه على المنبر، يجعله يصعد على المنبر ويحدث بأحاديث عن أنس. وروي أن جرير بن عبد الحميد كذلك رحمه الله كان ممن يصدقه فيما يرويه عن أنس. ولعل عذرهم في ذلك هو ما يكذب به، فإنه يكذب في أشياء في نصرة السنة. فمن الأحاديث المكذوبة التي يرويها عن أنس ما رواه عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا رأيتم صاحب بدعة فاكفروا في وجهه، فإن الله يبغض كل مبتدع». وأخبر أنه ليس أحد منهم يجوز الصراط إلا وسقط في النار كسقوط الجراد والذبان يعني في النار. وهذا من الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى أنس رضي الله تعالى عنه. وهذا قد روى عنه جماعة، كما ذكر الحافظ الذهبي في ترجمته في تاريخ الإسلام في المجلد الثالث، قال: روى عنه ابن المنادي، وسعدان بن نصر، والخضر بن أبان، وذكر جماعة. فانظر إذا كان واحد في سنة مئتين وخمسين للهجرة يروي عن رجل عن أنس رضي الله تعالى عنه، فأي علو بعد هذا العلو؟ لكن علو فيه كذاب لا فائدة فيه. وهكذا كذلك دينار، وهو أبو مكيس، قال الذهبي عنه: شيخ كبير، زعم أنه مولى لأنس، ساقط متروك. ذكره كذلك بتاريخ الإسلام في الجزء الرابع. وهكذا نعيم بن سالم، وهو نعيم بن سالم البغدادي الجوهري، يروي عن أنس، ويروي عنه عيسى بن المساور، كذلك أحد الكذابين المتروكين. وذكره كذلك الذهبي في تاريخ الإسلام في الجزء الرابع. وهكذا يعلى بن الأشدق، وهو أبو الهيثم يعلى بن الأشدق العقيل الجزري، يروي عن عمه عن أبي ذر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأحيانًا عن عمه عن النبي صلى الله عليه وسلم، ويزعم أن لعمه صحبة، وهو عبد الله بن جراد، وهو أحد المتروكين كذلك المكذبين. وذكره كذلك الذهبي في تاريخ الإسلام الجزء الثالث. وهكذا هو ذكره في مختصر تاريخ دمشق الجزء الأول. فأمثال هؤلاء الكذابين الذين يروون الأشياء المكذوبة لا ينفع العلو بهم. وأعظم من ذلك من يدعي الصحبة بعد المائتين، مثل رتن الهندي. وما أدراك ما رتن؟ ادعى الصحبة بعد مائتين سنة، ويروي أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم. فأمثال هؤلاء ما ينفع العلو بهم. قال الحافظ الذهبي رحمه الله: «متى رأيت المحدث يفرح بعوالي هؤلاء، فاعلموا أنه عامي». يعني أن هذا المحدث عامي. ويشبه هذا في زماننا هذا اتباع بعض طلبة العلم لمعضل المسندين، يعني ممن عنده أسانيد وإجازات. فربما أتوا إلى رجل أشد من عامي، فاسق. أذكر أننا في بعض الأعوام السابقة مع بعض الإخوة، وهم نشيطون في جمع الإجازات، فوصلنا لبعض من قيل أنه مشايخ عجنده إجازات، وهو معه شيشة، معه شيشة مداعة، تعرفون المداعة، وهو يدخن بها. فرجع نصفنا، وبقي النصف. يعني نصف يريد إجازة، ولو من شيش. ما فائدة أخذ الإجازة من مثل هذا؟ وهذا بمعنى قول الذهبي هاهنا: «متى رأيت المحدث يفرح بعوالي هؤلاء، فاعلموا أنه عامي». كذلك من يفرح بالإجازات، فيأخذها من مبتدع، أو يأخذها من فاسق، ربما بعضهم تارك صلاة، من المتصوفة وغيرهم. فلا يفرح بالإجازات من هؤلاء إلا من هو عامي، ما عرض حقيقة الدين. فإن الرواية إنما تأخذ ممن هو أهل للرواية، وليس تأخذ من أمثال هؤلاء. قال رحمه الله تعالى: القسم الثاني: العلو إلى إمام من أئمة الحديث المشهورين، كابن جريج، والزهري، والأوزاعي، ومالك، وشعبة، ومن أشبههم. ولو كثر العدد بعد ذلك الإمام إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا علو نسبي. يعني مثلًا أحد يريد أن يصل إلى الإمام مالك، فيروي الموطأ بعلو. فتجد مثلًا بعض المشايخ بينه وبين الإمام مالك عشرة، وبعضهم أقل من ذلك. فهذا علو، كونه يصل إلى الإمام مالك بأقل عدد من الرجال. هذا علو، بغض النظر كم بعد الإمام مالك من رجال. العلو في الوصول مثلًا إلى هذا الإمام. والغالب أن هؤلاء يكونون هم أصحاب الكتب، أصحاب الكتب المصنفة. هذا هو الغالب. لكن هذا التمثيل منه رحمه الله من باب العموم. وإلا فالغالب أن التنافس في العلو يكون لأرباب وأصحاب الكتب، من عنده كتاب، كالإمام مالك في موطأه، أو كذلك بعض أهل الصحاح والسنن والمسانيد، أو غير ذلك. فإذا قوله: الوصول إلى أحد إمامه، ولو كثر العدد بعد ذلك الإمام، يعني من الإمام إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فقد يكون حديث معين عند هذا الإمام، ليس من الأحاديث العالية، لأنه يوجد مثله بأقل إسناد. لكن المقصود العلو في الوصول إلى هذا الإمام، ليس إلى النبي صلى الله عليه وسلم. قال: وهذا القسم يلي القسم السابق في الأجلية والفضل، بشرط الصحة والنظافة من الخلل أيضًا. وهذا كذلك. وفي هذا الزمان قل أن يوجد شيء من الأسانيد هو نظيف، يعني من الإجازات التي يرويها المشايخ ويتناقلها العلماء. قل أن يوجد فيها شيء نظيف، يعني خالي من المجهولين، فضلًا أنه قد يوجد في بعضها بعض من هو متهم. قال رحمه الله: القسم الثالث: العلو إلى كتاب من كتب الحديث المعتمدة، كالصحيحين، والسنن، ومسند أحمد، ونحوهما. وسمى ابن دقيق العيد هذا القسم علو التنزيل. وهو على أربعة أنواع. وبعضهم يجعل هذا القسم هو القسم الذي قبله، يجعل من الوصول إلى الأئمة، الوصول إلى أئمة أصحاب الحديث، أصحاب الكتب. وبعضهم فصل على هذا التفصيل الذي رأيناه، فيفرق بين الأئمة مطلقًا، وبين أصحاب الكتب على وجه الخصوص. وسمى من سمى هذا العلو بعلو التنزيل، يعني كونه وصل إلى صاحب الكتاب، كان هذا تنزل في العلو. قال: وهو على أربعة أنواع: الموافقة، والبدل، والمساواة، والمصافحة. وهذه الصور في تحمل ورواية الحديث، سيأتي بيانها إن شاء الله. قال: أما الموافقة، فصورتها أن يروي المحدث حديثًا موجودًا في أحد الكتب، بإسناد لنفسه، فيصل في إسناده إلى شيخ مصنف الكتاب، من غير طريق المصنف. ولو أنه رواه من طريق المصنف، لزاد عدد رجال السند. يعني مثلًا لو أن أحد أصحاب المستخرجات والمستخرج موضوعه كهذا الذي ها هنا، يعني أن يروي صاحب المستخرج الحديث الذي هو موجود في الصحيح، لكنه يحاول أن يصل إلى هذا الحديث بإسناد غير إسناد المؤلف، يعني من غير طريق المؤلف. سواء كان إلى الصحابي إذا استطاع، فإن لم يستطع فإلى التابعي. مثلا حديث يرويه الإمام البخاري من طريق مكي بن إبراهيم، عن يزيد بن أبي عبيث، عن سلم بن الأكوع. هذا من ثلاثيات البخاري، يصل فيه البخاري إلى النبي صلى الله عليه وسلم بثلاثة رجال: مكي بن إبراهيم، يزيد بن أبي عبيث، عن سلم بن الأكوع. فلو استطاع صاحب المستخرج أن يصل إلى سلم بن الأكوع برجال آخرين، كأن يكون مثلًا برجلين، فهو بهذا سيكون أعلى من صاحب الكتاب. وهذا صعب، خصوصًا في الثلاثيات، لأن الثلاثيات يعتبر أعلى شيء عند أهل الكتب. كما مر معنا، ولهذا لا تعرف الثلاثيات إلا في كتاب، في مسند الإمام أحمد، والصحيح للإمام البخاري، وعند الترمذي كم ثلاثيات؟ ثلاثي واحد فقط. فقط عند الترمذي ثلاثي واحد. وأما مسلم فليس عنده إلا رباعيات. فالشاهد هذا كمثال فقط. فلو قدر أن صاحب المستخرج استطاع أن يصل إلى سلم بن الأكوع برجلين، فإنه سيساوي ماذا البخاري؟ سيكون روى الحديث مثل البخاري. البخاري رواه برجلين إلى سلم، وهكذا كذلك صاحب المستخرج يرويه برجلين إلى سلم. فهذا هو الموافقة واضح. وإن لم يستطع، فاستطاع أن يرويه إلى شيخ البخاري، فإنه كذلك يكون وافق صاحب الكتاب في شيخه. يعني مثلًا هنا مكي بن إبراهيم. فالمقصود بالموافقة هو الوصول إلى الوصول إلى الحديث بإسناد أقل، إما بعدد رجال يساوي عدد رجال صاحب الكتاب، وإما أن يوافق صاحب الكتاب في شيخه. فلو رواه من طريق صاحب الكتاب، سيزيد رجل أو أكثر. بينما لما رواه من طريق أخرى، استطاع أن يقلل عدد الرجال. فروايته للحديث من طريق شيخ المصنف دون الوصول إليه من المصنف، هذا يسمى موافقة. ولو هو في الحقيقة لم يرو عن الشيخ مباشرة. يعني لا تظن أن معنى الموافقة أن يروي عن الشيخ مباشرة، لا. إنما المقصود أن يحصل له الرواية بعدد رجال أقل، بأن يتجاوز صاحب الكتاب ويصل إلى شيخه واضح. قال رحمه الله: أما الموافقة، فصورتها أن يروي المحدث حديثًا موجودًا في أحد الكتب، بإسناد لنفسه، فيصل في إسناده إلى شيخ مصنف الكتاب، من غير طريق المصنف. ولو أنه رواه من طريق المصنف، لزاد عدد رجال السند. لكن هو يحاول أن يقلل عدد الرجال، فيصل إلى الشيخ من دون المرور بصاحب الكتاب، كالمثال الذي سمعت. قال الحافظ ابن حجر: مثاله روى البخاري عن قتيبة، عن مالك حديثًا. فلو رويناه من طريقه، كان بيننا وبين قتيبة ثمانية. يعني بالنسبة لبعد الحافظ ابن حجر من قتيبة. قال: ولو روينا ذلك الحديث بعينه من طريق أبي العباس السراج، عن قتيبة، يعني من غير طريق البخاري، مثلا، لكان بيننا وبين قتيبة سبعة، فقد حصلت لنا الموافقة مع البخاري في شيخه بعينه. مع لو الإسناد على الإسناد إليه، أنت ترى الحافظ ابن حجر أين، والإمام البخاري أين؟ فليس الإمام البخاري يروي عن قتيبة، حتى حصلت الموافقة بينه وبين البخاري في الرواية عن قتيبة. لكن المقصود بالموافقة هو استواء عدد رجال الإسناد. يعني لو أن الحافظ ابن حجر روى هذا الحديث من طريق البخاري، فسيصل بثماني رجال. ولما رواه من طريق السراج، وصل إليه بسبعة رجال. فهؤلاء السبعة الساقط منهم اعتبر أنه صاحب الكتاب. فكأن الحافظ ابن حجر استطاع أن يصل إلى شيخ البخاري، فحصل بذلك له الموافقة. يعني سبعة بسبعة. كما أنه لا يستطيع أن يصل إلى الحديث من طريق البخاري إلا بثمانية، فلو حذف البخاري، لوصل إليه بكم؟ بسبعة. فكذلك لما وصل إليه من طريق ابن السراج، أو بالعباس السراج، صار بسبعة. فحصل بذلك الموافقة، يعني في عدد الرجال. وليس معناه أنه وصل مباشرة إلى شيخ البخاري، قتيبة. قال: وأما البدل، فصورته أن يروي المحدث حديثًا موجودًا في أحد الكتب، بإسناد لنفسه، فيصل في إسناده إلى شيخ شيخ المصنف. قال الحافظ ابن حجر: كأن يقع لنا ذلك الإسناد بعينه من طريق أخرى إلى القعنبي، عن مالك. فيكون القعنبي بدلًا فيه من قتيبة. الآن رواية الإمام البخاري عن قتيبة، من طريق رواية الإمام البخاري عن مالك، من طريق قتيبة. فيقول: وصورة البدل أن يروي المحدث حديثًا موجودًا في أحد الكتب، بإسناد لنفسه، مثلا الحافظ ابن حجر، فيصل في إسناده إلى شيخ شيخ المصنف. يقول: قال الحافظ ابن حجر: كأن يقع لنا ذلك الإسناد بعينه من طريق أخرى إلى القعنبي، عن مالك. فيكون القعنبي بدلًا فيه من قتيبة. والقعنبي بالنسبة للبخاري، كما قال: والقعنبي شيخ شيخ البخاري. لماذا شيخ شيخ البخاري؟ لأن البخاري لم يدركه. فلذلك صار هذا بدلًا. ووجه البدلية ها هنا أنه استطاع أن يصل إلى شيخ شيخ المصنف، بينما المصنف ما يستطيع أن يصل إليه. وهذا كذلك بعدد الرجال في السند. ليس أن الحافظ ابن حجر سيروي عن القعنبي مباشرة، هذا مستحيل. أين الحافظ ابن حجر؟ وأين القعنبي؟ إذا كان إمام البخاري ما أدرك القعنبي، كيف يدركه الحافظ ابن حجر؟ لكن المراد بعدد رجال الإسناد. فإذا استطاع مثلًا الحافظ ابن حجر أن يصل بإسناد إلى القعنبي، فهو سيصل إليه بستة رجال، يعني فيما يرويه عن مالك. سيصل إليه بستة. بينما إذا وصل إليه من طريق الإمام البخاري، فسيصل إليه بكم؟ بثمانية. إذا وصل إليه من طريق الإمام البخاري، فيصل إليه بثمانية واضح. فوصوله من طريق الإمام البخاري بثمانية، ثم وصوله إلى القعنبي من ستة، صارت الموافقة في حذف رجلين. هذان الرجلان هما بمرتبة البخاري وشيخه. فحصلت الموافقة في من في شيخ شيخ البخاري واضح. كأنه حذف البخاري وشيخه، لأنه وصل بستة رجال. ولو أراد أن يصل إلى الحديث من طريق البخاري، سيصل بثمانية رجال. فهنا لما حصلت الموافقة في شيخ شيخ البخاري، سمي بدلًا. قال: وأما المساواة، فهي أن يتساوى عدد الإسناد من المحدث إلى آخر السند، مع إسناد أحد المؤلفين. ذكر الحافظ بن حجر أنه قد وقعت له أحاديث بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم فيها عشرة رجال. وقد وقع للنسائي حديث عدد رجاله كذلك، يعني عشرة. فتساوى بن حجر مع النسائي في عدد رجال الإسناد. فهؤلاء العشرة الذين توصل بهم النسائي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، يعد إسنادًا ماذا؟ نازلًا. وهؤلاء العشرة الذين وصل بهم الحافظ بن حجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم، يسمى إسنادًا ماذا؟ عاليًا. فمثلًا الإمام البخاري يروي حديث سلم بن الأكوع كثيرًا من ثلاثيات: مكي بن إبراهيم، عن يزيد بن أبي عبيد، بثلاثة رجال. فإذا استطاع الحافظ بن حجر أن يصل إلى هذا الإسناد بواسطة ستة رجال، فسيصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم بكم؟ بتسعة رجال. فسيصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم بتسعة رجال. فلو أن أحد رواه من أصحاب الرباعيات، كالإمام مسلم مثلًا، فسيحصل له موافقة للإمام مسلم. ولو رواه أحد بتسعة رجال، فسيحصل له مساواة مع صاحب الكتاب واضح. سيحصل له مساواة مع صاحب الكتاب. فإذن المساواة هي بالنسبة لعدد الرجال، ولو كان أكثر. لكنه باعتبار واقع الرواية هو أعلى، لأنه بالحقيقة يروي حديثًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة، بعدد رجال ساواة فيها بعض أصحاب الكتب. لكن انتبه أن المساواة لا تكون في نفس الحديث، لأن المساواة المقصود منها استواء رجال السند، وليس نفس الحديث. بخلاف ما سبق من مبحث الموافقة والبدل، فإنه يكون في نفس الحديث. ولهذا يطول السند بخلاف مبحث المساواة، فإن كلام أهل العلم عليه لا باعتبار نفس الحديث، ولكن باعتبار ماذا؟ باعتبار عدد رجال الإسناد. مع أنه في الغالب لا يسلم في تلك الأسانيد ما يكون سببًا في الطعن فيها. قال: قال الحافظ ابن حجر: وقد جمع الحافظ ابن حجر من هذا النوع عشرة أحاديث في جزء صغير، سماه «العشرة العشارية». يعني عشرة أحاديث يرويها بعشرة رجال، وافق فيها أنزل أسانيد أصحاب الكتب. يعني حصلت له فيه مساواة. قال ابن الصلاح: لكن لو تأملت مثلا تجد هذه المساواة لا تخلو من قصور. وجه هذا القصور أن هذه الأحاديث بأعيانها رواها أصحاب الكتب بأقل من عشرة رجال واضح. هذه الأحاديث بأعيانها رواها أصحاب الكتب بأقل من عشرة رجال، وكذلك بأسانيد أنضف، أصحاب الكتب يروونها بأسانيد أقل وأنضف. قال ابن الصلاح: أما المساواة، فهي أن يقل العدد في إسنادك، لا إلى شيخ مسلم أمثاله، ولا إلى شيخ شيخه، بل إلى من هو أبعد من ذلك: الصحابي أو من قاربه. وربما كان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. لأن المقصود هو ماذا؟ هو قلة عدد الرجال بالنسبة لك، ومساواة لعدد رجال أصحاب الكتب. فإذن أنت لا تنظر إلى الحديث بقدر ما تنظر إلى السند. قال: بحيث يقع بينك وبين الصحابي مثلا من العدد ما وقع بين مسلم وبين ذلك الصحابي. فتكون بذلك مساويًا لمسلم في قرب الإسناد وعدد رجاله انتهى. قال: وقد كان هذا النوع ممكن الوقوع في عصر ابن حجر رحمه الله، ومن داناه يعني ومن قاربه في عصره. قال: أما اليوم بعد طول العهد وتعدد الأجيال، فقد أصبح من غير الممكن الحصول عليه. يعني الحصول على هذا النوع من العلو المسمى بالمساواة واضح. قال: وأما المصافحة، فهي أن يروي المحدث حديثًا بإسناد لنفسه، فيقع عدد رجال إسناده زائدًا عن عدد رجال مؤلف الكتاب، ويكون عدد الزائد رجلا واحدًا. فيكون المحدث كأنه قد قابل صاحب الكتاب، فروى عنه. يعني هو عدد رجال كرجال صاحب الكتاب، لكنه من غير طريق صاحب الكتاب. فلهذا سمي مصافحة. قال: وسمي هذا النوع بهذا الاسم، لأن العادة جرت في الغالب بالمصافحة بين من تلاقى. وهذا النوع أيضًا غير ممكن الوقوع في عصرنا هذا. فهذا النوع المصافحة، وهكذا كذلك المساواة، هو باعتبار عدد الرجال، بغض النظر عن عين الحديث. هو باعتبار عدد الرجال بغض النظر عن عين الحديث. وهذا النوع المصافحة يصعب حتى وقوعه بالنسبة للحافظ ابن حجر. لكن هو ممكن بالنسبة لأصحاب المستخرجات. هذا ممكن بالنسبة لأصحاب المستخرجات، ومن داناهم. فهم الذين يستطيعوا أن يرووا في طبقة توافق طبقة صاحب الكتاب، حتى كأنهم صافحوا واضح. قال: القسم الرابع: أن يكون سبب العلو تقدم وفاة الراوي، وإن تساوى السندان عددًا. قال الخليلي: «قد يكون الإسناد يعلو على غيره بتقدم موت راويه، وإن كان متساويين في العدد» انتهى. وهذا علو نسبي آخر. يعني مثلًا لو أن رجلا مثلًا نقول: الإمام مسلم روى عن القعنبي، عن مالك. والإمام البخاري روى عن قتيبة، عن مالك. فهنا يصير العلو في كون البخاري لم يرو عن القعنبي، وإنما يروي عنه بواسطة. وهكذا نوع آخر. فلو أن رجلا تأخرت وفاته، مثلًا من الصحابة، كأنس بن مالك، توفي في 92 هجرية. يروي عنه أحد أصحاب الكتب بشيء من الأسانيد التي هي ثلاثية ورباعية. ويروي أحد آخر حديث آخر من غير هذا الصحابي، عن صحابي آخر مات متقدمًا، وبنفس عدد الرجال. كأن يروي عن عمر بن الخطاب نفس الحديث برجال أقل. فهذا يعتبر علو. لماذا؟ لأنه استطاع أن يروي الحديث ليس عن صحابي متأخر الوفاة، وإنما متقدم الوفاة واضح. فهذا وجه العلو، يعني العلو باعتبار سبق الوفاة. فإن مثل هذا لا يوصل إليه بأربعة رجال الغالب. لا يوصل إليه بأربعة رجال. فكونه يروي إليه بأربعة رجال، هذا نوع من العلو. ولو كان عدد الرجال واحد. هنا أربعة، وهنا أربعة. لكن التميز حصل بأنه روى عن من لا يروى عنه في الغالب بأربعة. روى عنه بأربعة. قال النووي رحمه الله تعالى: «فما أرويه عن ثلاث عن الحاكم، أعلى مما أرويه عن ثلاث عن أبي بكر بن خلف، عن الحاكم». لتقدم وفاة البيهقي على بن خلف. لأن البيهقي مات قبل بن خلف. والكل يرويه بثلاثة رجال. لكن ثلاثة عن ثلاثة يختلف. ثلاثة لمن مات متقدمًا ليس كثلاثة لمن مات متأخرًا. قال: وربما اعتبر العلو بتقدم وفاة الراوي مطلقًا، من غير مقارنته بآخر. وقد اختلف العلماء في حد ذلك. فحكي عن بعضهم أن مدى خمسون سنة. قال ابن الصلاح: «روينا عن أبي علي الحافظ النيسابوري، قال: سمعت أحمد بن عمير الدمشقي، وكان من أركان الحديث، يقول: إسناد خمسين سنة من موت الشيخ، إسناد علو». يعني من استطاع أن يصل إلى مثل ذلك، فقد وصل إلى إسناد عال. فمثلًا اليوم تجد مثلًا الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله، أدرك مشايخ. وهكذا كذلك جاء بعده أناس من طبقة تلاميذه، فأدرك أولئك المشايخ. فكون مثلًا الشيخ الكبير يدرك هذا الشيخ، بينهما ثلاثين سنة. ويأتي أحد التلاميذ فيدرك هذا الشيخ نفسه، وبينهما خمسين سنة. يكون التلميذ روى عن الشيخ بعلو. باعتبار أن بينه وبين الشيخ فترة أكبر من فترة ماذا؟ من فترة شيخه. فأدرك مشايخ شيخه. ها. فمثلًا شيخنا مقبل رحمه الله تعالى، روى عن الشيخ محمد بن عبد الله الصومالي. وبعض طلاب الشيخ أدرك محمد بن عبد الله الصومالي. فهذا يعتبر علو. مع أن التلاميذ والشيخ وافقوا بشيخ واحد. لكن كيف كان العلو؟ كان العلو أن بين التلميذ والشيخ من الرواية ما هو أكثر مما بين شيخ هذا التلميذ مع نفس الشيخ واضح. فصار العلو من جهة بعد الوفاة. وهذا بالحقيقة يعني علو نسبي. قال رحمه الله: طيب، نحن طولنا، نترك هذا إن شاء الله إلى درس لاحق لانتهاء الوقت. ونكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.