الدرس في كتاب الطهارة 46، الدرس السادس والأربعون:من( الحديث الخامس والعشرون:عن أم قيس بنت محصن الأسدية ... من المسائل التعبدية التي لا تعقل حكمتها والله أعلم بمراده ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح الشيخ حديثين نبويين حول بول الصبي الذي لم يأكل الطعام، ويبين حكم بول الصبي الرضيع. يتناول روايات الحديثين في كتب البخاري ومسلم.
يناقش حكم التبرك بالصالحين بعد وفاة النبي، ويخلص إلى أن التبرك خاص بالنبي. كما يتناول حكم بول الصبي، حيث يرى أن بول الصبي الذكر ينضح بينما يغسل بول الأنثى.
يناقش مسألة التفريق بين بول الغلام وبول الجارية، ويستعرض آراء العلماء حول أسباب هذا التفريق، مشيراً إلى اختلافهم حول حكمة هذا التفريق.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، آله وصحبه وسلم. أما بعد، مر معنا في الدرس الماضي حديث عباد بن تميم عن عمه عبد الله بن زيد بن عاصم المازني رضي الله عنه، في الرجل الذي يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، وأخذنا ما أخذنا من مسائله، ويضاف إلى إسناد الحديث. فأقرب الألفاظ هي لفظ الإمام مسلم، حديث رقم ثمانية وتسعين، وبالرقم المطول ثلاثمائة وواحد وستين. قال: وحدثني عمر الناقد، وزهير بن حرب، وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، جميعا عن ابن عيينة، قال عمر: حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري، قال عمر: حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري، عن سعيد وعباد بن تميم عن عمه، قال: شكي، فذكر الحديث. قال الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى: الحديث الخامس والعشرون، عن أم قيس بنت محصن الأسدية، أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأجلسه رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجره، فبال على ثوبه، فدعا بماء فنضحه على ثوبه ولم يغسله. وفي حديث عائشة أم المؤمنين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بصبي فبال على ثوبه، فدعا بماء فأتبعه إياه، ولم يغسله. أورد رحمه الله هذين الحديثين في كتاب الطهارة، ووجه مناسبتهما ظاهرة، فهو يريد أن يبين أن بعض النجاسات مما تخفف طهارته، ومن ذلك بول الصبي الذي لم يأكل الطعام، يعني لا يزال يرضع، ولا يعني ذلك لا يأكل أبدا، فإن المولود حديثا يحنك إما بالتمر أو بالعسل، وهذا طعام، لكن المراد أن أغلب طعامه هو الرضاع. فإذا كان كذلك، فبوله يخفف كما سيأتي إن شاء الله الكلام عليه. أما حديث أم قيس، فأقرب الألفاظ إليه هو لفظ الإمام البخاري، رقم مئتين وثلاثة وعشرين، قال: حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: أخبرنا مالك عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عتبة، عن أم قيس، فذكر الحديث. ورواه مسلم نحوه في حديث مئتين وسبعة وثمانين، كما هو معلق عندكم. وأما حديث عائشة، فكذلك أقرب الألفاظ إليه هو لفظ الإمام البخاري في حديث مئتين واثنين وعشرين، قال: حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: أخبرنا مالك عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة. غير أن لفظه في البخاري: قالت عائشة رضي الله عنها: أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بصبي، فذكرت الحديث. ورواه مسلم نحوه، ومنه لفظه: فأتبعه بوله، ولم يغسله، حديث مئتين وستة وثمانين. قال الشارح رحمه الله تعالى: المعنى الإجمالي، كان الصحابة رضي الله عنهم يأتون النبي صلى الله عليه وسلم بأطفالهم لينالوا من بركته وبركة دعائه لهم. وهل هذا عام أم هو خاص بالنبي عليه الصلاة والسلام؟ الصحيح أنه خاص بالنبي عليه الصلاة والسلام، لأمرين: الأمر الأول، لم يثبت في شيء من الأدلة ما يدل على أن أحدا يتبرك به بشخصه غير النبي عليه الصلاة والسلام. وثانيا: أن هذا الباب لم يثبت أن الصحابة فعلوه بعده عليه الصلاة والسلام، ولو كان مشروعا وخيرا لما تركوه مع إمكانه ووجود سببه. فخيار الصحابة والعشر المبشرين بالجنة وغيرهم كانوا متوافرون، ومع ذلك لم يؤثر أنهم كانوا يأتون إلى أحد بعد النبي عليه الصلاة والسلام فيفعلون ذلك. وبه نعرف أن من قال من أهل العلم شراح الحديث كالنووي وغيره: «فيه جواز التبرك بالرجل الصالح»، أنه خطأ وليس بصحيح، والصواب خلاف ذلك. قال رحمه الله: وكان صلى الله عليه وسلم من لطافته وكرم أخلاقه، يستقبلهم بما جبله الله عليه من البشر والسماحة. ومن ذلك أنه يأخذ منهم الأطفال ويضعهم في حجره. قال: فجاءت أم قيس بابن لها صغير يتقوت اللبن، يعني أغلب طعامه وقوته اللبن، ولم يصل إلى سن التقوت بغير اللبن، وهذا يدل أنه في السنتين، ليس أكثر من السنتين. قال: فمن رحمته أجلسه في حجره الكريم، فبال الصبي على ثوب النبي صلى الله عليه وسلم، فطلب ماء، فرش مكان البول من ثوبه رشا، ولم يغسله غسلا، فدل على تخفيف الحكم في بول الصبي خاصة، وبهذا الشرط والقيد: صغير لم يأكل الطعام، وحد الصغر سنتين فأقل. قال رحمه الله: اختلف العلماء، يرى طائفة من العلماء أن الذكر والأنثى سواء في الاكتفاء بالنضح، قياسا للأنثى على الذكر. وترى طائفة أخرى أنهما سواء في وجوب الغسل وعدم الاكتفاء بالنضح. وكل الطائفتين لم تستند إلى دليل، يعني صحيح صريح، وإنما قياسات أو أمور عقلية أو عمومات لا يصح الاستدلال بها مع ورود الحديث الصحيح الصريح الخاص في عين القضية. قال رحمه الله: والنضح للذكر والغسل للأنثى، هو الذي تدل عليه الأحاديث الصحيحة الصريحة. وقوله الصريحة، لأنه وردت ألفاظ كما سيأتي: «يغسل من بول الجارية، وينضح من بول الغلام». قال: وهو مذهب لئمة: الشافعي، وأحمد، وإسحاق، والأوزاعي، وابن حزم، وابن تيمية، وابن القيم، واختاره شيخنا ابن سعدي، وكثير من المحققين، وكل منصف تتبع القضية بتأني، فإنه سيجد أن الأدلة تدل صراحة على التفريق بين بولي الذكر والأنثى. قال: ما يؤخذ من الحديث: أولا، نجاسة بولي الغلام وإن لم يأكل الطعام لشهوة. ومعنى لشهوة، يعني أنه خرج عن حد الرضاع، لأن الطفل الصغير لا يشتهي الطعام إلا إذا صار لا يكتفي بالرضاع. أما إذا كان يكتفي بالرضاع، فإنه ما يزال له هذا الحكم. وفيه دليل أن هذا الحكم لا يلزم أن يبقى إلى السنتين، فإن بعض الصغار قد يأكلون الطعام ولا يكتفون بالرضاع وهم أبناء سنة. فإذا كان كذلك، فبوله مثل بول الأنثى، لأنه قد أكل الطعام. قال: ثانيا، كفاية الرش الذي لا يبلغ درجة الجريان لتطهير بول الغلام. وليس الرش هو النضح بمعناها اللغوي، ولكن يتجوز العلماء التعبير في الألفاظ المتقاربة عن بعض لشرحها وتفسيرها وتبيينها. فقول الراوي عن النبي عليه الصلاة والسلام: «فدعى بماء فنضحه على ثوبه ولم يغسله»، النضح هو غير الرش، لكن يريد أن يؤكد أن هذا النضح كان متكررا حتى أغمر الثوب بالماء، ولو لم يسيل هذا الماء. وهذا هو المقصود. قال: ثالثا، أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم الكريم وتواضعه الجم. وفيه أشياء أخرى من أهمها ما سبق الإشارة إليه من كلامه في مسألة التبرك به عليه الصلاة والسلام، وأن هذا خاص به عليه الصلاة والسلام لما سبق ذكره. وهذا التفصيل مهم، فإنه يسد بابا عظيما من ذرائع الشرك التي لم ينتبه لها الكثير من الناس، ومن الغلو في الصالحين الذي نهي عنه سداً لذريعة الشرك. وهكذا كذلك فيه من المسائل: جواز إتيان النساء إلى الرجال عند عدم الفتنة، بحجاب من وراء حاجز أو غير ذلك، مع كبير في السن أو نحوه. ولا شك أن سد هذا الباب هو الأفضل والأكمل والأحوط، لكثرة الأدلة القولية عنه عليه الصلاة والسلام في هذا الباب، من اتقاء فتنة النساء، كحديث أسامة: «ما تركت فتنة أضر على الرجال من النساء»، وهكذا حديث: «إياكم والدخول على النساء»، وغيره من الأحاديث الكثيرة. ولهذا بعض أهل العلم حمل ما كان بمعنى هذه الأدلة أنه قبل الحجاب. ولأنه لا دليل على ذلك، قال بعض أهل العلم: هذا يدل على الجواز، لكن بشروط وقيود. فعلى كل الأمرين، إذن ينبغي العمل بتلك العمومات التي هي أحوط وأحفظ وأحصن. قال رحمه الله: فائدة، اختلف العلماء في السبب الذي أوجب التفريق بين بول الغلام وبول الجارية، وتلمس كل منهم حكمة صارت في نظره الفارق المناسب لهذا التفريق. وأحسن هذه التلمسات أحد أمرين: الأول، أن الغلام عنده حرارة غريزية زائدة على حرارة الجارية، تطبخ الطعام وتلطف الفضلات الخارجة. ومع هذه الحرارة الزائدة، كون طعام الطفل لطيفا لأنه لبن، والجارية ليس لديها الحرارة الملطفة. ويؤيد هذا تقييد نضح النجاسة بعدم أكل الطعام إلا اللبن، فدل على أن هناك معنى يفرق بين اللبن وغيره. فلذلك قال من قال من العلماء بهذه العلة. والثاني: أن الغلام عادة أرغب إلى الناس من الجارية، فيكثر حمله ونقله، وتباشر نجاسته مما يسبب المشقة والحرج، فسومح بتخفيف نجاسته. ويؤيده ما يعرف عن الشريعة من السماح والتيسير، والقاعدة العامة تقول: «المشقة تجلب التيسير». وعارض بعض أهل العلم في هذا التعليل، بأن تناقل البنت أو الجارية ربما يكون أكثر في مواضع وعند أناس، ومن ذلك تناقلها عند النساء. فإذا كان العلة بالكثرة، فهذا أمر لا ينضبط. ولذلك قال آخرون قولا ثالثا، وهو ما سيشير إليه إن شاء الله: أن الأمر تعبدي، علينا الامتثال، علمنا العلة أو لم نعلم العلة. قال رحمه الله: على أن بعض العلماء جعلوا من المسائل التعبدية التي لا تعقل حكمتها، أو قل التي لا نستطيع الجزم بعلتها، لأن الإنسان قد يستحضر علل ومعاني وحكم، لكن ما نستطيع أن نجزم بواحد منها، مع عدم وجود الدليل الصحيح الصريح الجازم بذلك. وهذا أحسن من قولنا: لا تعقل حكمتها، لأنه قد تكون لها حكم، لكن ما نستطيع أن نجزم بها. المهم، هذا أو هذا الأمر واسع وسهل. قال: والله أعلم بمراده. فالخلاصة: دلة الأدلة على التفريق بين بول الصبي وبول الصبية أو الجارية، وذلك لحكمة قد يعلمها بعض الناس وقد لا تعلم، فلله حكمة في شرعه ودينه، فعلينا الامتثال، نستفيد بهذا. والله تعالى أعلم.