مناسك الحج والعمرة 11

مناسك الحج والعمرة 11

الدرس في مناسك الحج والعمرة 11، الدرس الحادي عشر:من( صلاة الفجر في المزدلفة ... فإذا أمسيتم قبل أن تطوفوا هذا البيت صرتم حرماً لهيئتكم قبل أن ترموا الجمرة قبل أن تطوفوا به ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أحكام الوقوف بمزدلفة والمبيت بها

شرح أحكام صلاة الفجر في المزدلفة ورخصة الضعفة في الخروج بعد منتصف الليل. بيان أن مزدلفة كلها موقف.

مناسك يوم العاشر من ذي الحجة

شرح تفاصيل مناسك الحج في يوم العاشر، بدءًا من التوجه من مزدلفة إلى منى ورمي جمرة العقبة بسبع حصيات. توضيح كيفية رمي الجمرات واتجاه القبلة.

أحكام رمي جمرة العقبة وطواف الإفاضة وتحلل الحاج

شرح أحكام رمي جمرة العقبة ووقته وتحلل الحاج بعد الرمي. توضيح أحكام طواف الإفاضة وارتباطها بالتحلل، مع ذكر آراء أهل العلم.

خاتمة الدرس وتأجيل المتابعة

الإشارة إلى رأي جمهور أهل العلم وتأجيل استكمال الموضوع لما بعد الصلاة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. مر معنا في الدرس الماضي الكلام على مجموعة من المسائل المتعلقة بصفة الحج، ومنها ما يتعلق بيوم التروية والذهاب إلى عرفة والعودة من عرفة إلى مزدلفة، ومسألة المبيت والصلاة. وسيأتي اليوم إن شاء الله تتمة لما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى. قال رحمه الله تعالى: «صلاة الفجر في المزدلفة»، قال: «ولا بد من صلاة الفجر في المزدلفة لجميع الحجاج إلا الضعفة والنساء، فإنه يجوز لهم أن ينطلقوا منها بعد منتصف الليل خشية حطمة الناس». كما قلنا جامعًا في قصة ابن عباس وأسماء وغيرهما رضي الله تعالى عنهما في ترخيص النبي صلى الله عليه وسلم للضعفة والنساء. ومع ذلك لم يثبت أن كل نساء الصحابة خرجن بهذه الرخصة، وإنما خرج من خشية حطمة الناس من الضعفة والنساء. فمن استطاعت أن تصبر فهو أفضل، من استطاعت من النساء أن تبقى وتبيت وتصلي الفجر في المزدلفة فهذا أفضل وأكمل. وطبعًا مع محارمها، كل امرأة مع محرمها. قال رحمه الله تعالى: «ثم يأتي المشعر الحرام وهو جبل في المزدلفة فيرقى عليه ويستقبل القبلة فيحمد الله ويكبره ويهلله ويوحده ويدعو ولا يزال كذلك حتى يسفر جدًا». يعني يقول: الحمد لله والله أكبر ولا إله إلا الله وحده لا شريك له، ويدعو بما فتح الله عز وجل عليه من الدعاء. والمشعر الحرام جبل صغير في مؤخرة المسجد الموجود في مزدلفة المشهور بمسجد المشعر الحرام. ففي مؤخرة المسجد من الجانب الأيمن -يعني خلف المسجد عن يمينه- جبل صغير هذا هو المسمى بالمشعر الحرام. جبل كان يقف عنده النبي عليه الصلاة والسلام بعد الصلاة يدعو ويستمر في الدعاء حتى يسفر جدًا، يعني حتى يظهر ضوء النهار بوضوح وقبل أن تشرق الشمس. وقد ظهر ضوء النهار بوضوح ينطلق عليه الصلاة والسلام إلى منى. قال: «ومزدلفة كلها موقف، وحيث ما وقف فيها جاز؛ لأنه قال عليه الصلاة والسلام: وقفتها هنا، وجمع كلها موقف». وجمع هي مزدلفة، سماها النبي صلى الله عليه وسلم جمعًا؛ لأن الناس كلهم يجتمعون فيها، لا أحد يحج إلا ويأتي إلى مزدلفة، فهو موضع جمع الناس. وكانت تسمى في الجاهلية كذلك جمعًا؛ لأن أهل الجاهلية كانوا في حجهم على قسمين: قسم أهل الحرم، وقسم من الآفاقيين من غير أهل الحرم ممن يأتي من خارج مكة. فأهل الحرم إذا خرجوا يوم التاسع لا يخرجون إلا إلى مزدلفة فقط، ويزعمون أنهم أهل حرم، وأن أهل الحرم لحرمتهم لا يخرجون من الحرم. وأما من كان ليس من أهل الحرم فإنه يخرج إلى عرفة. ولهذا أنزل الله عز وجل قرآنًا يبين خطأ فعل، وبين أنهم غيروا وبدلوا سنة إبراهيم عليه الصلاة والسلام في الحج. فأنزل على نبينا عليه الصلاة والسلام: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة:199]، والناس يفيضون من عرفة. قال عليه الصلاة والسلام: «وقفتها هنا، وجمع كلها موقف». أي: كل مكان في مزدلفة تقف فيه فقف فيه. وهذا من الرحمة والرفق بالأمة، ومن فضل الله عز وجل على الناس أن يسر لهم أحكام عباداتهم، ومنها مناسك الحج. فلا يحتاج الحاج إذا نزل منزلًا بعيدًا من المسجد أن يقترب إلى المشعر الحرام فيكلف على نفسه ويشق على رفقته، ولكن يأخذ برخصة النبي عليه الصلاة والسلام: «وقفتها هنا، وجمع كلها موقف». قال رحمه الله تعالى: «قالوا: مزدلفة كلها موقف، فحيثما وقف فيها جاز». والسن الوقوف إلى أن يسفر جدًا، فإذا أسفر جدًا الصبح وقبل أن تشرق الشمس وتطلع ينطلق. قال: «ثم ينطلق قبل طلوع الشمس إلى منى، وعليه السكينة وهو يلبي». ومر معنا أنه يلبي ويكبر، فصح من حديث ابن عباس وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم يلبي حتى يرمي جمرة العقبة. قال رحمه الله تعالى: «فإذا أتى بطن محسر أسرع السير إذا أمكنه». وهو من منى. ثم يأخذ الطريق الوسطى التي تخرجه إلى الجمرة الكبرى. معناه أنه يمشي وعليه السكينة والهدوء بين تلبية وتكبير. فإذا أتى بطن محسر -والمراد ببطن محسر أي وادي محسر- وهو وادٍ معترض معروف يعترض المنتقلين من مزدلفة إلى منى في طرف منى، قبل الوصول إلى منى وبعد الخروج من حدود مزدلفة، يعترض وادٍ في طريق الحجاج وهم ماشون من مزدلفة بعد خروجهم من مزدلفة وإرادة دخولهم إلى حدود منى، هذا الوادي يسمى وادي محسر. وهذا الوادي اليوم أكثره قد صار طرقًا وبنيت في أطرافه مواضع للحجاج وخدمات، لكن له علامة ظاهرة واضحة: بني في طرف هذا الوادي مستشفى كبير يسمى بمستشفى منى. وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتى هذا الوادي أسرع -أسرع السير فيه-. وقد اختلف أهل العلم لماذا أسرع؟ قيل: أسرع؛ لأنه موضع عذب فيه أصحاب الفيل. وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا مر بموضع عذب فيه قوم كان يسرع عليه الصلاة والسلام. قال رحمه الله تعالى: «ويلتقط الحصيات التي يريد أن يرمي بها جمرة العقبة في منى، وهي آخر الجمرات وأقربهن إلى مكة». والتقاط الحصيات اختلفت الروايات في ذلك: قيل: إنه أخذها من مزدلفة، وقيل: أخذها من الطريق، وقيل: أخذها من منى. والأمر في هذا واسع، بعض أهل العلم جمع بين هذه الروايات فقال: أخذ بعض الحصى له ولمن أردف معه بعضه من مزدلفة، وما نقص عنهم أخذوه من الطريق، وما نقص أخذوه من منى بقرب الجمرات. وهذا معقول. لكن أصح ما روي وأصرحها ما جاء عن ابن عباس أنه أخذ الحصيات والتقطها من منى. فالأمر في هذا واسع، سواء أخذها من مزدلفة أو من الطريق أو من منى، الأمر سهل. المهم أن لا يتعبد الله أن يأخذها من مكان معين. فإن اعتقاد ذلك قد يدخله في معنى البدعة. لكن يأخذ من حيث تيسر له. وكان رفقًا به من أي مكان كان. قال رحمه الله: «ويستقبل الجمرة ويجعل مكة عن يساره ومنى عن يمينه». هذه السنة؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك. وهو كذلك أرفق بالحاج إذا هو أتى من مزدلفة؛ فإنه سيواجه أول ما يواجه الجمرة الصغرى، فسيتركها؛ لأنها لا ترمى في اليوم العاشر. ثم تأتي الجمرة الوسطى كذلك سيتركها؛ لأنها لا ترمى في اليوم العاشر. ثم يأتي الجمرة الكبرى وهي التي ترمى في هذا اليوم، في يوم العاشر. فإنه في يوم العاشر لا ترمى إلا الجمرة الكبرى، وهي التي تسمى جمرة العقبة. وسميت جمرة العقبة؛ لأنه كان متصل بها جبل فيه عقبة، ولكن هذا الجبل اليوم لا وجود له. وتسمى أحيانًا بجمرة الشجرة أو الجمرة الكبرى عند الشجرة؛ لأنه كان عندها قديمًا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم شجرة كبيرة. أما اليوم فلا وجود لشجرة ولا عقبة ولا جبل. فهذه الجمرة الكبرى هي التي ترمى في يوم العاشر. ووقت الرمي هو بعد طلوع الشمس. وسيأتي التنبيه عليه. قال: «ويرميها بسبع حصيات مثل حصى الخدف، وهو أكبر من الحمصة قليلًا». حصى الخدف هو الحصى الذي يخذف به، إما يوضع هكذا -يعني بين الأصبعين- فيرمى، أو يوضع هكذا بين الأصبعين من اليدين فيرمى. تعرفون كيف يخذف بالحصى؟ هكذا يخذف به أو هكذا. فهذه الحصى التي يمكنك أن تحدث بها بين الأصبعين هي تكون مثل حبة الحمص أو أكبر قليلًا أو أصغر قليلًا. معناه ما تكون مثل حبة الفول؛ حبة الفول كبيرة. قال: «ويكبر مع كل حصاة، ويقطع التلبية مع آخر حصاة». يكبر مع كل حصاة، يعني يقول: الله أكبر، الله أكبر، في كل رمية الله أكبر. وهل يبسمل في أول الرمي؟ لا بأس، بسمل؛ فابتداء الأعمال بالبسملة تدل عليه عمومات. وقوله: «يقطع التلبية مع آخر حصاة»؛ لأنه بهذا يتحلل التحلل الأول، وهو المسمى بالتحلل الأصغر؛ إذ يحل الحاج كل شيء إلا النساء، فإنه يحرم عليه أمر النساء حتى يطوف طواف الحج، وهو طواف الإفاضة. قال: «ولا يرميها إلا بعد طلوع الشمس، ولو كان من النساء والضعفة الذين أبيح لهم الانطلاق من المزدلفة بعد نصف الليل». فهذا شيء، والرمي شيء آخر. وهذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم. والصحيح الذي عليه جمهور أهل العلم أنه يجوز لمن رخص له الانطلاق من مزدلفة بعد منتصف الليل أن يرمي ولو كان الرمي قبل الفجر. أي: بعد منتصف الليل على الصحيح من أقوال أهل العلم. فضلًا أن يرمي هؤلاء بعد الفجر؛ فإنه من باب أولى أن يكون جائزًا. قال: «وله أن يرميها بعد الزوال، ولو إلى الليل إذا وجد حرجًا في رميها قبل الزوال كما ثبت في الحديث». وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص لضعفة أن يرموا في الليل في أيام الرمي. وسيأتي إن شاء الله الإشارة إليه. فوقت الرمي من بعد طلوع الشمس -أي رمي جمرة العقبة الجمرة الكبرى يوم العاشر- من بعد طلوع الشمس إلى الزوال أو إلى الغروب. ولأهل العذر من بعد الغروب إلى ما قبل الفجر أو إلى ما قبل منتصف الليل، وهذا الأفضل أن يكون قبل منتصف الليل. وأما أهل الرخصة فيجوز أن يرموا قبل طلوع الشمس كما تقدم. قال: «فإذا انتهى من رمي الجمرة حل له كل شيء إلا النساء، ولو لم ينحر أو يحلق، فيلبس ثيابه ويتطيب». وهذا المعنى كما قلنا دلت عليه الأحاديث المرفوعة، وجاءت فيه آثار كثيرة عن عدد من الصحابة، منهم ابن عباس وابن عمر وابن الزبير وجماعة. بل وأحاديث مرفوعة صريحة، وفيها ضعف حسنها بعضهم بمجموع طرقها. وأما معناه فجاء في الأحاديث الصحيحة. قال: «لكن عليه أن يطوف طواف الإفاضة في اليوم نفسه إذا أراد أن يستمر في تمتعه المذكور، وإلا فإنه إذا أمسى ولم يطف عاد محرمًا كما كان قبل الرمي». فعليه أن ينزع ثيابه ويلبس ثوبي إحرام. لقوله صلى الله عليه وسلم: «إن هذا يوم رخص لكم، إذا أنتم رميتم الجمرة أن تحلوا من كل ما حرمتم منه إلا النساء، فإذا أمسيتم قبل أن تطوفوا هذا البيت صرتم حرامًا لهيئتكم قبل أن ترموا الجمرة، قبل أن تطوفوا به». معنى هذا الكلام أنه روي حديث عن أم سلمة رضي الله عنها رواه الحاكم في مستدركه والإمام أحمد وكذا أبو داود في سننه وغيرهم. وأن هذا الحديث مرفوع فيمن رمى الجمرة وتحلل التحلل الأصغر، أنه يجب عليه أن يعجل في نفس اليوم بطواف الحج، وهو طواف الإفاضة. فإذا لم يطف طواف الإفاضة في نفس اليوم فيلزمه أن يخلع إحرامه وأن يلبس ثياب إحرام مرة أخرى. هكذا دل عليه الحديث حديث أم سلمة رضي الله عنها. ولكن جمهور أهل العلم على عدم العمل بهذا الحديث؛ وذلك أولًا لأنه لم يصح؛ فما دار هذا الحديث على أبي عبيد بن عبد الله بن زمعة، وأبو عبيد بن عبد الله بن زمعة مجهول لم يذكر فيه جرح ولا تعديل، فالحديث ضعيف. وقد أشار البيهقي رحمه الله تعالى إلى معنى ذلك، وهكذا جماعة من الحفاظ أشاروا إلى ضعف هذا الحديث وأنه لا يصح مرفوعًا عن النبي صلى الله عليه وسلم. فكان الصحيح أن من رمى جمرة العقبة فتيسر له طواف الإفاضة فالإفاضة في نفس اليوم فذاك، ومن لم يتيسر له فلا يلزمه أن يعود إلى إحرامه بعد أن تحلل منه بحجة هذا الحديث؛ لأنه لم يصح. وهذا هو قول جمهور أهل العلم. نقف عند هذا ونكمل إن شاء الله بعد الصلاة. والله أعلم.