كتاب الحج 12

كتاب الحج 12

الدرس في كتاب الحج 12، فصل في وجوب السعي بين الصفا والمروة. ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

السعي بين الصفا والمروة وآدابه

شرح السعي بين الصفا والمروة سبعة أشواط مع بيان آدابه مثل الاشتداد بين العلمين والدعاء بالمأثور. السعي يتم بين الصفا والمروة مع مراعاة الآداب المذكورة.

تفاصيل السعي وتحلل المتمتع

بيان كيفية أداء السعي بين الصفا والمروة مع التعامل الأمثل مع الزحام، وتحلل المتمتع من إحرامه بعد إتمام العمرة. المتمتع يحلق أو يقصر بعد إتمام مناسك العمرة.

أحكام الإحرام بالحج للمتمتع والقارن والمفرد

شرح أحكام الإحرام بالحج للمتمتع والقارن والمفرد مع توضيح وقت الإحرام لكل منهم. المتمتع يحرم بالحج يوم الثامن بينما المفرد يحرم من حيث ينطلق.

الإهلال بالحج لمن لم يأت بعمرة التمتع

بيان مهل الإهلال بالحج لمن لم يأت بعمرة التمتع، حيث يبدأ مهله من حيث أنشأ. هذا الحكم مستند إلى قول النبي عليه الصلاة والسلام.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى في ذكره الفصل في السعي وآدابه: «قال ويسعى بين الصفا والمروة سبعة أشواط داعيًا بالمأثور، وإذا كان متمتعًا صار بعد السعي حلالًا، حتى إذا كان يوم التروية أهل بالحج». قوله رحمه الله تعالى: «ويسعى بين الصفا والمروة سبعة أشواط»، لأن هذا الذي ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه يسعى بين الصفا والمروة سبعة أشواط. والسنة تفسر القرآن، فالله عز وجل يقول: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾، أمر بالطواف بهما، وفسر النبي عليه الصلاة والسلام هذا الطواف بين الصفا والمروة بفعله. فقد ثبت في الصحيح، كما أشار رحمه الله في شرحه، من حديث جابر بن عبد الله في صحيح مسلم، أنه أتى إلى الصفا فتلى هذه الآية، فقال: «أبدأ بما بدأ الله به». والظاهر أنه فعل ذلك عليه الصلاة والسلام على وجه التعليم، أن يعلم أصحابه ما يبدأ به. وهكذا إذا كان هناك من ينتفع بذلك، فإنه يسن ويستحب أن يدل الآية، وأن يقول: «أبدأ بما بدأ الله به»، تعليمًا لغيره. ولاحظ أن السعي بين الصفا والمروة يبدأ بالصفا وينتهي بالمروة شوط، ثم من المروة إلى الصفا شوط آخر. فإن الشوط ذهاب، والشوط الثاني إياب، فتنتهي سبعة أشواط، ويكون منتهى في المروة. هذا هو ما فعله النبي عليه الصلاة والسلام. ثم قوله رحمه الله تعالى: «ويسعى بين الصفا والمروة سبعة أشواط»، فسر النبي عليه الصلاة والسلام كذلك هذه الأشواط أنه يسعى بينهما، ويشتد سعيه بين العلمين، كما ثبتت بذلك الأحاديث الكثيرة عنه عليه الصلاة والسلام. حتى إنه حسر عن إزاره عليه الصلاة والسلام، والعلمان الموجودان اليوم هما علامة على بطن الوادي الذي شد النبي عليه الصلاة والسلام في سعيه فيه. فلما ذهبت آثار الوادي بالبنيان، جعلت عوضًا عنه هذه الأعلام، وهي الأميال الخضراء التي في المسعى. فإذا وصل إليها الساعي من جهة الصفا، فإنه يشتد في سعيه إلى أن يصل إلى العلامات الخضراء جهة الأميال الخضراء، فإنه يخف في سعيه، ويعود إلى سيره وسعيه المعتاد. وهكذا إذا رجع من المروة إلى الصفا، ووصل إلى هذه الأعلام والأميال الخضراء، فإنه يشتد سعيه كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام، إلى العلامات الأخرى وهي الأميال الخضراء. فعند ذلك يعود إلى سيره الذي كان يسير عليه. ويقال هنا بمثل ما قيل كذلك في الطواف بأنه يستحب، فإن كان عارض هذا المستحب شيء من المفسدة، فإن درء المفاسد أولى من جلب المصالح. فلو أن رجلًا في رفقته امرأة أو ضعيف، بسعيه يتضرر هذا المرافق من امرأة أو من ضعيف، فإنه عند ذلك يترك هذا السعي للحفاظ على هذا المرافق. وإن كان يستطيع أن يجمع بين الأمرين، بين الحفاظ على المرافق والسعي، بأن يسعى وينتظر، فليكن ذلك. وإن خشي المفسدة فلا. ويقال هنا بمثل ما قيل كذلك في الطواف، بأن السعي خاص، وهو من خصائص الرجال، فليس هو من خصائص النساء، فليس على النساء سعي. فإن ذلك هو الذي أثر عن النبي عليه الصلاة والسلام وصحابته رضي الله تعالى عنهم. وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهكذا كذلك يشرع، كما قال رحمه الله تعالى، الدعاء بالمأثور. قال: «داعيًا بالمأثور». والدعاء المأثور عن النبي عليه الصلاة والسلام، ما أشار إليه بالشرح، أنه يوحد الله ويكبره، فيقول: أول ما يأتي إلى الصفا يتلو الآية، ثم يقول: «أبدأ بما بدأ الله به»، إن كان هناك حاجة لذلك. ثم بعد ذلك يكبر ثلاثًا: «الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، له الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده». ثم يرفع يديه، يقول هذا الذكر من دون أن يرفع يديه. ثم بعد أن ينتهي من قول هذا الذكر، يرفع يديه ويتوجه أثناء الذكر وأثناء رفع اليدين إلى جهة القبلة، يتوجه إلى جهة القبلة. إن كان يرى عين الكعبة، توجه إلى عين الكعبة. إن كان لا يرى عين الكعبة، فيتوجه إلى جهة الكعبة، يرفع يديه فيدعو دعاءً طويلًا. يدعو دعاءً طويلًا، حتى روي عن عبد الله بن عمر أن بعض من كان معه ربما مل من طول دعائه. ولكنه كان رضي الله عنه يرفق بمن معه، فإن كان معه رفقه، فإنه خفف في الدعاء. وإن لم يكن معه أحد، فإنه كان يطيل في الدعاء، وينقل ذلك عن النبي عليه الصلاة والسلام. فأنت كذلك إذا كنت وحدك، فقل هذا الذكر، ثم ادعُ دعاءً طويلًا تتقرب به إلى الله عز وجل، وتسأل الله ما تحتاجه من خير الآخرة وخير الدنيا، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة الذين معه. ثم بعد أن يقول ذلك الذكر ويرفع يديه بالدعاء، يخفض يديه ويقول هذا الذكر مرة ثانية، ثم يرفع يديه بالدعاء. ثم بعد أن يدعو، وقد ذكر ذاك الذكر المرة الثانية، يخفض يديه، ثم يقول هذا الذكر مرة ثالثة. ثم بعد انتهائه من قوله في ذلك الذكر، يرفع يديه مرة ثالثة في المرة الثالثة، ويدعو دعاءً طويلًا كذلك. ثلاث مرات يقول الذكر، ثم يدعو، يقول الذكر، ثم يدعو، يقول الذكر، ثم يدعو. إذا قال الذكر لا يرفع يديه، وإذا سكت عن الذكر رفع يديه. كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام فيما نقله عنه الصحابة رضي الله تعالى عنهم أرضاهم. وينبغي للمسلم أن يحرص على حفظ هذا الذكر، فإن لم يتيسر له حفظه، فلا بأس أن يكتبه في ورقة ويقرأه. فخير الهدي هدي محمد عليه الصلاة والسلام. وأنت قد جئت من مكان بعيد، وبدلت المال الكثير، فلا تعجز على أن تؤدي هذه العمرة أو هذا الحج بعمرته على الوجه الأكمل الذي أداه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد قال: «خذوا عني مناسككم». فتحرص على حفظ هذا الدعاء: «الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، له الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده». ثم ترفع يديك فتدعو دعاءً طويلًا. ثلاث مرات تقول الذكر وتدعو بهذا الدعاء. ثم بعد ذلك هذا في مبتدأ إتيانك إلى الصفا. وينبغي أن تعلم أن للصفا علامات، وعلامة الصفا في عصرنا الحاضر هو ذاك الحجر من البلاط المقطع الذي هو علامة للصفا، موضع الصفا أي جبل الصفا الذي كان يصعد إليه النبي عليه الصلاة والسلام. فإذا وصلت إلى ذاك الموضع، وهو الحجر المقطع الذي يكون بعد ممر العربات، فإنك قد وصلت إلى المكان الذي يجزئ ويسن، ويسقط الواجب بالوصول إليه. فعند ذلك تقول هذا الذكر، وتتوجه إلى القبلة، وتفعل ما سمعت. إذا انتهيت من ذلك تسعى إلى جهة المروة، وبين العلمين تشتد بالسعي. فإذا وصلت إلى المروة تقول مثل ما قلت في الصفا، ذلكم الذكر والدعاء ثلاث مرات. وأنت متوجه إلى قبلة. مع الزحام قد يشق على بعض الناس الوقوف والذكر والدعاء. ابحث لك عن مكان في أطراف الجدران، ولو أنك تخرج قليلًا حتى تأتي بهذه السنة وتنال هذا الفضل وهذا الأجر. وهنا يأتي سؤال ويرد عند كثير من الإخوة الحريصين على الخير والحذرين من الوقوع في السوء، أنه يحصل أحيانًا مع شدة الزحام أن الإنسان لا يفقه، والدعاء، وربما يخاف على نفسه من شدة الزحام من الفتنة. فأيهم أفضل؟ هل يسعى في الدور الأول وهو على هذا الوصف؟ أو يسعى في الدور الثاني أو الثالث مع حصول شيء من التدبر للسعي من جهة العمل، ومن جهة كذلك الذكر؟ الجواب: لا شك أن الثاني هو الأفضل والأكمل، ولو كان السعي في الدور الثاني، ولو كان السعي في الدور الثالث. وإن شاء الله يجزئ السعي في الدور الأول، والدور الثاني، والدور الثالث. وما كان من شدة إلا وكان معه التيسير، خصوصًا في الحج، فقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «افعل، ولا حرج». ما سئل عن شيء قدم أو أخر، إلا قال: «افعل، ولا حرج». فمن أصول الحج رفع الحرج في حدود الشرع. فما دام أن الوصف كما ذكر: شدة زحام، وخوف فتنة على الدين، وهكذا كذلك ضياع أداء النسخ على الوجه المستحب المسنون، فلا شك أن الصعود إلى الأعلى إذا كان يتفادى فيه هذه المحاذير هو الأكمل والأفضل. فكيف إذا انضاف إلى ذلك أن الرجل معه امرأة، أو معه رجل ضعيف؟ ولا شك أن بقاؤه في موضع الزحام فتنة للمرأة، وضرر على الضعيف. فإذا كان كذلك، فإذا من باب أولى ينبغي عليه أن يرفق بنفسه وبمن معه من المرافقين، فيصعد إلى الأعلى، أو إلى المكان الذي ليس فيه ذاك الزحام. فإذا انتهى من هذه الأشواط السبعة، يبتدئ بالصفا وينتهي بالمروة، يكون شوطه السابع في المروة. فإذا لم ينته بالمروة، فليعلم أنه مخطئ، لأن مقتضى سبعة أشواط يبتدئ بالصفا، يستلزم أن ينتهي بالمروة، وهو الشوط السابع. فإذا انتهى من الشوط السابع، فإن كان مفردًا بالحج، فإنه يبقى على إحرامه، لا يفعل شيء. وإن كان غير المفرد للحج، كأن يكون قارنًا، فكذلك القارن لا يتحلل، بل يبقى على ما هو عليه. وأما إن كان متمتعًا، وهو من أتى بعمرة في أشهر الحج، ولم يسق الهدي، ويريد التحلل، فإنه يتحلل بقص شيء من شعره، أو حلقه. فإن كان وقت الحج بعيد، فيستحب في حقه الحلق، فقد دعا النبي عليه الصلاة والسلام للمحلقين ثلاثًا. فإن كان وقت الحج قريب، فإنه يقصر من شعره، كما فعل أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام بمحضره في حجة الوداع، فإنه لما كان الحج قريب، لم يحلقوا، بل قصروا شعورهم رضي الله عنهم أرضاهم. وذلك لأجل أن يبقى شيء من الشعر في الحج. فإذا فعل ذلك، فإنه يكون قد انتهى من عمرته، وتحلل منها، فيحله كل شيء كان حرم عليه. وأما الحلق، فظاهر يحلق كل الرأس. وليحذر مما يفعله بعض الجهال، وبعض أهل السوء، وعدم المعرفة للسنة، الذين يحلقون بعض الرأس، ويتركون البعض الآخر. زعمًا منهم أنهم يريدون الخير بكثرة العمرات بين هذه العمرة وبين الحج. ربما بعضهم يأتي بعشر عمرات، ويبدأ يقسم رأسه كقطع الأراضي، كل قطعة لعمرة، كل قطعة لعمرة، كل قطعة لعمرة. وهذا خلاف هدي النبي عليه الصلاة والسلام، فقد نهى عن القزع. ولم يكن من هديه، ولا من هدي أصحابه، الإتيان بأكثر من عمرة في سفرة واحدة، بل إذا كانت السفرة واحدة، فإنهم كانوا يأتون بعمرة واحدة فقط، إلا من عذر كعذر عائشة رضي الله تعالى عنها، كما سيأتي ومضى الإشارة إليه. وإن كان التقصير، فليحرص على استيعاب كل الرأس، ليس يأخذ من جهة، ولا يأخذ من جهة، بل يحرص على استيعاب أكثر الرأس، بأن يظهر للناظر أن هذا الإنسان قصر شعره، يستوعب أكثر الرأس. فإن لم يفعل، فإن تقصيره مشكوك فيه. وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن ما يفعله الكثير من العامة من أخذ نتف من الشعر يمنة ويسرة، ومن الأمام والخلف، أنه لا يجزئ، ولا يتم لهم به تحلل. وممن يفتي بهذا شيخنا الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله، وهكذا الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى. فإن هذا الذي يفعله الكثير من العامة، خصوصًا عند أولئك المرتزقة أصحاب المقصات في جهة باب السلام، أو عند المروة، يأتون بريال أو بريالين، وتأتي المرأة المسكينة، ويأتي لها ذات الطفل، فيأخذ شعيرات، ويقول لها: «الحمد لله تمت العمرة». وهي ما تمت، لأن التحلل لم يتم على الوجه الصحيح. فينبغي أن يحصل تحلل صحيح. وقدر هذا التحلل ما جاء في تحلل المرأة، أنها تأخذ قدر أنملة أو أنملتين. هذه الأنملة الأصبع الواحدة مقسمة إلى ثلاثة أنامل، فالأنملة ثلث الأصبع، والأنملتين ثلثي الأصبع، فلا يجزئ المرأة أن تأخذ أقل من ذلك، بل أنملة أو أنملتين. وهكذا الرجل ينبغي عليه أن يأخذ من شعره، إن كان عنده شعر، قدر أنملة أو قدر أنملتين. فإن لم يكن له شعر، هل يأخذ من شعره من رأسه شيء؟ الجواب: إن كان هناك شيء من الشعر، ولو يسير، فليمر الموس على ذاك اليسير. فإن لم يكن شيء، فقد اختلف أهل العلم. فمن أهل العلم من قال: يمر الموس، ولو على وجه التعبد، ولو لم تكن هناك ولا شعرة واحدة. وذهب جماعة من أهل العلم أنه ليس عليه شيء، وقد سقط عنه الحكم، وحصل له التحلل بما كان من نية، فهو كفاقد الأعضاء. وهذا قول جماعة من المحققين، منهم ابن القيم رحمه الله تعالى، وذكره في مواضع من كتبه. ثم قال رحمه الله: «وإذا كان متمتع صار بعد السعي حلالًا». هذا ما سبقت الإشارة إليه. وقول: «حتى إذا كان يوم التروية أهل بالحج»، يعني أنه يوم التروية يهل بالحج، فلا يهل بالحج قبل يوم التروية. يوم التروية هو يوم الثامن، يوم التروية هو يوم الثامن. ويهل بالحج من حيث هو، إن كان في مكة، فيهل بالحج من مكة. وإن كان في جدة، فيهل بالحج من جدة، ما دام أنه قد أتم عمرته، ويريد أن يدخل إلى الحج، فيهل من حيث هو. فإن كان دون الحرم، دون المواقيت، فمن حيث هو. وإن كان خارج المواقيت، فمن أقرب المواقيت إليه. إن كان دون المواقيت، فمن أي موضع هو. إن كان في جدة، فمن جدة. أو من الجموم، فمن الجموم. أو من بحرة، فمن بحرة. أو من عسفان، فمن عسفان. أو كذلك من عرفات، فمن عرفات. أو من الشرائع، فمن الشرائع، من أي جهة من الجهات، ما دام دون الميقات، فإنه يحرم من حيث هو. بل على وجه الخصوصية، لو كان في فندقه، فمن الفندق. ليس شرط من الحرم كما يظن بعض الناس، بل من حيث يسكن، من حيث هو، يهل بالحج. ويذهب إلى موضع حجاج يوم الثامن. فإن كان خارج هذه المواقيت المكانية التي سبقت الإشارة إليها، فإنه يهل من أحد هذه المواقيت. فإن كان مثلًا في المدينة، فسيهل بحجه من ذي الحليفة. وإن كان خرج إلى أناس وقرابة له في الليث مثلًا، في قرية الليث وبلدة الليث، فإنه سيهل من ميقات أهل اليمن، وهو يلملم. أو كان كذلك ذهب إلى الطائف لزيارة، أو إلى البلوس عند بعض أهله بعد العمرة، فإنه يهل من ميقات أهل نجد والطائف، وهو قرن المنازل، والمسمى اليوم بالسيل الكبير. وهنا تأتي مسألة: هل من خرج من ميقات من مكان عمرته إلى خارج هذه المواقيت، تبطل عمرته أم لا تبطل عمرته؟ الصحيح أن عمرته لا تبطل، بل يبقى على عمرته الأولى، ويمضي فيما هو عليه، وما يريد من الحي. وتأتي مسألة أخرى كذلك من المسائل التي يسأل عنها، وهو ما يفعله بعض الناس ممن ينتسبون إلى الإمام الشافعي رحمه الله. والإمام الشافعي منهم بريء، فما أكثر الأشياء التي ينسبونها إليه كذبًا وزورًا، وليس هذا من مذهبه، ولا من قوله. بل لو ثبت أنه قال القول، وخالف السنة، فقد قال صريحًا رحمه الله تعالى، وهو الملقب بإمام السنة، فقد قال صريحًا: «إذا خالف قولي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، فارموا بقولي عرض الحائط». نرى أن بعض من ينتسب إلى الإمام الشافعي يزعمون أنهم من الشافعية، وهم من المتصوفة، يفرمون بالحج يوم الثامن من جدة، يوم السابع. نعم، يوم السابع من جدة يفرمون بالحج يوم السابع من جدة، ثم لهم في ذلك عجائب من الأذكار والأفعال والأقوال والأحوال التي ليس لها دليل، لا من كتاب، ولا من سنة، ولا من فعل أحد من سلف الأمة. وهكذا كذلك قد يبتلى بعض الناس ببعض الحملات، أنهم يأخذونهم إلى مخيماتهم قبل يوم الثامن، ليلة السابع، فرارًا من الزحام، وهم في الحقيقة يقعون في فوهة الزحام. صار من سنة أكثر المخيمات، وللأسف الخروج إلى المخيمات في ليلة السابع. وتجد القليل الذين يحرصون على السنة، الذين يخرجون يوم الثامن، حتى إذا أتيت يوم الثامن، ترى أن الناس يكاد أن يكونوا قد سبقوك جميعًا في ماذا؟ في منى، لأنهم قد أتوا من الليل، فصار الرفق بمن يحرص على السنة، والمشقة على من يقال في السنة. وكم قد أخبرنا الإخوان الذين فروا مع تلك المخيمات، أنهم باتوا طول الليل، وهم في ماذا؟ في الحافلات. ماذا قلنا لهم؟ طول الليل وهم في الحافلات، حتى وصلوا المخيمات قرب الفجر، ربما بعضهم من بعد العصر، وبعدهم من بعد المغرب، وبعدهم من بعد العشاء. ماذا قلنا لهم؟ طول الليل في الحافلات؟ وما وصلوا المخيمات إلا قرب الفجر. وتخرج أنت بعد الفجر، أو بعد الإشراق، وتصل إليهم في الضحى، وقد نمت وارتحت، وتصل إليهم وقد طبقت السنة، وأعانك الله عز وجل على ذلك بموافقتك للسنة. فلنحرص جميعًا على السنة. فإن ابتلي إنسان غريب لا يعرف الطريق، ولا يحسن التدبير، بأن قيل له: «امشي معنا، ستمشي الحملة كلها في الليل». فماذا يصنع؟ وهو لا يحسن، ويخاف، وعنده رفقة، خصوصًا إذا كان معه نساء نحو ذلك. إذا مشى معهم، فلا يحرم، بل يمشي معهم وهو غير محرم. فإذا وصل إلى المخيمات، وبات فيها، وأدركه صباح يوم الثامن، وهو في منى، فإنه سيحرم من أين؟ سيحرم من منى، لأن الإحرام يشرع ويسن في يوم الثامن. ويبقى إشكال فيمن يأتي من خارج مكة، فإنهم أتوا إلى مكة، وهم يريدون العمرة، فهل يحرمون من خارج مكة؟ أو يحرمون من يوم الثامن؟ الجواب: أنهم إن كانوا قد أتوا بعمرة التمتع، فإنهم يحرمون يوم الثامن من حيث هم. وإن كانوا لم يأتوا بعمرة التمتع، وكانوا من المفردين، فإنهم من حيث ينطلقون يهلون بإحرامهم. وفرق بين المسألتين، لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «ومن كان دون ذلك فمهله من حيث أنشأ، حتى أهل مكة من مكة». ومعنى أن من تحرك من مكانه، وخرج من بيته، يريد الحج أو العمرة، فعليه أن يخرج محرمًا. ما دام توجه إلى مكة، يريد الحج والعمرة. وهذا الرجل الذي خرج يوم السابع، هو يريد ماذا؟ يريد الحج، هو يريد الحج، فهو مفرد بالحج، إذا عليه أن يأتي بالحج، ويخرج من بيته وهو محرم، بخلاف الذي أتى بعمرة التمتع، فإنه ما دام قد أتى بعمرة التمتع، فلا يلزمه أن يأتي بالحج إلا متى؟ إلا يوم الثامن. لا يلزمه أن يأتي بالحج إلا يوم الثامن، ولو تنقل حيث ما تنقل، ذهب شرقًا، ذهب غربًا، بات هنا وبات هناك. يوم الثامن يهل بالحج. وأما الذي لم يأت بعمرة التمتع، أو لم يأت بشيء، وهو يريد الحج، فمهله من حيث أنشأ، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام. طيب، بهذا نكتفي، ونكمل إن شاء الله ما تبقى في درس اللاحق، والله تعالى أعلم.