كتاب الجهاد 7

كتاب الجهاد 7

الدرس في كتاب الجهاد 7، 12-باب حكم الفيء . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في حكم الفيء وأحكامه الشرعية

يتناول شرح حديث عمر بن الخطاب حول حكم الفيء وتوزيعه وفق الشريعة. يشرح كيفية إدارة رسول الله والخلفاء الراشدين للفيء.

تعريف الفيء وتوزيعه وفق الآيات والأحاديث

يتناول تعريف الفيء وحكمه وتوزيعه وفق الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. يشرح كيفية توزيع الفيء في عهد النبي والخلفاء الراشدين.

مسائل ودرر مستفادة من حديث الفيء وفضل الصحابة

يتناول مسائل ودرر مستفادة من حديث الفيء، ويبرز أهمية العلم وتفاوت الصحابة في الفهم، ويشير إلى فضل عمر وأبي بكر وتفاضل الصحابة في العلم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب حكم الفيء. قال حديث عمر رضي الله عنه: قال: كانت أموال بني النظير مما أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة، وكان ينفق على أهله نفقة سنتي، ثم يجعل ما بقي في السلاح والكراع عدة في سبيل الله. قال: خرجه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب المجن ممن يتترس بترس صاحبه. قال حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه: عن مالك بن أوس بن الحدثان النصري، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه دعاه، إذ جاءه حاجبه يرفأ، فقال: هل لك في عثمان وعبد الرحمن والزبير وسعد يستأذنون؟ فقال: نعم، فأدخلهم. قال: فلبث قليلا، ثم جاء، فقال: هل لك في عباس وعلي يستأذنان؟ قال: نعم. فلما دخل، قال عباس: يا أمير المؤمنين، اقض بيني وبين هذا، وهما يختصمان في الذي أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم من بني النظير. فاستبى علي والعباس، فقال الرهط: يا أمير المؤمنين، اقض بينهما وأرح أحدهما من الآخر. فقال عمر: اتئدوا، أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض، هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا نورث، ما تركنا صدقة»، يريد بذلك نفسه؟ قالوا: قد قال ذلك. فأقبل عمر على عباس وعلي، فقال: أنشدكما بالله، هل تعلمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال ذلك؟ قال: نعم. قال: فإني أحدثكم عن هذا الأمر، إن الله سبحانه كان خص رسوله صلى الله عليه وسلم في هذا الفيء بشيء لم يعطيه أحدًا غيره، فقال جل ذكره: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ إلى قوله: ﴿قَدِيرٌ﴾. فكانت هذه خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم والله محتازها دونكم، ولستأثرها عليكم، لقد أعطاكموها وقسمها فيكم، حتى بقي هذا المال منها، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفق على أهله نفقة سنتهم من هذا المال، ثم يأخذ ما بقي فيجعله مجعل مال الله. فعمل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم حياته، ثم توفي النبي صلى الله عليه وسلم، فقال أبو بكر: فأنا ولي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقبضه أبو بكر، فعمل فيه بما عمل به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنتم حينئذ -يعني موجودون-. قال: فأقبل على علي، عباس، وقال: تذكران أن أبا بكر فيه كما تقولان؟ والله يعلم إنه فيه لصادق بار راشد تابع للحق. ثم توفى الله أبا بكر، ومعناه فيما صنع أبو بكر صادق النبي صلى الله عليه وسلم، قال: إنا لا نورث -يعني- وبار -يعني- بحفظه للمال، وراشد -يعني- حيث وضعه في موضعه، وتابع للحق -يعني- حيث استمر على ذلك حتى توفاه الله. قال: فقلت: أنا ولي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر -يعني عمر-، ففعل مثل ما فعل أبي بكر في هذا المال، قال: فقبضته سنتين من إمارتي، أعمل فيه بما عمل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، والله يعلم أني فيه صادق بار راشد تابع للحق. ثم جئتماني، كلاكما وكلمتكما واحدة وأمركما جميع، فجئتني -يعني عباسًا-، فقلت لكما: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا نورث، ما تركنا صدقة». فلما بدا لي أن أدفعه إليكما، قلت: إن شئتما، ما دفعته إليكما على أن عليكما عهد الله ومثاقه لتعملان فيه بما عمل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وما عملت فيه مذ وليت -يعني توليت هذا المال والإمارة قبله-. قال: وإلا فلا تكلماني، فقلتما: ادفعه إلينا بذلك، فدفعته إليكما، أفتلتمسان مني قضاءً غير ذلك؟ فوالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض، لا أقضي فيه بقضاء غير ذلك حتى تقوم الساعة، فإن عجزتما عنه، فدفعاه إلي، فأنا أكفيكما إياه. قال: أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب حديث بني النظير. أورد المؤلف رحمه الله هذا الباب في سياق ذكره للأحاديث الصحيحة التي اتفق عليها الشيخان مما يتعلق بكتاب الجهاد، فقال: باب حكم الفيء. والباب لغة: ما يدخل منه ويخرج، والمراد هاهنا الدخول والخروج المعنوي، والمعنى: هذا مدخل في معرفة حكم الفيء. والفيء في الشرع: هو المال المأخوذ من الكفار بغير قتال، المال المأخوذ من الكفار بغير قتال، ومنه الجزية، والجزية: ما يؤخذ للذمة، ومنه الخراج، وهو: ما يؤخذ على الأرض، وغيرها من الأعشار التي لها تفاصيل معروفة، ومنه ما يؤخذ على المهادنة والصلح، ومنه ما تطرحه الريح من سفن ونحوها، هي للكفار في الأصل، ومنه ما يؤخذ من تجارهم -أي الكفار- مقابل ما يأخذون من تجار المسلمين، وما كان بمعنى هذه، فهو يدخل في هذا المعنى، وهو الفيء. وأول ما يطلق الفيء، يراد به المال الذي أخذ على الكفار بغير قتال لنقضهم العهد، كما حصل لبني النظير وبني قريضة وبعض أهل خيبر وفدك. ثم ذكر رحمه الله حديث عمر، وبعده كذلك حديثه الآخر، وقد تناول الحديثان مسائل كثيرة، أول ذلك: بيان معنى الفيء وحكمه. وعلمنا معنى الفيء، فمن معانيه ما ذكر في هذين الحديثين، فإنه المال المأخوذ من بني النظير -أي يهود بني النظير- لما نقضوا العهد وأرادوا قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، والقصة مشهورة في أحاديث أخرى، فكان نقضهم للعهد موجبًا لأخذ أموالهم وإجلائهم لنقضهم العهد، فهذا هو معنى من معاني الفيء. ومعنى الآية: ﴿كَانَتْ أَمْوَالَ بَنِي النَّضِيرِ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ أي: من أهل الكتاب، المراد بهم اليهود، ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ ولكن الله يسلط رسوله على من يشاء، والله على كل شيء قدير، أي: هذا مال يسر الله به لكم من غير أي جهد ولا مشقة. فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب، ما حركتم خيلًا ولا شيءًا من الإبل، لأن موضع بني النظير كان كما قيل: على بعد ميلين من المدينة، فذهب المسلمون مشيًا على الأقدام، وقيل: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان على جمله، فلم يخرجوا بخيل ولا ركاب، وقبضوا هذا المال باردًا، فلم يقسم قسمة الغنيمة. ظن المسلمون أنه يقسم قسمة المغنم، فأنزل الله هذه الآيات في سورة الحشر، يبين أن لها حكمًا آخر، وهو حكم الفيء، وحكم الفيء أنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، كما فسرتها الآية الأخرى، وهذا الحديث، وغيره من الأحاديث الأخرى. فإن الله عز وجل قال بعد هذه الآية: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾. فقوله: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ المراد بهم: بنو النظير وبنو قريضة، وهكذا أدخل أهل العلم أهل فدك وخيبر، وأموال اليهود هذه، كان أخذها للمسلمين بسبب نقضهم للعهد، وهي على ثلاثة أقسام. قسم منها أخذوه بقتال، كما حصل في بعض مال خيبر، وهذا خمس، قسم خمسة: أربعة أخماس للمقاتلين، وخمس لله والرسول، على ما هو معلوم من أحكام الغنيمة، كما مر معنا بعضه في الدروس السابقة. وقسم منه دخل على المسلمين فيئًا -يعني- بغير قتال، كما وقع لمال بني قريضة والنظير، وقسم منه أخذه المسلمون بالصلح، كبعض مال فدك وخيبر، وكانت المصالحة على النصف، كانت المصالحة على النصف، يأخذ المسلمون النصف، ويأخذ اليهود النصف، مقابل العمل في هذه الأرض، مقابل العمل في هذه الأرض. فهذا المال دخل على المسلمين بهذه الأوجه الثلاثة، مال اليهود لنقضهم العهد، فحكم الفيء كان غريبًا وجديدًا على المسلمين قبل نزول هذه الآيات، فلما نزلت الآيات وبينت، قسم النبي صلى الله عليه وسلم هذا الفيء في فقراء المهاجرين والأنصار، لأن الله عز وجل أمره وأخبره في هذه الآيات أن يكون للفقراء: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾. فقيل: أنه عليه الصلاة والسلام قسمه للمهاجرين، وبعض الأنصار ممن كان فيه فقر وشدة، ذكر بعض أهل العلم أنهم كانوا ثلاثة، وبعضهم قال: أكثر من ذلك، وبعضهم سمى ثلاثة، وبعضهم زاد أكثر من ذلك من الأنصار. فكانت قسمة رسول الله صلى الله عليه وسلم بما علمه الله، وبعد أن قسم ما بقي من مال، أخرج منه نفقة أهله لسنتهم، وما يزيد جعله للسلاح والكراع، كما في هذا الحديث: «ثم يجعل ما بقي في السلاح والكراع عدة في سبيل الله» -يعني- فيما يحتاجه المقاتلون. فلما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولي هذا المال أبو بكر، فكان يخرج منه كما أخرج النبي صلى الله عليه وسلم، فلما مات أبو بكر رضي الله عنه، ولي هذا المال بعده عمر، فكان يصنع فيه كما صنع قبله رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، ولم يورث هذا المال، لأن الأنبياء لا يورثون، كما قال عليه الصلاة والسلام: «إن معشر الأنبياء لا نورث». والحديث الأول أخرجه البخاري في باب قوله جل وعلا: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾. وما أشار إليه أنه أخرج في الباب: باب المجن ممن يتترس بترس صاحبه، ليس بصحيح، فإنه لم يخرجوا في هذا الموضع، بل أخرجه في باب قوله: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾، فقال رحمه الله: حدثنا عبد الله، قال: حدثنا سفيان غير مرة، عن عمر، عن الزهري، عن مالك بن أوس بن الحدثان، عن عمر، فذكر الحديث بلفظه. والحديث الثاني أخرجه في الباب المشار إليه: باب حديث بني النظير، فقال البخاري رحمه الله: حدثنا أبو اليمان، قال: أخبرنا شعيب، عن الزهري، عن مالك بن أوس بن الحدثان النصري، أن عمر بن الخطاب، فذكر الحديث بلفظه، وزاد في آخره: قال: فحدثت هذا الحديث عروة بن الزبير، فقال: صدق مالك بن أوس، أنا سمعته من عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، فإنها قالت: أرسل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عثى الله عليه وسلم عثمان إلى أبي بكر، يسألنه ثمنهن -يعني- من التركة. فأخبرهم بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن معشر الأنبياء لا نورث»، فذكر الزيادة، وفي آخره: أن هذا المال صار بعد ذلك في يد علي، يمضيه كما أمضاه قبله الخلفاء، وقبلهم النبي صلى الله عليه وسلم. ومن مسائل هذا الحديث: في هذا الحديث مسائل كثيرة، من أهمها أولًا: كما قلنا: معرفة معنى الفيء، وثانيًا: كيفية قسم هذا الفيء، وثالثًا: فيه كذلك: حاجة الأمة والمجتمع للعلم، مهما بلغت في الفضل. فإذا كان هؤلاء الصحابة الأفاضل رضي الله عنهم أرضاهم، احتاجوا إلى العلم، فحصل الإشكال واللبس عندهم بسبب تفاوتهم في العلم، فنحن من باب أولى نحتاج إلى العلم، فما أكثر ما يقع بين أهل الفضل وأهل الخير، فضلًا عن غيرهم من خلاف، بسبب عدم بلوغ العلم، أو قلة العلم، أو غير ذلك، فينزغ الشيطان. علاج ذلك: العلم، وفيه: فضل عمر رضي الله عنه أرضاه، وأبو بكر رضي الله عنه أرضاه، وهكذا تميز أهل الفضل والعلم، وفيه: فضل العلم، كيف أن العلم يجعل أهله ليسوا فيه سواء، بل يتفاوتون بتفاوت علمهم. وفيه كذلك: أن أهل الفضل مهما بلغوا من الفضل، فإنهم لا يسلمون من النقص، فكل ابن آدم خطاء، فإذا وقع مثل هذا بين الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، فمن دونهم من باب أولى. وهذا يستدعي أن الإنسان يطلب الكمال بالعلم النافع والعمل الصالح، ولا ينافي ما وقع فضلهم رضي الله عنهم أرضاهم، ففضلهم ثابت بنص الكتاب والسنة، لكن هذا درس لكل إنسان: أن النقص مما لا يسلم منه بن آدم، مما لا يسلم منه بن آدم. وفيه كذلك درس آخر: أن الناس وأهل الإسلام، بل وأهل الفضل، فضلًا عن من دونهم، إذا اجتمعوا، فإنه قد ينزغ الشيطان بينهم في بعض مجتمعهم، ذلك، فإن هذا مما يبتل به الإنسان، وهو من الفتنة التي يمتحن فيها الإنسان، فتكفرها الطاعات. ومن ظن أنه يجد مجتمعًا خاليًا من مثل هذه الابتلاءات، فهو مخطئ، إنما هذا في الجنة، أما في الدنيا، فأنت قد تختلف حتى مع والديك، وقد تختلف مع ابنك، وقد تختلف مع زوجتك، وتختلف مع أقرب الناس إليك. لكن كيف تعالج هذا الاختلاف؟ وكيف تربي نفسك بالعلم النافع والعمل الصالح على تعدي مثل هذه العقبات؟ ولا يخفى علينا ما وقع بين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما بمحضر النبي صلى الله عليه وسلم، وهما منهما في الفضل جبال في الفضل، ومع ذلك وقع ما وقع. لأجل أن نعلم: أنك لا تطمع أن تجد أخًا لا يختلف معك، هذا لن تجده في الدنيا، إنما هذا في الآخرة، أما في الدنيا، فهي محل ابتلاء وامتحان. فكما قيل: ليس الشأن كل الشأن أن لا يقع الخلاف، ولكن الشأن كل الشأن: كيف يعالج الخلاف؟ كيف يعالج هذا الخلاف؟ فبالعلم النافع والعمل الصالح، والاقتداء بسلفنا وعلمائنا وأمتنا، نتعدى ما تمر بنا من عقبات في حياتنا. وهذا مثال، وترون ما في هذا الحديث، والذي بعده، حتى وقع بين هذين الصحابيين الفاضلين ما وقع، وهكذا من مسائل هذا الحديث. كذلك فيه: تفاضل الصحابة رضي الله تعالى عنهم في أخذ العلم، فإذا كان هذا في هذه النخبة من الصحابة، فمن دونهم من باب أولى، وهذا يصحح قاعدة: من علم حجة على من لم يعلم، من علم حجة على من لم يعلم. فبعض الصحابة ربما لم يبلغه بعض العلم، فوقع منه خلاف بعض المسائل، فهنا نحتاج لمثل هذه القواعد التي استنبطها العلماء من الأدلة، فمن علم حجة على من لم يعلم. فحديث: «إن معشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا صدقة»، خفي على الكثير من الصحابة، بل خفي على أزواج النبي عليه الصلاة والسلام، فكيف لا يخفى غيره من العلم على بعض الصحابة؟ من باب أولى أن يخفى، وبه تعرف: أن من أنواع الخلاف: ما يكون بسبب عدم بلوغ الحجة. فلذلك ينبغي لطالب العلم أن يتحرى في البحث عن الدليل والحجة، فإن ذلك قد يكون سبب الخلاف، وخفاؤه موجب لخلاف من خالف. وفي هذا الحديث من المسائل كذلك: ما كان عليه الصحابة رضي الله تعالى عنهم من العمل بالعلم، والسمع والطاعة لأهل العلم ولولاة الأمر، فلما قال عمر رضي الله عنه ما قال، استجاب هذان الصحابيان الجليلان، وكان بعد ذلك أن أمضياه على ما أمرهما به عمر رضي الله عنه أرضاه. وفيه كذلك من المسائل: مشروعية وجواز الحلف بما حلف به عمر: «فوالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض»، وهذا مع ما فيه من تعظيم الله عز وجل، فيه الحلف بما يناسب المقام من أسماء الله وصفاته وأفعاله، ومناسبته لهذا المقام ظاهرة. فالله عز وجل قيوم السماوات والأرض، وأمر ما في أيديهم مرجعه إلى الله، مرجعه إلى الله، فهذا يستدعي أن يكون فيه شيء من الوعظ لمن يبلغه مثل هذا اليمين. وفيه كذلك من المسائل: أهمية الاعتناء بالنفقة على الأهل، وفيه من المسائل كذلك: اعتناء ولي الأمر بما يكون به قوة المسلمين، والإعداد للجهاد في سبيل الله. فيشرع ويستحب لولاة الأمور أن يوقفوا من أموال المسلمين العامة أوقافًا لهذا الباب، أوقاف لهذا الباب، حتى يكون مصدرًا لقوة المسلمين فيما يحتاجون من سلاح وعدة ينصر به أهل الإسلام. والأوقاف من أعظم أبواب الإدخار التي استفاد منها المسلمون، وهو يعتبر ميزة تميز بها أهل الإسلام عن سائر الأمم، كان به إعانتهم في أبواب وجوانب كثيرة يحتاجها المجتمع المسلم. فكما يوقف للفقراء والمساكين وغيرهم، فكذلك يوقف فيما تحتاجه الدولة، وظاهر هذا الحديث: أن هذا المال بقي يخرج منه النفقة، وما زاد بعد إعطاء أهل الحاجة، يخرج في السلاح والكراع، وما هو عدة في سبيل الله -عدة في سبيل الله- يعني: ينصر بها المقاتلون والمجاهدون في سبيل الله. هذا خلاصة ما يذكر في هذا الحديث، أو هذين الحديثين، وبه نكتفي، والله تعالى أعلم.