شرح صفة الوضوء للشويب  13

شرح صفة الوضوء للشويب 13

الدرس في شرح صفة الوضوء للشويب 13، الدرس الثالث عشر : (الإقتصاد وعدم الإسراف في الماء ... أما من قال بالكراهة فغير مقبول لأن قول ميمونة فرده لا تفيد الكراهة والله أعلم ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

سنن الوضوء وعدد غسل الأعضاء

يتحدث عن سنن الوضوء مثل الاقتصاد في الماء وعدد مرات غسل الأعضاء، ويبين أن الوضوء يجوز مرة أو مرتين أو ثلاث مرات. الأفضل هو ثلاث مرات كما ورد في الأحاديث النبوية.

آداب الوضوء والقواعد الفقهية المتعلقة به

يتناول آداب الوضوء مثل التيامن والبدء باليمين، ويشرح قواعد فقهية مثل 'اليقين لا يزول بالشك' وتطبيقاتها في الطهارة. كما يناقش حكم الوضوء لكل صلاة ومن شك في الحدث.

أحكام المياه والنجاسات وتطبيقاتها الفقهية

يناقش حكم الماء المتغير بالنجاسة واستعماله في الطهارة، ويبين أنه يصبح نجسا إذا تغيرت صفاته. كما يتناول أحكام الصلاة في ملابس عليها دم دابة والوضوء مع وجود الدهان على الأعضاء.

  • 15 جمادى الأولى 1431هـ - 28/04/2010مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فكان لنا جلسات في دروس سابقة بالكلام على شيء من أحكام الوضوء، وتتمة للفائدة، واستكمالا للكتاب، نواصل ما بقي من هذه الأحكام. وكان آخر ما أخذناه ما ختم به المؤلف، رحمه الله تعالى، كتابه من ذكر بعض سنن الوضوء. ومن هذه السنن، قال رحمه الله تعالى: الاقتصاد وعدم الإسراف في الماء. قال: وعن أنس رضي الله عنه قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد» رواه مسلم وغيره. قال: والصاع أربعة أمداد، والمد هو كيل يسع رطلا وثلثا. قيل: سمي بذلك لأنه يسع ملء كفي الإنسان. كفي الإنسان، هذا الذي ذكره رحمه الله، هو قول أكثر أهل العلم. وذهب ابن القيم، رحمه الله، أن الصاع والمد هما مكيالان كانا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم. فالصاع أربعة أمداد، والمد ما يملأ كفي الإنسان المعتدل، يعني يقارب، وليس عينه. وإلا فهو في زمن النبي عليه الصلاة والسلام مكيال خاص يكال به، كما أن الصاع مكيال خاص. ويقارب الصاع اليوم ما يعادل ثلاثة كيلوات تقريبا بأوزاننا المعروفة اليوم، ثلاثة كيلو جرام. وتقريبا المد ربع ذلك. قال رحمه الله: لو تأملت أخي المسلم هذا الحديث جيدا، لأصابتك الدهشة مما يفعله بعض الناس في عصرنا هذا، حيث إن الواحد منهم يفتح صنبور الماء ويتوضأ، وأحيانا يكلم جاره والماء يجري. وأي إسراف هذا؟ فليتق الله من يفعل هذا، وليتذكر هذا الحديث، وليجعله نصب عينيه، وليتبع السنة في الاقتصاد وعدم الإسراف. قال: وهنا يتبين الاتباع، وإيمان المسلم الحقيقي. ومن السنة للمسلم لو أراد أن يتوضأ، يضع عنده إناء يسع من دار المد، ليعود نفسه على اتباع السنة. توضأ النبي صلى الله عليه وسلم من إناء، وليس معناه أنه لا يجوز الوضوء مباشرة من الصنبور أو الحنفية، لكن أراد رحمه الله أن يبين أن من فعل ذلك وأراد به موافقة السنة، واحتساب الأجر، وتعويد نفسه على الاقتصاد في الماء، فهذا أمر حسن. قال: ومن لم يتيسر له ذلك، واستعمل الحنفية، فلا حرج بهذا، لكن كذلك يقتصد، يقتصد باستعمال الماء من الحنفية. فإن كان كبيرا في السن، يشق عليه إغلاق وفتح الحنفية، فممكن يجعل تحت الحنفية وعاء، فيتوضأ، وما زاد من الماء ينزل إلى هذا الوعاء، ويستفيد بهذا الماء الذي في الوعاء في أشياء أخرى، إما تنظيف الحمام أو غير ذلك، كغسل الرجلين ونحو ذلك، المقصود أن من سنن الوضوء الاقتصاد بالماء. قال: فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ بالمدر، بل صح عنه أنه توضأ بأقل من ذلك، حتى إن الماء لا يكاد يتقاطر من جسده عليه الصلاة والسلام، يعني لقلة الماء. توضأ عليه الصلاة والسلام بماء يسير. وفي هذا فائدة أخرى، وهو أن الماء إن قل فإنه لا يمنع من الوضوء، ما دام أنه يستطيع أن يستوعب هذا الماء أعضاء الوضوء. قال: فيكفيه أن يتوضأ مرة مرة، فإنه لو فعل ذلك، فاستوعب الماء مواضع الوضوء، أجزأه ذلك. ولهذا أتبع هذه السنة بقوله: إنه من السنة الوضوء مرة مرة لكل عضو. قال: وعن ابن عباس قال: «توضأ النبي صلى الله عليه وسلم مرة مرة» رواه البخاري. قال: والوضوء مرتين مرتين لكل عضو، والوضوء ثلاثا ثلاثا لكل عضو. فعن عبد الله بن زيد: أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ مرتين مرتين. وفي حديث عثمان المتفق عليه، وقد تقدم معنا حديث عثمان، قال فيه: «غسل اليدين، وكان يغسل الأعضاء ثلاث مرات». فهذه الأحاديث الثلاثة، وغيرها من الأحاديث الأخرى، تدل على أن سنن الوضوء متنوعة في عدد غسلات أعضاء الوضوء. فيجوز ثلاثا ثلاثا، ويجوز مرتين مرتين، ويجوز مرة مرة. على أن الأفضل والأكمل هو الوضوء ثلاثا ثلاثا. ولهذا كان أكثر وضوء النبي عليه الصلاة والسلام عليه، كما جاء في حديث عثمان، وعبد الله بن زيد، وجماعة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم عن النبي عليه الصلاة والسلام. قال: فإن قل الماء، أو ضاق الوقت، أو كان هناك سبب آخر، جاز له أن يقتصر على أقل من ثلاثة، إما مرتين مرتين، وإما مرة مرة. ولا شك أن الأفضل والأكمل ثلاثا، لما فيه من زيادة استكمال الطهارة، واستيعاب الماء، وكذلك استيقان التنقية. قال: وهكذا أيضا سبق معنا في دروس سابقة أن التعدد هو لكل الأعضاء، إلا الرأس، فإنه يمسح مرة واحدة، يقبل باليدين ويدبر، كما جاء في حديث عبد الله بن زيد: «فأقبل بهما وأدبر مرة واحدة». وإن مسحها على العمامة أو بعض الرأس، وكمل على العمامة، فكذلك مرة واحدة، على ما سبق تفصيله في كيفيات مسح الرأس. قال رحمه الله تعالى: ومن سنن الوضوء الدعاء بعد الوضوء. فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما منكم أحد يتوضأ في أسبغ الوضوء، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء» رواه مسلم. وعند الترمذي زيادة صحيحة: «اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين» صححها العلامة الألباني رحمه الله. قال: وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من توضأ ثم قال عند فراغه من وضوئه: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك اللهم وأتوب إليك، كتب في رق، ثم جعل في طابع، فلم يكسر إلى يوم القيامة» رواه ابن السني في عمل اليوم والليلة، وصححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى. هذه ثلاثة أدعية، أشار إليها. يشرع عند عدد من أهل العلم القول بها. أصحها وأكملها الحديث الأول، حديث عمر بن الخطاب: أنه يقول بعد الفراغ من الوضوء: «أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله». فإنه إذا قال ذلك، فتحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء. ويجوز أحيانا أن يزيد: «اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين». قال: وأما الحديث الثالث، حديث أبي سعيد، فبعض أهل العلم يضعفه، وبعضهم يصححه، كما صححه العلامة الألباني رحمه الله. فمن صحح الحديث، دعا بهذا الدعاء أحيانا: «سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك اللهم وأتوب إليك». فأحيانا يقول بهذا الدعاء، ولكن الغالب والأعم من أحواله، ينبغي أن يحرص على الدعاء الأول، وهو: «أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله». وإن زاد: «اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين»، فهو حسن. قال: فالمسلم يحرص على هذه الأذكار، فهذه الأذكار مع ما فيها من موافقة السنة، وما فيها من الفضائل، فيها التعبد لله عز وجل بذكره، وهي عبادة أخرى يحيي المسلم بها نفسه، ويطهر بها عمله. ولا يزال المرء في حياة وزيادة، فيها ما دام يذكر ربه جل وعلا. قال: وقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أن من الفوارق بين الحي والميت: يذكر الله سبحانه وتعالى. قال رحمه الله تعالى: ومن سنن الوضوء استحباب الوضوء لكل صلاة. قال الحافظ في الفتح في مسألة الوضوء من غير حدث: قالوا عن أنس: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ عند كل صلاة». قال: قلت: كيف كنتم تصنعون؟ قال: «يجزئ أحدنا الوضوء ما لم يحدث». إن هذا الحديث، قال المذكور، يدل على أن المراد في الغالب صلاة الفريضة. قال: معناه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحرص على أن يتوضأ لكل صلاة، ولو كان على وضوء، ويريد بذلك زيادة الأجر، وهو ما يسميه العامة بالتجديد، تجديد الوضوء، ولو كنت متوضئا، لا بأس أن تتوضأ. فإن الوضوء لكل صلاة سبب لمغفرة الذنوب والخطايا. قال: وقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام، كما مر معنا في أوائل الكتاب في فضائل الوضوء: «أنه ما من متوضئ يتوضأ، ثم يغدو إلى الصلاة، إلا وتقطرت عند وضوئه ذنوبه وخطاياه مع قطرات الماء من وجهه، ومن كفه، ومن يديه، ومن رجليه» إلى آخر ما جاء في الأحاديث الكثيرة التي سبقت في أوائل هذا الكتاب. قال رحمه الله: قال الطحاوي: يحتمل أن ذلك كان واجبا عليه خاصة، ثم نسخ يوم الفتح بحديث بريدة، يعني الذي أخرجه مسلم: «أنه صلى الله عليه وسلم صلى الصلوات يوم الفتح بوضوء واحد، وأن عمر سأله، فقال: صلى الله عليه وسلم عمدا فعلته». ويحتمل أنه كان يفعله استحبابا، ثم خشي أن يظن وجوبه، فتركه لبيان الجواز. قال: ولكن يمكن الجمع بين هذا، بأنه يستحب التجديد، ولو كان على طهارة، ما لم يكن فيه مشقة. فإن كانت هناك مشقة، أو استلزم المقام الانشغال بما هو أهم، مثل يوم الفتح، فيوم الفتح يوم قتال، إن شغل النبي صلى الله عليه وسلم فيه بأمور وأعمال ومواقف كثيرة، فكونه صلى الصلوات بوضوء واحد، لأنه بقي على طهارته، لا يعني أن هذه السنة تلغى، ولكن معناه بيان أنها قد تترك لما هو أهم وأعظم منها، كهذه الحال. قال: وهكذا من تأمل النصوص الشرعية، فإنه يجد أنها كثيرا ما تجتمع. وهذا أفضل من أن نقول: إن هذا نسخ بهذا، وإن هذا قيد هذا. فالقاعدة عند الأصوليين: أن إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما. فكوننا نقول: إن هذا سنة، وهذا سنة، أفضل من أن نقول: هذه سنة، وهذا ناسخ لها. قال: فالأكمل في هذا أن يقال: إنه مستحب، ما لم يعارضه ما هو أهم منه. فإن عارضه ما هو أهم منه، قدم الأهم. وهذه القاعدة الشرعية في اتباع أعلى المصلحتين، ودفعي أشد المفسدتين. قال رحمه الله: قلت: خلاصة القول: أن الوضوء لكل صلاة مستحب، والصلاة كلها بوضوء واحد جائز، والله أعلم. وسبق التفصيل. قال: سمعتم أن الأصل هو الاستحباب، وإذا عارضه شيء، أو كذلك وجد ما هو أهم، فإنه ينبغي أن ينشغل بما هو أهم، ويجوز، ولو في بعض المرات، يفعل ذلك، يتوضأ وضوء واحد للصلاة كلها، ما دام أنه لا يدافع لخبثان، ولا يشق عليه. قال رحمه الله تعالى: ومن سنن الوضوء التيامن في الوضوء، أن يبدأ بغسل اليمين، ثم اليسار، من اليدين والرجلين. وتقدم معنى ذلك. وذكرها هنا حديث عائشة. قال: وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب التيامن في تنعله، وترجله، وطهوره، وفي شأنه كله» قال: رواه مسلم. والحديث كذلك في البخاري. قال: وعن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا لبستم، وإذا توضأتم، فابدأوا بأيمانكم» رواه أبو داود، وقال الألباني: صحيح. وهذه الأحاديث تدل على استحباب التيامن في الطهارة والوضوء، وفي الأعمال الأخرى التي هي من باب الإكرام. قال: وهذا المعنى أخذ من كلام أهل العلم الذين تتبعوا نصوص التيامن، فوجدوا أنها تدور حول هذا المعنى. فقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام: أنه كان يستحب التيامن في تنعله، كما في حديث عائشة. وجاء في حديث غيرها كذلك: أنه أمر عليه الصلاة والسلام باستحباب إذا لبس أحدنا النعل، يبدأ بيمينه، وإذا خلع يبدأ بشماله، يعني يخلع الشمال أولا ثم اليمين. قال: وهكذا كذلك في الترجل، أي مشط الرأس، ففي حديث عائشة: أنه كان يبدأ باليمين. وهكذا في الحلق، كان يبدأ بحلق اليمين. وفي الطهور، إذا كان طهورا من حدث أصغر أو أكبر، أي وضوء أو غسل، كان يعجبه أن يبدأ باليمين، كما في حديث عائشة هذا. وفي الأحاديث الأخرى الكثيرة التي مر بعضها في صفة وضوءه عليه الصلاة والسلام. قال: وهكذا صفة غسله، كحديث عائشة في الصحيحين، وغيرها من الأحاديث الأخرى في صفة غسل النبي عليه الصلاة والسلام. فكان يبدأ بميامينه عليه الصلاة والسلام، بل حتى أمر من غسل ابنته أن يبدأوا بميامينها، ومواضع الوضوء منها، بخلاف الاستنجاء، وهو مقام التنزه، وليس الإكرام، فإنه كان ينهى عن استعمال اليمين. قال: فقد صح أنه عليه الصلاة والسلام نهى عن الاستنجاء باليمين، وأن يمس المسلم ذكره بيمينه وهو يبول. ففهم العلماء من هذه الأحاديث وغيرها مما هو بمعناها كثير: أن كل ما كان بمعنى الإكرام، فإنه يستعمل فيه اليمين، ويقدم اليمين. وكل ما كان من باب التنزه، فإنه يكون له الشمال. قال رحمه الله تعالى: ومن شك في الحدث، بنى على اليقين. قال: من تيقن الطهارة، وشك في الحدث، فهو متطهر. ومن تيقن الحدث، وشك في الطهارة، فهو محدث. يبني في الحالتين على ما علمه قبل الشك، ويلغي الشك. وبه قال جمهور الفقهاء، وإليه ذهب أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، والأوزاعي، وجماعة. قال: وحجة هذا المذهب، هو ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا وجد أحدكم في بطنه شيئا، فأشكل عليه أخرج منه شيء أم لا، فلا يخرج من المسجد حتى يسمع صوتا، أو يجد ريحا» رواه مسلم. والحديث جاء في الصحيحين معناه، من حديث عبد الله بن زيد. قال: يدل على أن الأشياء تبقى على أصولها، حتى يتيقن خلاف ذلك. ولا يضر الشك الطارئ عقبها. فمن تيقن الطهارة، وشك في الحدث، فهو باق على طهارته. وذكر العلماء ها هنا قاعدة، وهي من القواعد الكلية. قال: فإن القواعد الفقهية تنقسم إلى قسمين: قواعد أصولية، وقواعد فقهية. والقواعد الفقهية تنقسم كذلك إلى قسمين: قواعد كلية تدخل تحتها فروع كثيرة من القواعد، وقواعد جزئية. فمن القواعد الكلية: اليقين لا يزول بالشك. ودليل هذه القاعدة: قول النبي عليه الصلاة والسلام بحديث عبد الله بن زيد في الصحيحين، حين ذكر له الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، قال: «لا ينصرف حتى يسمع صوتا، أو يجد ريحا». ومعناه أن اليقين لا يزول إلا باليقين. قال: وتحت هذه القاعدة، قواعد فرعية كثيرة، منها: الأصل بقاء ما كان على ما كان. الأصل بقاء ما كان على ما كان. فما دام أنه على طهارة، فإنه يبقى على أصل طهارته، لا يزول عنه حكم الطهارة، حتى يستيقن أن الطهارة زالت منه بالحدث الذي علمه واستيقنه. قال: فمثلا لو أن رجلا توضأ، ثم طال به وقت الوضوء، يعني صلى الظهر، وجاء وقت العصر، وهو لا يدري هل أحدث أم لم يحدث، هنا نقول له: الأصل بقاء تلك الطهارة، ما دمت متأكدا من حصول الطهارة، فأنت على أصل الطهارة، حتى يثبت عندك وتستيقن أنك أحدثت. قال: وهكذا العكس، لو أن رجلا دخل الخلاء بعد طهارة، ولم يتذكر أنه توضأ بعد دخوله الخلاء وتخليه، فشك هل حصل منه وضوء بعد هذا التخلي أم لم يحصل منه وضوء، فهنا نقول: الأصل بقاء ما كان على ما كان. ما دمت استيقنت في الحدث، ولم تستيقن من الطهارة، فالأصل هو عدم الطهارة بعد الحدث، إذن تحتاج أن تتوضأ. قال: وهكذا قل فيما هو كان بمعنى هذين المسألتين. فالأصل بقاء كل شيء على ما هو عليه، فلا يزول بالشك، ولكنه يزول بيقين مثله. قال رحمه الله تعالى: مسألة وضوء الرجل والمرأة من إناء واحد. وعن ابن عباس: أن امرأة من نساء النبي صلى الله عليه وسلم اغتسلت من الجنابة، فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يغتسل من فضلها، فأخبرته أنها اغتسلت منه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الماء لا ينجسه شيء» رواه أبو داود، والنسائي، والترمذي، وقال: حسن صحيح. وابن ماجة. والحديث صححه جماعة من أهل العلم، ومنهم العلامة الألباني رحمه الله. قال: قال ابن عبد البر: إنه لا بأس أن يتطهر كل واحد منهما بفضل طهور صاحبه شرعا جميعا، يعني كل واحد يتوضأ أو يغتسل بفضل الآخر. وعلى هذا القول، فقهاء الأمصار، وجمهور العلماء. والآثار في معناه متواترة. ذكره رحمه الله في الاستذكار. قال: اختلف أهل العلم في مسألة فضل وضوء الرجل من المرأة، والمرأة من الرجل، لأنه ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن فضل وضوء المرأة، أي أن يتوضأ الرجل فضل وضوء المرأة. فحمل بعض العلماء هذا النهي على الكراهة، لأنه ثبت في الصحيحين من حديث عائشة: أنها توضأت مع النبي عليه الصلاة والسلام من إناء واحد، كلاهما يغترف منه، يغتسلان منه جميعا. قال: وثبت في هذا الحديث، وحديث أخرى، حديث ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ من فضل بعض نسائه. وقال: «الماء لا ينجسه شيء». فقال بعض أهل العلم: هذا يحمل أن النهي على الكراهة والتنزيه، وليس على التحريم. وأنه يجوز أن يتوضأ الرجل بفضل وضوء وغسل امرأته، والعكس. قال: والأفضل ترك ذلك لما ورد من النهي في الأحاديث الأخرى. وذهب بعض أهل العلم إلى النسخ، وأن هذا الحكم منسوخ. وذهب بعض أهل العلم إلى أن النهي إنما هو في حق الرجل أن يتوضأ بفضل المرأة، لا المرأة بفضل الرجل. وقال بعضهم بعكس ذلك. وهناك أقوال أخرى. قال: لكن من تأمل هذه الأحاديث، وتتبع نصوصا، وخصوصا أنه لا يوجد شيء صحيح صريح يدل على النسخ، علم أن ما ورد في أحاديث النهي، فهو يحمل على التنزه. وأن ما ورد من أحاديث الجواز، يدل على المشروعية والجواز. قال: فإذن من شك أن يتوضأ بفضل امرأة أو رجل، قد يصل الماء شيء من آثاره النجاسة أو ما يستقذر منه، فليتركه. ومن لا يدخل عنده هذا الشك، ولا يستقذر، فلا بأس أن يتوضأ الرجل بفضل المرأة، والمرأة بفضل الرجل، أو يتوضأ جميعا، خصوصا ما قد يقع بين الزوجين، فإن ذلك قد فعله النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يكن نبينا صلى الله عليه وسلم ليفعل الشيء المكروه، وإنما فعل الشيء الجائز المباح الحلال. قال: وأحاديث النهي تحمل على ما تقدم: أن هذا النهي عند وجود مضان الشك والشبهة، أو غير ذلك مما قد يقع فيه بعض الناس. وإلا فلا بأس أن يقع مثل ذلك، خصوصا بين الأزواج. قال رحمه الله تعالى: مسألة الوضوء من أكل لحم الجزور. طيب، هذه نتركها مع ما سيأتي إن شاء الله من السلام على نواقض الوضوء. فالأفضل أن يذكر ذلك مع نواقض الوضوء. قال: بقيت مسألة هنا، نختم بها هذا الدرس هذا اليوم. قال رحمه الله تعالى: تنشيف الأعضاء بعد الطهارة. قال: ذهب إلى إباحته دون تفرقة بين الغسل والوضوء: عثمان بن عفان، والحسن بن علي، وأنس بن مالك، والحسن البصري، وابن سيرين، وعلقمة، والأسود، ومسروق، والضحاك، وعبد الله بن الحارث، وأبو يعلى، وأبو الأحوص، والشعبي، والثوري، وإسحاق. وهو رواية عن ابن عمر. وإليه ذهب أبو حنيفة، ومالك، وأحمد، ووجه للشافعية. قال: والحجة لهم ما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم خرقة يتنشف بها بعد الوضوء» رواه الترمذي، وضعفه. قال: إلا أن العيني ذكر أن النسائي رواه بالكنة بسند صحيح. قلت: وله شواهد يعتضد أو يعضد بعضها بعضا. قال: نقل من فقه الإمام السرخسي. وحسن الحديث العلامة الألباني رحمه الله. قال: وروي عن سلمان الفارسي: أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ، فقلب جبة صوف كانت عليه، فمسح بها وجهه. رواه ابن ماجة. قال: وفي الزوائد: إسناده صحيح. قال: قلت: وفي إسناده الوضين بن عطاء، وهو صدوق سيء الحفظ، كما قال ابن حجر في التقريب. فإسناده ضعيف، إلا أنه يعتضد بحديث عائشة المتقدم، فيصبح حسنا لطرقه، والله أعلم. قال: وذهب آخرون إلى كراهة التنشيف. حجة بذلك ما روي عن ميمونة رضي الله عنها، وقد وصفت غسل النبي صلى الله عليه وسلم من الجنابة، وفيه: «ثم أتيت بالمنديل، فرده». ولفظه في الصحيحين: «فأتيت بخرقة، فلم يردها»، يعني لم يقبلها، ولم يأخذها. قال: والمراد بالكراهة: كراهة التنزيه، لا كراهة التحريم. قال: خلاصة القول: أن تنشيف الأعضاء من الأفعال المستحبة، كما ثبت من حديث عائشة رضي الله عنها المتقدم. أما من قال بالكراهة، فغير مقبول، لأن قول ميمونة: «فرده»، لا تفيد الكراهة، والله أعلم. قال: وجمع بعض أهل العلم بين هذه الأحاديث بجمع حسن. فقال: استعمال التنشيف جائز، وفعله قد يكون مستحبا في بعض الأحوال، خصوصا إذا احتاجه المتوضئ أو المغتسل مع البرد، أو غير ذلك من أحوال قد يحتاج المغتسل والمتوضئ أن يتنشف بها. قال: وفي أحوال أخرى، عند شدة الحر، قد لا يحتاج المتوضئ أن ينشف أعضاءه، لأن بقاء الماء في الأعضاء، خصوصا مع شدة الحر في البلاد الحارة، يكون ملطفا على المتوضئ، ومبردا له. ومثله يحمل ما جاء في حديث ميمونة في الغسل، فيحمل أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك لأن هذا أنفع له. قال: وهذا المعنى يمكن أن يقال، وما كان مثله، فتجتمع بهذا الأدلة، والله تعالى أعلم. طيب، نكتفي هذه الليلة بهذه المسائل. وما بقي من مسائل نواقض الوضوء، نتركها إن شاء الله في مجلس لاحق. تفضلوا، بارك الله فيكم. سؤال الأول: الماء إذا وقعت فيه النجاسة وغيرت صفاته، هل يصبح بذلك نجسا بذاته أم منجسا لغيره؟ الماء إذا وقعت فيه نجاسة وتغيرت صفات الماء، فهو ماء نجس، وقد قام الإجماع على هذا. وقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام بحديث أبي سعيد وغيره: «الماء طهور لا ينجسه شيء». وجاء في زيادة ضعيفة: قام الإجماع على تصحيح معناها، إلا ما غلب على ريحه أو لونه أو طعمه. فإذا وقعت النجاسة في ماء فتغيرت أوصاف هذا الماء بسبب النجاسة، فهذا الماء نجس. وعند ذلك يكون نجسا في نفسه، وهو كذلك غير مطهر لغيره، أي لا يرفع الحدث الأصغر ولا الأكبر، إلا مسألة واحدة ذكرها بعض الفقهاء. وهذه من دقائق وتفاصيل مسائل الفقه في مسألة إزالة النجاسات. لأن إزالة النجاسات من مسائل التروق، والحكم يدور مع التي وجودا وعدما. أقول: إذا كان الماء نجسا ثبت أنه نجس، فإنه ينجس غيره إذا كان قليلا. فمثلا سقطت نجاسة في وعاء فيه ماء، فظهر أثر النجاسة في هذا الوعاء الذي فيه ماء، فهذا الماء إذا وقع في ماء آخر طاهر، وظهرت هذه النجاسة على الماء الآخر الطاهر، فهو ينجسه لا شك. قال: أو صب هذا الماء النجس على ثوب، فإن هذا الثوب تنجس بهذا الماء النجس، إلا ما كان من باب إزالة عين النجاسة، كما قلنا. بعض أهل العلم يجيز إزالة النجاسة بمثل هذا الماء. مثلا عندك نعل أو سكين أو أرضية ملساء فيها نجاسة، أزلت هذه النجاسة بهذا الماء، فلم يبق أثر الماء، ولم يبق أثر النجاسة التي كانت في هذا الموضع، فهنا الصحيح أن النجاسة زالت، لأن النجاسة تزول بكل ما يزيلها على الصحيح، ولو بغير الماء، ولو بغير الماء الطاهر، ما دام أن أثر النجاسة لم يبق. قال: ما دام أن أثر النجاسة لم يبق، ولا شك أن الأفضل الأكمل والأحوط أن يغسلها بماء كامل الطهارة، والله أعلم. إزاكم الله خير، فضيلة الشيخ. السؤال الثاني: هل يجوز الصلاة في ملابس عليها قليل من دم دابة؟ الدواب تنقسم إلى قسمين: دابة مأكولة اللحم، فهذه يجوز أن يصلي بالدم اليسير الذي يقع عليه منها، لأن دمها طاهر، كدم الإنسان طاهر. وأما دابة غير مأكولة اللحم، فدمها نجس. وعند ذلك يجب غسل هذا الدم، إلا إن كان يشق غسله، كأن يكون مثلا نقطة لا يدري أين وقعت، فالمشقة تجلب التيسير، والله أعلم. السؤال: من لم يقل بسم الله ببداية الوضوء، هل يصح وضوءه؟ الصحيح أنه يصح، ما دام نسي، ولكن متى ما تذكر، قال: بسم الله، ولو في أواخر الوضوء، نعم. سؤال: قليل من الدهان أو المعجون على اليدين، مع العلم أن إزالتهما فيها مشقة، هل يجوز الوضوء عليها؟ الدهان أو المعجون، يجوز الوضوء مع وجود الدهن أو ما كان بمعناه، ما دام أن الماء يصل إلى هذا العضو. ولا شك أن إيصاله سيكون فيه نوع من المشقة، لكن يدلك، يضع الماء ويدلك. ولا يضر اختلاط الماء بالدهن، لأن الماء قد وصل إلى البشرة، فلا يضر إن شاء الله، والله أعلم.