الدرس في الفروق والتقاسيم البديعة النافعة 6، الدرس السادس: فيه (ومن الفروق الصحيحة بين صلاة الجمعة والعيد ... فمن شرع فيهما فرضاً أو نفلاً وجب عليه الإتمام ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول الدرس الفروق بين صلاة الجمعة والعيد وصيام الفرض والنفل، مثل عدم وجود أذان وإقامة في صلاة العيد وتقديم الصلاة على الخطبة فيها. وكذلك يبين الفروق في نية الصيام بين الفرض والنفل.
يتناول المقطع أحكام نية الصيام في الفرض والنفل، حيث يوضح أن نية صيام رمضان تكفي في أول الشهر، ويصح صيام النفل بنية من النهار، كما يبين جواز صيام النفل أثناء قضاء صيام الفرض.
يشرح الدرس أحكام قطع النوافل والفرائض في الصيام والصلاة والحج والعمرة، حيث يمكن قطع النوافل لسبب، بينما لا يمكن قطع الفرائض إلا لسبب شرعي أو ضرر، ولا يجوز قطع الحج أو العمرة سواء كانا فرضا أو نفلا.
يتناول المقطع توقيت نزول آية الإتمام للحج أو العمرة، حيث نزلت قبل فرض الحج في السنة التاسعة من الهجرة، وتشير إلى وجوب الإتمام سواء كان الحج أو العمرة نافلة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. مر معنا في الدرس الماضي بعض ما ذكره المؤلف رحمه الله من الفروق الصحيحة وهكذا الفروق الضعيفة بين أفرض الصلاة ونفلها. فمن يذكر لنا مثالا للفروق الصحيحة؟ نعم، جواز الصلاة جالسا في النفل دون الفرض. نعم، يجوز من دون عذر في النفل، وهو خلاف الأفضل والأجر من النصف من أجر القائم. وفي الفرض لا يجوز إلا عند الضرورة. نعم، ومن الفروق الضعيفة ستر المنكب. نعم، ما أشار إليه رحمه الله من ستر المنكبين في التفريق بين الفرض والنفل، وأن الصحيح أنه لا فرق، بل يستر المنكبان في الفرض والنفل معاً. طيب، قال المؤلف رحمه الله تعالى: ومن الفروق الصحيحة الفروق بين صلاة الجمعة والعيد، وهي كثيرة قد فصلتها في كتاب الإرشاد. كذلك من الفروق الصحيحة الفروق بين صلاة الجمعة وصلاة العيد، ولم يذكر شيئاً من هذه الفروق وأحال إلى كتابه الإرشاد. فمن هذه الفروق على سبيل المثال أن صلاة العيد لا أذان فيها ولا إقامة، بخلاف صلاة الجمعة ففيها أذان وفيها إقامة. ومن هذه الفروق أن صلاة العيد تقدم على الخطبة، وصلاة الجمعة تقدم الخطبة على الصلاة. ومن هذه الفروق أن صلاة العيد خطبة واحدة على القول الصحيح، ولم يثبت حديث صحيح صريح يدل على أنها أكثر من خطبة. وما روي في هذا الباب فهو بين ضعيف أو غير صالح. وأما ما حكاه ابن حزم رحمه الله مما قد يظن أنه إجماع، فهو ليس بإجماع. وكيف يدعى الإجماع وقد نقل غير واحد الخلاف في ذلك؟ فقد نقل المرداوي رحمه الله تعالى في كتابه الإنصاف الخلاف في هذه المسألة، يعني هل خطبة العيد واحدة أو خطبتان؟ فالراجح والصحيح أنها خطبة واحدة، والجمعة كما جاء في صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله ما يدل أنها على خطبتين. ومن هذه الفروق كذلك أن صلاة الجمعة ليس فيها تكبيرات، وصلاة العيد فيها تكبيرات تستفتح بتكبيرات بعد تكبيرة الإحرام، وتكبيرات بعد تكبيرة الانتقال، كما هو مفصل ومبين في كتب الفقه. ومر معنا في دروس كثيرة سابقة. فهذه بعض الفروق بين صلاة العيد وصلاة الجمعة. وممكن نضيف من هذه الفروق أن وقت صلاة العيد في أول النهار، وصلاة الجمعة إنما يكون مع الزوال أو حول الزوال. قال: ومن الفروق الصحيحة أن صيام الفرض لا بد له من نية من الليل، ونفل الصيام يصح بنية من النهار، لكن أجره من وقت نيته. هذا فرق آخر بين صيام الفرض وصيام النافلة. فمن الفروق الصحيحة بين صيام الفرض وصيام النافلة أن صيام الفرض لا بد له من نية من الليل، وهذه النية هي النية التي يحصل بها قصد العمل لعموم الأدلة ﴿إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى﴾. فلما كان فرضا يحتاج لتعيين نية، فإنه يحتاج أن يبيت النية من الليل. ووردت أحاديث في هذا الباب أن من لم يبيت النية من الليل فلا صيام له، حسنها جماعة من أهل العلم، وبعضهم ضعفها. وعلى تقرير ضعفها، فإن معناها صحيح. لكن من وجه خاص وهو ما دلت عليه عموم الأدلة من الكتاب والسنة من افتقار الأعمال إلى النية في موضعين: الموضع الأول تمييز العبادة من العادة، وهكذا كذلك تمييز العبادات بعضها عن بعض. فصيام الفرض يحتاج إلى نية تمييز بها العبادة من العادة، إن كان له عادة بالإمساك ليس على وجه العبادة. والثاني وهو أهم تمييز العبادة بعضها عن بعض، فلابد إذا من نية تمييز صيام الفرض والإشارة إلى المعنى الخاص، حتى لا يظن أن المقصود من النية استحضار لفظ معين كل ليلة، هذا ليس مقصود ولا مطلوب شرعاً، ولا يدل عليه الدليل حتى لو صح. وإنما يحمل من لم يبيت النية يعني من أدرك الصيام في نهار رمضان وهو على غير نية صيام الفرض، وهذا يتصور في حالتين: الحالة الأولى لمن أدركه أول الشهر وهو لا يدري أنه أول الشهر، والحالة الثانية لمن يستأنف الصيام في ثنايا الشهر لعارض عرض له، وهو لم يستحضر صيام هذا الشهر، كمسافر أو مريض أو امرأة ظهرت من حيض أو نفاس أو نحو ذلك. فأمثال هؤلاء جميعاً يحتاجون إلى استحضار النية من الليل. أما من تتابع معه الصيام بصيامه الشهر، ولم يطرأ عليه ما يغير النية، فإنه لا حاجة له أن يستحضر النية كل ليلة، لا حاجة له أن يستحضر النية كل ليلة، بل هو على نيته إذ يصوم شهر رمضان. فلا حاجة له أن يستحضر النية كل ليلة. وبه نعرف خطأ بعض الناس في ثلاثة مواضع في باب النية. الموضع الأول التلفظ بالنية، سواء بصيغة جماعية أو صيغة فردية، يتلفظون بالنية بصيغة جماعية أو بصيغة فردية، هذا خطأ خلاف السنة، بل هو كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله نقص في العقل والدين. أما نقصان العقل فلأنه تحديه بما يعلم أنه يعمله وهو من العبث، ولا يفعل هذا العقلاء. قال: فما مثله إلا كمثل رجل أقبل على طعام ليأكله فيقول وهو آخذ للطعام نويت أن آكل هذا الطعام لأتقوى به إلى آخره، فهو عبث ولا يفعل هذا العقلاء. وأما نقص الدين لأنه بدعة وليس بسنة، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم. والموضع الثاني مما يقع فيه الخطأ في أمر النية هو استحضار لفظ النية في القلب ولو لم يتلفظ بها باللسان، وهي بدعة أخرى ألمح إليها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مواضع من كتبه، ومن ذلك بكتابه «مجموع الفتاوى». كما أنه لا يشرع التلفظ بالنية إخراج الصوت لا جماعي على الوجه الجماعي ولا على الوجه الفردي، فكذلك لا يستحب ولا يشرع بل من البدعة استحضار لفظ النية بالقلب، يعني عند السحور أو بعد صلاة العشاء أو عند ذهابه إلى البيت أو بعد الإفطار أو في أي وقت من أوقات العشاء يمر على قلبه لفظ النية، يعني يقول مثلا بقلبه ليس بلسانه: نويت أن أصوم يوم غد من رمضان كذا وكذا إلى آخره، هذا القول قول القلب وإمرار لفظ النية على القلب بدعة أخرى، وهي أخفى من التي قبلها. والأمر الثالث مما يخطئ فيه بعض الناس أمر النية، استحضار النية ولو بغير إمرار لفظ على القلب، اشتراط استحضار النية في كل ليلة من ليالي رمضان مطلقا ولو لم يمر لفظ على القلب، هذا كذلك خطأ وهو من التكلف، وقد نهينا عن التكلف. لكن المقصود بالنية كما سبق هو تمييز العبادة من العادة وتمييز العبادة بعضها عن بعض، فإذا حصل هذا بنية الصائم في أول الشهر فيكفيه، تكفيه هذه النية لصيام كل الشهر، ما يحتاج كل ليلة أن يستحضر نية صيام اليوم الذي بعده، لا يحتاج. فمثلا لو أن رجلا نام من بعد صلاة المغرب ولم يستحضر شيء حتى أدركه الفجر، هل عليه شيء؟ الجواب لا، ليس عليه شيء، بل قد صح الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام في إقرار ذلكم الرجل الذي نزل به قول الله عز وجل ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ في تحليل الأكل والشرب وإتيان النساء في الليل، وقد كان محرم في أول الأمر ثم رخص بعد ذلك، فهذا يدل أنهم ما كانوا يستحضرون نية في كل ليلة. كما قد يظن البعض، هذا على صحة الحديث، فإذا لم يصح الحديث فتكفين الأدلة العامة. طيب، فننتبه لمثل هذه المسائل التي قد تقفى على بعض الناس. طيب، وقوله: «ونفل الصيام يصح بنية من النهار». نفل الصيام يصح بنية من النهار، لما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه أصبح فسأل: «هل عندكم من طعام؟» وإلا فإني صائم، إشارة منه أن صيام النفل لا يحتاج لتبيت نية، ما دام أنه أصبح ولم يفعل موجب من موجبات الإفطار، فيصح أن يصوم ولو من وسط النهار. مثلاً رجل أدركه صباح يوم من الأيام وهو لم يأكل شيء ولم يأتي أهله ولم يشرب شيء حتى أتى عليه الظهر، فجاء وقت الغداء، قال: ما دامنا الآن بالظهر، إذن أصوم أحسن. فهل هذا يصح؟ الجواب يصح، يصح منه الصيام ولو عزم الصيام من الظهر، بل حتى ولو، قبل العصر، ما دام أنه لم يفعل شيء من المفطرات طوال نهاره قبل ذلك. لكن انظر إلى اللفتة اللطيفة من المؤلف رحمه الله، قال: «لكن أجره من وقت نيته». ليش؟ لأن الأعمال بالنيات، إنما الأعمال بالنيات، فوقت نيته بدأت في الظهر، إذن الأجر أجر الصيام يكتب له من الظهر. طيب، ما الفائدة إذن؟ الفائدة أنه لو لم يكن كذلك لما قبل أصل منه الصيام على هذا الوصف، لكن لما كانت النافلة تختلف عن الفريضة، قبل منه الصيام ولو عزم الصيام من وسط النهار، بشرط أنه لم يأكل شيء قبل ذلك ولم يشرب شيء ولم يفعل مفطر من المفطرات. فإذا كان كذلك، فمن باب أولى إذا كان اليوم هو من الأيام التي تحتاج لتعيين نية، مثل صيام الاثنين والخميس، وصيام كذلك الثلاث البيض، أو يوم عرفة لمن ليس له عادة في صيام هذه الأيام، لابد من هذا القيام. فمثلاً رجل عزم على الصيام من وسط النهار، وكان يوم الاثنين، قال: أصوم اليوم إن شاء الله، فيكتب له أجر الصيام من حين نوى الصيام إلى ما بعده. وهل يكتب له صيام يوم الاثنين؟ الجواب بحسب نيته، إن نوى في ذلك الوقت فيكتب له من ذلك الوقت صيام يوم الاثنين، فإن لم يكن نوى ذلك المعنى، فإنه لا يكتب له. بخلاف من كان اعتاد الصيام، بنية أي أنه هذا اليوم يوم الاثنين، أدركه وسط النهار وهو لم يأكل ولم يشرب ولم يفعل شيء من المفطرات، فقالوا له: اليوم اثنين، قال: الحمد لله، أنا ما أكلت وسأصوم اليوم، هل يكتب له؟ نعم، يكتب له، يكتب له لأنه نسي، وقد تجاوز الله عن هذه الأمة الخطأ والنسيان، لأنه اعتاد أن يصوم الاثنين والخميس. ومثله كذلك يقاس في الثلاث البيض، وهكذا كذلك في الأيام المفردات كيوم عرفة ونحوها. قال رحمه الله تعالى: «ومنها أنه لا يصح صيام النفل وعليه صيام فرض». والصحيح أنه يصح، الصحيح أنه يصح، لكنه خلاف الأفضل والأكمل. ويدل على جوازه ما ثبت في الصحيحين عن عائشة أنها ما كانت تستطيع الصيام أي تقضي رمضان إلا في شعبان، ما كانت تستطيع تقضي الصيام أي رمضان إلا في شعبان، وهذا يدل على جوازه. ولا مانع إذا أخرت الصيام إذا عرض لها صيام يوم فاضل أن تصومه، مثل يوم عرفة أو كذلك الست البيض بحق الحائض والنفساء، ويكثر هذا. فإن الحائض والنفساء التي عليها لحيضها ونفاسها أيام من رمضان، فلا تستطيع أن تصوم هذه الأيام جميعا مع صيام الست في شهر شوال، خصوصا إذا كانت امرأة متزوجة وذات أولاد، فإنها عند ذلك يشق عليها من نواح كثيرة. فإن قيل لها: لا يصح صيام النفل إلا بعد إكمال صيام الفرض، كان هذا فيه إضرار وإشقاق عليها، وهو لم يدل عليه دليل صحيح صريح من كتاب أو سنة، ولا يجوز المسلم أن يحرم على الناس شيء إلا بدليل، كما أنه كذلك يحلل بدليل. وأصل الحل بذلك هو عدم المنع، وهذا هو الأصل. وأما الحديث: «من صام رمضان فأتبعه ستة من شوال» لا مانع أن يقال هذا على الوجه الأكمل والأفضل، والمقصود هو حصول صيام رمضان وصيام ستة من شوال، فإنه صيام الدهر، إذ الحسنة بعشر أمثالها، فتلك ستة وثلاثين، بعشرة ثلاثمائة وستين أيام السنة. فإذا كان كذلك، فمن استطاع أن يصوم رمضان كاملا فهو الأفضل، ثم يتبعه ستة من شوال. ومن لم يستطع فلا يفوت على نفسه صيام الستة من شوال، يصوم الستة من شوال ثم يصوم ما تيسر من قضاء رمضان. قال رحمه الله تعالى: إذن قلنا هذا ليس من الفروق الصحيحة، بل هذا من الفروق الضعيفة. فالصحيح جوازه، إلا أن يضيق الوقت عن القضاء، فهنا قد يقال ما ذكره المؤلف صحيح، إذا كان الوقت يضيق عن القضاء، فهنا قد يقال كلام المؤلف صحيح. قال: «ومنها جواز صيام أيام التشريق للمتمتع والقارن إذا عدم الهدي، ولا يجوز فيها غيره من الصيام حتى قضاء رمضان لحديث عائشة أنه رخص فيها لمن لم يجد الهدي يعني يصوم ثلاثة أيام، ويجوز أن يصوم في أيام التشريق». فعلم أنه في غيره لا يجوز، والاستثناء معيار العموم كما مر معنا، فعلم أن ما سوى ذلك يدخل في عموم النهي، فلا يصح الصيام، فلا يصح ولا يجوز الصيام، وإن صام هل يصح؟ فيه خلاف من أهل العلم، أن قال: يصح مع الإثم. ومن أهل العلم أن قال: لا يصح، لأن النهي تعلق بذات اليوم الذي نهي عن صيامه. طيب، قوله رحمه الله: «والقارن». أما المتمتع فظاهر لقول الله جل وعلا: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾. لكن القارن قاسوه على المتمتع، لأن عليه هدي، فإذا افتقد الهدي. والأصل أن القارن يسوق الهدي، لكن انظر إلى عبارة المؤلف: «إذا عدم الهدي» ولم يقل: «إذا لم يستطع» لأن القارن يجب عليه أن يسوق الهدي، ولا يكون قارنا حتى يكون قد ساق الهدي، لكن صحيح قد يعدم الهدي، كان يموت عليه يسوق معه الهدي ثم يموت، يموت عليه الهدي ولا يستطيع أن يشتري مكانها أخرى، فهنا يقال له: افعل كما يفعل المتمتع، صم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعت إلى أهلك. طيب، قال رحمه الله: «ومن الفروق بين النوافل والفرائض أن النفل يجوز قطعه من صلاة وصيام وغيرها، والفرض لا يجوز قطعه لغير سبب». يعني يجوز قطعه لسبب، فأما النفل يجوز قطعه، لأن أصل الصلاة تطوع، فإذا كانت تطوع فيجوز أن تقطع، وهذا يدل عليه عموم الأدلة، إذ أنها ليست مما افترض، فإذا كانت في أولها وأصلها ليس بمأمور بها، فقطعها كذلك، إلا أن قطعها خلاف الأفضل والأكمل، لكن يجوز قطع نافلة الصلاة والصيام لسبب صحيح. وهذا السبب الصحيح قد يكون واجب، وقد يكون مستحب، وقد يكون مباح. مثال السبب الصحيح الواجب كقطع الصلاة لإجابة دفعة ضرر مثلا عن نفسه أو عن غيره، وقطع الصيام كذلك لدفع الضرر عن نفسه وعن غيره. ومنه كذلك على القول الصحيح إجابة الوالدين في قطع الصلاة والصيام إذا كان في ذلك حاجة للوالدين، فإذا كان كذلك في أصلها ففي أول صيامها وابتدائها من باب أولى. ودليله قصة جريج التي حكاها لنا نبينا عليه الصلاة والسلام، وهي في الصحيح على وجه الإقرار. و«شرع من قبلنا شرع لنا إذا ذكر في شرعنا على وجه الإقرار ولم يخالف شرعنا». وهو كذلك في قصة جريج. فإذا كان كذلك في أصل الصلاة أن تقطع، فكذلك من باب أولى ابتداء الصلاة، قد يبتلى بعض الناس بأن أحد الوالدين يحتاجه في أمر، فيقول له: أنا أريدك الآن تعمل معي، فإن كانت الصلاة نافلة فلا بأس أن يطيع أحد الوالدين ويتنفل لله في وقت آخر، يتنفل لله بنافلة الصلاة أو الصيام في وقت آخر، إن عارض طاعة الوالدين. ومثال المستحب كإكرام الضيف مثلا على الوجه المستحب، إذا كنت تعلم أن إكرامه لا يكون إلا بذلك. ومنه ما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام في حديث عائشة أنه أخر نافلة أو راتبة الظهر إلى بعد العصر لأجل أضياف جاءوه عليه الصلاة والسلام. فإذا صح أن تؤخر أصل الصلاة، فقطعها كذلك، أنت تعلم أنت في صلاة، تعلم أن هذا الضيف الآن يطرق الباب، وبعد الثالثة سينتظر ولن تستطيع أن ترده، هل يجوز أن تقطع الصلاة؟ الجواب نعم، ما دامت نافلة، يجوز أن تقطع الصلاة لإكرام الضيف. وهكذا لسبب مباح كرجل صائم اثنين أو خميس، ثم رغب في أهله، هذا سبب مباح، هل يجوز له أن يقطع الصيام لذلك؟ الجواب نعم، يجوز له أن يقطع الصيام لذلك. ومن باب أولى إذا كان أهله يحتاجون إليه، فهو أولى من هذا. طيب، قال: «ومن الفروق بين النوافل والفرائض أن النفل يجوز قطعه من صلاة وصيام وغيرها». مثال الغير مثلا غير الصلاة والصيام، أعمال كثيرة كذكر مثلا، أو كذلك ربما يلحق بالصلاة والصيام والذكر أشياء أخرى من أعمال صالحة كثيرة، كصدقة مثلا نافلة، يمكن أن تقطع، ما دام أن الأمر على وجه النافلة، كنت تنفق على إنسان معين فقطعته لما هو أولى منه أو مستحب أو مباح، يجوز. قال: «والفرض لا يجوز قطعه لغير سبب». وقوله: «لغير سبب» خارجا إذا كان هناك سبب، والسبب المبيح لقطع الفرض هو أحد أمرين: إما شيء جاء في الشرع أنه ينافي الصلاة، وإما شيء يكون به الضرر. فما كان بأحد هذين الأمرين فإنه يجوز قطع الصلاة. فمثال الأول: «لا صلاة بحضرة الطعام ولا وهو يدافعه الأخبثان»، يجوز أن يقطع صلاة الصلاة إذا كان الأمر كذلك، هذا فيه ضرر. وهكذا كذلك إذا كان فيه شيء مما ينافي الصلاة، هذا مما ينافي الصلاة. الآن إذا كان يدافع الأخبثان، فإذن لن يفقه الصلاة ولن يطمئن في الصلاة ولن يؤدي الصلاة على الوجه الصحيح، فأمره النبي عليه الصلاة والسلام أن يخرج من الصلاة. ومثله كذلك أو نحوا منه إذا كان هناك ضرر، كأن يرى حية أو نحوها، فقد أمر النبي عليه الصلاة والسلام أن يقتلها ولو كان في الصلاة. فإذا كان كذلك، فكل ما كان معنا أحد هذين الأمرين فإنه يجوز ينصرف. ومنه حديث الرجل العباد الفتى الذي خرج من خلف الصلاة خلف معاذ، أقره النبي عليه الصلاة والسلام، لأن معاذ أطال إطالة تضر به، أطال إطالة تضر به، فيجوز الخروج. ومثله كذلك المرأة التي عندها صبي، فيبكي الصبي وتعلم أن بقاءها في الصلاة مع الإمام في صلاة الجماعة يضر بالصبي، إذن تخرج من الصلاة، تخرج من الصلاة وتقوم بما يجب عليها مع هذا الصبي. وأما إذا كانت تستطيع أن تسكته وهي في الصلاة، فهذا أولى. وربما يستدل بفعل النبي عليه الصلاة والسلام مع أمامة، فكلما سجد وضعها وكلما قام حملها، فصار يتحرك هذه الحركة حفاظا على الصلاة بعدم بكائها، فتشغله وتشغل المصلين. طيب، وقوله: «ونعم». وقوله: «إلا الحج والعمرة فمن شرع فيهما فرضا أو نفلا وجب عليه الإتمام». يعني أن الحج والعمرة لا يجوز قطعهما لا نفلا ولا فرضا، بل يجب الإتمام لقوله سبحانه: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾. والصحيح أن هذه الآية نزلت قبل فرض الحج، فإن الحج فرض في السنة التاسعة، والآية نزلت قبل ذلك، ففيها الأمر بالإتمام ولو كان الحج أو العمرة نافلة. نقف عند هذا، انتهاء الوقت، ونترك الباقي لدرس اللاحق. والله تعالى أعلم.