مناسك الحج والعمرة 5

مناسك الحج والعمرة 5

الدرس الخامس:من( وله أن يلبس الإحرام قبل الميقات ولو في بيته ... بالبادية وهو الحد اللفاصل بين نجد وتهامه بينه وبين مكه اثنان وأربعون ميلاً وهو ميقات أهل العراق ).

أحكام الإحرام ولباسه

يجوز للمرأة ستر وجهها، ويجوز لبس الإحرام قبل الميقات، ويجوز التطيب قبل الإحرام بضوابط محددة. يحرم التطيب بعد الإحرام.

الإحرام والمواقيت وبدء التلبية

يستحب استخدام الطيب غير القوي عند الإحرام، ولا يحتاج إلى التلفظ بنية الإحرام بل يكفي النية القلبية، ويبدأ الإحرام بالتلبية. المواقيت المكانية للحج والعمرة محددة.

مواقيت الحج والعمرة الجغرافية

يشرح المقطع مواقيت الحج والعمرة ومواقعها مثل ذي الحليفة والجحفة وقرن المنازل. بعض المواقيت لم تعد مستخدمة واستبدلت بمواقع أخرى.

توقيت عمر وعلاقته بالسيل الكبير وخاتمة

المقطع يشرح توقيت عمر وعلاقته بالسيل الكبير، ويشير إلى انتهاء الدرس الحالي مع استمرارية الشرح في دروس لاحقة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. قال رحمه الله تعالى: ويجوز للمرأة أن تستر وجهها بشيء كالخماري والجلباب، تلقيه على رأسها وتزدله على وجهها، وإن كان يمس الوجه على الصحيح، ولكنها لا تشده عليها، كما قال ابن تيمية رحمه الله تعالى، وسبق أنه وردت به آثار، وهي في حكم المرفوع. قال رابعًا: وله أن يلبس الإحرام قبل الميقات، ولو في بيته، كما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه. وفي هذا تيسير على الذين يحجون بالطائرة، ولا يمكنهم لبس الإحرام عند الميقات، فيجوز لهم أن يصعدوا الطائرة في لباس الإحرام، ولكنهم لا يحرمون إلا قبل الميقات بيسير، حتى لا يفوتهم الميقات وهم غير محرمين. ويدل على ذلك ما جاء في حديث ابن عباس، وهكذا في البخاري من حديث ابن عمر، أنه كان إذا أراد الخروج إلى مكة، إدهن بدهن ليس له رائحة طيبة، ثم يأتي مسجد الحليفة فيصلي، ثم يركب، وإذا استوت به راحلة قائمة أحرم، ثم قال: هكذا رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يفعل. فإذا كان من فعل النبي صلى الله عليه وسلم التجهز للإحرام من البيت، والدخول بالإحرام من الميقات، ميقات الحليفة، وهكذا كذلك كما قال الشيخ، بالنسبة لمن سيبعد عليه الميقات، فيجوز له أن يلبس تياب الإحرام من بيته، فإذا حاذى الميقات دخل في الإحرام. والحمد لله اليوم، وسائل معرفة مكان الميقات متيسرة، سواء بواسطة ما يُعرض في شاشات الطائرات من معرفة أماكن الميقات، أو أماكن المسافات التي يكون بها الوقت للوصول إلى الميقات، أو كذلك السؤال لمن في الطائرة، فيخبرون بذلك، أو ما يُعلن عنه. المهم لا يُعجزه أن يعرف ذلك. وفي هذا كذلك مقال تيسير لمن هذا حالهم، حتى لا يشق عليهم، فيقال لهم: لا يجوز أن تلبسوا إلا إذا حاذيتم الميقات، والوقت لا يكفي. إذا هذا الميقات متى يلبسه؟ متى يدخل في الإحرام؟ لكن إذا لبس قبل ذلك، كان في هذا تيسير له، فبسهولة يدخل في الإحرام، وهو قد لبس تياب الإحرام. قال رحمه الله تعالى: وفي حديث ابن عمر إشارة إلى مسألة أخرى، وهي أن الميقات إذا بعد، وكان هناك مسافة لا بأس، أن يغتسل من بيته، ولا يغتسل في موضع الدخول في الإحرام. وإن كان الأفضل أن يغتسل، لكن إذا اغتسل في بيته فلا بأس في ذلك، ما دامت المسافة ليست بعيدة، يعني قريبة. بخلاف ميقات أهل اليمن، وميقات أهل الشام، فهو بعيد منهم. أما ميقات أهل المدينة، فقريب من أهل المدينة، يمكن يمشي الراكب اليوم بالسيارة أقل من ربع ساعة من بيته إلى موضع الميقات، فإذا لا يحتاج أن يغتسل مرتين، ممكن أن يغتسل في بيته، ويلبس، ويدهن، وكل شيء، فإذا حاذى الميقات ركب راحلته ودخل في الإحرام، كما سيأتي إن شاء الله. قال خامسًا: وأن يدهن ويتطيب في بدنه بأي طيب شاء، له رائحة ولا لون له، إلا النساء، فطيبهن ما له لون ولا رائحة له. فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا طيب النساء، أي الذي تخرج به عند الرجال أو خارج البيت. فطيبها ما له لون، وليس له رائحة. أما ما له لون ورائحة، أو ما له رائحة، فلا تتطيب به النساء إذا خرجت من البيت. بل إذا فعلت ذلك، فهي إذا تعمدت أن يجد ريحها الرجال، فهي زانية، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. وأما الرجال، فيجوز أن يتطيبوا بالطيب الذي له رائحة ولا لون له، لأن اللون من خصائص النساء، الورث والزعفران، وما كان بمعناه مما له لون. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم نهي الرجال عن ذلك في الحج، وفي غير الحج، في الإحرام، وفي غير الإحرام، وهو في الإحرام أشد. جاء عن عبد الله بن عمر في التوبين المعصفرين، وفي رواية مزعفرين. وحديث بن عباس، وحديث بن عمر في الإحرام: ولا تلبس من الثياب شيئًا مسه الزعفران أو الورث. أما المرأة، فكما سبق. وأما المرأة إذا كانت عند زوجها، فتتطيب بما له رائحة أو غير ذلك. قال: وهذا كله قبل أن ينوي الإحرام عند الميقات. وأما بعده، فحرام. يعني يجوز أن يتطيب قبل أن يدخل في الإحرام، وأما بعد الدخول في الإحرام، فإنه لا يجوز له. ويدل عليه حديث عائشة: طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم لحله قبل إحرامه. فقوله: لحله قبل إحرامه، أي حين كان حلالًا قبل أن يدخل في الإحرام. وهنا ذكر العلماء قاعدة: يثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا. يجوز للمحرم أن يبقي الطيب في جسده، ما دام قد وضعه قبل دخوله في الإحرام، ولا يجوز له أن يضع الطيب على ثوبه، ولا على جسده بعد دخوله في الإحرام. أما على الثوب، فلا يجوز، لا قبل الإحرام ولا بعد الإحرام. على الثوب لا يجوز، لا قبل الإحرام ولا بعد الإحرام. وأما على الجسد، وقد وضع النبي صلى الله عليه وسلم الطيب في مفرق رأسه، يعني بين شعر الرأس في المفرق في وسط الرأس. وهكذا أنت، يجوز لك أن تضع في لحيتك، بين خلف أذنيك، كذلك في المواضع التي لا يمسها الثوب. انتبه، لا تضع في موضع يأتي الثوب عليه، فيصير الطيب على الثوب، لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يمس ثوب المحرم طيب. وسيأتي معنا شيء من ذلك في الفصول الآتية. فهذه السنة يمس الطيب الجسد قبل الدخول في الإحرام، أما بعد الدخول في الإحرام، فهو حرام، كما جاءت بذلك الأحاديث الكثيرة، من حديث ابن عباس في المحرم الذي وقصته ناقته، وفي حديث ابن عمر الذي سبق قبل قليل، ذكره الإمام البخاري في الصحيحة، باب الإهلال. فيستقبل القبلة فيه، أن ابن عمر تطيب بدهن، أو الدهن بدهن ليس له رائحة طيبة. ومعنى أن رائحة خافتة خفيفة. واستدل العلماء بهذه الجملة على أنه يستحب للمحرم في وقت الإحرام، أن يستخدم الطيب الذي ليس يكون فواحًا، يعني ليس قويًا، وليس شديد الرائحة. أولًا لأنه السنة، كما قال ابن عمر: هكذا رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يفعل. وليس معنى أن الذي فيه رائحة قوية حرام. الجواب: لا، ليس بحرام، لأنه يجوز قبل الإحرام، لكن هذا معنى أن هذا الأفضل والأكمل. قال العلماء: أولًا لأنه السنة، وثانيًا لأنه ليس فيه إيذاء، لا للمحرم ولا لغير المحرمين. قال: الإحرام ونيته، فإذا جاء ميقات، وجب عليه أن يحرم، ولا يكون ذلك بمجرد ما في قلبه من قصد الحج ونيته. فإن القصد ما زال في القلب منذ خرج من بلده، بل لا بد من قول أو عمل يصير به محرمًا. فإذا لبى قاصدًا للإحرام، عقد إحرامه اتفاقًا. ومعنى أن نية الإحرام هي في القلب، ولا يحتاج إلى تلفظ. وفرق بين النية بالإحرام وبين الدخول بالإحرام، مثل النية للصلاة والدخول في الصلاة. فالنية للصلاة في القلب، ما يحتاج أن يتلفظ المصلي فيقول: نويت، ونصلي صلاة العصر أربعًا، مأمومًا حاضرا، إلى آخره. لا يحتاج ذلك، لأن هذا كله موجود في القلب. لكن لا بد إذا أراد المصلي أن يصلي، أن يقول: الله أكبر، فيكبر تكبيرة الإحرام، يدخل بها في الصلاة. وهكذا كذلك المحرم، لا حاجة له أن يتلفظ من نية، لأن النية محلها القلب، ولكن يحتاج لأجل أن يدخل في نسك الحج، أن يقول: لبيك اللهم حج، أو سيبتدأ بالعمرة، يقول: لبيك اللهم عمرة، أو سيدخل بعمرة مقترن بالحج، يقول: لبيك اللهم حجا وعمرة. وهذه ثلاثة أنساك، هي مناسك الحج، أو أنساك الحج: إما مفرد بحج، أو متمتع بعمرة ثم يأتي بالحج، أو يقرن بين العمرة والحج، فيتلفظ بأحد هذه الألفاظ الثلاثة، أو ما كان بمعناها. وهو بمثابة تكبيرة الإحرام للدخول في الصلاة. قال رحمه الله تعالى: سابعًا: ولا يقول بلسانه شيئًا بين يدي التلبية، مثل قولهم: اللهم إني أريد الحج أو العمرة، فيسره لي وتقبله مني، لعدم وروده عن النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا مثل التلفظ بالنية في الطهارة والصلاة والصيام. فكل ذلك من محدثات الأمور. ومن المعلوم قوله صلى الله عليه وسلم: فإن كل محدثة بدعة، وكل بدقة، وكل ضلالة في النار. ومر معنا في دروس سابقة ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أن المتلفظ بالنية ناقص في العقل والدين. وبين نقصان العقل: أنه بمثابة المحدث نفسه بعمله، فهو كشبه المجنون. قال: فهو مثلًا يقول القائل: نويت بهذه اللقمة التي أكلتها التقوي بها، إلى آخره. هذا جنون، أن يحدث الإنسان نفسه بما يعمل، وهو يعرف أنه يفعل ذلك، لذلك فلماذا تحدث نفسك؟ هذا عمل مثل عمل المجانين. ولهذا كان نقصانًا في العقل. وأما نقصان الدين: لأنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عن الصحابة، ولا عن أحد من الأئمة، فهو من البدع الضال له. وكل بدعة ضلالة. وبه نعرف كذلك خطأ قول من يقول: التلفظ بالنية لا يجوز إلا في الحج. فهذا ليس بالصحيح، حتى في الحج لا يتلفظ بالنية، لكن إن أراد بالتلفظ بالنية الدخول في النسك: لبيك اللهم حج، أو إلى آخره، فهذا يسمى تلبية وإهلالًا ودخولًا في الحج، وليس هو تلفظًا بالنية على الصحيح من أقوال أهل العلم كما سمعت. والتلبية أو الإهلال بينهم عموم وخصوص. التلبية: أن يقول المحرم: لبيك اللهم حج، أو يقول بالتلبية النبي صلى الله عليه وسلم: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك. يعني ليس من شرطها أن تقول: لبيك اللهم حج. لو قلت وأنت ناوي في قلبك الحج أو العمرة، لو قلت: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، كانت هذه التلبية دخولًا في الحج، ودخولًا في النسك. والإهلال هو رفع الصوت بالتلبية. قال رحمه الله تعالى: المواقيت. والمواقيت خمسة: ذو الحليفة، والجحفة، وقرن المنازل، ويلملم، وذات عرق، هن لأهلهن ولمن مر عليهن من غير أهلهن ممن يريد الحج والعمرة. ومن كان منزله دونهن، فمهله من منزله. حتى أهل مكة يهلون من مكة. وهذا الذي ذكره رحمه الله، قال به بعض أهل العلم. وأما الأحاديث الصحيحة التي وردت في الصحيحين وغيرها، فذكرت أربعة مواقيت: ذو الحليفة، والجحفة، وقرن المنازل، ويلملم. أما ذات عرق، فكما سيأتي إن شاء الله، لم يثبت على الصحيح مرفوعًا عن النبي صلى الله عليه وسلم. وأما قوله: ولمن مر عليهن من غير أهلهن، سيأتي أن هذه المواقيت هي مواقيت تسمى مكانية، من عندها يدخل الحاج أو المعتمر في نسك حجه أو عمرته. فللحج مواقيت مكانية، ومواقيت زمانية. أما المواقيت الزمانية، فهي أشهر الحج، كما قال الله عز وجل: ﴿فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ﴾ أي في أشهر الحج، كما جاء عن ابن عباس، وعن ابن عمر، وفي صحيح البخاري معلقًا. وجاء خارج الصحيح، عند الطبراني، والدارقطني، والبيهقي، بإسناد صحيح، عن ابن عمر، أنه قال: أشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة. والمراد بالعشر: ليس عشر إلى عشرة، ولكن بضعة عشر، بما ينهي الحاج نسكه، بما ينهي الحاج نسك الحج. وأما المواقيت المكانية، فهي الأماكن التي لا يجوز للحاج أو المعتمر أن يمر عليها إلا وهو محرم، ما دام يريد الحج أو العمرة. وقد وقت النبي صلى الله عليه وسلم لأهل كل بلد ميقاتًا، كما سيأتي إن شاء الله. وليس هو خاص بأهل تلك البلاد، بل هي لأهلها، ولكل من مر على الميقات، ولو كان من غير أهل ذاك الميقات. فمثلًا لو مر الشام من طريق أهل اليمن، فإنه سيحرم من ميقات أهل اليمن. ولو مر اليمن من طريق أهل الشام، فسيحرم من ميقات أهل الشام. وهكذا. وهذا هو قوله: ولمن مر عليهن من غير أهلهن. جاء في الحديث: ممن أراد الحج أو العمرة. وهذا القيد يفيد أنه ليس كل من مر على المواقيت، لا بد أن يحرم، ولكن الذي يحرم هو الذي أراد الحج أو العمرة. وقوله: من كان منزله دونهن، أي دون هذه المواقيت، أي بين الميقات ومكة، بين الميقات والحرم، فمهله من منزله. يعني من مكان الذي هو فيه. فأهل جدة ميقاتهم من مكانهم من جدة. وأهل عسفان ميقاتهم من مكانهم من عسفان. وهكذا أهل كل ميقات، أهل كل مكان هو دون الميقات، فمكانهم ميقاتهم من مكانهم. حتى أهل مكة يحرمون كل واحد من بيته داخل مكة، يعني بالحج. أما بالعمرة، فقد جاء عن ابن عباس: أنهم يخرجون إلى أدنى الحل، يعني أقرب الحل. ويدل عليه كما سيأتي إن شاء الله حديث عائشة، إذ أمر النبي صلى الله عليه وسلم عائشة حين أرادت العمرة، وهي في مكة، أن تخرج إلى التنعيم، وهو أقرب الحل لها. قال: وذو الحليفة مهل أهل المدينة، كما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيحة في الصحيحين، من حديث ابن عمر وغيره. قال: وهي قرية تبعد عنها ستة أميال أو سبعة، وهي أبعد المواقيت عن مكة، وهي كما ترون أقرب إلى المدينة من مكة. بينما المواقيت الأخرى هي أقرب إلى مكة من كل بلد هي له. قال: بينهما عشر مراحل أو أكثر، بحسب اختلاف الطرق. فإن منها إلى مكة عدة طرق، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. يعني عشر مراحل من مراحل المسافرين. في ذاك الزمان كانوا يقطعون السفر إلى مراحل، وكل مرحلة قدرها بعض أهل العلم بما يقارب في زماننا هذا أربعين إلى خمسين كيلو متر تقريبًا. كانت المراحل بذاك الزمان بين الأربعين إلى الخمسين كيلو تقريبًا. قال: فإن منها إلى مكة عدة طرق، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية. وتسمى وادي العقيق. وسميت بوادي العقيق، لأنه يمر بها واد هو وادي العقيق، وهو واد مبارك، كما سيأتي إن شاء الله في مجامع النبي عليه الصلاة والسلام. قال: ومسجدها يسمى مسجد الشجرة، لأنه كان في ذاك الزمان عندها شجرة. أما اليوم لا يوجد شجرة، يعني الشجرة المعهودة. قال: وفيها بئر تسميها جهال العامة بئر علي، لظنهم أن علي قاتل الجن بها، وهو كذب. ولهذا من الخطأ أن نسمي موضع ذي الحليفة ببئر علي، وبيار علي. وهذا من طغيان خرافات العامة على الناس. قال: والجحفة قرية بينها وبين مكة نحو ثلاث مراحل، وهي ميقات أهل الشام ومصر. وأهل المدينة أيضًا إذا اجتازوا من الطريق الآخر، هو موضع بالقرب من الساحل، وهي بلدة معروفة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ومعالمهم موجودة إلى يومنا هذا. كان بالحمة مدينة، كان بالمدينة حمة، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم أن تنتقل حماها إلى الجحفة، لأن الجحفة كانت قرية خربة في ذاك الزمان، يعني لم يسكنها أحد، فانتقلت حم المدينة بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم إلى الجحفة. واليوم هذا الموضع مهجور، لكن صار الناس يحرمون من موضع يحاذيه، يقال له رابغ. يقال له رابغ. قال: وأهل المدينة أيضًا إذا اجتازوا من الطريق الآخر، وهو ما يسمى اليوم بالطريق القديم، أو طريق بدر. فللمدينة طريقان: الطريق المعهود، وهو الخط السريع الذي يسمى بطريق الهجرة، وهو الذي يعرفه كل الناس. وطريق آخر، طريق الساحل، وهو ما يسمى بطريق بدر. فهذا الطريق الثاني، الطريق الساحلي إلى المدينة، أو من المدينة إلى مكة وجدة، هو الذي يمر بميقات الجحفة. فلأهل المدينة إذن ميقاتان: إن مروا من طريق الساحل، فسيحرمون من الجحفة، وإن مروا بالطريق الأعلى، وهو ما يسمى بطريق الهجرة، فسيحرمون من ذي الحليفة. وهكذا يقال في أهل كل منطقة، ممن هم في أعلى المدينة، كأهل الشام، وأهل مصر، ممن يأتون من شمال المدينة. وحتى أهل نجد إذا مروا من طريق المدينة، فلهم في هذا ميقاتان: إن مروا بالساحل، فالجحفة، وإن مروا في الأعلى، فذو الحليفة. قال: وهي ميقات من حج من ناحية المغرب، قال ابن تيمية: هي ميقات من حج من ناحية المغرب، كأهل الشام ومصر وسائر المغرب. وهي اليوم خراب، ولهذا صار الناس يحرمون قبلها من المكان الذي يسمى رابغًا. ورابغ يحاذي الجحفة، وهو قبل الجحفة بيسير، فلا يضر هذا اليسير. قال: وقرن المنازل، ويسمى قرن الثعالب، تلقاء مكة على يوم وليلة، وهو ميقات أهل نجد، وهو ما يسمى اليوم بالسيل الكبير. اليوم يسميه الناس بالسيل الكبير، وهو ميقات أهل نجد، لأنه يحاذي أهل نجد إذا توجهوا إلى مكة، يكون بطريقهم. فهذا الميقات ميقات لأهل نجد، ولكل من مر عليه، ولو كان من غير أهل نجد. ونجد هو كل ما ارتفع مما يلي مكة والحجاز. قال: ويلملم موضع على ليلتين من مكة، بينهما ثلاثون ميلًا، وهو ميقات أهل اليمن. ويلملم كذلك اليوم ليست هي على طريق المار من الحجاج والمعتمرين، ولكنها تحاذي الميقات الموجودة اليوم، المسماة بميقات السعدية. على أن الميقات اليوم حتى ليس هو على السعدية، لأن السعدية بئر يوازي الميقات الموجودة اليوم، وهو على غير الخط الإسفلت الذي تمر عليه المركوبات من السيارات وغيرها. فالمهم ميقات الناس اليوم هو يحاذي ويلملم، واشتهر عند الناس أنه السعدية، وليس هو بالسعدية، بل هو يحاذي السعدية، بئر السعدية. فهو لأهل اليمن، ولكل من مر عليه، ولو كان من غير أهل اليمن، كما جاء في الحديث. قال: وذات عرق مكان بالبادية، وهو الحد الفاصل بين نجد وتهامة، بينه وبين مكة اثنان وأربعون ميلًا، وهو ميقات أهل العراق. وذات عرق، كما ذكر، مكان بالبادية، وهو الحد الفاصل بين نجد وتهامة. ومعنى نجد وتهامة: يعني مرتفع من الأرض جهة نجد، ومنخفض جهة تهامة. وهو موضع معروف اليوم. ولكن الصحيح أن هذا الموضع لم يصح مرفوعًا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ميقات. وإن كان قد رويت فيه أحاديث كثيرة، لكن الأحاديث بين مكذوب وضعيف، لم يصح مرفوعًا. قال الإمام مسلم رحمه الله بكتاب التمييز: فأما الأحاديث التي ذكرناها من قبل، أن النبي صلى الله عليه وسلم وقت لأهل العراق ذات عرق، فليس فيها واحد يثبت. ونحو هذا الكلام، قال ابن خزيمة، وابن الملقن، وجماعة من الحفاظ. فإنه لم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم وقت لأهل العراق ذات عرق. ولكن صح عن بعض الصحابة، عن عمر رضي الله عنه. فهو من جهة التوقيت ليس بميقات، لكن هو يوازي قرن المنازل، المسمى اليوم بالسيل الكبير. فمن جاء من أهل العراق، أو من أهل البحرين، أو أهل الكويت، وما كان بمعناه من دول البحرين، فمن جاء من تلك الجهة، ومر بذات عرق، فإنه يحرم منها، لأنها تحاذي السيل الكبير، ولأن عمر رضي الله عنه وقتها. وتوقيت عمر كان بالقياس، لأنه يحاذي السيل الكبير. طيب، نقف إلى هذا الحد، ونترك الباقي إن شاء الله إلى دروس لاحقة. والله تعالى أعلم.