الدرس في كتاب الحج 61، الدرس الحادي والستون : من :(اختلاف العلماء ... وهذا رأي ابن القيم رحمه الله تعالى ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
اختلف العلماء في الجمع بين المغرب والعشاء بمزدلفة، والأولى اتباع السنة والجمع لكل حاج بسبب المشقة. يُصلى المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين كما في الأحاديث الصحيحة.
اختلف الصحابة في قصر الصلاة أثناء مناسك الحج والعمرة، والراجح أن القصر يكون للنسك لا للسفر مستدلين بفعل النبي وصحابته. يُعتبر العرف هو المقياس لتحديد السفر.
تطرح الروايات المضطربة المتون بسبب الاختلاف في متونها، ويمكن ترجيح بعض الألفاظ على الأخرى بقرينة توافقها مع ألفاظ الأحاديث الأخرى كما ذهب إليه ابن القيم.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال الشارح رحمه الله تعالى: اختلاف العلماء اختلاف العلماء بسبب الجمع بين المغرب والعشاء بمزدلفة، وهذه المسألة الأولى من المسائل الخلافية في هذا الباب. وهذا الحديث، قال: فبعضهم يرى أنه لعذر السفر، وهم الشافعية والحنابلة. وعلى هذا فلا يباح لمن لا يباح له الجمع كأهل مكة؛ يعني معناه أن أهل مكة لا يترخصون بالجمع، بل أعظم من ذلك أنهم لا يقصرون الرباعية. قال: وعلى هذا فلا يباح لمن لا يباح له الجمع كأهل مكة. والحنفية والمالكية يرون أنه لعذر النسك؛ يعني يجعلون أن هذا لأجل النسك رخصة. قال: وهؤلاء يستحبونه لكل أحد، سواء كان مسافرًا لنسكه أم لا. والأولى اتباع السنة، وهو الجمع لكل حاج، سواء كان لهذا أم لغيره. على أنه تقدم لنا أن الصحيح أن السفر لا يقدر بمدة ولا مسافة، وإنما هو كل سفر حمل له الزاد والمزاد فهو سفر. ولا شك أن الحاج، سواء كان فاقيًا -يعني ليس من أهل مكة- أم مكيا، متحمل في حجه ما يتحمله المسافر من المتاعب والمشاق. ومعنى ذلك أنه أولى بالرخصة. وهذا ممكن أن يصح في مسألة الجمع؛ فقد صح في حديث ابن عباس في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع من غير سفر ولا مطر. الحديث. وسئل ابن عباس: ماذا أراد بذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته؛ يعني يرفع عنهم الحرج. فعلى هذا المعنى يكون سواء قلنا: إنه لأجل السفر أو لأجل النسك؛ فلا فرق في المسألتين أن كل الحجاج يستحقون أن يجمعوا بين الصلاتين في مزدلفة؛ لأن الحرج والمشقة موجودة. وحديث ابن عباس أن النبي عليه الصلاة والسلام جمع، ليس في سفر وإنما في المدينة في حضر، لكن أراد أن يعلم أمته أنه يجوز الجمع عند المشقة، كما قال ابن عباس. وهذه مشقة لا شك فيها. لكن تبقى هنا مسألة أخرى، وهي أهم من هذه المسألة وأعظم وأشد حرجًا، وهي مسألة القصر؛ قصر الرباعية. وهي تنبني على هذا المعنى كذلك: هل هو سفر أم نسك؟ فإن كان القصر لأجل النسك، معناه أن صاحب مكة وغير مكة ممن لا يسافر ويأتي إلى هذا المكان بغير سفر؛ فإنه يقصر كذلك. ومن قال: إنه سفر لأجل السفر كان القصر، فإنه عند ذلك سيلزم أهل مكة ومن كان بمعنى هؤلاء أنه لا يقصر. والمسألة فيها قولان مشهوران قديمان عن الصحابة؛ فإن من الصحابة من كان يراه سفرًا، ومن الصحابة من كان لا يراه. أي: القصر لأجل السفر، وإنما لأجل النسك. وقصة ابن مسعود مع عثمان في صحيح مسلم مشهورة؛ فإن عثمان أتم وابن مسعود أراد أن لا يتم. فلما صلى خلف عثمان أتم، مع أنه أبان أن السنة عدم الإتمام؛ السنة عدم الإتمام. وإن بنى على هذا أن بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم، كما روي عن ابن عمر: أنه كان يرى أن من خرج من مكة إلى ميناء فهو مسافر؛ أخذًا بما ثبت في الحج. وفي عرف الناس اليوم لا يسمى هذا سفرًا؛ أي: من مكة إلى ميناء؛ لأن مسافة قصيرة وقريبة. ولهذا كان القول الصحيح والأقرب -والله أعلم- أن السفر أولًا يعرف بالعرف، ليس له حد لأقله ولا لأكثره على الصحيح. وإن كان في الغالب توجد له مسافة لا يكاد يختلف الناس أن مثلها يكون سفرًا، وهو ما حده بعض أهل العلم من المعاصرين اليوم بما يقارب 85 كيلو. لكن هذا على وجه التقريب، وقد يستفاد منه عند اختلاف العرف. وثانيًا: نستفيد أن الصحيح بهذه المسألة أن الجمع والقصر هو للنسك وليس للسفر؛ بدليل أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يأمر أحدًا من الصحابة من أهل مكة، وكانوا كثيرًا، لم يأمر أحدًا منهم أن يتم. ولو كان ذلك لبينه النبي عليه الصلاة والسلام. والقاعدة: عدم البيان وقت الحاجة ممتنع، خصوصًا مع وجود سببه، وسببه موجود. ويؤكده قصة ابن مسعود مع عثمان رضي الله عنه، وإقرار الصحابة لكلام ابن مسعود، وغير ذلك من الأدلة الأخرى التي تدل أن المقام مقام نسك وليس المقام مقام سفر. وهذا هو الصحيح. قال رحمه الله تعالى: واختلفوا في الأذان والإقامة لهاتين الصلاتين. وهذه مسألة ثانية من مسائل هذا الفصل وهذا الباب. قال: فذهب بعضهم، ومنهم سفيان، إلى أنهما تصليان جميعًا بإقامة واحدة. ودليل هذا القول ما رواه الإمام مسلم في صحيحه، رواية بحديث عبد الله بن عمر الذي بين أيدينا؛ فقد جاء في لفظ لمسلم: أنه أقام إقامة واحدة للصلاتين، ولم يذكر الإقامة الثانية. قال: وذهب بعضهم، ومنهم مالك، إلى أنهما تصليان بأذانين وإقامتين. وهذا روي موقوفًا عن بعض الصحابة. والصواب خلافه. قال: وذهب بعضهم، منهم إسحاق، إلى أنهما تصليان بإقامتين فقط؛ يعني بدون أذان. وهذا حملًا على ما جاء في رواية البخاري التي بين أيدينا؛ فلم يذكر فيها الأذان. قال: والصحيح ما ذهب إليه الإمامان الشافعي وأحمد وغيرهما: من أنهما تصليان بأذان واحد وإقامتين؛ لأن أكثر الأحاديث وأكثر فعل النبي صلى الله عليه وسلم يدل على ذلك. وقد مر معنا أنه جاء ذلك المعنى في حديث جابر بن عبد الله في صحيح مسلم، وحديث أسامة في الصحيحين، وحديث ابن عمر كذلك في بعض ألفاظ الصحيحين وخارج الصحيحين؛ فزال الإشكال بذلك. والقاعدة: أنه إذا تعارض المحكم والمشتبه؛ فإنه يرجع إلى ماذا؟ إلى المحكم. أو إلى المشتبه؟ محكم؛ يرجع إلى المحكم. قال رحمه الله: وحجة في ذلك ما ذكر وجابر بن عبد الله رضي الله عنه في حديثه الطويل الذي وصف به حجة النبي صلى الله عليه وسلم من أولها إلى آخرها؛ لأنه حرص على معرفة أحواله وتتبع أقواله وأفعاله. ولهذا يسمى بحديث الحج، ويسمى بحديث حجة الوداع. وقد ألف غير واحد من أهل العلم في حجة النبي عليه الصلاة والسلام، وجعل هذا الحديث أصلًا لمؤلفه؛ كما فعل ابن حزم في كتابه «حجة الوداع»، هو كتاب عظيم في فوائد جمة. وكما صنع الشيخ العلامة الألباني رحمه الله في «صفة حج النبي عليه الصلاة والسلام الموسع». قال رحمه الله: فحفظ من هذه الحجة ما لم يحفظ غيره. وهذه قرينة ترجح حديث جابر على حديث ابن عمر وغيره، مما ذهب به بعض أهل العلم إلى ما ذهب؛ كما سمعنا. قال: أما سبب اختلاف العلماء في الأذان والإقامة؛ فهو تعدد الروايات؛ فقد صح عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاتين بالمزدلفة بإقامة واحدة. وروي عن ابن عمر ثلاث روايات؛ إحداهن: أنه جمع بينهما فقط؛ بحديث الباب الذي معنا. والثانية: أنه جمع بينهما بإقامة واحدة لهما. والثالثة: أنه صلاهما بلا أذان ولا إقامة. وكلها روايات صحيحة الإسناد، وبعضها في الصحيحين، وبعضها في السنن. قال: وبما أن القضية واحدة؛ فلا يمكن حمل كل رواية على حال؛ لأنه عليه الصلاة والسلام ما حج إلا مرة واحدة، وما جمع الصلاة في مزدلفة إلا مرة واحدة؛ فلزم من ذلك أن يكون الراجح واحدًا. قال: ولا يمكن النسخ، ولا الجمع بين الروايات؛ لأن القضية واحدة. قال: فالأحسن الأخذ بما تقدم من رواية جابر، وكما سبق؛ خصوصًا أنه أجمع بحديث أسامة وحديث عبد الله بن عمر. قال: فالأحسن الأخذ بما تقدم من رواية جابر؛ الذي نقل حجة النبي صلى الله عليه وسلم بلا اضطراب. والمراد بالاضطراب؛ يعني بلا اختلاف ولا شك؛ لأن بعض الأحاديث فيها شك. وقد يكون الشك ليس من الصحابي، قد يكون الشك ممن هو دون الصحابي. وهذا هو الغالب. قال: وتعد باقي الروايات مضطربة المتون؛ لأن متونها فيها اختلاف؛ فتطرح. أو يقال: يرجح؛ يرجح الراجح من تلك الألفاظ، ويترك المرجوح بقرينة ما يوافق ذاك الراجح من ألفاظ الأحاديث الأخرى. قال: وهذا رأي ابن القيم رحمه الله تعالى.