الدرس في شرح السياسة الشرعية 23، االدرس الثالث والعشرون:من( فصل:وجوه صرف الأموال ... والسعاة على المال جمعاً وحفظاً وقسمة ونحو ذلك حتى أئمة الصلاة والمؤذنين ونحو ذلك ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتحدث عن وجوه صرف الأموال في السياسة الشرعية وتقديم الأهم في القسمة. يبين أهمية ترتيب الأولويات في توزيع الأموال على مختلف الفئات.
يؤكد أهمية الإنفاق على المقاتلين في سبيل الله لأنهم يحمون أمن المسلمين ودولة الإسلام. يشرح كيفية توزيع الأموال السلطانية على مختلف المصالح وفقا للأهمية.
يتناول مسألة أخذ الأجرة على العبادات مثل الصلاة والأذان وتعليم القرآن. يوضح شروط جواز أخذ الأجرة على هذه العبادات ويحذر من المشارطة فيها.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة من تيمية، رحمه الله تعالى، في كتابه "السياسة الشرعية". قال: فصل وجوه صرف الأموال. هكذا جاء في بعض النسخ ذكر في هذا العنوان، وفي بعض النسخ دون ذكر هذا العنوان، وفي بعضها دون ذكر الفصل والعنوان. ولعله يحمل أنه قرئ عليه، رحمه الله، أو أنه أملاه، رحمه الله، مرات، فكان تارة وضع له شيء من الفصول والعنوان، وتارة لم يضع له شيء. ها كيف اليوم وجوه صرف الأموال؟ وأما المصارف، فالواجب... هذا تبع هذا الفصل في بعض النسخ. وأما المصارف، فالواجب أن يبتدئ في القسمة بالأهم. هذا تبع الفصل الذي قبله. والصواب أنه تبع الفصل الجديد؛ لأنه له تعلق به من جهة المعنى، كما سترون. قال رحمه الله تعالى: وأما المصارف، فالواجب أن يبتدئ في القسمة بالأهم فالأهم من مصالح المسلمين العامة. كعطاء من يحصل للمسلمين به منفعة عامة. فمنهم المقاتلة الذين هم أهل النصرة والجهاد، وهم أحق الناس بالفي؛ فإنه لا يحصل إلا بهم. حتى اختلف الفقهاء في مال الفي: هل هو مختص بهم أو مشترك في جميع المصالح؟ وأما سائر الأموال السلطانية، فلجميع المصالح وفاقا؛ إلا ما خص به نوع، كالصدقات والمغنم. ابتدأ رحمه الله في هذا الفصل، على بعض النسخ، بهذه الجمل. وفي نسخ أخرى جعلت هذه الجمل في الفصل الذي قبله. والصواب أن هذه الجمل في هذا الفصل؛ لما لها من تعلق بهذا المبحث، ولو لم يكن له عنوان، فكيف قد جعل له عنوان في بعض النسخ؟ فإنه من باب أولى أن يجعل فيه. ابتدأ رحمه الله بذكر المصارف بقوله: وأما... وأما تفصيلية تفيد هذا المعنى من المبحث الذي أتبعه بالمباحث السابقة. فكأنه قال: تتعلق بالسلطان أمانات بالراعي، وكذلك نحوه بالرعية. فهو يذكر الراعي أولا، ثم يثني بما يتعلق بالرعية. فذكر أنواعا من الأمانات، ثم قال: وأما المصارف، يعني مما يكون به صرف هذه الأمانات. أين توضع هذه الأمانات المالية التي تقدم معنا شيء من أقسامها؟ قال رحمه الله: فالواجب أن يبتدئ في القسمة بالأهم فالأهم من مصالح المسلمين العامة. وتأملوا قوله رحمه الله: فالواجب أن يبتدئ في القسمة بالأهم فالأهم. فإذا كان تقديم الأهم فالأهم واجب، فكيف إذا قدم ما ليس بمهم أصلا، أو ما فيه معصية على المهم؟ فهذا أشد جرما وأعظم خطيئة. ففي قوله: الواجب، إشارة إلى أن هذا من الأمانات، وأنه مما يسأل عنه الراعي. فهو ليس فقط يسأل عن وضع الواجب في موضعه، والمستحب في موضعه، وترك المحرم، بل سيسأل كذلك حتى عن مراعاة الأهم فالأهم؛ فإنه من الأمانة. وهذا شيء خفي ودقيق، قل أن يسلم منه أحد. ولهذا جاءت الأحاديث الكثيرة في التحذير من تولي الولايات؛ لما في ذلك من تحم الأمانة، قد لا يؤديها الإنسان. بل صح عن النبي ﷺ أنه ما من امرئ يتولى أمر عشرة فأكثر، إلا يبعث يوم القيامة ويداه مغلولتان لعنقه -يعني مرهون بعمله- فإما أن يفكه عدله، وإما أن يكبه جوره. فالشاهد: هذا الموضع من المواضع التي يجب فيها أداء الأمانة: الابتداء بالأهم فالأهم. وذكر رحمه الله بعض هذا الترتيب من معنى الأهم فالأهم. قال: كعطاء من يحصل للمسلمين به منفعة عامة. وسيأتي الدليل عليه. فهؤلاء مقدمون على غيرهم. من يحصل للمسلمين به منفعة عامة يقدم على غيره. ففي هذا فائدتان: الفائدة الأولى: تحقق هذه المنفعة العامة بتقديم هؤلاء. تحقق المنفعة العامة بتقديم هؤلاء. وثانيا: إذا حصل شيء من أمور الشدة، فاضطر أن يقدم بعضهم ويمنع بعضهم، فإنه يقدم أمثال هؤلاء الذين تحصل بهم منفعة عامة؛ تكون لهم الأولوية. وسيأتي معنا أن معنى ذلك صح عن النبي ﷺ. فنستفيد من هذا هاتين الفائدتين. الفائدة الأولى: تقديم هؤلاء لما يحصل بهم للمسلمين منفعة عامة؛ فيعانون على ذلك؛ لأن إعانتهم عليه إعانة على بقاء تلك المنافع العامة. والفائدة الثانية: إذا حصلت مشاحة في هذا -مثلا كان المال قليل- من نعطي؟ ما نستطيع نعطي الجميع، نقدم أمثال هؤلاء الذين تقوم بهم المصالح والمنافع العامة. ثم بين من هؤلاء، قال: فمنهم المقاتلة. من هؤلاء أهل المصالح والمنافع العامة المقاتلون. سواء المقاتلون الذين في الثغور، في الغزو، وفي أطراف بلاد المسلمين؛ يحمون أطراف بلاد المسلمين من دخول العدو، أو كذلك يفتحون بلاد العدو، ويتوسعون في نصرة المسلمين، وجعل كلمة الله العليا. أو كذلك المقاتلة الذين يحمون بلاد المسلمين، حتى في أوساط هذه البلاد؛ لأن بهم يحفظ أمن البلاد. فهم لهم المنفعة العامة للمسلمين. تصور دولة من غير أمن، كيف يكون حالها؟ لا يكون لها سلطة أبدا؛ يتسلط عليها السفهاء والمجرمون وغير ذلك من أهل الشر والفساد. فيوجد في أوساط المسلمين من الكفار والمنافقين والمجرمين من يتربصون بالمسلمين الدوائر، يرجون أن يكون هناك ثغرة فيخترقونها. فالإنفاق على أمثال هؤلاء له أولوية في دين الإسلام؛ فهو من أهم ما ينبغي أن يعتنى به. وهو رحمه الله أخذ هذا المعنى بالأدلة، ليس بالعاطفة ولا بالعقل -مع أن العقل الصحيح لا يخالف النقل الصحيح الصريح-. ثم قال: الذين هم أهل النصرة والجهاد. النصرة أعم من الجهاد؛ فالنصرة نصرة الدولة المسلمة والمسلمين بالحفاظ على أمنها؛ فيشمل في ذلك من داخل البلاد ومن في الأطراف. وهكذا كذلك من هم في الثغور وغيرها، ممن يجاهدون في سبيل الله. وقوله: وهم أحق الناس بالفي. تقدم معنا أن مصارف الفي -على الصحيح من أقوال أهل العلم- يصرف مصارف الغنيمة. ومثلها الجزية والخراج؛ فالأموال السلطانية كثير من أهمها ما تقدم معنا من الغنيمة، وكذلك الصدقات والفي، وكذلك الجزية والخراج، وما كان بمعناه. وقد مر معنا ذكر بعض ذلك في دروس سابقة إشارات، وكذلك في الاختيارات الفقهية بشيء من التفصيل فيما ذكره رحمه الله. فكذلك الجزية والخراج حكمها حكم الفي؛ فإنها تصرف لمنافع ومصالح المسلمين الأهم فالأهم. وقد قال الله عز وجل: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾. وقال في الغنيمة: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ﴾ الآية. فانظروا: ذكر خمسة أصناف: لله والرسول واحد؛ فإنما لله تصرفه الرسول عليه الصلاة والسلام حيث أمره الله. ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل؛ هؤلاء أربعة. فهذه خمسة أصناف يكون فيها صرف الفي. ثم تكون الأولوية فيما هو الأهم فالأهم. فأين يدخل المقاتلة من هذه الأصناف الخمسة؟ أين يدخلون؟ يدخلون في هذا في الأول فيما هو لله والرسول؛ فالرسول ﷺ يضعه حيث أمره الله. هكذا ولي الأمر كذلك من بعده. وبالنسبة للغنيمة، هناك أربعة أخماس؛ هي لمن حضر الوقعة كما تقدم معنا. وهكذا كذلك الجزية والخراج. والجزية: المال المأخوذ من الكافر الذي هو في أمان المسلمين، وهو يأخذ على الرأس. وأما الخراج: فهو المال المأخوذ من الأرض؛ الأصل أنها أرض الكفار؛ فيأخذ منها نصيب من المال. كذلك لما كان من كونها مال الكفار، وفيها تفاصيل كثيرة. ومعنى الخراج تدخل فيه معاني كثيرة؛ فعلى وجه الاختصار هذا المناسب ذكره في هذا المقام. ثم قال رحمه الله: فإنه لا يحصل إلا بهم؛ حتى اختلف الفقهاء في مال الفي: يعني هم أحق الناس بالفي؛ لأن الفي لا يحصل إلا بهم؛ فهم الذين يفتح الله عز وجل بهم البلاد -بلاد الكفار- وهم الذين بوجودهم تقوى دولة الإسلام؛ فلذلك كان لهم الأولوية. وقوله: حتى اختلف الفقهاء في مال الفي: هل هو مختص بهم أو مشترك في جميع المصالح؟ وأما سائر الأموال... إلى آخره. يعني كأنه يقول: وهذا يؤكد أن لهم الأولوية. فقد روي عن الإمام الشافعي وأحمد روايتان، والمشهور عن الإمام أحمد أنه لا يختص بهم؛ فيوافق قوله قول مالك وأبي حنيفة وغيرهم من الفقهاء وأهل العلم. وهذا هو الصحيح: أن الفي غير مختص بالمقاتلين؛ كما تقدم معنا أن الصحيح في الفي: يجري مجرى الغنيمة. وقوله رحمه الله: وأما سائر الأموال السلطانية... في جميع المصالح وفاقا. يعني غير المذكور؛ فالغنيمة تقدم الكلام عليها، والفي الآن سبقت الإشارة إليه. بقية الصدقات والمغنم قد استثنها؛ قال: إلا ما خص من نوع كالصدقات والمغنم. فيبقى الجزية والخراج؛ الجزية والخراج وما كان بمعنى ذلك؛ فهو يلحق بالفي كما تقدم؛ سبق؛ فهو كذلك غير مختص بالمقاتلين. فالشاهد من هذا: أنه أشار بهذا رحمه الله إلى أن هذه الأموال يجب أن تصرف في مواضعها؛ وليس هذا فحسب، بل بتقديم الأهم فالأهم. وهذا من معاني الأمانة. وننتبه لهذا: ليس فقط أن تؤدى في مواضعها، بل يقدم الأهم فالأهم؛ لو أديت في مواضعها لكن لم يقدم الأهم فالأهم؛ لصار مقصرا في هذه الأمانة. قال رحمه الله: ومن المستحقين ذو الولايات عليهم؛ كالولاة والقضاة والعلماء، والسعاة على المال جمعا وحفظا وقسمة، ونحو ذلك؛ حتى إمامة الصلاة والمؤذنين ونحو ذلك. يعني ومن المستحقين لهذه المصارف من الفي وغيره: ذو الولايات عليهم. ثم هؤلاء كذلك يقدمون الأهم فالأهم؛ كالولاة؛ يعني الذين هم أصغر من الوالي الأكبر؛ مثل ما نسميه نحن المحافظ، أو من هو دونه كرئيس المجلس المحلي أو غير ذلك؛ فهؤلاء من الولاة، لكن ولاة أصغر من الوالي العام. قال: والقضاة والعلماء؛ وهذا واضح. والسعي على المال جمعا وحفظا وقسمة؛ وهذا كذلك واضح؛ فكل من يقوم على الأموال؛ فهو يدخل في هؤلاء؛ سواء من يجمعها أو من يحفظها أو من يقسمها أو كذلك من يقوم بحسابها وغير ذلك. قال: حتى إمامة الصلاة والمؤذنين ونحو ذلك. يعني يعطون من هذه الأموال؛ يعني من بيت المال؛ يجب أن يعطون من بيت المال. ولا ينافي ذلك قول النبي ﷺ: «واتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا» -حديث عثمان من أبي العاص- الصحيح؛ لأن المقصود أن لا يشارط المؤذن؛ فتنقلب العبادة إلى تجارة؛ فتعطل العبادات. وأما إذا كان لا يمكن تفرغ إنسان للقيام بهذه العبادة إلا بإعانته بشيء؛ فهذا من التعاون على البر والتقوى. فالناس يحبون أن يؤذنوا ويحبون أن يتفرغوا للصلاة بالناس؛ لكن عندهم أعمال؛ فإذا كانت أعمالهم قد تصرفهم؛ فهم يتتبعون أعمالهم بحسب ما يتيسر؛ تارة يجد رزقه في هذه المدينة، وتارة في مدينة أخرى. إذن من يقوم بالمساجد من حيث الصلاة والأذان؛ حتى كذلك تنظيفها؛ إذا لم يوجد من يتبرع ويتصدق ويتطوع؛ فإنه يعطى من بيت المال. وإلا فالأفضل والأكمل أن يكون ذلك على وجه التطوع؛ هذا هو الأفضل والأكمل. ولهذا لم يسم العلماء هذا المال المأخوذ على هذه العبادات والطاعات أجرة؛ لأن الأجرة تحرم ها هنا؛ وإنما يسمى جعلا أو يسمى رزقا؛ فيقال: هو جعل أو رزق من بيت المال؛ جمعه أرزاق؛ فهي مثل المكافآت والإعانات من بيت المال؛ لتفرغ هؤلاء لهذه العبادات؛ والعبادات التي يحتاج الناس إلى من يقوم عليها. ومن باب المناسبة: ينبه هنا بتنبيه من تنبيهين: التنبيه الأول: ما تقدم: أنه لا يجوز أن ينوي بهذه العبادة الاتجار. ومن باب أولى: المشارطة فيه. فعلى من يأخذ أجرة من عبادة من العبادات -صلاة أو أذان أو حتى تعليم قرآن- على الصحيح: أنه يجوز إذا كان ذلك يعين على تفرغه؛ يجب أن يخلص نيته ويصححها. ومن باب أولى ما تقدم: لا يجوز له أن يشارط. والتنبيه الثاني: أنه قد يشتبه ويلتبس الأمر على بعض الناس في تورعهم عن أخذ الأجر في هذه الأعمال؛ ما يكون سببا في تعطيل هذه الأعمال. وهذا واقع؛ والناس في هذا طرفان ووسط. فإن من الناس من ربما يتعلم العلم لينال به عرضا من الدنيا؛ إذا كان مثلا معلم القرآن له راتب كبير؛ قد يكون بعض الناس يتعلم القرآن لأجل هذا الراتب والتفرغ له؛ فله ما نوى، وبئس ما نوى. وهكذا كذلك قد يحرص الإنسان على الإمامة أو الأذان لأجل الراتب الذي فيه؛ فبئس ما نوى، وأضاع على نفسه أجر هذه الطاعات والعبادات. وصنف آخر: حريص على سلامة دينه من الشبهات فضلا عن الحرام؛ فيظن أنه لو أخذ أجرا كان هذا منافيا للإخلاص؛ فهو يحب أن يتطوع في هذا الباب. وربما يفعل هذا: يصلي بالناس يوم أو يومين أسبوع، ثم يغيب شهر. يؤذن يوم أو يومين ثلاثة، ثم يغيب عشرين يوما. يجلس لتحفيظ القرآن أسبوع أو أسبوعين، ويغيب شهر. لماذا يغيب؟ هل هو مفرط؟ ليس مفرطا؛ لكن تضطره ظروف حياته وحاجته للاكتساب والمعيشة أن يترك. فهنا يقال لهذا: يا أخي! كونك تتفرغ للمسلمين بأداء هذه الثغرة وهذه الحاجة؛ خير لك وللمسلمين؛ فلذلك احتسب في أخذك الأجرة؛ احتسب في أخذك الأجرة؛ حتى تعين على هذا الخير؛ ولا تتعطل هذه المصالح. وكون هذه المصالح يبقى فيها من أمثال هؤلاء الناصحين الحريصين؛ خير من أن يزهد فيها هؤلاء، ويأتي إليها من هو ماذا؟ من له نية غير نية أمثال هؤلاء؟ وفي الغالب يكون أعمال هؤلاء، وكذلك نفع هؤلاء؛ أقل من نفع أولئك الحريصين المخلصين. فلذلك يقال لأمثال هؤلاء: ليس من الورع، ولا من الأفضل والأكمل؛ ترك أخذ الأجرة في هذه الطاعات؛ ما دمت تعلم أنك ستكون سببا في تعطيلها، وتولي من هو ليس فيها. وما دمت تعلم أنك لا تستطيع أن تتفرغ أو تفرغ من وقتك لهذه الطاعات تطوعا؛ أنت ما تستطيع؛ لأنك رجل ومسلم كالناس؛ تحتاج لكسب ومعيشة لأسرتك. ولهذا لما تولى أبو بكر رضي الله عنه؛ كان يكتسب كعادته؛ يخرج فيكتسب. وأصل القصة في الصحيح في صحيح البخاري؛ فقال له عمر: «يا أمير المؤمنين! لو أنك صرفت -يعني لك من بيت المال- يعني ما يجعلك تتفرغ وتترك الاكتساب؛ فأبى في أول الأمر؛ ولم يزل عمر يراجعه حتى رأى أن الأصلح والأنفع للمسلمين أن يتفرغ لهم؛ فتفرغ أبو بكر؛ وصرف له من بيت المال ما يكفي مثله من نفقته ونفقت أسرته». فلن تكون يا أخي أحرص من أبي بكر رضي الله عنه، ومن عمر رضي الله عنه؛ وهم أورع الناس وأتقى الناس رضي الله عنهم أرضاهم. طيب نقف إلى هنا، والله تعالى أعلم.