الدرس في كتاب الجهاد والسير 4، تابع كتاب الجهاد والسير . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح الشيخ أهمية ترتيب الجيش واتخاذ الرايات والألوية، ويبين واجبات القائد في تفقد الجيش وتعيين الولاة ودعوة الكفار قبل القتال.
يتحدث عن واجبات القائد في الجيش الإسلامي، مثل تفقد الجيش ودعوة الكفار إلى الإسلام أو الجزية أو القتال قبل البدء بالقتال.
يتناول أحكام قتل النساء والأطفال والشيوخ في الحرب، ويبين أنهم لا يقتلون إلا لضرورة، ويستند إلى أحاديث نبوية وأقوال العلماء.
يشرح الأصل في قتل النفس وهو عدم جواز قتلها إلا إذا لم يندفع شرها إلا بالقتل، ويبين أن القتل يكون كحل أخير لردع الشر.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال: وأن يذكي العيون ويستطلع الأخبار. ومر معنا إذكاء العيون، والمراد به إكثار العيون، إكثارهم. فالإذكاء هو يأتي هنا بمعنى الإكثار، يعني مثل إذكاء الطيب، فوحان ريح الطيب. فالمقصود هنا إكثارهم حتى يحصل المقصود الذي به يكون دفع الضرر عن المسلمين، وهو في غير هذا الموضع، وما كان بمعناه من المحرمات التي لا تجوز. وقد قال عليه الصلاة والسلام: «وَلَا تَجَسَّسُوا». وقوله: ويستطلع الأخبار، يعني بالعيون وبغير العيون، قد يكون بالعيون، وقد يكون بغيرهم، وكل ذلك بالضوابط الشرعية. وكما مرّ: الحرب خدعة، ولكن الخدعة تكون بالضوابط الشرعية، فليس الحرب خدعة معناه أن يفعل الحرام، لكن معناه أن يستعمل الطرق الصحيحة التي يكون بها الغلبة على الكفار. وكما مرّ معنا: لا يكون ذلك بنقض عهد، ولا كذلك غدر، فالغدر حرام، والخدعة جائزة؛ لأنه من المكر المأذون فيه. فالمكر مكران: مكر مأذون فيه، ومكر غير مأذون فيه. فالخدعة المراد بها في المكر المأذون فيه. ففي التورية والمعاريض مندوحة عن الكذب، لا يكذب الكذب الصريح؛ لأن في المعاريض والتورية مندوحة عن الكذب. وهكذا كذلك يقال بالنسبة للعيون والاستطلاع ونحوه، بما يكون به حصول المقصود في غير مخالفة الشرع. فمثلًا ظن بعض الناس أن نتشبه بالنساء أو فعله للكبائر من تمام التورية، وكذلك التخفي، هذا باطل، لا يأذن بمثله شرع، بل هذه طريقة الجهال، طريقة الجهال الذين ضعف علمهم ودينهم. وأما المقصود الذي أراده العلماء في مثل هذه المواضع هو بالضوابط الشرعية. وبه نعرف أهمية أهل العلم، وحاجة الأمة إليهم حتى في مثل هذه المواضع، فلا غنى للمجتمع عن العلماء؛ لأنهم هم الذين يوجهون الأمراء إلى ما يكون به موافقة دين الله وشرع الله. وبموافقة دين الله وشرع الله يكون الصواب، وبالصواب يكون بإذن الله الوصول إلى الحق والنصر الذي يحبه الله لعباده سبحانه وتعالى. ثم ذكر رحمه الله فقال: ويرتب الجيوش ويتخذ الرايات والألوية. كذلك من مهمة الأمير ترتيب الجيش واتخاذ الرايات والألوية. وأشار إلى بعض الأدلة على ذلك، أي من اتخاذ الرايات، وكذلك ترتيب الجيش، كما وقع يوم أحد، فإن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الرماة في جبل الرماة، وموضع مشهور معروف إلى يومنا هذا، جبل صغير بالقرب من جبل أحد. فهذا يدل أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتني بترتيب الجيش، وكان للجيش ميمنة وميسرة، وهكذا كان يسمى بالخميس. جاء محمد والخميس، أي الجيش المقسم إلى خمسة أقسام: الجيش المقسم إلى خمسة أقسام، ميمنة وميسرة ومقدم ومؤخر ووسط، وكل قسم له عمله الخاص، وعنده ما أمرهم الأمير به. وهذا من الترتيب والتنظيم الذي أمر به الشرع، ليس فقط أذن به، بل أمر به الشرع. والناس في هذا طرفان ووسط، منهم من بالغ حتى خرج عن حدود المأذون فيه، فربما وقع في بعض المخالفات والبدع والضلالات. ومنهم من حصل منه تفريق حتى تبعثرت الجهود ولم يحصل المقصود. ودين الله بين الغالي والجافي، وبين المفرط والمفرط، وهذا هو المطلوب. والعبرة ما ثبتت به أدلة الكتاب والسنة، وكان عليه هدي نبينا عليه الصلاة والسلام والصحابة من بعده. وقوله: ويتخذ الرايات، يعني أن هذا كان من هدي نبينا عليه الصلاة والسلام، وفيه مصالح، وفيه مصالح الرايات والألوية. والفرق بين الراية واللواء: أن الراية هو علم الجيش الأكبر والضخم، ويلقبه أهل العلم بأم الحرب. واللواء دونه، فهي الراية الأصغر التي تكون على طرف الرمح أو على العصى الصغيرة، فيوجه فيها فرق الجيش الصغيرة بما يكون به توجهه. فمثلًا هناك راية للميمنة، وراية للميسرة، وراية لكذا وكذا. فمن لم يبلغه الأمر بالصوت يبلغه الأمر بماذا؟ بالنظر. فحيثما توجهت الراية تتوجه تلك الفرقة، فتصير هي إعانة للجيش في أمره ونهيه ودفعه وكفه وغير ذلك. وأما هذا بالنسبة للواء، وأما الراية فهو علم الجيش الأكبر الذي به يُعلم موقع المسلمين، وكذلك الجهة التي يتوجهون بها جميع تلك الفرق الصغار التي ترجع إلى ذاك الموضع الأصل. فلهذا كانت هناك راية، وكان هناك لواء. وبعض أهل العلم قال: ألوية؛ لأنه قد يحتاج إلى أكثر من لواء، وهذا هو الغالب. وقد أشار إلى بعض الأحاديث الواردة في ذلك. وقد روي في هذا الباب أحاديث كثيرة، منها حديث ابن عباس عند الترمذي، وفي داود وغيرهما، وقد رواه كذلك ابن ماجة والحاكم، وصحح العلامة الألباني في صحيح الجامع، قال: «كانت راية رسول الله صلى الله عليه وسلم سوداء، ولواءه أبيض». والمقصود إثبات الراية واللواء، وعلمنا الفرق بين الراية واللواء. وأما اللون فهو بحسب المصلحة، اللون بحسب المصلحة. فإذا كانت راية الكفار مثلًا سوداء، فلا يصلح أن تختلط الرايات. وقوله: سوداء، رجح الكثير من أهل العلم أنها لم تكن خالصة السواد، ويؤيده ما جاء عند الترمذي وغيره بإسناد يرتقي إلى الحسن بمجموع طرقه، من حديث البراء رضي الله عنه، قال: «كانت راية رسول الله صلى الله عليه وسلم سوداء مربعة من نمرة». وقوله: من نمرة، النمرة تكون مخططة. ولهذا قال من قال من أهل العلم: هي سوداء بحسب غلبتها، وإلا فهي مخططة. مثل نقول نحن: عمام حمراء، وقد تكون فيها ماذا؟ خطوط بيضاء. وتقوى عمام سوداء، وقد يكون فيها خطوط بيضاء ونحو ذلك. فكذلك يقال في الراية السوداء: لم تكن سوداء خالصة، لم تكن سوداء خالصة. وهذا الباب ليس توقيفيًا، وإنما هو بحسب المصلحة. وهكذا كذلك يقال بالنسبة للواء أبيض، صح أنه أبيض، لكن ليس هذا توقيفيًا، بحسب المصلحة. وأشار إلى حديث أن راية رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت صفراء، وهو ضعيف. وأشار إلى ضعفه. وكذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة ولواءه أبيض، والحديث جاء من حديث جابر بن عبد الله، كما أشار إليه، وذكره العلامة الألباني رحمه الله في الصحيحة الجزء الخامس، فهو حديث صحيح. وهكذا كذلك حديث الحارث بن حسان، أنه رأى في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم رايات سوداء، وهو كذلك حديث يحسن بمجموع طرقه، صححه العلامة الألباني رحمه الله. وفي قوله: رايات سوداء، فيه ما تقدم من أنه قد يحتاج إلى تعدد الرايات أو تعدد الألوية. فإذا احتيج إلى ذلك فهذا بحسب المصلحة. وهكذا كذلك مما يشرع للأمير ويكون من مهامه أن يتفقد الجيش، فيخرج منه ما لا يصلح. فإن كان فيه الصغير أخرجه، كما رد النبي صلى الله عليه وسلم عددًا من الصحابة حين أرادوا الخروج وهم صغار، فلا يأذن لغير بالغ. وهكذا كذلك إذا وجد فيهم الهرم الذي لا يصلح للقتال رده، ويكون بلطف ورفق، وما يكون به إن شاء الله الانتفاع به في موضع آخر. ونص العلماء أنه يتفقد كل شيء حتى المركوب، فإن كان هناك خيل حطيم لا يصلح استعماله، أو أوعية وعتاد تثقل الجيش ولا ينتفع به، فيفعل ذلك سواء بنفسه أو بمن يوكله ويأمره. فإن ذلك من مهامه. ومن ذلك كذلك تفقد الأمور المعنوية، مثل وجود المنافقين والمخذلين، فإن أمثال هؤلاء يخرجون ولا يصلح بقاؤهم في الجيش؛ فإنهم يضرون به، كما قال الله عز وجل عن أمثال هؤلاء: «لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَة». وهكذا كذلك من تلك المهام أن ينظر إلى من يصلح في الولايات، فيولي مثلًا على الميمنة أحدًا، وعلى الميسرة وكذا. وكذلك أن يتعرف على العرفاء. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه كان يأمر ببعث عرفاء القوم. والعرفاء هم مثل رؤساء القبائل الذين بهم يستطيع أن يتعرف على من معه. فمثلًا يأتي يدعو العرفاء، فيقول: من معك؟ فيقول: معي من قبيلة مئة. كم سنهم؟ أو ما هو سنهم؟ ومن هم أهل الفرسان مثلًا؟ كم عدد الفرسان؟ فيقول: مثلًا عشرة. وكم الرماة؟ فيقول: مثلًا كذا. فبهم يعرف من معه. فذلك كذلك مما كان عليه هدي نبينا صلى الله عليه وسلم. والمقصود القيام بكل ما يحتاج إليه في هذا الباب. وهناك في هذا الزمان علوم خاصة تعتني بها الجيوش، وينبغي لجيوش المسلمين أن يعتنوا مثل هذه العلوم التي يكون بها تحصيل هذه المصالح ودفع تلك المفاسد. وأصل ذلك قد دل عليه ديننا. ثم قال رحمه الله تعالى: وتجب الدعوة قبل القتال إلى إحدى ثلاث خصال: إما الإسلام، أو الجزي، أو السيف. وكذلك من مسائل هذا الكتاب: دعوة الكفار عند القتال إلى ثلاث خصال. وأشار إلى حديث بريدة في صحيح مسلم، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أمر أميرًا على جيش أو سرية أوصاه بخاصة نفسه بتقوى، ومن معه من المسلمين خيرًا. ثم قال: «أغزو بسم الله، في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، أغزو ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا ولدًا». وفي رواية: «وليدًا». وإذا لقيت عدوك من المشركين، فادعهم إلى ثلاث خصال – أو خلال – فأيتهم ما أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم. ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم. ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين، وعليهم ما على المهاجرين. فإن أبوا أن يتحولوا عنها، فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم الذي يجري على المسلمين، ولا يكون لهم في الفيء والغنيمة شيء، إلا أن يجاهدوا مع المسلمين. فإن أبوا، فسألهم الجزية. فإن أجابوك فاقبل منهم، وقف عنهم. وإن أبوا، فاستعن بالله عليه، وقاتلهم». الحديث. وهذا الحديث ونظائره له تدل على معناه، فيها هذا الأصل الذي يبين ويجلي طريقة أهل الإسلام في هذا الباب. فإن ديننا أمرنا – كما علمنا نبينا عليه الصلاة والسلام – أن يعرض على الكفار أحد الخصال الثلاث: إما أن يسلموا، وإما أن يدفعوا الجزية، وإما أن يقاتلوا. وهذا – أي الأخير – لأجل أن لا تكون كلمة الذين كفروا هي العليا، ولأجل أن يخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ولأجل أن لا يحول أحد دون إرادة الناس؛ لأن رؤوس الكفر وأهل الكفر يحولون بين الناس وإرادتهم والخير الذي ينبغي أن يكون لهم. فلذلك أمر ديننا بهذه الفريضة التي هي عبادة يتقرب بها إلى الله سبحانه وتعالى. ومسألة العرض – كما نرى – أمره النبي صلى الله عليه وسلم أمرًا. ولهذا قال العلماء: أن دعوة الكفار قبل القتال هو من الواجبات التي أوجبها ديننا. وقد قال المؤلف رحمه الله، وأشار إلى ما ذهب إليه الجمهور من وجوب تقديم الدعوة لمن لم تبلغه الدعوة من الكفار. وأما من بلغته الدعوة، فقد اختلف أهل العلم: هل يجب تبليغهم وتأكيد ذلك قبل قتالهم؟ أم يجوز مباغتهم من دون إعادة تبليغهم؟ والصحيح: أن الإبلاغ العام لا يكفي في القتال، لا يكفي في القتال. فلا يقاتلون حتى يبلغون تبليغًا خاصًا، إلا إن علم أنهم يصدر منهم شيء من الخيانة والمكر بالمسلمين، فإنه يجوز مباغتتهم. وعلى هذا وجهة الأدلة التي وردت، وفيها عدم التبليغ. وكذلك العرب مثل قصة خزاعة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم غزا بني المصطلق وأتاهم بياتًا، ولم يشعرهم بذلك. وبيّن العلماء أن سبب ذلك هو كون هؤلاء – أي خزاعة – قد أعدوا العدة لمقاتلة المسلمين، وجمعوا جموعهم لذلك. فسبقهم النبي صلى الله عليه وسلم لتلك النية السيئة التي كانوا يبيتونها. وبه نعرف أن أمثال هؤلاء يكون لهم مثل ذلك. وأما الكفار الذين بلغهم أمر الدعوة على وجه العموم، ولم يبيتوا شرًا للمسلمين، فإنهم لا يباغتون بمقاتلة. هذا هو الصحيح من أقوال أهل العلم. لا يباغتون بمقاتلة، بل يعرض عليهم كما يعرض على غيرهم. هذا هو الصواب، وبه تجتمع الأدلة الواردة في هذا الباب. وقوله رحمه الله تعالى: إلى ثلاث خصال، هذه الخصال الثلاث على وجه الإجمال، وإلا قد يحتاج إلى بعض التفاصيل وتبيينها بحسب المصلحة، كما ذكر ذلك في تفاصيل كتب أهل العلم. والعبرة في هذا هو حصول المقصود من التبليغ، حصول المقصود من التبليغ. فقد يكون هناك مثلًا دعاة وعلماء يبينون ويعرضون الإسلام، ويردون بعض الشبه عنه، وغير ذلك مما يكون به تمام التبليغ. ثم قال رحمه الله تعالى: ويحرم قتل النساء والأطفال والشيوخ، إلا لضرورة. كذلك من المسائل ها هنا هذه المسألة، وهي التفريق بين من شارك في القتال أو حرض عليه، فإنه هو الذي يقتل. ومن لم يشارك ولم يحرض، أو هو ليس مظنة المشارك والتحريض، فإنه لا يقتل. فذكر النساء والأطفال والشيوخ، هذا خرج مخرج الغالب. وإلا فيلحق بهؤلاء الثلاثة من كان بمعنى هؤلاء، ممن لم يشارك في القتال ولم يحرض، كالعابد والأعمى والمجنون، وغير هؤلاء ممن ليس لهم محل مشاركة، لا بقول ولا بفعل، أي في القتال. وأشار إلى أدلة ذلك، وهي كثيرة. منها ما جاء في الصحيحين من حديث ابن عمر: نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والصبيان، حين وجد امرأة مقتولة في بعض المغازي. وهكذا ما جاء في حديث عبد الله بن عباس، وهو حديث حسن بمجموع طرقه، فقد رواه أحمد وغيره. وفي إسناده ضعف وانقطاع، لكن يشهد له حديث آخر من حديث علي رضي الله عنه، فيه ضعف وإرسال، فيرتقي به وبغيره إلى الحسن. فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل الولدان وأصحاب الصوامع. والمراد بأصحاب الصوامع: أي العباد. وهذا كثير في أهل الكتاب، أي الذين يعتزلون مجتمعاتهم، فلا يخرجون من صوامعهم إلا لضرورة، ويكتفون بيسير الزاد الذي يتزودون به في تعبدهم وتنسكهم. فأمثال هؤلاء لا يقتلون. صحة بذلك الحديث مرفوعًا وموقوفًا عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن عدد من الصحابة. والموقوف له حكم المرفوع؛ لأن مثل هذا لا يقال بالرأي. وهذا من جهة الدليل. وأما من جهة التعليل؛ لأنهم لم يشاركوا في القتال لا بقول ولا بفعل، وليس هم ظنة المشاركة لإعتزالهم لمجتمعاتهم. بل نص العلماء أن أمثال هؤلاء لا تؤخذ منهم الجزية، لا تؤخذ منهم الجزية. فإنما تؤخذ الجزية – كما سيأتي معنا إن شاء الله – منهم ممن هم مضنة القتال، ممن هم مضنة القتال. وهكذا جاء في حديث أنس، الذي أشار إليه: «لا تقتلوا شيخًا فانيًا، ولا صبيًا، ولا امرأة». وفي قوله: ثانيًا، أي ليس هو محل القتال. فإن كان شيخًا قويًا، فهو ممن هو مضنة القتال. فأمثال هؤلاء لا يلحقهم الاستثناء. والحديث وإن كان فيه خالد بن الفرج، فيه مقال، قد قيل فيه: ليس بالقوي. لكن بالشواهد والمتابعات في هذا الباب يرتقي الحديث إلى الحسن. وهكذا كذلك أشار إلى حديث كعب بن مالك عن عمه، فيما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم حين نهى عن قتل النساء والصبيان في خيبر، وغيره من الأحاديث الأخرى. وبعضها فيها ضعف. وقوله: إلا لضرورة، قوله: إلا لضرورة، يعني مما لا يمكن اتقاؤه. فهنا تكون هذه مفسدة صغرى أمام دفع مفسدة ماذا؟ كبرى. فيصير عند ذلك أمر لا بد منه. مثل إذا احتيج لفتح بلاد الكفار برمي المنجنيق مثلًا، فهم يحرصون على أن يأتي المنجنيق في أوساط المقاتلة. لكن إذا حصل خطأ فأصاب النساء أو الأطفال، فهنا يعفى عن ذاك الخطأ. وكذلك إذا تترس هؤلاء بالنساء والأطفال، فيتقى النساء والأطفال قدر المستطاع. ومن أصيب منهم، فإنهم للضرورة يحصل المقصود. ونص العلماء أنه لو حصل التترس بالمسلمين، فإنهم يتقوهم قدر المستطاع. فإن لم يمكن إلا بقتلهم، فللضرورة قد يغتفر هذا مع المفسدة الكبرى من مقاتلة الكفار. فالمهم: هذا هو الأصل: المنع من قتل كل من لم يشارك. هذا هو الأصل. وما خرج عن الأصل فهو للضرورة، سواء الضرورة التي لا محيد عنها ولا مجال لاتقائها، فتفعل ابتداء. أو كان اتبعًا. فمثال الابتداء: ما سمعنا من رمي المنجنيق وغيره. ومثال اتبع: أن يكون هناك تبييت مثلًا، يخرجون على العدو في الليل. ففي ثنايا ذاك الليل قد يحصل خطأ، فتقتل بعض النساء أو الذرية. ويحتاج إلى التبييت. فهنا يعفى عن ذلك. وقد بوّب الإمام البخاري رحمه الله بابًا، فقال: باب أهل الدار يبيتون، فيصاب الولدان والذراري. ثم ذكر حديث الصعب بن جابر، وسيأتي معنا إن شاء الله. وها هنا حديث أشار إليه بالشرح، استشكله بعض أهل العلم، وهو ما جاء من حديث سمرة مرفوعًا: قوله عليه الصلاة والسلام: «اقتلوا شيوخ المشركين، واستحيوا شرخهم». وهذا ظاهره يخالف الأحاديث الواردة في هذا الباب. ولكن أجاب العلماء أن هذا الحديث لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ ففي إسناده ضعف. وقد أشار في التعليق إلى ذلك. وعلى تقدير صحته، على تقدير صحته، حمله العلماء على أن ذلك المقصود منه من يجوز قتله، سواء شيخ قوي. فيكون هو مستثنى. ولهذا قيد في الروايات الأخرى بشيخ فاني. ولم يقيد هنا. لم يقيد هنا. أو أنه على وجه الضرورة التي سبق استثناؤها. على وجه الضرورة التي سبق استثناؤها. ويؤيده الرواية التي أتبعها بعد ذلك، وهي كذلك رواية ضعيفة، لكن معناها صحيح. فقد يضطر الإنسان إلى قتل امرأة، وهو لا يريد قتلها؛ وذلك أن تعتدي المرأة، فتبتدئ القتل. فإن لم يندفع شرها إلا بالقتل، فإنها تقتل. إن لم يندفع شرها إلا بالقتل، فإنها تقتل. وإلا فالأصل ماذا؟ فالأصل أنها لا تقتل. الأصل أنها لا تقتل.