الدرس في مناسك الحج والعمرة 14، الدرس الرابع عشر:من( وأن يجمع رمي يومين في يوم واحد ... قائلاً:اللهم صل على محمد وسلم اللهم إني أسالك من فضلك ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول رمي الجمرات في الحج والرخص لأصحاب الأعذار مثل رعاة الإبل، مع التشديد على أداء مناسك الحج بنفسه. يُبين أن الشرع لا يجمع بين مُفترق ولا يفرق بين مجتمع.
يشرع للحاج زيارة الكعبة والطواف بها كل ليلة من ليالي مِنى، مع المحافظة على الصلوات الخمس مع الجماعة، ويفضل الصلاة في مسجد الخيف. بعد انتهاء مناسك الحج، ينفر الحاج إلى مكة ويقيم فيها ويكثر من الطواف والصلاة.
يشرح أحكام طواف الوداع، ويبين أنه واجب على الحاج، بينما لا يجب على المعتمر. كما يتناول أحكام المرأة الحائض ومدى وجوب انتظارها حتى تطهر لتطوف طواف الوداع.
يتحدث عن بعض أحكام الحج والعمرة، مثل جواز أخذ ماء زمزم للتبرك به، واستحباب التزود من ماء زمزم. كما يناقش بعض البدع التي تحدث في الحج مثل المشي القهقري عند الخروج من المسجد الحرام.
يشرح كيفية أداء الصلاة في المخيمات، حيث يصلي كل مجموعة في مكانهم إلا إذا كان هناك مصلى خاص فيجتمعون لأداء الصلاة جماعة، ويتسلسلون في الصلاة حتى يصلي الجميع.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، مر معنا في حديث العباس أن فيه أولًا وجوب المبيت بمِنى، وفيه ثانيًا كذلك الرخصة في عدم المبيت في مِنى لأهل الأعذار ممن هم يعملون كعمل العباس. وفيه كذلك ثالثًا أنه يجوز لمن كان أولى من هؤلاء، فإن الشرع لا يجمع بين مُفترق، ولا يفرق بين مجتمع. قلنا: مثل المريض ونحوه ممن ينبغي أن يرخص له؛ لأن عذره أشد من أمثال هؤلاء. وفيه كذلك رابعًا أن هذا الباب توقيفي؛ فإنهم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم واستأذنوه، فأذن لهم، فكذلك لا يجوز لأحد أن يوسع على الناس برأيه ومن تلقاء نفسه، ولكن بمقتضى ما دلت عليه أدلة شرعية. فليس دائمًا يصلح الاستدلال بالعموم؛ فإن الاستدلال بالعموم ربما أخرج الإنسان من الشريعة والعياذ بالله. فلهذا كما قال الإمام أحمد رحمه الله: «إن أكثر ما يخطئ فيه الفقهاء هو القياس والعموم» -يعني التوسع في القياس والتوسع في العموم- قال رحمه الله: «أن يجمع رمي يومين في يوم واحد» في حديث عاصم بن عدي قال: «رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في رعاء الإبل في البيتوتة أن يرموا يوم النحر، ثم يجمعوا رمي يومين بعد النحر، فيرمونه في أحدهما». وهذا الحديث حديث عاصم بن عدي حديث صحيح، وأشار العلامة الألباني -رحمه الله- إلى صحته في مواضع من كتبه، وقد صححه غيره -رضي الله عنه-. وفي الحديث ما سبق من المسائل، وفيه الزيادة أنه كلما اشتدت المشقة توسعت الرخصة، كلما اشتدت المشقة توسعت الرخصة. فإذا كان أمثال هؤلاء رخص لهم بمثل هذه الرخصة؛ لأن الإبل تحتاج إلى أكل كثير، وبقاؤها بين الحجاج يضرها، ووجود الإبل هي في خدمة الحجاج؛ لأن الحجاج يحتاجون إلى الإبل يذبحون منها للنسك، وكذلك لطعامهم وغير ذلك. فإذا شدد على الرعاة ربما تركوا من السنة القادمة أن يأتوا بشيء من الإبل. يقول: «أحج ولا أأتي بشيء من الإبل، ما دام أنا مالي حج، أنا أريد أحج وأريد أبيع إبل، أما أبيع إبل من دون أحج ما أريد». فمن حكمة الله عز وجل جعل مثل هذه الرخصة على لسان نبيه عليه الصلاة والسلام. فمن كان بمثل هؤلاء ممن قد يحتاجون عدم البيتوتة في مِنى، مثل بعض القادة أو المشرفين على شؤون الحج، سواء في الخدمات الطبية أو الخدمات الأمنية أو أي شيء يحتاج وجود إنسان أن يتأخر أكثر من يوم. فهنا يقال له: «لك رخصة كرخصة أصحاب الإبل». فكلما اشتدت المشقة زادت الرخصة، والشرع لا يجمع بين مُفترق، ولا يفرق بين مجتمع. ولا شك إذا جاز لأمثال هؤلاء، فمن أشد منهم كالمريض ومن كان بمعناه من العجزة الذين لا يستطيعون أن يأتون، فإنه يجوز له. من قال: «أنا سآتي في يومين بدل يوم، هل يجوز لي؟» يقال له: «يجوز لك، هذا أفضل من التوكيل، هذا أفضل من التوكيل». يجوز للإنسان إذا عجز عن الرمي أن يوكل. أن التوكيل ينبغي أن لا يتوسع فيه، صحيح صحت به بعض الآثار، لكن لا ينبغي التوسع فيه لمن هو مستطيع. الأصل أن الإنسان يعمل مناسك الحج بنفسه، كما قال عليه الصلاة والسلام: «قذوا عني مناسككم». بل يخاف على نفسه من نقصان الأجر أو بطلان العمل لقوله عليه الصلاة والسلام: «من عمل عمنا ليس عليه أمرنا». فورد ربما بعض الناس يتساهل، هو قوي، ولكن يخاف الزحام، سواء من النساء أو من كبار السن، يكون قوي لكنه يخاف الزحام. يقال له: «لك فسحة، إذا كنت تخاف الزحام، اذهب في وقت ليس به الزحام». أما أنك توكل فهذا خطأ، ما دمت قوي فارمي. النساء في زمن النبي عليه الصلاة والسلام رمينا ولم يوكلنا، والضعفة في زمن النبي عليه الصلاة والسلام رموا ولم يوكلوا. رخص لهم النبي عليه الصلاة والسلام في يوم مزدلفة أن ينفروا بعد غروب القمر؛ لأجل ماذا؟ لأجل يرموا، وإلا قال لهم: «اجلسوا وباتوا معنا ووكلوا». لكن ما دام يستطيع أن يؤدوا الحج، فالأصل أن الإنسان يحج بأعماله. أنت جئت من آخر الدنيا من أطرافها لتحج، ثم تقعد في الخيمة وتوكل، الكل يرمي عنك، ما أديت كل مناسك الحج. ما دمت قوي اذهب وارمي كما يرمي الناس؛ لأنك تحج عن نفسك، وكل إنسان يحج عن نفسه. إذا قلت: «أنا خاف الزحام، أنا قوي لكن لست كالأقوياء، أنا امرأة» ويقول الآخر: «أنا رجل كبير في السن، صحيح أستطيع أذهب أرمي، لكنني لست كالرجال الأشداء». يقال: «نعم». ولهذا سمى النبي صلى الله عليه وسلم الحج لأمثال هؤلاء الذين فيهم مضان الضعف «جهادًا». لماذا سمى «جهادًا»؟ لأن فيه مشقة، وفيه زيادة التعب. قال عليه الصلاة والسلام -كما في حديث أبي هريرة-: «جهاد الكبير والصغير والمرأة والضعيف: الحج» رواه أحمد بإسناد حسن، وصححه العلامة الألباني في مواضع من كتبه. فهذا الحديث كذلك فيه جواز -من باب أولى- أن يرمي الحاج ليلًا، إذا جاز للحاج عند وجود مثل هذه المشقة أن يجمع رمي يومين، جمع رمي يومين في يوم واحد. مثلا لا يأتي يوم الحادي عشر، هو يوم العاشر رمى وطاف وذهب عند إبله، لا يأتي يوم الحادي عشر، لكن يأتي يوم الثاني عشر يرمي رمي يوم الحادي عشر ويوم الثاني عشر. فإذا جاز مثل هذا، فمن باب أولى أن يجوز أن يرمي من عنده مشقة في الليل من باب أولى. ولهذا صح عن عدد من الصحابة، صح عن ابن عمر وغيره: أنه كان يأمر أهله بالرمي ليلًا. وهنا تنبيه: هذا الأثر يفيدنا شيء آخر: أن ابن عمر ما كان يرمي ليلًا، وكان يأمر أهله أن يرموا ليلًا. وفي هذا تنبيه لأرباب أولياء أمور النساء، بعض الأحيان الرجل عنده زوجة، بدلا من أن يرمي في النهار ويذهب ويأخذ زوجته ويرمي مرة ثانية، يقول: «أذهب معها في الليل وأرمي مرة واحدة، هذا خطأ، خلاف السنة». الأفضل والأكمل ما دام هو قوي وشديد، لا ينبغي له أن يأخذ بالرخصة، يذهب يرمي في النهار، ثم في الليل يذهب مع أهله. إلا إذا كان هو مريض أو عنده عذر أو شيء، فيرمي مع أهله، وإلا فالأصل يرمي هو في النهار. إن كان هناك زحام شديد، فلا شك أن الرخصة تعمه وتعم زوجته. زوجته قال رحمه الله تعالى: «وأن يرمي في الليل» لقوله صلى الله عليه وسلم: «الراعي يرمي بالليل ويرعى بالنهار» -يعني لرخصة لمشقة الرعي- فيجوز له أن يرمي في الليل. لذلك فالنساء والضعفة من باب أولى، يجوز لهم أن يرموا بالليل. أو إذا اشتد الزحام حتى القوي، إذا اشتد الزحام أو رأت إدارة -يعني تفويج الحجاج- أن هذا العام حصل زحام شديد، ولا يمكن استغلال المرمى إلا بتقسيم المخيمات إلى أقسام في التفويج، فطلبًا لهذه المصلحة ودفعًا للمشقة، يجوز أن يرموا بالليل؛ لأنه صحيح هذه الأعوام الناس يحجون أعداد هائلة جدًا. إذا كان العدد الرسمي مثلا للحجاج هو مليون، ألف يعني مليون أو أكثر، فإن الحجاج غير الرسميين الذين يجتمعون من غير تراخيص ومن غير يعني معاملات، يجتمعون من مكة وضواحيها، يمكن نصف هذا العدد، وهذا عدد هائل جدًا، معه تكون مشقة. أن يكون اجتماع الناس جميعًا في النهار، فلا شك أنه لأجل تخفيف الزحام إذا اقتضى تقسيم المخيمات إلى أقسام -وهذا الذي فعل العام الماضي وسيفعل لعله في هذا العام إن شاء الله- فهذا إن شاء الله من الأخذ برخصة النبي عليه الصلاة والسلام، دفع مشقة ومضرة الزحام أشد من رخصة الراعي أن يأتي في الليل. أليس كذلك؟ ها بلى؛ لأن المشقة التي تحصل بها موفاة، ويحصل فيها إضرار بالناس، لا شك أشد. فالشرع يجيز مثل ذلك بلا شك، خصوصًا وقد رويا مثل هذا الحديث، وقد جاءت آثار كثيرة تدل على معنى ذلك. قال رحمه الله: «ويشرع له أن يزور الكعبة ويطوف بها كل ليلة من ليالي مِنى؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك، وقد جاء معلقًا في البخاري وموصولًا في غيره» -كما قال رحمه الله تعالى-. وفيه استحباب زيارة البيت، فإن زيارة البيت والطواف به والمسح على الحجر الأسود وغير ذلك، كلها أجور عظيمة ينبغي استغلالها للزائر الذي يأتي إلى بيت الله الحرام؛ لأنه بعد الحج سيمشي، وهي أيام معدودات، إذن يجتهد. وفي هذا إشارة إلى أن الحاج كذلك إذا انتهى من حجه، عليه أن يعجل في الرجوع لأهله؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعد انتهاء الحج نفر ورجع إلى المدينة. ولهذا استغل أيام مِنى في زيارة البيت. قال رحمه الله تعالى: «ويجب على الحاج في أيام مِنى أن يحافظ على الصلوات الخمس مع الجماعة، والأفضل أن يصلي في مسجد الخيف إن تيسر له» في قوله صلى الله عليه وسلم: «صلى في مسجد الخيف سبعون نبيًا». ومسجد الخيف وينطق «الخيف» وكله جائز، ولغة مسجد معروف بالقرب من الجمرات. وهذا المسجد له أصل قديم كما جاء في هذا الحديث الذي حسنه العلامة الألباني -رحمه الله- وجماعة: «أن سبعين نبيًا من أنبياء الله صلوا في هذا المسجد». فينبغي أن يصلى فيه، ولو صلى واحدة تحرص على الصلاة في هذا المسجد. وليس شرط ولا واجب أن تذهب وتصلي في هذا المسجد، لكن الواجب أن تصلي مع الجماعة. فالصحيح من أقوال أهل العلم أن الصلاة في جماعة هو من واجبات الصلاة، سواء كان المصلي مسافرًا أو مقيمًا، المقيم يصلي مع المقيمين، والمسافر يصلي مع جماعة المسافرين، إلا إذا كان له عذر، إذا كان له عذر فبعدره يعدر، إن لم يكن له عذر لا يجوز أن يرى جماعة المسافرين تصلي وهو لا يصلي معهم إلا لعذر. أما لغير عذر فلا، وهذه فتوى شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-، بل بالغ بعض الظاهرية فجعلوا المحافظة على صلاة الجماعة من شروط صحة الصلاة، وهذا خلاف الصواب. قال رحمه الله: «فإذا فرغ من الرمي في اليوم الثاني أو الثالث من أيام التشريق، فقد انتهى من مناسك الحج، فينفر إلى مكة ويقيم فيها». وعلى التفصيل الذي سبق: «إن كان يوم الثاني فقبل غروب الشمس». قال: «وليحرص على أداء الصلاة جماعة، وليصلي في المسجد الحرام» في قوله عليه الصلاة والسلام: «صلاة في مسجد أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مئة ألف صلاة فيما سواه». وهذا كله يدل على استحباب الصلاة في هذه المساجد. وقد جاء كذلك: «الصلاة في بيت المقدس» أنه كذلك فيه فضل. فالمسلم يحافظ إذا قرب من هذه المساجد أن يصلي فيها، والمسجد الحرام يعني أعظم، أعظم. فالصلاة فيه بمئة ألف صلاة، ثم صلاة الجماعة واجبة، وأدلة وكثيرة من الكتاب ومن السنة. قال الله عز وجل: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَاكِعِينَ﴾ قال ابن كثير: «استدل به كثير من أهل العلم على وجوب صلاة الجماعة». وحديث أبي هريرة وغيره من الأحاديث التي فيها استدلال أهل العلم بوجوب صلاة الجماعة تدل على هذا المعنى. قال رحمه الله تعالى: «ويكثر من الطواف والصلاة في أي وقت شاء من ليل أو نهار» لقوله صلى الله عليه وسلم: «في الركنين الأسود واليماني، مسحهما يحط الخطايا، ومن طاف بالبيت لم يرفع قدمًا ولم يضع قدمًا إلا كتب الله له حسنة، وحط عنه خطيئة، وكتب له درجة، ومن أحصى أسبوعًا كان كعتق رقبة». ومعنى «أسبوعًا» -يعني سبع طوفات- فكان له أجر كعتق رقبة، معناه في كل طواف يطوفه بركعتيه، يكتب له أجر عتق رقبة. وهذه أجور عظيمة لا ينبغي لمسلم أن يفرط فيها، لكن بشرط أن لا يكون على حساب الإضرار بمن هو أولى منه بالطواف. مثلا المطاف، صحن الطواف، صحن الكعبة مزحوم بالناس يطوفون طواف الإفاضة، فتأتي أنت وتزاحم تطوف طواف النفل، هذا خلاف الفقه في الدين. الفقه في الدين أنك في مثل هذه الحالة تترك المجال للناس أن يطوفوا بالبيت. حتى استدل أهل العلم بفعل النبي صلى الله عليه وسلم حين أتى العمرة، خرج فنزل في الأبطح. قالوا: «ما هي الحكمة؟ لماذا نزل في الأبطح؟» الأبطح اسم مكان، اليوم يسمى بالمعابدة، والمسجد الذي صلى فيه -الصحيح- أنه مسجد المعابدة، وإن كان بعض أهل العلم يرى أنه في موقع مسجد الملك عبد العزيز اليوم، لكن ذهب بعض المحققين أنه مسجد المعابدة المشهور الذي يقابل مسجد الملك عبد العزيز بجانب بلدية مكة المكرمة. فهذا الموقع نزل فيه النبي عليه الصلاة والسلام بعد عمرته، وقعد فيه، اعتمر في يوم الرابع من ذي الحجة، قعد فيه أربعة أيام إلى يوم الثامن، انتقل منه إلى مِنى. استدل العلماء بفعله هذا عليه الصلاة والسلام: «أنه أراد بهذا أن لا يشق على المعتمرين؛ لأنه لو كل أحد اعتمر وجلس في البيت سبب زحام على المعتمرين، لكن أراد النبي عليه الصلاة والسلام أن لا يشق على الأمة». وإلا فالصلاة في الحرم بمئة ألف صلاة، والصحيح من أقوال أهل العلم أن المقصود بالصلاة ليس مكة كلها؛ لأن بعض أهل العلم استدل بهذا الحديث حديث صلاته بالأبطح عليه الصلاة والسلام: «أن كل مساجد وأرض مكة الصلاة فيها بمئة ألف صلاة، وهذا خلاف الصواب». والصواب أن المسجد الحرام؛ لأنه جاء في بعض ألفاظ الحديث: «مسجد الكعبة» -مسجد الكعبة- «أنه بمئة ألف صلاة». فالشاهد إذا كان فعل هذا عليه الصلاة والسلام لأجل هذا المعنى، في الطواف من باب أولى. قال رحمه الله: «وقوله: يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت وصلى أي ساعة شاء من ليل أو نهار». طواف الوداع. طيب قبل أن ندخل بطواف الوداع، معنى هذا الحديث: «فيه جواز أن يأتي الإنسان إلى البيت الحرام في أي ساعة من ليل أو نهار». وفيه: «أن الناس كانوا يحرصون على ذلك، وكان عبد مناف يشق عليهم ذلك» -يعني يغلقون البيت لأجل مشقة كثرة الزائرين بالليل وبالنهار- فمنعهم النبي عليه الصلاة والسلام من أن يغلقوا البيت: «يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت وصلى أي ساعة شاء من ليل أو نهار». إذا تريد وعبد مناف هم القائمون على البيت، وإلى يومنا هذا. فإذا تريدون هذا الفضل كونكم القائمون على البيت تخدمونه وتخدمون الحجاج والمعتمرين فيه، إذن تحملوا الفضل بكلفته، تحملوا الفضل بكلفته. يلزمكم إذا تريد هذا الفضل ألا تمنعوا أحدًا من ليل أو نهار. فدل أولًا على أنه لا يجوز إغلاق البيت الحرام أبدًا بالليل والنهار، يجب أن يكون مفتوحًا لكل أحد يريد أن يطوف ويصلي فيه. ويدل ثانيًا كذلك على مشروعية الذهاب واستحبابه في أي ساعة من ليل أو نهار. قال رحمه الله: «طواف الوداع، فإذا انتهى من قضاء حوائجه وعزم على الرحيل، فعليه أن يودع البيت بالطواف» لحديث ابن عباس قال: «كان الناس ينصرفون في كل وجه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده الطواف بالبيت» والحديث كما ذكر من حديث ابن عباس رواه مسلم. وفي هذا أولًا: «أن الناس كانوا يجهلون هذا الحكم». وفيه ثانيًا: «أن النبي صلى الله عليه وسلم علمهم هذا الحكم، وأنه واجب على القول الصحيح من أقوال أهل العلم». فنهيه ومنعه لما يفعله الناس يدل أنه ليس مباح ولا مستحب؛ لأن نهي الناس أحيانًا ليس فقط تركا للإباحة والمستحب، فعندهم أشياء ربما فيها شيء من المشقة والحرج. ولا يمكن أن يأمر النبي عليه الصلاة والسلام الناس الجلوس لشيء مستحب، وإنما أمره ونهيه لشيء واجب، ويدل عليه ما سيأتي. فلهذا كان القول الصحيح من أقوال أهل العلم: «أن طواف الوداع واجب على الحاج». أما المعتمر فإنه لا يجب عليه -القول الصحيح من أقوال أهل العلم- لعدم وجود الأمر له بطواف الوداع. قد يقول قائل: «يدخل في عموم هذا اللفظ» نقول: «لا، الحديث جاء في الحج». وأما عموم كثرة الطواف فنعم، ومع ذلك وإن كان كثرة الطواف مستحب، لكن لا يتجاسر الإنسان أن يقول: «أنه يستحب للمعتمر أن يطوف طواف الوداع؛ لأن الاستحباب حكم شرعي، ولا يمكن إثباته إلا بنص، وليس عندنا نص صحيح صريح خاص في حق المعتمر». أما الاستدلال بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «افعل في حجك ما تفعل في عمرتك أو العكس»، فهذا كذلك ليس صريح في عين المسألة. فما أكثر الأشياء التي يفعلها الحاج لا يفعلها المعتمر، والعكس. قال رحمه الله: «وقد كانت المرأة الحائض تؤمر أن تنتظر حتى تطهر لتطوف طواف الوداع، ثم رخص لها أن تنفر ولا تنتظر» لحديث ابن عباس أيضًا: «أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للحائض أن تصدر قبل أن تطوف إذا كانت قد طاف الطواف الإفاضة». والصحيح: «أن الرخصة ليس بعد عزيمة، ولكن الرخصة من عزيمة». وفرق بين المسألتين؛ لأنه لم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الحائض أن تنتظر حتى تطهر ثم نسخ هذا الحكم، فصارت لا تنتظر، وإنما الثابت: «أنه أمر -أمر عام- الكل أن يطوف طواف الوداع، ثم رخص». فإذا الرخصة من العزيمة، ليس بعد العزيمة. واضح فرق بين المسألتين، فلم تؤمر الحائض بالانتظار على الصحيح، ثم أمرت بترك الانتظار، ولكن الحائض كانت تدخل في العموم، فبين النبي عليه الصلاة والسلام: «أن لها رخصة من ذاك العموم». ويدل على حديث ابن عباس كذلك، وهذا الحديث الذي أشار إليه هو كما ذكر عند الإمام أحمد وغيره. ويدل عليه ما جاء في الصحيحين من حديث عائشة في قصة صفية بنت حيي حين أراد منها النبي عليه الصلاة والسلام ما يريد الرجل من أهله، فقالوا له: «إنها حائض». فقال: «أحابسة نهي؟» قالوا: «قد طافت يا رسول الله» -يعني طواف الإفاضة- وفي هذا دليل: «أن من لم تطف طواف الإفاضة، فيجب عليها أن تنتظر حتى تطهر، ثم تطوف طواف الإفاضة». وسبق معنا: «أنه إذا لم تستطع الانتظار وخشية الضرر بسفر رفقتها وبقائها وحدها أو كذلك لا يبقى لها سكن؛ لأن انتظارها يطول، ومدة السكن لأكثر الغرباء النازلين في الحج محدودة، والزيادة على ذلك تكلف الشيء الكثير، والكثير من الحجاج لا يستطيع النفق الكثيرة، وليس عنده من يعينه على ذلك. فبقاء المرأة بعد طهرها إلى طهرها ربما في مثل هذه الحالة ضرورة، فيه ضرر». فهل يجوز لها أن تذهب؟ أجاز العلماء لها -للضرورة- أن تذهب، لكن بشرط: «إن كانت تستطيع الرجوع، فيجب عليها أن ترجع وتبقى على إحرامها إلى أن ترجع». فإن كانت ما تستطيع الرجوع سريعا، مثال الذي تستطيع الرجوع مثلا هي من أهل المدينة أو هي كذلك من أطراف المملكة، تستطيع أن ترجع في أقرب وقت، تبقى على إحرامها تذهب إلى المدينة أو إلى الدمام أو إلى الرياض وتبقى محرمة. فإذا جاء وقت طهرها وطهرت ترجع وتأتي بعمرة، تكمل الحج -أقصد- تأتي بطواف الإفاضة وتتحلل. فإذا كانت لا تستطيع الرجوع مباشرة، سيطول الوقت، مثلا من أهل اليمن أو ما حولها من الدول القريبة، لكن ليس بإرادتها تستطيع الرجوع مبكرة، فتحتاج إلى معاملة أخرى في السنة القادمة مثلا في العمرة. يقال لها في مثل هذه الحالة: «تحللي وعليك أن تأتي بالحج من السنة القادمة أو متى ما يتيسر لك؛ لأن يعني وتتحلل بدم الإحصار». فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي. فإن قالت: «ما أستطيع هذا يكلف علي الكثير» أو كانت من البلاد البعيدة الذي بالفعل أكثر الناس لا يستطيع أن ينفق النفق الكبيرة للرجوع مرة أخرى إلى البيت. فهنا يقال لأمثال هؤلاء بفتوى شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- وغير من أهل العلم: «تتحفظ هذه المرأة وتطوف وهي حائض؛ لأنه لم يرد شيء صحيح صريح يمنع من ذلك». وحديث عائشة قال أهل العلم الذين رخصوا بهذه الرخصة: «أنه ليس صريح أن المنع لأجل ذلك». ولأن هذه ضرورة، وكذلك ما سئل النبي عليه الصلاة والسلام عن شيء قدم أو أخر أو فعل وفيه ما شق على الناس إلا رفع الحرج فيه. ومثل هذه المرأة التي يعني افتليت بهذا البلاء أولى بمثل هذه الرخصة. وهذا الكلام ينبغي أن لا يؤخذ به على إطلاقه؛ لأننا علمنا فيما سبق: «أن حديث عائشة صريح في أن الطهارة من الحدث الأكبر يمنع من الطواف -من الطواف-». فإذا كان كذلك، فلا ينبغي لامرأة تتساهل أو ولي المرأة يتساهل فيبطل على المرأة حجها بسبب تساهله. لكن إذا وقعت الضرورة حقيقية، مثل امرأة حقيقة ما تستطيع أن تجمع مال آخر للحج، فكونها عملت بفتوى يجيزها بعض أهل العلم أفضل لها من أن ترجع بلا طواف، فيكون لها عدم الحج في قول جميع أهل العلم. لاحظتم الفرق: «امرأة ما تستطيع، مستحيل أن تأتي مرة أخرى للحج، ما عندها إلا هذا المال الذي جمعته لهذه السنة، ولا يمكنها أن تأتي بمال آخر، ما عندها مال أبدا، بل هي تقول: والله لو تيسر لي سأأتي، لكن لا يتيسر لي». وسيكون في نية نأتي، هل يجوز لي أن أخذ برخصة من أفتى من أهل العلم بهذه الفتوى؟ الجواب: «لا شك أننا نقول لها: خذي بهذه الرخصة؛ لأنها إذا لم تأخذ بهذه الرخصة، فهي في قول جميع أهل العلم ماذا؟ باطل حجها، وليس لها حج». لكن إذا أخذت بهذه الرخصة، أقل شيء على قول بعض أهل العلم ماذا؟ لها حج. فأي الشيء أفضل: «أن ترجع ترجع بحج ولو على قول بعض أهل العلم، أو لا ترجع بحج في قول جميع أهل العلم؟» لا شك أن الرخصة في مثل هذه الحالة نعم، لكن لا ينبغي التوسع في هذه الرخصة. فكثير من الناس تساهل فيفتي بهذه الفتوى بدون هذه القيود والتنبيهات، وهذا خطأ. قال رحمه الله تعالى: «وله أن يحمل معه من ماء زمزم ما تيسر له تبركا به؛ فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحمله معه في الأداوي والقرب، وكان يصب على المرضى ويسقيهم». قال: «بل إنه كان يرسل وهو بالمدينة قبل أن تفتح مكة -يعني ومكة بلاد كفر- إلى سهيل بن عمر أن اهدي لنا من ماء زمزم، ولا تترك فيبعث إليه بمزادتين» والمزادتين القربتين الكبيرتين، المزادة قربة كبيرة. قال بعض أهل العلم: «تسع أكثر من قربتين من القرب العادية». وفي هذا دليل والحديثان صحيحان كما أشار إليهما. أولًا: «استحباب التزود من ماء زمزم». وفيه ثانيًا كذلك: «استحباب التزود بالشيء الزائد عن حاجة الإنسان». فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يأخذ شيئا زائدا ويعطيه للمرضى ويسقيهم. وفيه كذلك ثالثا: «حفظ زمزم واكتنازه أنه يكنز في البيت، ليس أول ما يأتي توزعه وينتهي كله، لا، احفظ لك شيء». وهذا الشيء تجعله هدية لمن يستحقه في وقته، مريض أو كذلك إنسان يحتاج إلى تقوية في جسده، يكون هذا يععن له، وهكذا. كذلك فيه: «جواز إرسال ماء زمزم لمن لا يأتي به بنفسه، خلافًا لمن قال: مكروه، وأنه مزاحمة للحجاج في حقهم، هذا ليس بصحيح، يجوز أن ترسل ولو أنت في بلدك». وفيه كذلك: «جواز طلب ماء زمزم، وأنه ليس من المسألة المذمومة لمن لا يكون لك عليه أو تجد منه عليك منه». فإذا كان ممن ليس كذلك، فهو ليس من المسألة المذمومة. وقاس عليه العلماء: «كل مسألة في أمر ديني وأخروي، أنه يجوز؛ لأنه من التعاون على البر والتقوى». قال: «فإذا انتهى من الطواف خرج كما يخرج الناس من المساجد، فلا يمشي قهقرى، ويخرج مقدما رجله اليسرى، قائلا: اللهم صل على محمد، اللهم إني أسألك من فضلك». ومر معنا في أوائل الكتاب: «أن المسجد الحرام مسجد كسائر المساجد، يذكر فيه فضل عظيم، لكن له ذكر كذكر سائر المساجد، وليس له أحكام خاصة إلا ما دل الدليل عليها». فيدخل فيه برجل اليمنى، ويخرج برجل اليسرى لعموم الأدلة، ويقال: «اللهم إني أسألك من فضلك». وبعض أهل العلم: «أن هذا الحديث أصله في صحيح مسلم كما تقدم، وبعض أهل العلم: أن الصحيحة زيادة جاءت خارج الصحيح، فيها الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام». وأما قوله: «فلا يمشي القهقرة؛ لأن هذا شيء من البدع التي أحدثها بعض الأعاجم فيما كانوا يصنعونه مع ملوكهم ومع معبوداتهم التي كانوا يعبدونها في أيام جاهليتهم، فبقيت هذه العادة عندهم: أنهم لا يعطون ظهورهم لمن يعظمون». فقروا ما يفعلونه بالمعبود بباطل بماذا؟ بما هو لله، فظنوا أن هذا لله، إذن هو أولى بالتعظيم. مع أن هذا القياس فاسد من جهتين: «أولًا: أنه بدعة، وليس بصحيح أن يفعل مثل ذلك». وثانيًا: «هذا الموضع ليس هو الله حتى تقيس عليه هذا القياس، بل هذا أمر ربنا جل وعلا بتعظيمه، طاعة لله». فأنت لا تعبده، وإنما تتعبد الله به، وفرق بين المسألتين. كما قال عمر -رضي الله عنه-: «لو إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك، أما إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، لو إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك». إذن تقبيله ليس لأنه ينفع ويضر، ولكن تقبيله طاعة وتعبدًا لله، ومتابعة لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا الفعل من قديم، ليس فقط في هذا الزمان، فقد أنكره شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في منسكه، وذكره قبل شيخ الإسلام ابن تيمية عدد من أهل العلم في مناسكهم التي ألفوها في الحج. طيب وبهذا نكون قد انتهينا -بفضل الله- ومنته من ذكر صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم على وجه الاختصار. فما كان من صواب من تعليق على هذا الكتاب المختصر، وهو من الله، وما كان من خطأ فمني من الشيطان، واستغفر الله العظيم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. بالنسبة لبدع الحج والعمرة والزيارة إن تيسر -إن شاء الله- قرأناه في درس الظهر إن شاء الله تعالى. إلى هنا والله تعالى أعلم. هذه الأسئلة: يقول: «إذا رمت المرأة فخشيت أن ينكشف شيء من يديها، فكيف تصنع؟» المرأة إذا رمت يوم الحادي عشر، الثاني عشر، الثالث عشر، سترمي وهي متحللة، إذن يديها عليها القفازان. وأما يوم العاشر، فسترمي وهي غير متحللة محرمة، الأمر سهل، تمسك الحصاة بطرف الشرشف. إذا كان عندها جلباب من جلابيب أهل اليمن ومصر والمغرب العربي، فهذا الجلباب -الشرشف- يكون منفصل، تستطيع أن تفتح أحد الفردات وتضع الحجر على الشرشف ويدها من تحت الشرشف فترمي. وإن كان يشق عليها، لا بأس أن تكشف يدها للضرورة، مع كشف شيء يسير فقط. وأما الجلباب السعودي والخليجي الذي يكون كم الجلباب في نفس الجلباب، ولا يمكن أن تستره بشيء، إن كان يشق عليها ترمي أو تستتر بخرقة أو شيء، المهم: «فاتقوا الله ما استطعتم» هذه القاعدة. يقول: «بالنسبة لمِنى يصل الناس جماعة كل مجموعة في خيمة، فهل هذا الشيء فيه محذور شرعي؟» لا يوجد محذور، ما أدري وجه الإشكال ما هو؟ إذا كان المقصود صلاة، فكل خيمة تصلي أولًا، ولا شك أن الخيام يعني فتحها جميعًا بعضها على بعض ربما فيه مشقة وكلفة. فإن فتحت بعضها على بعض في شيء محدود معقول، فهذا حسن. وإن كانت كل خيمة وحدها، فكل موضع صلون في مكانهم، إلا أن يكون هناك مصلى خاص مثل بعض الخيام الكبيرة، فيخرجون إلى مكان المصلى في المخيم ويصلون مع جماعة المسلمين قليلة وكثيرة. فإذا انتهوا وخرجوا، جاء المتأخرون فصلوا جماعة أخرى. يقول: «لما قدمنا مكة في الحج، قال لنا أميرنا: عرض علي أسعار الغنم، فاشترطنا قبل أن ندفع له المبلغ