كتاب الصيام من الاختيارات الفقهية  15

كتاب الصيام من الاختيارات الفقهية 15

الدرس في كتاب الصيام من الاختيارات الفقهية 15، الدرس الخامس عشر:من( والتحقيق في الصمت أنه إذا طال حتى يتضمن ترك الكلام الواجب ... قال الإمام أحمد ليست السياحة في شيء ولا من فعل النبيين ولا الصالحين ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

حكم التعبد لله بالصمت وتحريم المباحات

التعبد لله بالصمت يعتبر بدعة محرمة، ولا يجوز تحريم ما أحل الله. يجب على المسلم أن يأتي المباحات ولا يستمر في تحريمها، وعليه كفارة يمين إذا فعل ذلك.

السياحة في الإسلام وأنواعها

السياحة في الإسلام تنقسم إلى محرمة ومشروعة. السياحة الممنوعة تشمل التعبد بالهيام في الأرض دون قصد شرعي، بينما تشمل السياحة المشروعة الجهاد، طلب العلم، والدعوة إلى الله.

التحريم على النفس ورخص السفر

تحريم الأشياء الحلال على النفس يعتبر منهيًا عنه، والأفضل اتباع ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله. يتطرق المقطع أيضًا إلى رخص السفر وحدودها.

أحكام السفر وتتبع الصيد

إذا ذهب الشخص يتتبع الصيد ولم يدر أين وصل، فعليه ألا يترخص بالجمع أو القصر إلا إذا كان يعلم المسافة التي قطعها. الحكم مستند إلى أقوال أهل العلم وعمومات الأدلة الشرعية.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: والتحقيق في الصمت أنه إذا طال حتى يتضمن ترك الكلام الواجب صار حراما، كما قال الصديق. وكذا إن تعبد بالصمت عن الكلام المستحب، والكلام الحرام يجب الصمت عنه، وفضول الكلام ينبغي الصمت عنه. وهذه مجموعة من المسائل لها تعلق بأحد أوجهها في مسألة الصيام، وذكرت باقي المسائل استطرادا. المسألة المتعلقة بالصيام هي ما إذا صام الصائم بصومه عن الطعام والشراب وسائر المفطرات، وزاد معه تعبدا لله الصمت، تعبدا لله بالصمت، زعما أنه يريد سلامة صومه من أن يخدشه شيء. وجهل أن الصمت على هذا الوجه يخدش بالصوم؛ لأنه بدعة من البدع المنكرة، وهو محرم. فلا يجوز للمسلم أن يحرم على نفسه شيئا أحله الله، وأعظم من ذلك أن يتعبد لله بما لم يأذن به سبحانه وتعالى. قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾. فلا يجوز للمسلم أن يحرم على نفسه ما أحل الله. بل ذكر أهل العلم أن من حرم على نفسه ما أحل الله، وجب عليه أن يأتي ذلك المباح، ولا يستمر في تحريمه، ويكفر كفارة يمين. فإن من معاني كفارة اليمين وقوعها بتحريم ما أحل الله له. وهذه الآية وما بعدها من آيات في سورة المائدة استدل بها العلماء على هذا المعنى. وهكذا ما جاء في قوله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. قال بعدها: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾. فسمى ذلك التحريم يمينا، مع أنه عليه الصلاة والسلام لم يحلف يمينا، ولم يذكر في الآية ذكر اليمين. والتحريم الذي وقع، سواء كان الطعام أو كان غير ذلك. فالمهم سمى الله عز وجل ذلك يمينا، وأن فيه كفارة. وهكذا كذلك في حق كل من حرم على نفسه شيئا أحله الله، وجب عليه أن يأتي الذي أباح الله له، ولا يستمر في تحريمه، وعليه كفارة يمين. وإذا صار فيه تعبد فهو أشد؛ لأنه تعبد بما لا يجوز التعبد به. لأن باب التعبد أولا توقيفي، ولأنه ثانيا قد نهينا عن تحريم المباحات، فضلا عن غيرها. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾. وهذا قد يقع مع الصيام، وقد يقع بدون الصيام. وهذه مسألة أخرى قد يحرم الإنسان على نفسه الكلام، ويتعبد لله بذلك طلبا للسلامة، وهو صائم أو غير صائم. كذلك هذا لا يجوز. وقد صح عن أبي بكر رضي الله عنه أنه نهى امرأة صنعت ذلك بنفسها. بل جاء في صحيح البخاري وغيره من حديث ابن عباس في قصة أبي إسرائيل: رجلا حرم على نفسه أو نذر أن لا يتكلم، وأن لا يقعد، وأن لا يصطاد، وأن يصوم. فلما بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «مروه فليتكلم، وليصطدل، وليقعد، وليتم صومه». انظروا أمره أن يرجع عما حرم على نفسه مما أحل الله، وأذن له في الصيام. الصيام مشروع من العبادات التي أذن الله بها. أمره أن يتم صومه. أما ترك الضل، وترك الكلام، وترك القعود، تعبد بشيء لم يأذن الله به، وليس له أصل مشروع، وفيه تحريم لشيء مباح. فنهاه النبي عليه الصلاة والسلام عن ذلك. فلا يجوز للصائم أن يحرم على نفسه الكلام، كما لا يجوز للمسلم أن يحرم على نفسه الكلام. فالتعبد لله بالصمت ليس من ديننا، بل هو من رهبانية النصارى، ومن سلك مسلكهم من الضلال. وهكذا كذلك يدخل بمعنى الصمت كل مباح يحرمه الإنسان على نفسه في صومه. فلو حرم الصائم على نفسه تعبدا لله بعدم الوصول إلى الماء، لا يغتسل ولا يتبرد. لو ترك ذلك من غير هذه النية كان مباحا له. وأما إذا تركه بهذه النية صار حرام عليه. فرق بين أن يحرم الإنسان على نفسه شيئا، وبين أن يتركه من غير رغبة. وهكذا في أشياء كثيرة مما حله الله، ومن الطيبات لا يجوز للمسلم أن يحرمها على نفسه، سواء في الصيام أو في غير الصيام. ثم أشار رحمه الله إلى مسألة الصمت والتفصيل فيها. قال: والتحقيق في الصمت أنه إذا طال حتى يتضمن ترك الكلام الواجب صار حراما. طيب إذا لم يطل، وتعبد به، هل هو حرام؟ نعم، كذلك حرام، حتى ولو لم يكن طويلا. لو تعبد الإنسان لله بالصمت حتى ساعة واحدة لصار بهذا آثما؛ لأنه تعبد لله بما لا يجوز التعبد به. أما لو ترك ذلك لعدم الحاجة إليه، ورغبة في انشغاله بغيره، فهذا جائز، بل قد يكون مستحبا، بشرط أن لا يكون الصمت يؤدي إلى ترك واجب، أو التخلف عن حق من الحقوق. فمثلا إنسان عليه أذان، يقول: أنا اليوم نذرت أن أصمت، أو عزمت على الصمت، لا يصلح. كذلك أهل بيت هذا الرجل يحتاجون إليه، يخاطبونه ولا يتكلم، ونحو ذلك كثير. قال: كما قال الصديق، يعني معنى ذلك في قصة المرأة، والأثر ذكر في كتب السنة، ويذكرونه في النهي عن البدع والمحدثات، والأمر بلزوم السنة، والاقتصاد في العمل. وقوله: وكذا إن تعبد، هذا سبق الكلام عليه، تفصيله. وأما قوله: والكلام الحرام يجب الصمت عنه، هذا ظاهر وواضح. فالمسلم لا يجوز له أن يتكلم بالحرام. و فضول الكلام ينبغي الصمت عنه، كذلك هذا ظاهر. لقول النبي صلى الله عليه وسلم، أو لنهيه عن القيل والقال، وكذلك وصيته لمعاذ في الأمر بلزوم الصمت الذي لا ينافي الحق. كف عليك هذا، وأشار إلى لسانه، عليه الصلاة والسلام، الحديث المشهور المعروف الصحيح. قال رحمه الله تعالى: ولم ير أبو العباس لمن قصد المساجد للصلاة أو غيرها أن ينوي الاعتكاف مدة لبثه. كذلك مسألة الاعتكاف للحظات، فهل ينوي الإنسان ذلك، ويحتسبه، ويتعبد به؟ الصحيح أنه لا يشرع مثل هذا؛ لأنه لم يثبت التعبد لله به، والعبادة أمر توقيفي. فما يفعله بعض الناس، ونراه في بعض المساجد: يكتب: نويت، وأنا أعتكف في هذا المسجد مدة بقائي، أو نحو ذلك من العبارات. هذا من الأمور المحدثة. فلم يكن من سنة النبي عليه الصلاة والسلام، ولا صحابته، ولا دل عليه شيء حتى يقال: إن هذا مما يتعبد لله به. لكن لا شك أنه يؤجر في بقائه في المسجد، كونه في المسجد يحتسب هذا البقاء، تفرغا لعبادة الله وطاعته، وهذا باب خير. لكن لا يسمى اعتكافا؛ لأن الاعتكاف لفظ شرعي، ينبغي التقيد بما أذن به، بما أذن به. ومر معنا شيء من مسائل الاعتكاف، كما سبق تحته مسائل كثيرة، يرجع في الكتب التي فصلت تلك المسائل. ولكن هنا أشار إلى بعض المسائل التي وقع فيها الخلاف. قال رحمه الله تعالى: والسياحة في البلاد لغير قصد شرعي، كما يفعله بعض النساك، أمر منهي عنه. قال الإمام أحمد رحمه الله: ليست السياحة من الإسلام في شيء، ولا من فعل النبيين، ولا الصالحين. وهذه مسألة كذلك نبه عليها الفقهاء في كتب الفقه، في ذكر رخص أو مواضع الترخص بالفطر، ويذكرون منها السفر. ثم يفصلون، ومن هذا التفصيل أنهم يذكرون أنه لا يرخص لسائح، ولا هائم، ولا تائه، ولا من سافر سفر معصية. فأما السائح المراد به بهذا المعنى، الذي يتعبد لله بهذه السياحة، وهو أن يسير هائما في الأرض، ليس إلى جهة معينة. وكان هذا من سنة بعض رهبان النصارى، أنهم يفرون من مجتمعاتهم، فيسيحون في الأرض، زعما أنهم يتعبدون لله بذلك. وهو من الرهبانية المبتدعة التي لم يقروا عليها، كما قال سبحانه: ﴿رَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾. وهكذا كذلك إذا صنع ذلك بعض المسلمين، فهو كذلك. فعله كفعل أولئك النصارى، لا يجوز. فلا يجوز التعبد لله بمثل هذا. وعلى هذا يوجه كلام الإمام أحمد رحمه الله، وغيره من أهل العلم ممن ذكروا هذه المسألة. أما السياحة المشروعة، فالسياحة تنقسم إلى قسمين: سياحة ممنوعة، وسياحة مشروعة. فمن الممنوع: التعبد لله بهذا الهيام، أن يصير هائما، فيضيع حقوقا، ويفرط في واجبات، ويتعبد لله بما لم يأذن الله عز وجل له به. فضلا عن أشياء كثيرة يحرمها على نفسه، ولا يجوز للمسلم أن يحرم على نفسه شيئا نحله الله، كما تقدم. فيترك النكاح، ويترك المصالح الكثيرة، والحقوق المتعلقة به. وفي موضع آخر سئل الإمام أحمد رحمه الله عن السياحة، فقال: لا يفعل، يتزوج، ويلزم المساجد. يعني إذا يريد يتعبد لله، عنده المساجد يعبد الله عز وجل فيها. أما يسير في الأرض هائما، يتفلت من الحقوق، ويضيع، فهذا ليس من سنة النبيين، ولا الصالحين، كما ذكر رحمه الله. ومن الممنوع: السياحة التي تتناول بعض المحرمات، فضلا أن يجتمع فيها عدد من المحرمات، كحال الكثير من أنواع السياحة المعاصرة، فهذا كذلك من القسم الممنوع، ونحو ما كان بهذين المعنيين. وأما المشروع، فتحته صور كثيرة. منها ما هو واجب، كالجهاد في سبيل الله، فإنه من السياحة، أي من معنى السياحة. فقد صح عند أبي داود وغيره، وصححه العلامة الألباني رحمه الله، من حديثه بأمامة: أن رجلا جاء للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: أذن لي يا رسول الله في السياحة. فقال عليه الصلاة والسلام: «سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله». إذا كنت صحيحا، تريد السياحة، خذ سيفك، واعبد ربك، وجاهد مع المجاهدين. هذه سياحة هذه الأمة. أما رهبانية النصارى، فهي محرمة، وهي بدعة منكرة. فهذا معنى من معاني السياحة المشروعة، وقد نص عليه العلماء. وهكذا كذلك من المشروع: طلب العلم، والدعوة إلى الله، وغير ذلك من أبواب الخير والبر التي يتوصل إليها بالسفر. فإن كان لا يتوصل إليها إلا بالسفر، فالسفر بحسبه قد يكون واجبا، وقد يكون مستحبا. فطلب العلم الشرعي الذي يتعلق بما فرض الله عز وجل على العبد، هذا من السفر الواجب. وطلب العلم في الزائد عن الواجب، هذا مستحب. وهكذا الدعوة إلى الله، ونحوه من أبواب الخير والبر. وقد يكون مشروعا، وهو مباح، مثل التجارة، ونحو ذلك مما فيه منافع للناس. ومنه كذلك ما يكون للعبرة والعظة، كما قال الله عز وجل: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهُ﴾. واستدل العلماء بهذه الآية على مشروعية السفر والسياحة للإتعاض والعبرة. ومما ينبه عليه العلماء كذلك: أن السياحة إذا كانت لغير أرض مخصوصة، وموضع مخصوص، فهو مكروه، وقد يكون حراما. لماذا؟ لأنه فيه معنى التيه، وكذلك إضاعة الوقت. كونه يقول: أنا أسافر إلى أين؟ قال: ما أدري، إلى أي جهة أمشي بس. فمثل هذا لا يشرع. وأما إذا كان له معنى في ذلك، يبتدئ بجهة، وينتهي بجهة، فيكون عدم التحديد نسبي. فهو يعرف الجهة، لكن أعيان الأماكن لا يعرفها. فهذا لا بأس به. وقد يقع الإنسان قد يتوجه إلى جهة معينة، يطلب العلم، لكن ما يدري أين يجد العلماء، قد في هذه المدينة، أو هذه المدينة، أو هذه القرية. فلا بأس بهذا، كحال علمائنا، ومن سبقنا من أئمتنا، يسافرون من البلاد البعيدة إلى أرض الحرمين، وحجاز، يطلبون أهل العلم، ويبحثون عنهم، وهم لا يدرون في أي موضع بعينه. فهذا، وما كان بمعناه، من الجائز. فالخلاصة: من حرم على نفسه شيئا أحله الله، أثم. ومن تعبد بذلك كان مبتدعا، يعني وقع في البدعة. ولا يلزم أن يكون بعينه مبتدعا، إلا بعد قيام الحجة عليه. فنفرق بين الفعل والفاعل. ومن فعل ذلك في صيامه، الصحيح أنه لا يرخص له. يعني إذا فعل ذلك لأجل الفطر. ونفرق بين الوصف الملازم المتعلق بالنهي، فيبطل ذلك الشيء المنهي. والوصف المنفك. وهذا من الوصف المنفك. فهو يأثم على سفره المحرم، وصيامه صحيح. يأثم على سفره المحرم، وصيامه صحيح. وأما إذا كان الوصف لا ينفك، فهنا يقال: إن النهي تعلق بذات العمل، أو ما هو ملازم له. فبذلك يبطل، على ما تقدم ذكره وتفصيله في دروس سابقة، في تفاصيل كثيرة. فمثلا صلاة الرجل بخاتم الذهب، أو كذلك على الصحيح بإزار الحرير، محرم. ولكن لا فرق على الصحيح بين خاتم الذهب الذي لم يستر العورة الواجبة في الصلاة، وبين الإزار الذي يستر العورة اللازمة في الصلاة. فالكل حرام، ولكن في كل الحالتين على الصحيح صلاته صحيحة مع الإثم. وبعض الفقهاء فرق، الظاهرية يرون أن الرجل على كل الحالتين صلاته باطلة، سواء بخاتم الذهب أو بثوب الحرير. وبعض الحنابلة يفصل، فيقول: خاتم الذهب لم يتعلق بموضع فيه معنى واجب من واجبات الصلاة، وشرط من شرطياتها، أو من شروطها. فلذلك يرون أن صلاته بخاتم الذهب صحيحة مع الإثم. وصلاته بثوب الحرير الذي يستر العورة باطلة؛ لأنه ستر عورته بما يحرم. فوجوده كعدمه. وهذا غير صحيح. الصحيح أنه في الكل يأثم؛ لأنه في شيء منفصل عن ذات العمل، والصلاة صحيحة. فالصلاة صحيحة مع الإثم. وهكذا كذلك في السفر في الأمر المحرم، إذا كان السفر لأجل الصيام، فسفره باطل، رخصته في الصيام باطلة، فصيامه لا يصح. وإن كان سفره ليس لأجل الترخص بالصيام، وإنما سفره لغرضه، حلالا كان أو حراما. فإن كان حلالا فلا إشكال. وإن كان حراما، فيأثم لأجل ما وقع من حرام، وصيامه صحيح. الترخص ليس الصيام، الترخص بالصيام. سبق لسان الترخص بالصيام. ومثل هذا يقال فيما ذكره الفقهاء في حق من سافر سفرا محرما، أو سفر السائح، أو الهائم، أو التائه. وأما التائه فلأجلي ليس لأجل ما سبق، ولكن لأنه لم ينو السفر أصلا. إنسان خرج من المدينة يرعى الغنم، ثم ضل حتى قطع مسافة هي مسافة السفر، هل يجوز له أن يفطر؟ فإنه قطع مسافة سفر. الصحيح: لا؛ لأنه ليس بمسافر. ومثله الرعاة الذين يرعون حول المدن، قد يقطعون مسافة هي مسافة سفر، لكن لما كانوا لم ينو بها السفر، وإنما يتتبعون القطر، فلا يترخصون برخص السفر. وهكذا يقال في حق التائه. وبه نصل كذلك إلى معنى ينبه عليه فيما قد يقع فيه بعض الناس، رغبة في الخير، فيحرمون على أنفسهم أشياء، ظنا أنهم يريدون بذلك الخير والأجر والثواب، وليس الأمر كذلك. وكما سبق: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التبتل، ونهى عن الاختصاء. وكل ذلك أراده بعض الصحابة استعانة به على التفرغ لعبادة الله. ومثله كذلك التحريم على النفس أمر النكاح، أو حتى تأخيره. فإذا كان تأخيره تعبدا، وهو يعرف أن له رغبة فيه، وحاجة إليه، فهو حرم على نفسه، ولو تحريما مؤقتا، شيئا أحله الله، ويحب الله أن يفعله. وتأتي هنا مسألة: وهي أن بعض الناس قد يقول: أنا ما أتعبد لله به، ما أتعبد لله به، ولكن أرى أن هذا أفضل لي. قد يترك الإنسان الكلام، ويزعم أنه لا يترك للتعبد، وإنه يرى أنه أفضل لحاله. وآخر قد يترك النكاح، ويرى أنه أفضل لحاله. فيقال: الأفضل ما جعله الله لك أفضل، ليس ما رأيته أنت لنفسك أفضل. وكم من أناس يبتلون بالأمراض النفسية، ويدخلون في مواضع محذورة، كالوقوع في الوسوسة، وغير ذلك. بسبب مثل هذه الأوهام والأفكار التي يستحسنونها، وهي تخالف الأفضل في ديننا. والأفضل في ديننا هو ما دعينا إليه في كتاب الله، وسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم. ولا أدل على ذلك من قصة الثلاثة الذين جاء ذكرهم في حديث عائشة في الصحيحين، وحديث أنس. أحدهم حرم على نفسه أو منع نفسه من النساء، والآخر من الأكل، فقال: أصوم ولا أفطر. وقال الآخر: أقوم ولا أنام. وقال الثالث: لا أتزوج النساء. وفي رواية: أحدهم قال: لا آكل اللحم. ومع ذلك قال لهم النبي عليه الصلاة والسلام: «أما إني أخشاكم لله، وأتقاكم له، ولكني أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأتزوج النساء، وأكل اللحم». فمن رغب عن سنتي فليس مني. حتى اللحم لو تركه الإنسان، يظن أنه يتقرب به إلى الله، فهو خطأ. حتى ذكر بعض أهل العلم حين بلغه أن فلانا ترك الفالودج -والفالودج نوع من الحلوى كانت ثمينة وطيبة- بعض الناس تركها رغبة في الزهد في الدنيا. فأنكر ذلك أهل العلم؛ لأن هذا شيء لم يكن عليه سنة الصحابة، ولا سنة النبي عليه الصلاة والسلام. فالنفس إذا رغبت في شيء، أعطيت وفق الحلال، ولا تتعدى إلى المبالغة في المباح، فضلا عن الحرام. وسط، لا إفراط ولا تفريط، لا تحرم على نفسك تحريما بلسان الحال، ولا بلسان المقال، شيئا أحله الله لك. وكذلك لا تبالغ وتتوسع في المباحات حتى تصاب بالغفلة، ويكون ذلك مدعاه لوقوعك في بعض الشبهات، فضلا عن الحرام. والأمر بالاقتصاد هو المطلوب الشرعي. وبهذا نكون قد انتهينا من المسائل التي أشار إليها الشيخ رحمه الله في هذا الكتاب، كتاب الصيام. وبه ننتهي. والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم، وجزاكم الله خيرا. يقول السائل: هل يصح أن النبي صلى الله عليه وسلم لما جاءته الضيوف، ترك صلاة السنة في البيت لأجل إكرام الضيف، وصلى بعد ذهابه؟ نعم، ثبت من حديث عائشة رضي الله عنها أنه صنع ذلك. وجاء من حديث غيرها كذلك، فلا بأس إذا شغل الإنسان بالضيوف، يؤخر صلاة السنة، حتى ولو قضاها بعد وقت أو وقتين. فقد ثبت بحديث عائشة أنه صلاها بعد العصر، صلى راتبة الظهر بعد العصر. فسئل فأخبر أن الضيوف شغلوه عن ذلك. يقول رجل: استيقظ والمؤذن يؤذن، فشرب ماء كان بجانبه، فهل صومه صحيح أو عليه القضاء؟ إن كان المؤذن يؤذن في غير الوقت، يتقدمون قليلا، فصيامه صحيح. وإن كان يؤذن بعد الوقت أو مع الوقت الصحيح، فلا يجوز له أن يفعل هذا. ومن فعل هذا، فعليه القضاء، عليه أن يقضي يوما. يقول: إذا رفع الإمام يديه في القنوت -القنوت بالتاء، ليس بالطاء- في صلاة التراويح، فهل يرفع المصلون أيديهم؟ نعم، يرفع المصل يده، سواء رفع الإمام أو لم يرفع. لم يرفع؛ لأن الصحيح أنه يشرع ذلك. وقد صح ذلك عن النبي عليه الصلاة والسلام في قنوت النوازل، فكذلك في قنوت الوتر. ورويت فيه آثار كثيرة صحيحة. وهذا يسأل: الجهاد في سبيل الله بالسيف والسنان، ما المراد بالسنان؟ السنان: كل ما يقاتل به من حربة أو نحوها مما فيه سن. المقصود أنه قتال حسي. يقول: إذا أخرج الغني زكاة من ماله، ولكن لا يزال ماله بلغ النصاب، فماذا يفعل؟ لعلك ما فهمت معنى إخراج الزكاة. إخراج الزكاة هو إخراج حد معين من المال الذي بلغ النصاب، وحال عليه الحول. فتخرج منه ربع العشر. ليس معنى: تخرج منه حتى ينتهي، ويكون أقل من النصاب، لا. فكل سنة إذا جاء، وما زال بالغا النصاب، وقد حال عليه الحول، تخرج منه الحد الذي عليك فقط، لا تزيد على ذلك. وإن زدت، صدقة، فمن عندك. هذا يسأل: حديث العشر الأول من رمضان رحمة، والثاني مغفرة، والثالث عتق من النار، لا أعرفه صحيحا. وقد صح خلاف ذلك. فكل ليلة من ليالي رمضان، فيه عتق من النار. وكل شهر رمضان رحمة ومغفرة وعتق. فعلى المسلم أن يجتهد في كل أيام الشهر. هل يجوز للمرأة أن تلون شعرها لتخفي الشعر الأبيض؟ تلون، لعله إذا كان بالحناء، وما كان بمعناه من المباح، فهذا جائز. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «غيروا هذا الشيء». يعني بالحناء. وأما إذا كان بالسواد، فهو كذب وغش، ولا يجوز. فبالحناء جائز، وبالأسود لا يجوز. وهذا كأنه نفس السائل يقول: هل يجوز للمرأة أن تلون شعرها باللون الأسود كما سمعت؟ لا يجوز. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم لعن من فعل ذلك. ولأنه فيه كذب وتلبس بما لم يعطى. وقال النبي عليه الصلاة والسلام: كما في حديث أسماء في الصحيح: «المتلبس بما لم يعط كلابس ثوبي زور». يكذب على نفسه، وعلى غيره. يقول بعض الصيادين: يذهبون إلى البحر للصيد، فيقطعون مسافات طويلة، فهل يعد من السفر، مع العلم أن البعض يقصر الصلاة؟ إن كان يعلم أنه سيذهب إلى مكان يكون فيه قصر مسافة، مسافة قصر، فهو سفر. وأما إذا ذهب يتتبع الصيد، لا يدري أين، ثم إذا به قطع مسافات طويلة، فلا يترخص، كما تقدم في رعاة الغنم والإبل وغيرهم. وهذا هو الذي ذكره أهل العلم، وعمومات الأدلة تدل عليه. طيب نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.