الدرس في كتاب الصلاة 54، الدرس الرابع والخمسون:من( الحديث الثالث والثانون:عن أبي هريرة رضي الله عنه ... وأما إلحاق المأموم بالإمام والمنفرد فلا قياس مع النص والله ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول المقطع شرح حديثين نبويين يوضحان صفة الصلاة والتكبير في كل خفض ورفع، ويبرز أهمية التكبير في الصلاة كشعار لتعظيم الله.
يتناول المقطع اختلاف العلماء حول وجوب التكبيرات غير تكبيرة الإحرام، حيث استدل البعض بحديث "صلوا كما رأيتموني أصلي" بينما استدل الجمهور بحديث المسيء في صلاته.
يستعرض المقطع آراء الفقهاء حول حكم التكبيرات والتسميع والتحميد، ويفرق بين الإمام والمأموم والمنفرد مستنداً إلى الأحاديث والإجماع.
يتناول المقطع حكم قول المأموم ربنا ولك الحمد عند قول الإمام سمع الله لمن حمده، ويشير إلى ضعف حديث بريدة وعدم جواز القياس في وجود النص.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى: الحديث الثالث والثمانون، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركوع، ثم يقول وهو قائم: ربنا ولك الحمد، ثم يكبر حين يهوي، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يكبر حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يفعل ذلك في صلاته كلها حتى يقضيها، ويكبر حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس. قال: والحديث الرابع والثمانون، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير قال: صليت أنا وعمران بن حسين خلف علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فكان إذا سجد كبر، وإذا رفع رأسه كبر، وإذا نهض من الركعتين كبر، فلما قضى الصلاة أخذ بيدي عمران بن حسين، فقال: ذكرني هذا صلاة محمد صلى الله عليه وسلم، أو قال: صلى بنا صلاة محمد صلى الله عليه وسلم. أورد الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله هذين الحديثين في سياق ذكره لأحاديث صفة الصلاة، والحديث الأول أقرب الألفاظ إليه لفظ الإمام البخاري رحمه الله في كتاب الصلاة، باب حدثنا موسى، قال: أخبرنا حماد عن قتادة عن عكرمة، هكذا بو باب الباب، ثم ذكر هذا الحديث بلفظه. قال: حدثنا يحيى بن بكير قال: حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب قال: أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن أنه سمع أبا هريرة، فذكر الحديث بلفظه. وأخرج مسلم نحو هذا الحديث، أو الحديث بلفظ نحو هذا، وبوب له باب إثبات التكبير في كل خفض ورفع. وأما الحديث الثاني، فكذلك هو لفظ الإمام البخاري في باب إثمام التكبير في السجود، فذكره رحمه الله تعالى بإسناده من طريق شيخه، قال: حدثنا حماد عن غيلان بن جرير عن مطرف بن عبد الله قال: صليت أنا وعمران، فذكر الحديث. وكما ترون، الحديثين فيهما ذكر التكبير في كل خفض ورفع، وسنقف إن شاء الله على مسائل في الشرح. قال الشارح رحمه الله: المعنى الإجمالي في هذين الحديثين الشريفين بيان شعار الصلاة، وهو إثبات الكبرياء لله سبحانه وتعالى والعظمة، فما جعل هذا شعارها إلا لأنها شرعة تعظيم الله وتمجيده، أي التكبير. قال: فحين يدخل فيها يكبر تكبيرة الإحرام، وهو واقف معتدل القامة، وبعد أن يفرغ من القراءة ويهوي إلى الركوع يكبر، فإذا رفع من الركوع وقال: سمع الله لمن حمده، واستتم قائما حمد الله وأثنى عليه، حيث عاد إلى أفضل الهيئات وهي القيام، ثم يكبر في هويه إلى السجود، يعني حين يهوي، ثم يكبر حين يرفع رأسه من السجود، ثم يفعل ذلك في صلاته كلها حتى يرفع منها، وإذا قام من التشهد الأول في الصلاة ذات التشهدين كبر في حال قيامه. وهذا ظاهر، ففي هذا كما أشار رحمه الله إثبات الكبرياء لله والعظمة بذكر لفظ التكبير في هذه المواضع التي ثبتت فيها السنة، وفيه كذلك تنبيه المصلي نفسه وغيره إلى مواضع الانتقال من موضع إلى موضع، حتى تفرغ العبادة من العادة، وحتى يحصل التعبد لله والمراقبة والإحسان لهذه العبادة في هذه المواضع. قال رحمه الله: اختلاف العلماء، أجمع العلماء على وجوب تكبيرة الإحرام للنص عليها في حديث المسيء في صلاته، ولغيرها من الأحاديث كما تقدم معنا حديث أبي سعيد وجماع من الصحابة، فتكبيرة الإحرام بها يكون استفتاح الصلاة، فهي تحريم الصلاة، التكبير. قال: واختلفوا فيما عداها من التكبيرات، فذهب أكثر الفقهاء إلى عدم وجوبها، لأن الواجب عندهم من أعمال الصلاة ما ذكر في حديث المسيء في صلاته، وهذه التكبيرات لم تذكر فيه. قال: ومر معنا أن القول الصحيح أن حديث المسيء لم يستوعب كل الواجبات، كما أن ما ذكر في حديث المسيء ليس هو فقط مقتصر على الواجبات، فربما ذكرت فيه بعض المستحبات. قال: ومر معنا أن الأصل في فعل النبي صلى الله عليه وسلم على القول الراجح فيما فعله بالصلاة أنه للوجوب، إلا ما صرفه صارف، لقوله عليه الصلاة والسلام: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، وهذا أمر، والأصل في الأمر يقتضي الوجوب، والصوارف قد تكون لفظية، وقد تكون فعلية، وقد تكون صريحة، وقد تكون غير صريحة، ومن غير الصريحة القرائن. قال: فمثلا من صوارف الوجوب في الأفعال التنوع في هذه الأفعال، فهذا صارف لها من الوجوب، مثلا ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم جلس التورك، وجلس الافتراش، وجلس الإقعاء، فدل هذا التنوع أن هذا الجلوس هو مستحب وليس بواجب، بخلاف الضم في القيام، فإنه لم يثبت فيه تنوع، وزاد فيه أمره عليه الصلاة والسلام والإخبار بالأمر له، إن معاذ الأنبياء مرنا، وفي اللفظ الآخر: أمر النبي صلى الله عليه وسلم، فهذه الأحاديث تؤكد ذاك المعنى المتقدم من الوجوب في هذه الأفعال. قال: فالحاصل، أشار هنا إلى أن باقي التكبيرات اختلف أهل العلم في وجوبها، وكما قلنا الاستدلال بحديث المسيء ليس على إطلاقه، لكن كما سمعتم. قال رحمه الله: قال في فتح الباري: الجمهور على ندبية ما عدا تكبيرة الإحرام، وذهب الإمام أحمد وداود الظاهري إلى وجوب تكبيرات الانتقال، مستدلين بإدامة النبي صلى الله عليه وسلم لها، وقوله: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، ولما روى أبو داود عن علي بن يحيى بن خلاد عن عمه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تتم الصلاة لأحد من الناس حتى يتوضأ»، فذكر الحديث، وفيه ذكر التكبيرات، وهو نص فيها. قال: والصحيح التفريق بين مذهب الإمام أحمد وداود الظاهري، فالإمام أحمد يراها واجبة في حق الإمام، أما المأموم والمنفرد فالصحيح أن المروي عنه الاستحباب، وهذا هو الصواب التفصيل بين الإمام والمنفرد، وبين الإمام والمأموم، لأن الإمام يعلم المأموم بانتقالات الصلاة، فلا تتم صلاة المأمومين مع الإمام إلا بذكر تكبيراته التي يكون بها إعلامهم بذلك، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. قال: وأما ما كان من تكبيرات المصل المنفرد أو المأموم، فإنه لم يرد أمر النبي صلى الله عليه وسلم الصريح الذي يدل على الوجوب، ودلت الأدلة على خلاف ذلك، فقد جاء في بعض الأحاديث ومرت معنا كحديث عائشة في وصف صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، وحديث أبي هريرة، وعن عدد من الصحابة، ولم يذكر الأمر بتكبيرات الانتقال إلا ما جاء في تكبيرة الإحرام، وهذا يؤكد المعنى المتقدم. قال: واقتضى في جمع المصل بين التسميع، وهو قول: سمع الله لمن حمده، والتحميد، وهو قول: ربنا ولك الحمد، فذهب إلى وجوبه على كل مصل من إمام ومأموم ومنفرد، طائفة من العلماء من الصحابة أبو برزة، ومن التابعين محمد بن سيرين، وعطاء بن رباح، ومن المحدثين إسحاق، وأبو داود، ومن أئمة المذاهب مالك، والشافعي، وداود، وحجتهم حديث الباب، يعني الجمع بينهما، وما أخرجه الدارقطني عن البريدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا بريدة، إذا رفعت رأسك في الركوع فقل: سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا ولك الحمد»، إلى آخره. قال: والحديث إذا صح، فهو يحمل في حق المنفرد، وحق الإمام، أما حق المأموم فقد جاء صريحا في الصحيح من حديث أبي هريرة وغيره، أنه قال عليه الصلاة والسلام: «وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد»، وهو في الصحيحين من حديث أبي هريرة، فقول النبي عليه الصلاة والسلام: «فقولوا: ربنا ولك الحمد»، صريح في أن مقام المأموم هو أن يقول: ربنا ولك الحمد، وليس فيه أنه يقول: سمع الله لمن حمده، وهذا هو الصحيح في هذه المسألة. قال: واحتج أيضا بما نقل من الإجماع على وجوبه على المنفرد، وألحق به المأموم، لأن ما ثبت في حق مصل ثبت في حق مصل آخر بلا فرق. قال: وذهب إلى عدم وجوب الجمع بين التسميع والتحميد على المأموم جماعة من الصحابة، أبو هريرة، وابن مسعود، ومن التابعين الشعبي، ومن المحدثين سفيان الثوري، ومن أئمة المذاهب أبو حنيفة، وصاحباه، والإمام أحمد، والأوزاعي، وهو مروي عن مالك أيضا. قال: وأجاب عن أدلة أصحاب المذاهب الأول بما يأتي، أما حديث الباب، فهو في صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، هو إمام أو منفرد، ومحل النزاع في المأموم، وهو كما قال رحمه الله. قال: وأما دعوى الإجماع، فهو غير صحيح، ولو صح، فهو في حق المنفرد لا في حق المأموم، والكلام الآن على المأموم. قال: وأما حديث بريدة، فضعيف الإسناد، ولا يحتج به، وأما إلحاق المأموم بالإمام والمنفرد، فلا قياس مع النص، والمراد بالنص حديث أبي هريرة في الصحيحين: «إذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد»، وفي رواية: «فقولوا: ربنا لك الحمد». قال: والله أعلم. نقف إلى هنا، ونترك الباقي إن شاء الله إلى درس لاحق، والله تعالى أعلم.