الدرس في كتاب الجهاد 8، 13-باب قول النبي صلى الله عليه وسلم:لا نورث ما تركنا فهو صدقة . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح المقطع حديث النبي صلى الله عليه وسلم 'لا نورث ما تركنا فهو صدقة' ويتناول موقف أبي بكر وعلي وفاطمة بعد وفاة النبي بشأن الميراث. ثم يبين تفسير العلماء لهذا الحكم وتطبيقه في حياة المسلمين.
المقطع يبين أن ما تركه النبي صدقة، ويتناول تفسير العلماء لهذا الحكم وتطبيقه في حياة المسلمين، مع التركيز على أحكام الوقف والنفقة على الأهل.
يشرح المقطع أحكام الوقف والنفقة على الأهل، ويبين جواز أخذ القائم على الوقف أجرة المثل، ويؤكد على أهمية الإنصاف وعدم التعصب في الخلافات. كما يشير إلى حديث «أن مدينة العلم علي بابها» وعدم صحته.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا نورث ما تركنا فهو صدقة»، على حديث عائشة رضي الله عنها: «أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم حين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم أردنا أن يبعثنا عثمان إلى أبي بكر يسألنه ميراثه، فقالت عائشة: أليس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا نورث ما تركنا صدقة؟». قال: أخرجه البخاري في كتاب الفرائض، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا نورث ما تركنا صدقة». قال: حديث عائشة: «أن فاطمة عليها السلام بنت النبي صلى الله عليه وسلم أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول الله صلى الله عليه وسلم مما أفاء الله عليه بالمدينة وفدك، وفدك -كما مر معنا- اسم موضع لليهود قرب المدينة، وما بقي من خمس خيبر». فقال أبو بكر: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا نورث ما تركنا صدقة، إنما يأكل آل محمد صلى الله عليه وسلم في هذا المال -يعني النفقة- وإني والله لا أغير شيئا من صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حالها التي كان عليها في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولأعملن فيها بما عمل به رسول الله صلى الله عليه وسلم». فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئا. قال: فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك، فهجرته فلم تكلمه حتى توفيت، وعاشت بعد النبي صلى الله عليه وسلم ستة أشهر. فلما توفيت دفنها زوجها علي ليلا، ولم يؤذن بها أبا بكر، وصلى عليها. وكان لعلي من الناس وجه حياة فاطمة، فلما توفيت استنكر علي وجوه الناس -يعني كان له قبول ورضا- فلما فعل ذلك كأنه وجد الناس أخذوا عليه في موقفه ذلك. قال: فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته، ولم يكن يبايع تلك الأشهر. فأرسل إلى أبي بكر أن ائتنا، ولا يأتين أحد معك -كراهية لمحضر عمر- فقال عمر: لا والله لا تدخل عليهم وحدك. فقال أبو بكر: «وما عسيتهم أن يفعلوا بي؟» قال: والله لآتينهم. فدخل عليهم أبو بكر، فتشهد علي، فقال: «إنا قد عرفنا فضلك وما أعطاك الله، ولم ننفس عليك خيرا ساقه الله إليك، ولكنك استبددت علينا بالأمر، وكنا نرى لقرابتنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم نصيبا». حتى فاضت عين أبي بكر. فلما تكلم أبو بكر قال: «والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلي أن أصل من قرابتي، وأما الذي شجر بيني وبينكم من هذه الأموال فلم آلو فيها عن الخير، ولم أترك أمرا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنعه فيها إلا صنعته». فقال علي لأبي بكر: «موعدك العشية للبيعة». فلما صلى أبو بكر الظهر، رقى على المنبر، فتشهد وذكر شأن علي وتخلفه عن البيعة وعذره بالذي اعتذر إليه، ثم استغفر. وتشهد علي، فعظم حق أبي بكر، وحدث أنه لم يحمله على الذي صنع نفاسة على أبي بكر -يعني فضل أبي بكر باقي وليس أحد ينافسه- قال: «ولئن كرهنا للذي فضله الله به -يعني من الخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم- فوحق الناس بها، ولكن نرى لنا في هذا الأمر نصيبا، فاستبد علينا، فوجدنا في أنفسنا». فسر بذلك المسلمون -يعني أن ما عند علي لا علاقة له بالخلافة، وإنما هي خلاف أفهام في قضية خاصة تتعلق بما يظنون أن فيه حقا لأهل محمد صلى الله عليه وسلم- قال: فسر بذلك المسلمون، وقالوا: أصبت. وكان المسلمون إلى علي قريبا حين راجع الأمر المعروف. قال: أخرجه البخاري كتاب المغازي، باب غزوة خيبر. قال: حديث عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: «أن فاطمة عليها السلام ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم سألت أبا بكر الصديق بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقسم لها ميراثها مما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم مما أفاء الله عليه، وقال لها أبو بكر: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا نورث ما تركنا صدقة». فغضبت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهجرت أبا بكر، فلم تزل مهاجرة له حتى توفيت، وعاشت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة أشهر. قالت: وكانت فاطمة تسأل أبا بكر نصيبها مما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر وفدك وصدقته بالمدينة، فأبى أبو بكر عليها ذلك، وقال: «لست تاركا شيئا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل به إلا عملت به، فإني أخشى إن تركت شيئا من أمره أن أزيغ». والزيغ يعني الخروج عن الحق. وإن كان في قلبي حب لآل البيت وتعظيم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وحرص على إيجاد البر من بعده ببر أهله، ولكنه ليس على الحق وعلى حساب الحق الذي علم. قال: فأما صدقته بالمدينة فدفعها عمر إلى علي وعباس -يعني في القصة التي مرت معنا- وأما خيبر وفدك فأمسكها عمر، وقال: «هما صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت لحقوقه التي تعروه ونوائبه». وأمرهما إلى من ولي الأمر، فهما على ذلك إلى اليوم. قال: أخرجه البخاري بكتاب فرض الخمس، باب فرض الخمس. قال: حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يقتسم ورثتي دينارا، ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤونة عاملي فهو صدقة». قال: أخرجه البخاري كتاب الوصايا، باب نفقة القيم للوقف. أورد المؤلف رحمه الله هذه الأحاديث في سياق ذكره لأحكام الجهاد، فقال: باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا نورث ما تركنا فهو صدقة». وهذا التبويب هو التبويب الذي بوئب به على هذه الأحاديث ومعناها في صحيح مسلم، وهو يبويب بتبويب معنى أحاديث مسلم، ومبويب عليه على قاعدته التي مرت معنا في أول الكتاب. ثم أورد هذه الأحاديث التي اتفق عليها الشيخان، وهذه الأحاديث فيها هذا المعنى المبوب به. أولها حديث عائشة، ولفظه لفظ البخاري. أخرجه في الباب المشار إليه، فقال البخاري رحمه الله: حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة، فذكر الحديث بلفظه. والحديث الثاني حديث عائشة، ولفظه لفظ البخاري في الباب المشار إليه، فقال البخاري رحمه الله: حدثنا يحيى بن بكير قال: حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة، فذكر الحديث بلفظه. والثالث حديث عائشة: «أن فاطمة عليها السلام إلى آخره». ولفظ عليها السلام بعض أهل العلم يرى أن الأولى تركها حتى لا يكون الغلو في آل البيت، وإن كان يجوز قولها لمثلها ولغيرها؛ لأنه دعاء، لكن لما كان هذا التخصيص يخشى منه ما قد يفتح باب الغلو في أهل البيت كان الأولى ترك ذلك، فيقال في حقها: رضي الله عنها وأرضاها. وهذا الحديث كذلك أخرجه البخاري في الباب المشار إليه، وهو لفظه، فقال رحمه الله: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله قال: حدثنا إبراهيم بن سعد عن صالح عن ابن شهاب، قال: أخبرني عروة بن الزبير أن عائشة، فذكر الحديث بلفظه. والحديث الأخير حديث أبي هريرة، أخرجه البخاري في الباب المشار إليه، فقال: حدثنا عبد الله بن يوسف قال: أخبرنا مالك عن الزهري عن الأعرج عن أبي هريرة، فذكره بلفظه. وهذه الأحاديث الأربعة تدل على مسائل كثيرة، أهمها ما يتعلق بهذا التبويب فيها: أن ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة ولا يورث. وقد جاء في هذا الباب أحاديث كثيرة، وهذا المذكور بعضها، وغيرها كثير. وهذا الحكم فسره العلماء بتفاسير، مرجعها إلى تفسيرين اثنين. أحدهما: أن الله عز وجل جعل ذلك من خصائص الأنبياء والمرسلين جميعا، فليس هذا الحكم لنبينا عليه الصلاة والسلام فقط، ولكنه لجميع الأنبياء والمرسلين؛ لأجل أن يبقى اختصاصهم بتوريث العلم والرسالة والنبوة. ويؤيده ما جاء في حديثه بالدرداء وغيره: «إن الأنبياء لا يورثون دينارا ولا درهما، ولكن ورثوا العلم». ونحوه أحاديث كثيرة. والتفسير الثاني: أن ذلك لأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أنفع الناس للناس، وأدل الناس على الخير، فلذلك جعل ما تركوا صدقة من بعدهم. ولما كانت الصدقة المقصود بها الإحسان، فلم يكن ذلك على حساب قرابته، فلذلك كان من سنته عليه الصلاة والسلام أن تبقى له صدقة لآل بيته وأهله. وهذا الذي فعله الخلفاء من بعده. أما أن يقسم المال تركة، فيعطى فيها الغني والفقير والمحتاج وغير المحتاج بقسمة التركة، فهذا ما لم يوافق عليه الخلفاء اتباعا لسنة النبي صلى الله عليه وسلم القولية والفعلية. وخلاصة هذه الأحاديث تدور حول هذا المعنى. وأما ما وقع من خلاف من بعض الصحابة رضي الله عنهم ممن كان يظن أن لهم حقا ونصيبا، فذلك لشبهتين اثنتين: الشبهة الأولى أن بعضهم لم يبلغهم الحديث، فكان عدم بلوغ الحديث سببا في المطالبة بحقهم أخذا بعموم الأدلة من الكتاب والسنة في قسمة تركة كل ميت، فظنوا أن لهم حظا ونصيبا في هذا المال بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإذا كان كذلك فكيف بقيت المطالبة بعد بلوغ الحديث؟ يعني بعد أن بلغوا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. أجاب العلماء عن ذلك بأجوبة. أولها: أن بعضهم ظن أن هذا الحديث ربما لم يكن محكما -يعني أنه لم يفهم على فهم الله الصحيح- فربما ظنوه أنه في بعض المال دون بعض. ويدل على ذلك ما وقع في قصة علي وفاطمة؛ فإنهم ظنوا أن هذا حديث خاص فيما يتعلق بالمال الذي في المدينة، ولهذا تركوا ذلك وطالبوا بغيره من مال آخر مما كان في فدك وخيبر، مما كان في فدك وخيبر. وكانت هذه شبهة أخرى جعلت مثل هذا الخلاف يبقى. والحق ما قاله أبو بكر رضي الله عنه، وبعده عمر رضي الله عنه، واستقر عليه أمر الصحابة جميعا رضي الله عنهم أرضاهم: أن ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة لا يورث، إلا ما استثناه رسول الله صلى الله عليه وسلم من نفقة أهله، وما يكون بعد ذلك لعماله، وما زاد فإنه يكون في مصالح المسلمين: في السلاح والكراع -عدة في سبيل الله- يعني السلاح، الأسلحة، والكراع المركوب، وما يحمل على المركوب: الخيل والإبل وغيرها، وما يحمل عليها من عدتها، يجهز لسبيل الله سبحانه وتعالى. على أنه قد قسم غير ذلك -كما مر معنا- لفقراء المهاجرين والأنصار. وهذا ما كان فيئا. أما ما كان خمسا له خاصة مما غنمه كغيره من المسلمين غنيمة، فهذا يدخل في عموم -على الصحيح- قوله: «لا نورث ما تركنا صدقة». ويؤيده حديث أبي هريرة، قال عليه الصلاة والسلام: «لا يقتسم ورثتي دينارا». فقوله: «لا يقتسم ورثتي دينارا» عام يشمل الفيء والغنيمة وغير ذلك، يشمل كل مال. وأحاديث كثيرة في هذا الباب تدل على هذا المعنى. فقوله: «لا يقتسم ورثتي دينارا» تأكيد أن الورثة لا يرثون شيئا. ولما كان الورثة قد يحتاجون منهم، فمن كان محتاجا، قال: «ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤونة عاملي فهو صدقة». والصدقة تبدأ بالأقرب فالأقرب في الحاجة. فما خرج صدقة فيستحقها الأقرب لا شك قبل الأبعد، لكن بمسمى الصدقة لا بمسمى التركة. وأما نفقة نسائه ومؤونة عماله، استشكل هذا العلماء. قالوا: إذا كان ليس تركة فبأي حق صارت النفقة للنساء؟ قال العلماء: هذه النفقة كانت بمثابة نفقة المعتدة؛ لأن نساء النبي صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين، يحرم عليهن النكاح من بعده إلى الأبد، فكان حكمها كحكم بقاء النكاح، فهي كأنها في العدة، فلذلك لها نفقة ما عاشت. لهذا كانت لها نفقة ما عاشت. وأما مؤونة العامل، فسره العلماء بتفسيرين: التفسير الأول: أنه العامل الذي يعمل على الأرض، فإنه يأخذ أجرته. وفسر العامل الذي يقوم على هذا الوقف -سواء الأمير الأكبر كأمير المؤمنين إذا قام عليه، واحتاج إلى نفقة يأخذ بالمعروف بما جرى به العرف- أو من يقوم عليه ممن يوكله الأمير، يتابع أمر إصلاح هذا الوقف، وإيصال صدقته إلى أهله، فإنه يحتاج إلى أجرة المثل، فهو يدخل في هذا. ويدل هذا الحديث كذلك على هذه المسألة: وهي مشروعية إعطاء الناظر على الوقف من الوقف. ولهذا بواب البخاري رحمه الله: باب نفقة القيم للوقف. يعني أن القائم على الوقف يجوز أن يأخذ من الوقف بالمعروف أجرة المثل؛ لأن الوقف إذا لم يكن عليه قائم بأجرة ضاع، الناس عندهم مشاغل وعندهم كذلك أمور معاش، فهم سيتعيشون لأنفسهم وأسرهم. وهذا معناه أن الوقف سيتعطل. سيتعيشون، لكن إذا أنفق على أحد مخلص صاحب خبرة أمين، فإنه سيحسن لهذا الوقف، ويكون سببا في إبقائه على أحسن أوصافه، فيعطى أجرة المثل؛ لأجل أن يتفرغ لهذا الإحسان. فإذا لابد من أجرة. ومع الأجرة يكون إحسان هذا القيم أو الواقف القائم على هذا الوقف. وإذا كان هذا في الوقف فإنه كذلك في غيره من أعمال الخير والبر وسائر أبواب الطاعات والقربات. فالصحيح أنه يجوز أن يعطى المال، بل قد يجب حتى لا يتعطل -كالمؤذن والإمام- وكذلك من يجمع الصدقة، حتى من يجمع الغنيمة. نص العلماء: أن من يجمع الغنيمة إذا كان لا ينضبط جمعها إلا بأجرة، فإن الأمير يوكل من يجمعها بأجرة، ويخرج ذلك من أصل الغنيمة قبل قسمها. قبل قسمها، وكل باب من أبواب الخير إذا كان الإحسان إلى هذا الباب يحتاج إلى أجرة، فإنه يعطى فيه الأجرة. على أن الناس على الصدقة والتطوع في هذا الباب هو الأولى؛ فإنه يورث في الناس حب الخير والتنافس فيه. وقد بني مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بتعاون الناس وإحسانهم وتنافسهم، ولم يبنى بأجرة، وإنما بالتعاون. ولا يزال المسلمون على ذلك في كثير من أبواب الخير. وهذا الذي ينبغي، لكن إذا خشي تعطيله أو طمع الإحسان فيه، فلا بأس أن توضع الأجرة في مثل هذه الأبواب. وفيه من المسائل كذلك ما سبق ذكرها في الأحاديث السابقة في الباب الذي قبله، مما قد يبتلى به أهل الفضل والخير؛ فإن ذلك مما يقع فيه الامتحان. فليس الشأن كل الشأن أن لا يقع الخلاف، ولكن الشأن كل الشأن كيف يكون حل الخلاف؟ وكذلك لا ينافي فضل ذوي الفضل ما قد يقع في مثل هذه الأحاديث مما هو محل عظة وعبرة لنا جميعا؛ فالنقص يقع من كل إنسان، ولكنه يستعين بهذا النقص لطلب الكمال، ويستعين بالتقصير للتمام. وهكذا كذلك يستفيد مما قد وقع مما يكون به الإصراح، وغير ذلك من المعاني الجميلة التي عليها الشرع. وفيه كذلك من المسائل: ما كان عليه الصحابة رضي الله تعالى عنهم من الحرص على الإنصاف، ولو حتى في وقت الخلاف. فانظروا إلى موقف علي رضي الله عنه أرضاه. وهكذا ينبغي أن يكون المسلم، حتى في وقت الغضب، وفي شدة الخلاف، ينبغي أن يكون متجردا منصفا، لا يمنعه خلاف مخالف أن ينصف. قد يظلمك إنسان بمظالم عظيمة، فلا يكن ظلمه لك مانعا لك من الصدع بالحق الذي هو له، ولو كان ذلك يعني تقيلا عليك؛ لأنك تؤدي ذلك طاعة لله سبحانه وتعالى. وفيه من المسائل كذلك: أن الهجر قد يقع من أهل الفضل على وجه خطأ، ويكون متأولا. فإذا وقع مثل هذا في عهد الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فمن دونهم من باب أولى. فالمطلوب هو: أن من استطاع أن يبدأ أخاه بالخير فهو أولى. فانظروا إلى أبي بكر وفضله، ومع ذلك أتى عليا إلى بيته. أتى عليا رضي الله عنه إلى بيته. وأبو بكر معروف منه. ومع ذلك بادر، فأتى عليا رضي الله عنه إلى بيته. وهكذا ينبغي أن يكون. هذا محل اتساء واقتداء في هذا الباب. وأخيرا من المسائل: وجوب اعتناء المسلم بأمر معاشي أهله. فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم -أسوتنا وقدوتنا- مع ما كان يبدله في نصرة هذا الدين، ووهب نفسه ووقته وماله. ولا شك أن هذا يظهر جدا في هذه الأحاديث؛ فإنه لم يكن فقط في حياته، بل وبعد مماته عليه الصلاة والسلام، إلا أنه كذلك كان يؤدي ما يحتاجه أهله. والشرع يأمر بذلك. ولهذا قال: «لحقوقه التي تعروه ونوائبه». وهذا يدخل من الحقوق: القيام بالأهل. وهذا درس عظيم؛ لأن بعض الناس قد تختلط عليه ترتيب الأولويات في الخير، فيقبل على العلم والعمل الصالح على حساب حق أهل بيته. وهذا خطأ، بل ربما يقع في الظلم. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: «كفى بالمرء إثما أن يضيع من يعول أو من يقوت». إلى هنا والله تعالى أعلم. يقول: ما هو السنة في مسألة المهر، وكم يقدر بالريال اليمني؟ هذا يرجع إلى العرف. والسنة التيسير بقدر المستطاع؛ فأبرك النساء أيسرهن مهرا. الذي يريد البركة يخفف في المهر، يخفف في المهر. هذا هو الذي ينبغي أن يحرص عليه، ويرجع في هذا إلى العرف؛ فقد يكون في بلد شيء يسير، وفي بلد آخر أرفع قليلا. أما المهر الذي مهر به رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه فهو اثنتا عشرة أوقية ونصف -أي من الفضة- وحسبناها قبل فترة -يعني تقريبا كم؟- قلنا: قرابة كم؟ من يذكر؟ عبد القادر موجود. كم سعر الفضة اليوم؟ سعر الفضة تقريبا -يعني- المهم لا تزيد عن المئة ألف. لا تزيد عن المئة ألف. فهذا كان تقريبا بسعر الفضة في هذه الأيام. يقول: حديث «أن مدينة العلم علي بابها، فمن أراد المدينة فليأتها من الباب». هذا حديث لا يصح، لا يصح. أن النبي صلى الله عليه وسلم ... إلى آخره.