كتاب الطهارة 19

كتاب الطهارة 19

الدرس في كتاب الطهارة 19، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في أحكام المسح على الخفين

المسح على الخفين رخصة من الله ورحمة، وله شروط ثلاثة: أن يكون الخف مستوعبًا للقدم، وأن يلبس على طهارة، وأن يكون المسح في المدة المعلومة.

تفاصيل أحكام المسح على الخفين

المدة المعلومة يوم وليلة للمقيم وثلاثة أيام بلياليها للمسافر، وانتهاء مدة المسح لا ينقض الوضوء، ونزع الخف لا ينقض الطهارة.

مسألة النية للوضوء وتعيينه

الوضوء يصح لأي غرض مشروع دون الحاجة إلى نية محددة، والعبادات التي لا تلتبس بالعادات لا تحتاج إلى نية، مثل الوضوء.

ختام الدرس والرضا بما تمت مناقشته

المتحدث يكتفي بما تمت مناقشته حتى الآن ويظهر الرضا بما تم الوصول إليه، ويحمد الله على ذلك.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. إذ أما ما بقي من مسألة المسح على الخفين، فهذا كذلك من سنن الوضوء، بل من تيسير الله عز وجل ورحمته بعباده أن جعل لهم هذا الذي هو رخصة ورحمة، لا يستغني عنها المسلم، يحتاجها في الحر وفي الشتاء، ويحتاجها في الحضر وفي السفر، يحتاج للمسح على الخفين إما لمرض، وإما لسفر، وإما لبرد، وإما لشدة حر، وإما لقتال وجهاد، أو غير ذلك. فكان رحمة وحكمة من الله جل وعلا أن رخص المسح على الخفين، لكن بشروط. رخص المسح على الخفين بشروط، أولا دليل ذلك من الكتاب، ﴿بَرَاءَةٌ﴾ قول الله جل وعلا، وأرجو لكم بالكسر كما مر معنا. ومن السنة أحاديث كثيرة تبلغ حتى التواتر، كما أشار إلى ذلك الشارح رحمه الله في الشرح. فمنها ما جاء في الصحيحين، وهي كثيرة، ومنها ما جاء خارج الصحيحين، وهي أكثر، وكلها تدل على جواز ومشروعية المسح على الخفين. وللمسح على الخفين شروط، من هذه الشروط أولا أن يكون هذا الخف مستوعبا للقدم التي هي محل الأصل. وليس من شرطه أن يكون ذلك على وجه التمام، لا يحصل فيه خرق، بل الصحة كما مر معنا في حديث «المستجمر» «التساخي» هي ما يربط على الأرجل، ربما ينكشف بعضها. ونقلت آثار بأن الصحابة كانوا يلبسون بعض الخفاف التي يكون فيها أخراق. لكن المقصود هو ستر أكثر القدم، وهذا هو مقتضى ومسمى الخف الذي يعرفه العرب، وفعله الصحابة، ونزل القرآن عليه، وهو مسمى في اللغة كذلك، وهو ما يستر الرجل إلى ما فوق الكعبين. وهكذا كذلك شرط الثاني من شروط الخف أو المسح عليه، أن يلبس على طهارة، لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم «دعوما فإني أدخلتهما طاهرتين» حديث المغيرة بن شعبة. وهذا هو الشرط الثاني. والشرط الثالث هو أن يكون المسح في المدة المعلومة، والمدة المعلومة يوم وليلة في الحضر، وثلاثة أيام بلياليهن في السفر. ودليله ما جاء في حديث علي رضي الله عنه، وحديث صفوان بن عسال كذلك خارج الصحيح، وأشار إليها الشارح رحمه الله إشارة في الشرح. فهذه هي المدة التي هي من شروط المسح، أن يكون المسح في هذه المدة. ويبتدأ المدة من أول مسحة، تبتدأ المدة من أول مسحة. فمثلا لبست الخف وأنت على طهارة الساعة السادسة صباحا، طيب التوقيت الغروبي أو التوقيت الزوالي، ثم أحدثت في الظهر واحتجت إلى الصلاة للوضوء، فمسحت أول مسحة الساعة الثانية عشر. فإذا كنت في الحضر، فمعنى ذلك أنك ستمسح إلى الساعة الثانية عشر من اليوم الثاني، هذا هو يوم وليلة. لكن لا يعني ذلك أن هذه الطهارة تنتقض، إنما يعني أن المسح يتوقف. فإذا جاء الساعة الثانية عشر من اليوم الثاني وأنت على طهارة، هل تعيد الوضوء؟ الجواب لا، ما تعيد الوضوء. الساعة الثانية عشر إلا عشر فتوضأت فمسحت على الخف، هذا المسح صحيح أو ليس بصحيح؟ صحيح، هذا المسح صحيح لأنك مسحت في المدة المعلومة، ثم توضأت على طهارة حتى استمرت هذه الطهارة إلى المغرب، لم ينتقض الوضوء. هل صلاة العصر صحيحة؟ صلاة العصر صحيحة، صلاة المغرب صحيحة، صليت العشاء صحيحة وهكذا، ولو استمرت حتى إلى اليوم الثاني في الظهر، ما دمت بنفس الوضوء ولم تحتج إلى مسح جديد، فالطهارة باقية. لأن الأصل بقاء ما كان على ما كان، الطهارة لا تنتقض، ليس من نواقض الطهارة انتهاء مدة المسح، ليس من نواقض الطهارة انتهاء مدة المسح. وهكذا كذلك من ذلك أن نزع الخف لا ينقض الطهارة، أنت على الطهارة، ولكن طهارة مسح، ليس الطهارة غسل. نزعت الخف، فهل تنتقض هذه الطهارة؟ الجواب لا، على القاعدة الأصل بقاء ما كان على ما كان، لا دليل على نقض هذه الطهارة. ومن قال بنقضها يحتاج إلى دليل، ولا وجود لهذا الدليل. بقي إذا أراد أن يرد هذا الخف وهو على الطهارة، هل يبني على مدة المسح الأولى أو على مدة مسح جديدة؟ مثلا مسح قلنا أول مسح اليوم الظهر، ثم ثاني يوم نزع هذا الخف وهو على طهارة، ثم لبس الخف مرة أخرى وهو على طهارة، لكن طهارة مسح. لبس الخف مرة أخرى، هل يحسب مدة جديدة من حين لبس الخف أو من حين مسح في المرة الأولى؟ الجواب من حين مسح في المرة الأولى. وما هو الدليل؟ الدليل القاعدة الأصل بقاء ما كان على ما كان، الأصل أن مدته هي المدة الأولى، لحديث علي رضي الله عنه أرضاه. فإذا أراد أن يعتد بمدة جديدة، لابد عليه من مسح جديدة تكون على غسل، على غسل الرجل «دعوما فإني أدخلتهما طاهرتين». في مدتهما مدد المسح، كم للمقيم؟ يوم وليلة، إذن هذا يريد أن يزيد عن يوم وليلة، هل يجوز له ذلك؟ الجواب لا يجوز، أنه قال بحديث النبي عليه الصلاة والسلام. طيب والشرط الرابع من شروط المسح على الخف، أن المسح يكون من الحدث الأصغر فقط، أما الحدث الأكبر كالجنابة والجماع وما كان بمعناه، فإنه لا يكون فيه المسح، بل لابد من الاغتسال، لابد من الاغتسال. وهذا لحديث صفوان بن عسال. قال أخيرا رحمه الله تعالى: لا يكون وضوءا شرعيا إلا بالنية لاستباحة الصلاة. والنية كما مر معنا محلها القلب، النية محلها القلب، ليس النية يتلفظ بها، لا بتلفظ اللسان، ولا بإمرار لفظ اللسان على القلب، ما تحتاج أن تمر جملة على قلبك قبل أن تتوضأ أو قبل أن تصلي أو قبل أن تعمل أي عبادة من العبادة. هذا كلام المؤلف رحمه الله تعالى، وقوله لاستباحة الصلاة، كأنه يشير إلى أن هناك فرق في نية لاستباحة الصلاة ونية لغير استباحة الصلاة، وهذا من تشديد بعض أهل العلم في مسائل النية. والصحيح خلاف ذلك. فهنا عندنا الآن مسألتان، المسألة الأولى مسألة النية للوضوء، والمسألة الثانية مسألة النية في تعيين الوضوء. فإذا عينت الوضوء لإراءة القرآن، هل يجوز لك أن تصلي به؟ ظاهر كلام المؤلف أنه متحفظ في هذه المسألة. والصواب خلاف هذا الذي أشار أو ألمح إليه رحمه الله، بل لو توضأت فإن هذا الوضوء يصح لإراءة القرآن وللصلاة ولأي شيء يحتاج إليه الوضوء، ولا دليل على هذا التقييد، فليس هذا مما دل عليه دليل الكتاب ولا السنة ولا فعل الصحابة رضي الله تعالى عنهم أرضاهم. وأما الاستدلال بحديث «إنما الأعمال بالنيات» فإنه مقيد بما دل عليه الدليل. أنت نويت الوضوء وبفعلك للوضوء قد صح لك كل شيء، لقول النبي عليه الصلاة والسلام بحديث «نعمان بن بشير» في الصحيحين «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ». مطلع ما قال يتوضأ وضوء بنية الصلاة أو وضوء بنية استباحة الصلاة، لا بل وضوء عام، استباحة الصلاة أو قراءة قرآن أو أي شيء. أنت توضأت صح لك الصلاة. والمسألة الأولى القول الصحيح فيها كذلك، وهذا الذي رجحه ابن القيم رحمه الله في كتاب «بدائع الفوائد» أن العبادات التي لا تلتبس بالعادات ولا يوجد عبادات أخرى تلتبس بها لا تحتاج إلى نية، ومنها الوضوء. فالوضوء لا يلتبس بالعادات ولا يلتبس بعبادة أخرى. وبهذا رجح ابن القيم رحمه الله أن المتوضئ لا يحتاج إلى نية للوضوء، بل إنه لو قيل له توضأ من دون نية، ما استطاع واحد منا أن يذهب إلى عند الحمام أو إلى بزبوز الماء ويفعل أفعال الوضوء. هل يستطيع أن يفعل أفعال الوضوء من دون نية؟ ما يستطيع. هذا يصح فيه كلام من كلام «قدام» رحمه الله. لو قيل لأحدهم صلي من دون نية، ما استطاع أن يصلي من دون نية، ولأن يحمل الجبل فينقله من محله أحب إليه من أن يصلي من دون نية. وهكذا يقال في حق المتوضئ، لو قيل لإنسان توضأ من دون نية الوضوء، يقول كيف ما أستطيع، ما أستطيع توضأ من دون نية الوضوء. ما دمت أنا أريد توضأ فأنا عندي نية الوضوء، لأن الوضوء فعل مخصوص ليس له شبيه ولا نظير، ليس له شبيه ولا نظير من العادات حتى يلتبس بالعادة فيحتاج إلى نية أبدا. ولهذا كان القول الصحيح الذي رجحه ابن القيم رحمه الله أن الوضوء إذا فعل لا يحتاج إلى نية، لأن الوضوء لا يلتبس بغيره، بل هو لا يقع أصلا إلا بنية الوضوء، لا يقع أصلا إلا بنية لأنه ليس من عوائد أحد أن يفعل فعل الوضوء على وجه العادة أبدا، بل ما علم ذلك بدليل الكتاب والسنة إلا على الوضوء الشرعي. فإذا انتهينا في المسألتين، المسألة الأولى والثانية، أنه لا حاجة لاستحضار النية في هذين الموضعين، لا لأجل الوضوء، لأن الوضوء الصحيح أنها لا تقع إلا بنية، ولا كذلك في تعيين استباحة الصلاة، لأن ما صح به الوضوء صح للصلاة ولقراءة القرآن ولغيره. هل في شيء بهذا؟ طيب نكتفي بهذا وإلى هنا والحمد لله رب العالمين.