كتاب الإيمان 16

كتاب الإيمان 16

الدرس في كتاب الإيمان 16، تابع باب بيان عدد شعب الإيمان وأفضلها وأدناها . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في شرح حديث الحياء من الإيمان

يبدأ الشرح بتوضيح أهمية الحياء في الإسلام من خلال حديث النبي صلى الله عليه وسلم، ويبين أن الحياء من شعب الإيمان. التأخر عن فعل الخير بسبب الحياء المذموم لا يُعد خيرًا.

تفريق الإسلام بين الحياء الممدوح والمذموم

يفرق المقطع بين الحياء الذي يعتبر خيرًا عندما يكون في مواضعه الصحيحة، مثل حياء الطفل مع الكبار، وبين الحياء المذموم الذي يمنع من فعل الخير أو حضور مجالس العلم.

أثر العلم والعمل به في تحقيق الخيرية

يناقش الأثر الإيجابي لانتظار العلم والعمل به، ويشدد على أهمية التواصي بالحق لتحقيق خيرية الأمة، مع التأكيد على أن الحياء الممدوح لا يمنع من طلب العلم والعمل الصالح.

أهمية اتباع الأساليب الشرعية في النصح

يبرز أهمية اتباع الأساليب الشرعية الصحيحة في تقديم النصح، حيث يؤدي ذلك إلى قبول النصيحة وتحقيق الخير، ويشير إلى أن مخالفة هذه الأساليب قد تؤدي إلى نتائج عكسية.

  • 27 جمادى الآخرة 1431هـ - 09/06/2010مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، اشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، واشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: حديث بن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على رجل من الأنصار وهو يعظ أخاه في الحياء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دعه؛ فإن الحياء من الإيمان». عندي: «الحياء» بالرف، صوابه ماذا؟ بالنصب. قال: أخرجه البخاري بكتاب الإيمان، باب الحياء من الإيمان. وقد أخرجه بإسناده، وقال: حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: أخبرنا مالك عن ابن الشهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم... فذكر الحديث بلفظه. كما أخرج الحديث الذي قبله: حديث أبي هريرة في باب أمور الإيمان، فقال: حدثنا عبد الله بن محمد، قال: حدثنا أبو عامر العقدي، قال: حدثنا سليمان بن بلال، عن عبد الله بن دينار، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم بلفظه. أورد المؤلف -رحمه الله- هذا الحديث في هذا الباب، وهو من الأحاديث الصحيحة التي اتفق عليها البخاري ومسلم، فقد أخرجه مسلم في هذا الموضع من صحيحه، فيما بوب له باب بيان عدد شعب الإيمان، وأفضلها وأدناها. وأخرجه الإمام البخاري كذلك في هذا الموضع الذي أشار إليه: باب الحياء من الإيمان. والحديث فيه مسائل، من أهمها: فضيلة الحياء وأنه من الإيمان، كما تقدم معنا في الحديث الذي قبله، فهو أحد شعب الإيمان. وفيه كذلك من المسائل: بيان أن الحياء إن كان حقيقة حياء فهو خير كله، حتى ولو كان ذلك في التأخر عما يظن أنه من أبواب الخير والبر؛ لأن التأخر مع وجود المانع من الحياء الممدوح. مثاله: قصة ابن عمر في النخلة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب مثلًا للمؤمن، فسأل من معه في المجلس، فوقع في نفس عبد الله بن عمر أنها النخلة، ولكن الحياء منعه أن يتكلم مع وجود من هو أكبر منه، فهذا النوع من الحياء في هذا الموضع هو خير؛ فالحياء كله خير، وضد الحياء في هذا الموضع: الجرأة، فالجرأة منافية للكمال. فما فطر الله عز وجل الناس بأجناسهم في مواضع الحياء فهو خير؛ فحياء الطفل الصغير في حديثه مع الكبار خير، ولا ينبغي أن يستثقل. فإن بعض الناس يستهجن مثل هذه المواقف، وليس الأمر كذلك، بل هذا مما يمدحه الشرع؛ فالحياء من الإيمان. وهكذا حياء البنت مع النساء اللاتي هن أكبر منها، ومنه: عدم دخولها على النساء إذا استحيت البنت، فهذا خير؛ الحياء كله خير. لكن قد يأتي بموضع ما يظن أنه حياء، وهو ليس بحياء، بل هو عجز وخور وعارض من عوارض الشيطان، وينبغي أن نفرق بين هذا وهذا. مثاله: قد يستحي الإنسان من حضور مجلس العلم، هذا حياء ممدوح أو مذموم؟ هذا مذموم، وليس بحياء، بل هذا خور؛ فكل ما كان تقصيرًا في أعمال الخير والبر فهو من الخور والتقاعس الذي لا ينبغي الرضا به. ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «وأما الآخر: استحيا؛ فاستحيا الله منه». فهذا يدل أن من الحياء ما يظنه المرء ممدوحًا وهو ليس بممدوح، بل هو مذموم؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الثاني على وجه الذم، وليس على وجه المدح؛ المدح والكمال فعل الأول الذي آوى إلى الحلقة، فآواه الله. والثاني استحيا؛ فاستحيا الله منه، يعني: تقاعس عن الإقبال على الخير، فترك حيث وقف، فترك حيث وقف، يعني: لم يكتب له ما كتب للأول. وهكذا كذلك في أبواب الخير والبر منه كذلك، ربما بعض الناس يتشجع ويغلب عليه الشيطان فيحضر حلقة العلم، لكن يستحي أن يأخذ كتابًا إذا قيل له: يا فلان، أكمل لنفسك الفائدة واحضر حلقة العلم بكتاب تنال أجرًا في كل وقت وأنت تقرأ في الكتاب، وتنال أجرًا في كل وقت وأنت تحمل الكتاب وترده إلى مكانه، وتنال أجرًا بكل حروف هذا الكتاب وأنت تقرأ فيه، أو حتى وهو موضوع في الرف؛ لأن وضعه في الرف ماذا ينتظر؟ هذا الكتاب الموضوع في الرف ينتظر دوره في الدرس القادم، وهذا الانتظار يكتب لك كذلك فيه أجر. قال النبي صلى الله عليه وسلم في الفرس الذي يحبس في سبيل الله: هو الآن لم يقاتل به، حبسه ينتظر وقت الجهاد، فسيخرج فرسه في سبيل الله، فوقت هذا الاحتباس له فيه أجر: سيره، وطعامه، وشرابه، وتنقله، حتى بوله وروثه، كل ذلك يكتب له فيه أجر. حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما تسعى -يعني في مكان- فتمشي قليلًا أو كثيرًا، أو تلعب هنا أو تذهب هنا، إلا ولك فيه أجر؛ لأن هذا الفرس ينتظر وقته الذي أنت تنتظره، فما دام في وقت الانتظار فهي أجور محفوظة لك، أجور محفوظة لك». وكذلك هذا الكتاب الذي استحييت أن تشتريه وأن تحمله وتحضر به الدرس، كذلك لك فيه أجور عظيمة، حتى وهو في الرفوف، ما دمت في كل درس تأخذه في وقته وتضعه بين يديك وتتابع ما يقرأ وتسمع ما يقال، فلك في هذا أجور كثيرة؛ فالحياء في مثل هذا الموضع ليس بالصحيح، وليس بممدوح، بل هو تقاعس وخور، وشيء يحبه الشيطان؛ فلا ينبغي أن يتابع الإنسان وساوس الشيطان وأهواءه التي يمليها على النفس. فإذا نفرق بين الحياء الممدوح والحياء الذي يظنه بعض الناس حياء وهو ليس بحياء، بل هو من التقاعس عن الخير والخور فيه. وفيه كذلك من المسائل: بيان ما كان عليه الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- من الخير وخيريتهم في عملهم بالعلم، فكانوا يحرصون على أن يعملوا بما علموا، وهو كذلك خيرية هذه الأمة في كل زمان ومكان. متى ما أردنا بأنفسنا وبأمتنا الخير، فعلينا أن نتواصى بالحق، وهذا معنى العمل بالعلم: نعمل به، ونأمر الناس بالعمل به؛ ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾، فخيرية هذه الأمة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتواصي بالحق. وفيه من المسائل كذلك: أن الوعظ ليس كله قد يصيب فيه صاحبه، فإن منهم من قد لا يصيب، فعند ذلك لا يمنع هذا أن ينصح الواعظ ويبين له؛ فإن الإنسان يطلب الكمال، وكذلك يحب ذا الكمال لغيره. فإذا كان هذا في مثل هذا الموضع، وهذا التنبيه الدقيق، فما هو أعظم منه من باب أولى، لكن بالأساليب الشرعية الصحيحة، بما يكون مدعاه لقبول النصح؛ فالنصح إذا بذل بالضوابط الشرعية الصحيحة قبل، وحصل به الخير. وأما إذا لم يكن بالوسيلة الشرعية الصحيحة، ربما أفسد أكثر مما ينفع، وربما لم تقبل هذه النصيحة. فالحاصل: هذا حديث آخر في هذا الباب، وفي فضل هذا الخلق والأدب. نسأل الله عز وجل أن يرزقنا علمًا نافعًا، وعملًا صالحًا، وأخلاقًا كريمة، إنه على ذلك القادر، والحمد لله رب العالمين.