الدرس في كتاب الجهاد والسير 12، باب طاعة الأئمة واجبة . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يجب طاعة ولاة الأمر فيما يأمرون به من طاعة الله ورسوله، ولا تجوز طاعتهم في معصية الله. طاعة الأمراء عبادة لله ودليلها من الكتاب والسنة.
لا يجوز الخروج على ولاة الأمر ما داموا مسلمين ويقيمون الصلاة، إلا إذا رأوا كفرًا بواحًا عندهم فيه من الله برهان، مع مراعاة عدم التسبب في مفسدة أكبر.
يجب على ولي الأمر الذب عن المسلمين، كف يد الظالم، حفظ ثغورهم، وتدبيرهم بالشرع، مع تطبيق العدل ومراعاة العرف دون إفراط أو تفريط.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: وطاعة الأئمة واجبة إلا في معصية الله، ولا يجوز الخروج عليهم ما قاموا الصلاة ولم يظهروا كفرًا بواحًا. ويجب الصبر على جورهم وبذل النصيحة لهم، وعليهم الذب عن المسلمين وكف يد الظالم وحفظ ثغورهم وتدبيرهم بالشرع في الأبدان والأديان والأموال، وتفريق أموال الله في مصارفها وعدم الاستئثار بما فوق الكفاية بالمعروف، والمبالغة في إصلاح السيرة والسريرة. هذا فصل كالذي قبله ألحق بكتاب الجهاد لبعض الشبه الذي في مسائله، وإن كان هو لا يتعلق بمعنى لفظ وفقه الجهاد المقصود في أدلة الكتاب والسنة. لكن لأنها من جهة بعض العمومات لها بعض معنى الإلحاق، ألحقها من ألحقها من أهل العلم في هذا الموضع. ووجهه هو: لما كان الجهاد مع ولاة الأمر، فإنه لا جهاد إلا براية، ولا راية إلا بإمام، ناسب أن يذكر حكم طاعة الأئمة. فلهذا قال: «وطاعة الأئمة واجبة». ودليل هذا الوجوب أدلة كثيرة من الكتاب ومن السنة. فمن أدلة الكتاب قول الله جل وعلا: ﴿وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾، فقد فسر «أولو الأمر» بأنهم الأمراء. فإن طاعتهم طاعة لله ورسوله، ليست طاعتهم مجاملة ولا مداهنة، ولكنها عبادة يتعبد بها أهل الإسلام لله رب العالمين؛ لأن الله أمر بها في كتابه، ونبينا عليه الصلاة والسلام في سنته. هذا من جهة الدليل. وأما من جهة التعليل: كما تقدم؛ لأن مصالح الدنيا والدين لا تقوم للناس بغير طاعة الأولاد وبغير طاعة الأمراء. فإذا خرج الناس على أمرائهم ضاع الأمن، فخسر الناس الدنيا والدين. فبهذا تحصل الفوضى وتتفلت الأمور، فتسفك الدماء وتنتهب الأموال، وربما كذلك الأعراض، وغير ذلك من الشر. فإن الناس جبلوا على حب النفس، فإذا كان كل إنسان يطلب ما فيه مصلحة نفسه، يبغي الناس بعضهم على بعض، إلا من رحم الله وقليل ما هم. فلذلك أوجب الشرع طاعة ولاة الأمور، لكن هذه الطاعة في طاعة الله، لا في معصية الله، كما سيأتي إن شاء الله. ومن أدلة السنة أدلة كثيرة، أشار في الشرح إلى بعض هذه الأدلة. منها حديث أنس في البخاري وغيره، قال عليه الصلاة والسلام: «اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة، ما أقام فيكم كتاب الله». وهكذا كذلك في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعصي الأمير فقد عصاني». فطاعة الأمير في الإسلام طاعة لله ولرسوله؛ لأن في ذلك إقامة مصالح الناس وحفظ الدنيا والدين للمجتمع. فليس هو مجاملة ولا مداهنة كما يظن بعض الجهال. فأهل الإسلام الحق، أهل السنة والجماعة، أبعد الناس عن مداهنة الأمراء وعن التملق وعن طلب الدنيا مما في أيديهم، وعن كذلك الوصول إلى أبوابهم والتزلف في مناصبهم، فهم أبعد الناس عن ذلك. وفي نفس الوقت من إنصافهم ومن تحقيقهم لما يدعون إليه من الكتاب والسنة، هم يدعون الناس إلى طاعة الأمراء في طاعة الله ورسوله. والناس في هذا طرفان ووسط. فمن الناس من يغلو في طلب طاعة ولاة الأمور ولو بالمعصية ولو في غير طاعة الله؛ لأجل الدنيا الفانية الحقيرة، فيتملق وكذلك يداهن. وليس مثل هذا يعني معيار يقال أنه سبب لرد الحق، بل ينبغي عند المنصفين أن أمثال هؤلاء لا ينبغي أن يضيعوا الحقائق، بل الحق أحق أن يتبع. وفي مقابل هؤلاء طائفة أخرى ظلت قابلت هذا الخطأ بخطأ أقبح منه، فحذروا من هذا الصنيع ومن كذلك طاعة الأمراء ولو كانوا مسلمين، بحجة أنهم مثلا عندهم ظلم وعندهم فسوق وعندهم... وهذا خطأ كذلك. والوسط هو أن نطيعهم في طاعة الله، ولا ننزع يدًا من طاعة ولو حصل منهم ظلم أو فسق؛ لأن فسقهم وظلمهم على أنفسهم، لكن معصيتهم على الجميع. ننتبه لهذا: ظلمهم وفسقهم على أنفسهم، ومعصيتهم على الجميع. الخروج عليهم معناه انفلاث الأمن، معناه بغي الناس بعضهم على بعض، معناه رفع السيف في المجتمع وسفك الدماء، معناه انتهاب الأموال، معناه حصول الشر الكثير وتسلط الأعداء. فلأجل هذا وغيره جاءت هذه النصوص الصحيحة الصريحة في أدلة الكتاب والسنة. وفي الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، قال عليه الصلاة والسلام: «على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره، إلا أن يؤمر بمعصية الله أو بمعصية، فلا سمع ولا طاعة». وفي قوله: «فيما أحب وكره»، الكراهة ها هنا المراد بها لا ما يناه في الشرع؛ لأنه قال: «إلا أن يؤمر بمعصية»، لكن المراد بالكراهة ها هنا ما لا يخالف الشرع في معصية، و،لو كان يخالف النفس وما تشتهيه، فيجب طاعته في ذلك. بل جاءت النصوص الصريحة أنه يطاع ولو وقع منه شيء من المعصية أو الظلم. قال عليه الصلاة والسلام: «من رأى من أميره شيئًا يكرهه فليصبر، فإنه من فارق الجماعة شبرًا مات ميتة جاهلية». وهو في الصحيحين من حديث ابن عباس. وهكذا في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال عليه الصلاة والسلام: «أدوا إليهم حقهم، وسلوهم حقكم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم». فننتبه لهذا؛ فإن بعض الناس تلتبس عليه الأمور، يظن أن الظلم والفسق مبيح له للخروج على الأمير، وكذلك مبيح له لتخلفه عن الطاعة، أو مبيح له أن يفعل الحرام أو أن يأكل الحرام، فيقع مثل هذا كثير. فخروج بعض الناس على أمرائهم... وهذا هو من مناسبة ذكر هذا الفصل بعد الفصل الذي قبله؛ لأن عدم فهم بعض المسلمين لمثل هذه الأمور الدقيقة يسبب لهم الضلال في هذا الباب. فكما تقدم: وقوع الفسق والظلم ليس مبررًا للخروج على الأمراء وعدم طاعتهم. وهكذا كذلك ليس بمبرر في عدم طاعتهم. فلا تقل: كيف أطيعه وهو ظلمني؟ كيف أعطيه وهو أخذ مني؟ فمثلا طلب منك أن تدفع الزكاة، فلا تقل: كيف أعطيه الزكاة وهو يمنعنا ما هو لنا؟ فهذا لا يجوز لك. أعطه الذي أمرك الله، والله سائله عما استرعاه، والله سائله عما استرعاه. بل صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن المسلم يصبر ولو كان الأذى عليه في نفسه وفي ماله، ما دام المقصود من هذا حفظ أمن المجتمع. بعض الجهال يستهزئ بأهل الإسلام الحق، أهل السنة والجماعة السلفيين، يقول: وإن أخذ مالك وضرب ظهرك... ثم يستهزئ إذا وقع شيء لأهل الحق في هذا الباب. وهو في الحقيقة زاد فوق إثمه إثمًا، وفوق جهله جهلًا؛ لأن هذا من زيادة الإثم والظلم الذي لا يجوز أن يرضى به لنفسه. نعم، أهل السنة والجماعة السلفيون أتباع السلف الصالح، الداعون إلى الإسلام الحق الذي كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام والصحابة رضي الله عنهم. ولأجل ما يدعون إلى الطاعة ولو قصرت حقوقهم ونقصت؛ لأنهم يرون أن التنازل عن ذلك في حفظ أمن المجتمع خير من البخل به في مقابل حصول الفتنة والشر. فلو كان لك من الأمر شيء وقيل لك: تدفع فتنة الدماء في المجتمع بأن تبذل من مالك، المنصف والعاقل سيقول: نعم، سأدفع من مالي؛ لأجل لا يحصل فتنة في المجتمع. فكيف إذا جاءت به النصوص الشرعية؟ فهو أشد وأحرى بالتطبيق. وإذا كان كذلك، فلا تجوز المعصية، ولا التخلف عن الطاعة، ولا كذلك الخيانة والخداع. بعض الناس ربما يتحايل في أكل المال الحرام على الدولة، ومن المال العام، بحجة ماذا؟ بحجة أن الدولة ما تعطينا حقوقنا، فإذن نحن نأخذ منهم ما يتيسر. وهذا خطأ وظلم. التحايل في هذه الأبواب من يعني أكل المال الحرام الذي حرمه الله جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: «وطاعة الأئمة واجبة إلا في معصية له». يعني: لا يطاعون في المعصية، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الطاعة بالمعروف». كما جاء في حديث علي وغيره في صحيح مسلم. «ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق». وطاعة ولاة الأمور تنقسم إلى ثلاث أقسام. إذا أمروا بما أمر الله به أو رسوله عليه الصلاة والسلام مما جاء في الكتاب أو في السنة بالنص أو بالمعنى، فيجب طاعتهم في ذلك. والقسم الثاني: أن يأمروا بمعصية الله، مما جاء النص بتحريمه أو جاء تحريمه بالمعنى والعمومات في الكتاب أو السنة، فلا يجوز طاعتهم في ذلك. فالأول: مثلا أن يأمروك بالصلاة، ويأمروك بالصيام، ويأمروك بسائر الواجبات، وينهوك عن السرقة وعن القتل وعن الزنى وعن غير ذلك من المحرمات، فهنا يطاعون؛ لأنهم أمروا بطاعة الله ورسوله. والثاني: مثل أن يأمروك أن تقتل من لا يجوز قتله، أو يأمروك أن تأخذ مالًا لا يجوز لك أخذه، فلا يجوز طاعتهم في ذلك؛ لأنه بهذا معصي لله ورسوله. وإنما الطاعة ماذا؟ بالمعروف. «ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق». والثالث: أن يأمروا بما لم يأت حكمه في الكتاب ولا في السنة، فإذا أمروا بمثل ذلك، فتجب طاعتهم ابتداء. فإن كان هذا الذي لم تعلم حكمه، تبين أنه مما أمر الله به، فأنت على خير، استمر. وإن تبين أنه منافي لما أمر الله به، فهو من المعصية التي لا تجوز المتابعة لهم فيه. فإن بقي على هذا، فأنت تبقى على هذا الأصل. فالأصل أنهم يطاعون. ولهذا قال: «إلا في معصية الله»، فخرج بذلك المعصية ماذا؟ الطاعة والمباح وما لا يعلم حكمه مما يجتهدون فيه. قد يجتهدون في أشياء، فدخل في ما سوى المعصية ثلاثة أشياء: الطاعة والمباح وما يجتهدون فيه. قال: «ولا يجوز الخروج عليهم ما أقاموا الصلاة». وهذا قد جاءت فيه النصوص الكثيرة. فلا يجوز الخروج على الإمام المسلم ما دام مسلمًا مقيمًا للصلاة. وذكر الدليل على ذلك في الشرح، وهو حديث عوف بن مالك في صحيح مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم». قال: قلنا: يا رسول الله، أفلن نابدهم عند ذلك؟ قال: «لا ما أقاموا فيكم الصلاة» إلى آخر الحديث. فهنا أمر النبي عليه الصلاة والسلام بطاعتهم ولو حصل منهم الشر، ما داموا من المسلمين يقيمون الصلاة. فاستدل العلماء بهذا أنه ما دام مسلمًا، فلا يجوز الخروج عليه ولو وقعت منه ما وقعت من المعاصي؛ لأن الصبر عليه مع معصيته خير من الخروج عليه، فإنه يترتب على هذا مفاسد كثيرة، وتلك المفاسد أعظم من مفسدة فسقه وظلمه. وكما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وغيره من المحققين من أهل العلم: «ما خرج الطائفة على سلطان جائر إلا وكان الشر المترتب على خروجهم أعظم من الشر الذي كان من جوره». وهذا هو الواقع، وهو كلام خبير عارف بتاريخ الأمم والممالك وما مرت عليه البشرية. وذكر كذلك حديث حذيفة بن اليمان، فيما قال النبي عليه الصلاة والسلام -رواه الإمام مسلم-: «يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهديي، ولا يستنون بسنتي، وسيقوم فيكم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس». قال: قلت: كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك؟ قال: «تسمع وتطيع وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك، فاسمع وأطع». والحديث في صحيح مسلم. ولا يصح تشكيك من شكك في صحة هذا الحديث؛ فإن الإمام مسلمًا رحمه الله اعتمده في صحيحه. ولو قدر أنه حديث لم يصح، هل معنى أن الأحاديث الأخرى التي في الصحيحين وغيرها لم تصح؟ فماذا نصنع بالحديث الذي قبله؟ وماذا نصنع بأحاديث كثيرة وردت في هذا الباب؟ الواجب الإنصاف والوقوف عند ما علمنا من أدلة الكتاب والسنة، ولا يجوز لنا تحكيم الآراء والعواطف وتحريف ما ورد في هذا الباب. ومن هذه الأدلة ما رواه الإمام مسلم في الصحيح من حديث عرفجة الأشجعي -كما تقدم-: «من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه». وفي الصحيحين من حديث عبادة رضي الله عنه، قال: «بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن نسمع ونطيع في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا». وقوله: «وأثرة علينا» يعني: استئثار شيء مما يكون للناس فيه حق، فيحرمون منه. فهنا نصبر، وأن لا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم فيه من الله برهان. وهذا هو الشاهد: أننا نصبر إلا أن نرى كفرًا بواحًا. طيب، إذا وجد الكفر البواح ولم يقيموا الصلاة، هل بمجرد ذلك يخرج عليهم؟ الجواب: لا. ذكر العلماء كذلك شروط وقيود. فإن الخروج عليهم إذا وقع الكفر البواح ولم يقيموا الصلاة مشروط بأن لا يكون مؤديًا إلى مفسدة أعظم منه؛ لأن إنكار المنكر مشروط بأن لا يؤدي إلى منكر أعظم منه. فإن كنت لا تستطيع أن تغير هذا المنكر، فليس من الصواب أن تضيع دماء المسلمين في شيء يكون فيه مضرة أعظم على الإسلام وعلى المسلمين. فننتبه لهذا؛ لأن الإسلام يأمر بدرء المفسدة الكبرى بالصغرى. فإن كانت المفسدة الكبرى هو مقاتلة هذه الطائفة الضعيفة وإهلاكهم من قبل هذا الحاكم الكافر، فهنا نقول لهذه الطائفة: اصبروا. أو نقول لهم: اخرجوا من هذه البلاد ما دمتم في بلاد كفر وليستم في بلاد إسلام، وتبين ذلك بالدليل والبرهان. اخرجوا، قد خرج النبي صلى الله عليه وسلم من أين؟ من مكة، وهي أحب البقاء على الله، ولن تكون بلادكم أحسن من مكة ولا أفضل. فننتبه لمثل هذا. وينبه هنا بتنبيه: وهو أن من الناس من يحكم بالكفر ويقول: أنا عنده دليل على الكفر البواح، وهو بالحقيقة ليس كذلك. ولهذا يقال: هذا الباب ينبغي أن يرجع إلى العلماء الكبار الراسخين الذين يعرفون حقيقة هذه الأحكام. ليس يأتي شاب عنده من الحماس ما عنده، يسمع كلمتين من بعض دعاة الثورات ودعاة التكفير والتفجير، فيأتي فيكفر المجتمعات ويكفر الحكام، ويبدأ بمثل هذه الأحكام التي لا يجوز لمثله أن يخوض فيها. فإن الله جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿وإذا جاءهم أمر من الأمن والخوف أداع به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين استنبطونه منهم﴾. قال رحمه الله تعالى: «ويجب الصبر على جورهم وبذل النصيحة لهم». وذلك لما جاء من أدل كما تقدم في وجوب الصبر. فقد جاء في حديث أبي ذر -وهو حديث صحيح-: أنه قال عليه الصلاة والسلام -معناه صحيح- حين أخبره بما يكون من أثره، فأمره بالصبر، وأن ذلك خير من المنابذة. ومعناه صحيح يدل عليه حديث عبادة المتقدم، وأحاديث كثيرة في هذا الباب. وهكذا الحديث التي تقدمت: حديث ابن عباس، وحديث أبي هريرة، وحديث أبي ذر، وإن كان من جهة إسناده في ضعف، لكن معناه صحيح تؤيده نصوص كثيرة. وقوله رحمه الله: «ويجب وبذل النصيحة لهم» يعني: أن ينصح ولاة الأمور. أشار في الشرح إلى أدلة ذلك. منها حديث تميم الداري أبي رقية رضي الله عنه: «الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة». وفي صحيح مسلم لم يكررها ثلاثًا، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: «لله ولكتابه ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم». والحديث رواه الإمام مسلم، وجاء خارج الصحيح بتكرار «الدين النصيحة» ثلاثًا. الشاهد قوله: «ولأئمة المسلمين وعامتهم». وكذلك عمومات الأدلة تدل على ذلك. عمومات الأدلة تدل على ذلك. وقوله رحمه الله: «وعليهم الذب عن المسلمين وكف يد الظالم وحفظ ثغورهم وتدبيرهم بالشرع» يعني: هذا من واجبات ولي الأمر. فولي الأمر تتعلق به مسؤوليات عظيمة كثيرة. فقد قال عليه الصلاة والسلام في الأمير: «إنه راع ومسؤول عن رعيته». حتى أنه لو تخلف في ذلك فغش، لم يجد رائحة الجنية كما جاء في الصحيح من حديث معقل بن يسار، قال: «ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته، إلا لم يجد رائحة الجنة، أو قال: إلا حرم الله عليه رائحة الجنة». فإذا كان كذلك دل هذا على عظم هذه الأمانة وخطرها. وهذا يتناول يتناول الأمور الدينية والأمور الدنيوية، ليس فقط الدينية حتى الدنيوية مسؤول عنها. يروى عن عمر رضي الله عنه أنه كان يقول: «إني لأخشى لو تعثرت بغلة بالشام أن أسأل عنها» يعني: لو دابة تعثرت بسبب تفريط الرعية في إصلاح الطريق، لكان خشي أن يعاقب ويحاسب على هذا. فكيف بما يلحق الناس؟ فهو أشد. ولهذا قال: «الذب عن المسلمين» يعني: في أمور دينهم وفي أمور دنياهم، يحفظهم. يحفظ المسلمين هذا واجب عليه؛ فهو راعي، كما أن الأب راعي بأهل بيته، يدفع عن أهل بيته. وولي الأمر المسلمين يدفع عن المسلمين، ويجعل لهم مثل ما يحب رب الأسرة لأسرته، يجعل لهم كما يحب الواحد لنفسه. «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه». فكما أن الشعوب تأخذ ما تأخذ من الخير، فأنت تعطي شعبك من الخير الذي تستطيع أن تعطيهم إياه. وهذا كذا «كف يد الظالم» و«حفظ ثغورهم». الثغور المراد بها: منافذ التي قد يتسلل منها الأعداء، الحسية والمعنوية. الحسية: كمقاتلة المقاتلين الذين يريدون غزو بلاد المسلمين. والمعنوية: من الأفكار الهدامة الكفرية والفسقية وغيرها من الأفكار والمناهج المنحرفة التي تدخل على بلاد المسلمين، يجب عليه حفظها. ومن ذلك: متابعة وسائل الإعلام المقرؤة والمسموعة والمرئية، فهذا من واجبات ولي الأمر. وغير ذلك من هذه المعاني: متابعة الابتعاث وما يأتي من شر من قبل هؤلاء المبتعثين؛ فالكثير منهم يدخل النفاق والكفر والشر في بلاد المسلمين. متابعة كذلك سائر الوسائل الأخرى: ما يسمى مؤسسات أو جمعيات عالمية أو طبية أو خيرية أو أسرية أو اجتماعية أو غير ذلك... مما قد يدخل فيه الشر. و«تدبيرهم بالشرع في الأبدان والأديان والأموال»: تدبيرهم بالشرع يعني: لا نجاري المجتمعات، فنكفر مع الكافرين، ونفسق مع الفاسقين، ونكون عقلانيين أو نكون عاطفيين. لا نزن أمورنا الدينية والدنيوية بماذا؟ بالشرع، بالكتاب وبالسنة، وبما يكون به صلاح هذه المجتمعات؛ لأن الله الذي خلق الخلق يعلم ما يصلح الخلق. كما قال سبحانه: ﴿ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير﴾. وقال سبحانه: ﴿ما فرطنا في الكتاب من شيء﴾. فالحل والخير كله في التمسك بدين الله. قال الله عز وجل: ﴿من عمل صالحًا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرًا بأحسن ما كانوا يعملون﴾. وقال الله سبحانه: ﴿فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾. فالحياة الطيبة في الأبدان والأديان والأموال تكمن بالاستجابة لنداء الله والاستقامة على شرع الله. وهذا من واجبات ولي الأمر، ويجب على الرعية أن تعينه على ذلك. قال: «وتفريق أموال الله في مصارفها». مر معنا أن الأموال أموال الله، وأموال السلطانية التي تتكفل أو التي يتكفل بها السلطان ثلاثة: الغنائم والفي والصدقات. وتحت هذه الثلاثة تفاصيل كثيرة مرت معنا في بعض الدروس. فكتاب الزكاة بأكمله يتعلق بتفاصيل كثيرة في هذا. وهكذا ما مر معنا في الفي، وما مر معنا في الغنيمة. ومر معنا في دروس سابقة في كلام شيخ الإسلام في «السياسة الشرعية» فصل خاص يتعلق بهذه الأحكام. فهذه من مهمة ولي الأمر يقسمها بحسب ما علم. فإن لم يكن يعلم، وجب عليه سؤال أهل العلم حتى يقسمها في مصارفها التي أمر الله عز وجل بها. ويجوز له الاجتهاد كذلك، ليس بالهوى ولا بالعاطفة، ولكن بالعلم. حتى الاجتهاد: يجتهد ولي الأمر بماذا؟ بالعلم. فإن لم يكن عنده علم، استعان بأهل العلم فيما يريد الاجتهاد فيه. قال: «وعدم الاستئثار مما فوق الكفاية بالمعروف» يعني: لا يجوز له أن يستأثر بشيء زائد عن حاجته لنفسه ولأسرته. ولهذا جاء في الأحاديث: أن من الأمراء من يكون منه أثرة. «وأثرة علينا» وهؤلاء ظالمون، هؤلاء ظالمون. وهم يخشى عليهم من أثر الظلم في الدنيا والآخرة. فلا يجوز لهم أن يفعلوا ذلك. أبو بكر رضي الله عنه، ما في الصحيحين: لما تولى الخلافة بعد النبي عليه الصلاة والسلام، كان يذهب إلى السوق ويكتسب. فقال له عمر: «يا أمير المؤمنين، لو أنك أخذت لك ما يكفيك وولدك من بيت مال المسلمين». فأبى، وكرر عليه فأبى، حتى راجعه الناس ورأوا أن بقاءه وتفرغه لقيامه بمصالح المسلمين أولى من اكتسابه. فرأى ذلك هو الصواب، فأخذ ما يكفيه مع احتياطه. وهكذا من بعده الخلفاء كانوا يحتاطون في أخذه الزيادة، يأخذون ما يكفيهم بالمعروف. والمعروف المراد به: العرف الشرعي والعرف العرفي. والعرف العرفي: فأخذ ولي الأمر لسيارة فاخرة تليق بمقامه لا يعني ذلك أنه ظالم أو أنه اعتدى؛ لأن هذا هو الذي يقتضيه العرف. فينبغي أن يسلك المسلمون مقام العدل، لا إفراط ولا تفريط. لا نكن مع أولئك الذين غلوا بهذا الباب فحرموا على الأمراء ما يناسب مقامهم وما يقتضيه العرف في بلادهم وبلاد الناس جميعًا حتى الكفار. فلا يكون تحريم ما أحل الله. كذلك لا يكون تحليل ما حرم الله. بعض الناس يقول: أنت أمير يحق لك أن تأخذ هذا، أنت أمير يحق لك أن تفعل هذا، فيحلون له ما حرم الله. وهذا حرام. ولهذا حرم النبي صلى الله عليه وسلم إعانتهم على ظلمهم؛ فإن إعانتهم على ظلمهم من التعاون على الإثم والعدوان المحرم. قال رحمه الله: «وعدم الاستئثار بما فوق الكفاية بالمعروف، والمبالغة في إصلاح السيرة والسريرة» يعني: كونه صار أميرًا وسلطانًا هذا تكليف وليس بتشريف. هذا كونه تكليف أكثر من كونه تشريف. ولهذا يجتهد في إصلاح السيرة والسريرة. السيرة في الظاهر، والسريرة في ماذا؟ في الباطن. لأنه إذا صلح ظاهره وباطنه أعانه الله على إصلاح المجتمع والرعية، ويكون بهذا الخير له في الدنيا وهكذا كذلك في الآخرة. وبهذا نكون قد انتهينا من أهم ما يذكر في فصولي وأبوابي هذا الكتاب. فما كان من صواب فمن الله، وما كان من خطأ فمني ومن الشيطان، واستغفر الله العظيم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. وجزاكم الله خيرًا.