كتاب العلم وفضله وما يتعلق به  6

كتاب العلم وفضله وما يتعلق به 6

الدرس في كتاب العلم وفضله وما يتعلق به 6، الدرس السادس:من( فصل في علم المعاملة ... لأن مقصودها من الرياء والسمعة يحصل بالمناظرة لا بالحساب ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في علم المعاملة وأهمية إصلاح القلب

يتناول شرحًا لعلم المعاملة الذي يهتم بأحوال القلب مثل الخوف والرجاء والإخلاص، ويبين أهمية إصلاح القلب لصلاح الجوارح. يشير إلى أن العلماء السابقين كانوا يهتمون بهذا العلم.

أهمية الجمع بين العلم والعمل في طلب العلم وتطبيقه

ينبغي لطالب العلم أن يجمع بين العلم والعمل، فالعلم بدون عمل لا ينفع. يجب على المسلم أن يعتني بإصلاح نفسه وقلبه وأعماله بثلاثة أمور: استحضار أهمية إصلاح القلب، البحث في كلام أهل العلم، والحرص على العمل.

أهمية مخالطة العلماء العاملين وتطبيق العلم في الحياة

يُنبّه على أن السلف كانوا يرحلون لأجل العلم والعمل معًا، ويأخذون العلم والعمل من العلماء العاملين. يُشدّد على أهمية مخالطة العلماء العاملين لتطبيق العلم وتأثير ذلك على إصلاح القلب.

  • 25 جمادى الآخرة 1432هـ - 28/05/2011مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى: فصل في علم المعاملة. فأما علم المعاملة، وهو علم أحوال القلب كالخوف والرجاء والرضا والصدق والإخلاص وغير ذلك، فهذا العلم ارتفع به كبار العلماء، وبتحقيقه اشتهرت أذكارهم، كسفيان. وفي نسخة: الثوري، فقد كان سفيان الثوري رحمه الله يشبه بسلسلة من العلماء والمشائخ، يأخذ بعضهم عن بعض، يتصلون بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: وابن حنيف ومالك والشافعي وأحمد. وإنما انحطت رتبة المسمين بالفقهاء والعلماء عن تلك المقامات لتشاغلهم بصور العلم من غير أخذ على النفس أن تبلغ إلى حقائقه وتعمل بخفاياه، وأن تتجرد. الفقه يتكلم في الظهار واللعان والسبق والرمي، ويفرع التفريعات التي تمضي أو التي تمضي الدهور فيها، ولا يحتاج إلى مسألة منها. ولا يتكلم في الإخلاص، ولا يحذر من الرياء، وهذا عليه فرض عين؛ لأن في إهماله هلاكه، والأول فرض كفاية. ولو أنه سئل عن علة ترك المناقشة للنفس في الإخلاص والرياء لم يكن له جواب. ولو سئل عن علة تشاغله بمسائل اللعان والرمي لقال: هذا فرض كفاية. ولقد صدق، ولكن خفي عليه أن الحساب فرض كفاية أيضا، فهل لا تشاغل به؟ وإنما تبهرج عليه النفس؛ لأن مقصودها من الرياء والسمعة يحصل بالمناظرة لا بالحساب. أورد رحمه الله تعالى هذه التوطئة - وهي المقدمة - لهذا الفصل بعلم المعاملة. ومراده بعلم المعاملة كما قال: أحوال القلب. والمراد بأحوال القلب: أي أعمال القلب التي ينبغي أن يحرص عليها المسلم، بما دلت عليه الأدلة من الكتاب والسنة، وبها صلاحه - أي صلاح القلب - وقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام في حديث النعمان بن بشير في الصحيحين: «أن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب». وهذا يدل على أن المسلم ينبغي عليه أن يعتني بإصلاح قلبه اعتناء خاصا؛ لأن صلاحه سبب لصلاح الجوارح، كما أن فساده سبب لفساد الجوارح. لا ينفع المرء أن يصلح من جوارحه وقلبه مليء بالأمراض والأسقام؛ لأنه محل انبعاث تلك الأعمال، إن صلح صلحت تلك الأعمال، وإن لم يصلح لم تصلح تلك الأعمال. ومثل رحمه الله بهذا المثال، وليس مراده رحمه الله التزهيد في دراسة ومدارسة وتعلم وتعليم أبواب الفقه، ولكن مراده أنه لا ينبغي أن يكون هناك إفراط في هذا الباب - يعني على حساب أبواب أخرى - ولهذا كان العلماء يعتنون بتعلم العلم الشرعي من مسائله ومباحثه وتفاصيل أبوابه، مع الاعتناء كذلك بقراءة شيء من الرقائق، سواء بقراءة القرآن وتفسيره، أو قراءة السنة وشرحها، أو كذلك الاطلاع على مباحث من مباحث علم المعاملة. وقد ألف العلماء في ذلك مؤلفات، كما مر معنا في مقدمة هذا الكتاب اعتناء بهذا الباب، وصدر عن العلماء نصائح في هذا الباب كذلك، تنبيها على هذا المعنى. فهؤلاء الذين أشار إليهم رحمه الله هم قليل من كثير ممن اعتنى بهذا الباب في أنفسهم وفي نصح غيرهم. وهكذا ينبغي أن يكون العالم والمتعلم، العالم والمتعلم يحرص كل منهما على الاعتناء بقلبه وبقلب غيره، أن يعتني بقلبه أولا، وبقلب غيره. فمثلا لا ينبغي أن تكون همة طالب العلم الاستكثار من العلم مع عدم العمل، يحرص على أن يجعل لنفسه قربات وطاعات يستعين بها أولا على الاستزاد من العلم والاستمرار في طريقه، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿واتقوا الله ويعلمكم الله﴾، فتقوى الله سبب لحصول العلم، ومن تقوى الله العمل بالعلم. وهكذا كذلك هو سبب آخر لعصمة الإنسان، فإن العلم الذي لا يحرص معه على عمل يزول نفعه وأثره على صاحبه. إذا ما تعتني بإصلاح نفسك بشيء من الطاعات والقربات، نوافل تتنفل بها من الصيام، من الصلاة، من الصدقة، من بر الوالدين، من صلة الأرحام، من الإحسان إلى المخلوقين جميعا، إذا لم تحرص على هذه الأبواب - أبواب الخير - فإنك لا تذوق حلاوة العلم، ويكون العلم وبالا عليه. لأن الإنسان بالفعل قد يجره الشيطان وهو لا يدري، قد يجره الشيطان وهو لا يدري إلى باب آخر من باب الزلل، ليس أن يوقعه في الكبائر، ولا أن يوقعه في الشرك، ولكن يجعله يحرص على المفضول ويترك الفاضل، أو يحرص على النافع ويترك الأنفع، أو أعظم من ذلك أن يحرص على النافع بما يدرجه به إلى أن يكون بدلا من شيء نافع شيء ضار. كيف ذاك؟ ذاك أنه يحرص على الاستكثار مثلا من المعلومات، مع عدم الاعتناء بالعمل بالعلم. وتعلمون من سنة سلفنا رحمهم الله، رضي الله تعالى عنهم، الجمع بين العلم والعمل، كما قال ابن مسعود: «كانوا يأخذون عشر آيات لا يتجاوزونها حتى يأخذوا ما فيها من العلم والعمل». وهذا العمل ما هو؟ هو هذه تطبيق لعلم المعاملة الذي هو إصلاح القلب وإصلاح الجوارح بإصلاح القلب: الصدق والإخلاص، والرجاء والرضا، والخوف. وسيأتي إن شاء الله الكلام عليها مفصلا، وكلها من منازل العبودية لله عز وجل، كما ذكره ابن القيم رحمه الله في «مدارج السالكين»، الذي فيه هذه المنازل منازل العبودية: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾. فينبغي المسلم أن يعتني بنفسه: إصلاح قلبه وإصلاح أعماله. قد يقول قائل: أنا أريد أن أصلح قلبي وأصلح أعمالي، لكن كيف ذاك؟ الجواب يكمن في ثلاثة أمور، وإن كان تحته تفاصيل كثيرة، لكن يجمل في ثلاثة أمور. أولها: أن تستحضر أنه يجب عليك أن تعتني بهذا الباب، فكونك تعلم أن هذا مما يجب عليك، هذا أولا بحد ذاته يعتبر تصحيحا لمسارك في طلب العلم، حتى تفهم وتستيقن أن العلم ليس هو جمع المعلومات، ليس أن تكون حافظا لألف حديث، ولا عشرة آلاف حديث، ولا كذلك فاهما لكذا وكذا مسألة، ولا قرأت كذا وكذا كتاب، ولا حضرت لكذا وكذا شيخ، ولا سمعت كذا وكذا شريط، ليس هذا هو المقصود، لكن المقصود الشرعي ما هو؟ العلم الذي عملت به، هذا الذي ستسأل عنه: علم وعمل. فإذا فهمت هذا المعنى، فهذا أولا بحد ذاته تصحيح للمسار. ثم ثانيا بعد ذلك: أن تبحث في كلام أهل العلم وتطبيقات أهل العلم عن كيفية إصلاح قلوبهم، سواء من النصائح المنقول المأثورة عن الصحابة وعن من بعدهم من الأئمة، أو ما نقل من سيرتهم. فإن العلماء كانوا يحرصون على العمل كما يحرصون على العلم. قيل: أن الإمام أحمد رحمه الله كان يحضر في مجلس العلم عنده أكثر من خمسة آلاف طالب علم، قال: «يأخذون من هديه وسمته - يعني أخلاق - والدين الذي عنده». كما أنك تبحث عن العلم والمعلومات، فكذلك ينبغي أن تبحث عن العمل. إذا سمعت أن فلانا من الناس من العلماء عابدا لله عز وجل، أو خاشعا، أو مخلصا، أو صاحب طاعات، احرص على التعرف عليه، ارحل إليه، كما كان السلف يرحلون. ما كانوا يرحلون لأجل العلم فقط - انتبه لهذا - هذا مفهوم خاطئ أن تظن أنهم كانوا يرحلون لأجل العلم فقط، كانوا يرحلون لأجل العلم، ويرحلون كذلك لأجل العمل؛ لأن العمل يحتاج إلى أسوة، يحتاج إلى قدوة. فكانوا يرحلون لقيام العلماء لأخذ العلم وأخذ العمل، يأخذون من العلم والعمل، يتنشطون إذا رأوهم وهم يقومون الليل، إذا رأوهم وهم يصومون النهار، إذا رأوهم وهم يتورعون في أعراض الناس، إذا رأوهم وهم يتأدبون ويتلطفون في نصح الآخرين. هذا من الهدي والسمت الذي ما يعرف إلا بالمعاشرة والمخالطة. الكلام شيء، والتطبيق والعمل شيء آخر. أنت ربما تسمع بكلمات جميلة تعجبك، لكن موقفا واحدا عن علما من العلماء تحضره ينقر في قلبك نقرا، ويؤثر في عملك تأثيرا ربما يبقى إلى وفاتك. ليس الخبر كالمعاينة، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «فإن موسى أخبره الله - وهو أصدق الصادقين، ومن أصدق من الله حديثا - أن قومه قد عبدوا غير الله، لم يلقي الألواح، فلما رآهم ألقى الألواح - يعني سقطت الألواح من يده - غضبا وحمية وغيرة لدين الله عز وجل». ليس الخبر كالمعاينة. وهكذا كذلك في باب علم المعاملة، أنت تعرف معنى الخوف من الله ليس بالكلام، لكن بالتطبيق، بمعاشرة العلماء العاملين. تعرف معنى الإخلاص ليس بالكلام، لكن بالتطبيق من معاشرة ومخالطة العلماء العاملين. تعرف معنى الرجاء: حسن الظن بالله عز وجل، والرجاء فيما عند الله سبحانه وتعالى، ليس بالكلام، ولكن بمخالطة العلماء العاملين والناس الصالحين. فهكذا ينبغي أن تحرس. وثالثا مما يعين على إصلاح القلب: أن تحرس أشد الحرص على العمل بما بلغك من العلم، كما كان سلفنا. أثر عن الإمام البخاري رحمه الله أنه كان يقول: «إن استطعت أن لا تحك رأسك إلا بأثر فافعل» - يعني إذا استطعت أن تجعل حياتك كلها دليل وعمل بالدليل وتطبيقا للعلم فافعل - وروي عن إمام أحمد رحمه الله... لأجل أن نعرف كيف كانوا رحمهم الله يحرصون على العمل بالعلم، إذا كان هذا في تفاصيل مثل هذه، فكيف بما هو من إصلاح القلوب وتصفية الأعمال من الشوائب، والتوبة إلى الله والإنابة، وغير ذلك من خصال الخير العظيم؟ لما بلغ الإمام أحمد رحمه الله أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وأعطى الحجام أجرة - الأجرة كانت كثيرة - قال العلماء: لأن هذا الحجام كان عبدا مكاتبا - تعرفون العبد المكاتب الذي يكاتب أسياده وأولياءه على أن يدفع لهم مالا ثم يعتق - أعانه النبي صلى الله عليه وسلم في أجرة الحجام. حرص الإمام أحمد على أن يحتجم، وعلى أن يدفع أجرة كما دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم، عملا بالعلم. مع أن الإمام أحمد كان من فقراء الناس، كان من فقراء العلماء، ومع ذلك حرص على العمل بالعلم في مثل هذا. وقد جعل الله له سعة، جعل الله له سعة، لكن حرص رحمه الله على العمل بالعلم من باب ماذا؟ من باب أولا الحرص على سنة النبي عليه الصلاة والسلام، وثانيا كذلك إصلاحا لنفسه. وهكذا ينبغي المسلم أن يعتني بتطبيق ما يعلم من العلم، لا يأتيك شيء من العلم قليل أو كثير ويمر عليك كمعلومات، لا. اسأل نفسك دائما: أين أنت من العمل بما بلغك من العلم؟ آية أو حديث أو أثر عن أحد من الصحابة، اسأل نفسك: أين أنت من هذا العلم؟ طيب نكتفي بهذا القدر، ونترك الباقي إن شاء الله إلى درس لاحق. وأنبه هنا في قوله رحمه الله: «أن علم الحساب من علم الكفاية كذلك»، فالفروض الكفاية لا شك أن هناك فرقا بين علم الحساب وعلم الفقه، فبعض مسائل الفقه هو من الواجب، كما أن بعض مسائل الحساب من الواجب، لكن واجب عن واجب يختلف، وفرض كفاية عن فرض كفاية يختلف. لكن المقام الآن هو مقام الإشارة إلى هذا الخطأ الذي وقع فيه بعض الناس، هذا مراده رحمه الله، فيعدر بمثل هذه العبارات التي فيها توسع. نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.