كتاب النكاح 19

كتاب النكاح 19

الدرس في كتاب النكاح 19، فصل أحكام المهر والعشرة ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أحكام السفر والعدل بين الزوجات

يتناول هذا الفصل أحكام السفر والعدل بين الزوجات، حيث يجب على الرجل العدل بين زوجاته حتى في السفر، ويجوز للمرأة أن تهب يومها لزوجة أخرى بإذن الزوج. يُشرح ذلك من خلال شرح حديث عائشة في الصحيحين وأحكام العدل بين الزوجات في مختلف الحالات.

زواج المسيار والعزل وإتيان المرأة في دبرها

يناقش هذا الفصل مسائل فقهية متعلقة بالزواج والعشرة بين الزوجين، مثل زواج المسيار وتنازل المرأة عن بعض حقوقها، ومسألة العزل وإتيان المرأة في دبرها، مع استعراض آراء أهل العلم والشيوخ في هذه المسائل.

تفصيل حكم العزل وموقف الإسلام من كثرة النسل

يتناول هذا الفصل تفصيل حكم العزل ومسألة إتيان المرأة في دبرها، حيث يُبين أن العزل مباح وجائز إذا كان برضا الزوجين ولحاجة أو مصلحة. كما يحذر من اتباع الدعوات المعاصرة لمحاربة كثرة النسل، ويشير إلى أن كثرة الناس تزيد أسباب الرزق.

الإشارة إلى المراجع السابقة والختام

يشير هذا الفصل إلى أن معنى ما تمت مناقشته قد تم شرحه سابقًا في تفسير ابن كثير، ويشجع على الرجوع إليه، ويختتم بالتأكيد على أن الله تعالى أعلم.

  • 22 جمادى الآخرة 1429هـ - 26/06/2008مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. مر معنا في الدرس الماضي ما أشار إليه المؤلف رحمه الله تعالى من أحكام فيما يتعلق بالعشرة، وكان مما أخذناه وعليها الطاعة، ومن كان له زوجان فصاعدا عدل بينهن. قال رحمه الله تعالى: «وَإِذَا سَافَرَ أَقْرَعَ بَيْنَهُنَّ، وَلِلْمَرْأَةِ أَنْتَهَبَ نَوْبَتَهَا» أو تصالح الزوج على إسقاطها. وهذه ثلاثة مسائل كذلك من المسائل التي تتعلق بهذا الباب، وهي تتمة لما سبق وتلحق بما مضى. قوله: «وَإِذَا سَافَرَ أَقْرَعَ بَيْنَهُنَّ»، كما أشار في شرحه رحمه الله تعالى، دليله حديث عائشة في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يخرج -أي أن يخرج في سفر- أقرع بين أزواجه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها. وهكذا يقال مثله فيما هو بمعنى ذلك، يعني إذا احتاج لسبب من الأسباب أن يبتعد عن بيته وينتقل إلى مكان آخر وكان يشق عليه الرجوع إلى بيته، فإنه يقرع بين نسائه. مثل بعض أهل البادية قد لا يسافر، لكن قد يحتاج إلى الابتعاد إما تتبع المرعى أو كذلك تتبع الماء أو نحو ذلك، فإن كانت له أكثر من امرأة قرع بين نسائه، فأخذ من تقع عليها القرعة. والعبرة بوجود هذه العلة وهذا الحكم، لا بخصيصة هذا السبب. وهكذا كذلك به نعرف أن العدل ليس فقط في الحضر، بل كذلك في السفر، حتى السفر فيه عدل، يعني لا يظن أنه إذا سافر سقط عنه العدل، لا، بل يجب عليه العدل في حضره وفي سفره. ولهذا نص العلماء أنه يجب العدل بين الزوجات فيما يجب فيه العدل من القسمة أو القسم، النفقة وما كان بمعناه مما يجب العدل أو يمكن، حتى ولو كانت الزوجة مريضة أو حائض أو نفساء. بل قالوا: حتى ولو كانت مجنونة، لو تزوج امرأة مجنونة طرأ عليها الجنون أو كان ابتداء، وعنده امرأة عاقلة، فلا يجوز أن يهمل المجنونة، بل لها قسمها، لها قسمها ونفقتها. وهكذا كذلك لو كانت المرأة حائض، لا يقول: المرأة حائض، إذن أذهب عند الأخرى وأبيت عند الأخرى، لا، لا يجوز، تعطيها حقها وقسمها في المبيت وفي النفقة. هكذا لو كانت نفساء يجب العدل، لا يقول: زوجتي نفساء، ماذا أصنع؟ إذن أتركها فترة النفاس وأذهب عند الأخرى، لا، إذا فعلت ذلك فاعدل واعطها مثل ما غبت عنها. وهكذا كذلك المريضة نفس الشيء يقال مثل ذلك. وكما يجب عليه العدل، كذلك يجب على المرأة في مقابله العدل، فمثلاً يجب في حقها العدل، لو سافر الرجل وجب عليها أن يقرع. طيب إذا سافرت المرأة هي التي الآن تخلصت من حقها وأسقطته، فإذن ليس لها قسم ما دامت سافرت، لا تقول: يا أبا فلان أنا سأذهب أزور أهلي، سأغيب شهر كامل، أحسب لي هذا الشهر بعد أن أرجع، لا، ليس لها شيء إذا ذهبت وسافرت وخرجت، سواء بإذنه أو بغير إذنه، فإنه ليس لها شيء. وإذا كان بغير إذنه فهو أشد، مثلاً اختلفت معه فخاصمته وهي مبطلة فغابت، فليس لها إذا رجعت أن تطالب بعوض الأيام التي غابت فيها. بل إن الأدلة التي سبقت تدل على أنه لا نفقة تجب عليه، فضلاً عن القسم المبيت، ما دامت ناشز وخارجة عن طاعته. قال رحمه الله تعالى: «وَلِلْمَرْأَةِ أَنْتَهَبَ نَوْبَتَهَا»، يعني يجوز للمرأة أن تهب يومها ووقتها لأخرى. قال: «نَوْبَتَهَا»، ولم يذكر يعني لضرتها أو للأخرى أو أحد نسائه، كما فعلت سودة رضي الله عنها. وأشار إلى الحديث حديث عائشة في الصحيحين أن سودة بنت زمعة وهبت يومها لعائشة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقسم لعائشة يومها ويوم سودة. ولكن يشترط في هذا الموضع إذن الزوج، لابد من إذنه بلسان الحال أو بلسان المقال، فمثلاً الزوج يرغب أن يأتي عندها، فكيف هي تقول: وهبت يومي لفلانة، لا يجوز ذلك إلا بإذنه. وهكذا كذلك يجوز إذا كان في مصالحة كما يشير إليه قوله جل وعلا: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾، وقبله: ﴿وَإِنْ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾، ومعناه أن تصالح الزوج وخشية النشوز والإعراض. فلو كانت المصالحة بالتنازل عن شيء من حقها، ومن ذلك المبيت جاز ذلك. وفي هذا دليل أن الجماع من حق المرأة، يجوز أن تهبه وتتنازل عنه، لأنه في معنى أو معنى متضمن لمعنى المبيت. وقد جاء في سبب نزول قول الله جل وعلا: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾، في حديث عائشة في الصحيحين قالت: هي المرأة تكون عند الرجل لا يستكثر منها، فيريد طلاقها وتزوج غيرها، فتقول له: أمسكني ولا تطلقني، ثم تزوج غيري وأنت في حل من النفقة علي والقسم لي، يعني تتنازل عن حقها، يجوز ذلك. وهل هذا فيه دليل على جواز المسيار -زواج المسيار-؟ هل فيه دليل على جواز زواج المسيار؟ الجواب أنه يفصل، إن أريد بزواج المسيار الزواج الذي تضيع فيه الحقوق الشرعية والقوام الشرعية للرجل، بأن تكون المرأة قيمة نفسها وليس عليها رقيب ولا ولي لا زوج ولا أب، فيحصل بذلك الفساد، فهذا لا يجوز باتفاق أهل العلم. وأما إن أريد به الزواج الذي يكون فيه تنازل المرأة عن بعض حقوقها لكبر سنها وحاجتها إلى الزوج ونحو ذلك، فهذا وقع فيه خلاف بين أهل العلم، كما قد تقدم معنا في دروس سابقة. فكان شيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله يمنع من خشية المفاسد المترتبة عليه، وكان شيخنا عبد العزيز بن باز رحمه الله يجيزه لحاجة أمثال هؤلاء النسوة إليه، ودرءا لمفسدة أكبر منها، وهو انتشار العنوسة وما يضر ذلك في المجتمع، فيجيزه بقيوده الشرعية وشروطه. ومنعه شيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله خشية ما يفضي إلى ذلك من انفلات الأمر وضياع تلك القيود التي ولو وضعت فإن مثل هذا الشرط مظنة ضياعه. فالحاصل هي مسألة اجتهادية، وعند الضرورة لا شك أن فتوى من أجاز أو لا على قاعدة ارتكاب أخف المفسدتين لدفع أشدهما ضررا. قال رحمه الله: «وَيُقِيمُ عِنْدَ الْجَدِيدَةِ الْبِكْرِ سَبْعًا، وَالثَّيِّبِ ثَلَاثًا». وهكذا كذلك من مسائل هذا الباب أنه يقيم عند الجديدة إذا كانت بكرا سبعا، وإذا كانت ثيبا ثلاثا. ودليل ما جاء في حديث أم سلمة فيما رواه الإمام مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما تزوجها قام عندها ثلاثة أيام. وفي الصحيحين من حديث أنس قال: «من السنة إذا تزوج البكر على الثيب قام عندها سبعا ثم قسم، وإذا تزوج الثيب قام عندها ثلاثا ثم قسم». وهذا الحديث يؤيد حديث أم سلمة، وإن كان هو في صحيح مسلم، وانتقده من انتقده، لكن الصحيح أنه لا يضره والانتقاد، فهو مؤيد بحديث أخرى، منها حديث أنس الذي سمعنا. فإذا تزوج الرجل امرأة جديدة فإنه إن تزوج بكرا أقام عندها سبعا، وإن تزوج ثيبا أقام عندها ثلاثا. قال العلماء: والحكم من ذلك أن البكر ليس تأنس بزوجها بسهولة وسرعة بخلاف الثيب، فلذلك فإن البكر تحتاج إلى وقت، فجعل الشرع بحكمة الرب سبحانه وتعالى مثل هذا الحكم. ثم قال رحمه الله تعالى: «وَلَا يَجُوزُ الْعَزْلُ وَلَا إِتْيَانُ الْمَرْأَةِ فِي دُبُرِهَا». وهذه كذلك من مسائل العشرة. قال: لا يجوز العزل، والعزل المراد به ها هنا هو أن لا ينزل في فرج المرأة، بل يكون إنزاله في الخارج، وقد يكون باستخدام شيء من الواقيات المستخدمة في الزمن الحاضر. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم معنى أنه نهي عن ذلك، وصح عنه عليه الصلاة والسلام معنى جواز ذلك، وصح عن بعض الصحابة كذلك الاستدلال بفعله، بفعله وإقرار الشرع لفعله. وأشار رحمه الله إلى عدد من الأحاديث في هذا الباب. ولأجل ذلك اختلف أهل العلم في هذه المسألة، فمنهم من منعه مطلقا، ومنهم من أجازه مطلقا، ومنهم من فصل فيه، ثم اختلفوا في التفصيل. ومن تدبر الأدلة علم أن ما كان منه معارضا للقدر أو خائفا من قلة الرزق، وما كان بمعناه من المعاني المنافية للشرع، فهذا هو المنهي عنه. وما كان منه ليس لذلك فهو مباح وجائز، ويدل عليه الأحاديث الأخرى التي تدل على الجواز، خصوصا إذا وقع فيه التراضي بين الزوجين والإذن والمصلحة في ذلك، مثل أن يكون في ذلك مصلحة للمرأة في صحتها، وللأبناء في صحتهم، فإن تتابع الحمل يضر ببعض النساء ويضر ببعض الأبناء. فيكون من المصلحة استعمال العزل بما يكون فيه الحفاظ على صحة المرأة إن كانت ضعيفة، أو على صحة الأبناء إن كانت المرأة خصوصا تحمل في أقل من سنتين، بعض النساء ما تكاد تطهر من نفاسها إلا وحملت بالذي بعده، وهذا يشق عليها ويشق على الطفل. فإذا كان كذلك فهذا من المعنى المباح والجائز. وأما إذا كان قصد به معارضة القدر وإرادة بذلك دفع الفقر ونحو ذلك، كما يدعو إليه بعض المنظمات المعاصرة، ويزعمون أن انفجارا سكانيا سيكون في الدول النامية، بينما نجد أنهم يكيلون بمكيالين ويزنون بميزانين. في بلادهم هؤلاء الكفار وأرباب هذه الجمعيات في بلادهم يقومون بأشياء تخالف ذلك تماما، يهبون لكل من يولد له مولود هدية ونفقة، طمعا منهم في استكتار الأبناء. وفي بلاد المسلمين العكس، يحاربون كثرة الأبناء. بل في بلادهم ليس فقط يطمعون في وجود الأبناء وتكثيرهم، بل يطمعون حتى في زيادة عدد شعوبهم ولو من غيرهم، فيفتحون باب التجنس ويستكثرون من الوافدين، وكذلك يقيمون المدارس والأربطة التي تسمى بمسميات مختلفة عندهم، لتبني اللقطاء وغيرهم من الأبناء الذين لا يعرف لهم آباء أو غير ذلك. لأجل يعرف من اغتر بتلك الدعايات أنهم يزنون بميزانين ويكيلون بمكيالين، كل ذلك مكر على المسلمين، وهم يخافون من كثرتهم. وإلا فالواقع أن كثرة الناس ما تقل الرزق، بل تزيد أسباب الرزق، تزيد أسباب الرزق، فالناس يرزق بعضهم بعضا. وما أكثر الأراضي الواسعة والخيرات الكثيرة التي ما استغلت خير الاستغلال، لكن الشأن كل الشأن في توجيه هذه الشعوب إلى ما فيه خير دينها ودنياها، ألا تكون عالة وألا تكون كذلك سقطة على أممها، هذا هو الذي ينبغي أن يعتنى به، ليس يعتنى بمحاربة زيادة النسل، لكن الذي ينبغي هو محاربة البطالة. والذي ينبغي ومحاربة كل ما يضر بالمجتمع مما يجعل هذه الشعوب عالة، وكذلك حمل وثقل على مجتمعاتها، وهذا الذي ينبغي أن يعتنى به. فالخلاصة هذا الذي يقال في هذه المسألة. وأشار رحمه الله لبعض الأحاديث منها حديث جدامة بنت وهب الأسدية في صحيح مسلم أنهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العزل، فقال: «ذات الوأد الخفي»، فيحمل على ما سبق. وفي حديث ابن عباس الموقوف الصحيح وقفه الذي رواه عبد الرزاق والبيهقي وغيرهما أنه نهي عن عزل الحرة إلا بإذنها، نهي عن عزل الحرة إلا بإذنها، فهو يوافق التفصيل الذي سمعنا. وهكذا حديث جابر بن عبد الله في صحيح مسلم: «كنا نعزل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم والقرآن ينزل»، وفي رواية: «فبلغه ذلك فلم ينهنا»، وهذا يدل على هذا المعنى. وأصل الحديث حديث جابر أصله في البخاري، وهكذا ما جاء في الصحيحين من حديث أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما سألوه عن العزل: «ما عليكم ألا تفعلوا، فإن الله عز وجل قد كتب ما هو خالق إلى يوم القيامة». وهكذا غيره من الأحاديث الأخرى، فالخلاصة على هذا يحمل. ومنها حديث أسامة بن زيد في صحيح مسلم وغيره أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني أعزل عن امرأتي، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لِمَ تَفْعَلُ ذَلِكَ؟» فقال: إني رجل أشفق على ولدها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَوْ كَانَ ضَارًّا ضَرَّ فَارِسَ وَالرُّومَ». وغير ذلك من الأحاديث، فيحمل على هذا المعنى وهذا التفصيل، والله تعالى أعلم. وأما مسألة إتيان المرأة في دبرها، فقد أشار إلى أحاديث، وهذه الأحاديث كما ترون في الشرح أكثرها فيها مقال، ولكن جمهور أهل العلم على تحريم ذلك لعمومات كثيرة. وأشار في آخر بحثه بقوله: «والبحث طويل لا يتسع المقام لبسطه»، يريد بذلك أنه تتجاذبه أشياء وفيه خلاف، لكن ليس هذا الكتاب المختصر محل لذلك، يلمح إلى أن ذلك مذكور في مواضع أخرى. وقد مر معنا معنى ذلك في كلام ابن كثير رحمه الله في تفسيره في قول الله جل وعلا: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾، فليرجع إليه. ونكتفي بهذا القدر، وإلى هنا والله تعالى أعلم.