تلخيص صفة صلاة النبي  6

تلخيص صفة صلاة النبي 6

الدرس في تلخيص صفة صلاة النبي 6، الدرس السادس:(وضع اليدين وكيفيته ... دعاء الاستفتاح..وقد ثبت الأمر به فينبغي المحافظة عليه ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أحكام وضع اليدين في الصلاة

تناول المقطع الأول مسألة وضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة، مبيناً حكمها وكيفية وضعها على الصدر أثناء القيام. يرى بعض العلماء أنها واجبة بينما يرى البعض الآخر أنها مستحبة.

أهمية الخشوع وتجنب الملهيات

المقطع الثاني ناقش أهمية الخشوع في الصلاة وتجنب كل ما قد يلهي المصلي، مثل الزخارف والنقوش، وتناول النهي عن الصلاة بحضرة طعام يشتهيه أو أثناء مدافعة البول والغائط.

دعاء الاستفتاح وأحكامه

المقطع الثالث تحدث عن دعاء الاستفتاح في الصلاة، مبيناً أنه يقال بعد تكبيرة الإحرام وقبل القراءة، وأنه ثبتت عن النبي ﷺ صيغ متعددة، مع جواز الدعاء بأي صيغة صحيحة.

ختام الدرس وتأجيل الباقي

المقطع الأخير أشار إلى أن حديث أبي هريرة هو أقوى دليل، وتم الاقتصار على ما ذكر حتى الآن على سبيل الاختصار، مع الإشارة إلى استكمال الباقي في درس لاحق.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال العلامة الفقيه المحدث محمد ناصر الدين الألباني، رحمه الله تعالى، في رسالته «تلخيص صفة صلاة النبي ﷺ»: «وضعوا يده اليمنى على اليسرى عقب التكبير، وهو من سنن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وأمر به رسول الله ﷺ أصحابه، فلا يجوز إرسالهما، ويضعون اليمنى على ظهر كف اليسرى وعلى الرسغ والساعد، وتارة يقبضون باليمنى على اليسرى». هذه مسألة أخرى من مسائل صفة صلاة النبي ﷺ، وذكرها هنا على ما تقدم في أوائل هذا الكتاب على وجه الاختصار والتلخيص للأصل. وقد ذكر في الأصل أدلة هذه المسألة، والمسألة تحتها تفاصيل ومباحث وكلام لأهل العلم في كتب أهل العلم الكبار من شروح الحديث وكتب الفقه. أولًا، أشار إلى حكم وضع اليدين، وأن ذلك مما يجب، أي وضع اليمنى على اليسرى بعد التكبير، أي تكبيرة الإحرام. فيجب على المصلي أن يضع اليمين على الشمال حال كونه مصليًا في قيامه، أي القيام الأول، قيام القراءة. وقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة، فمن أهل العلم من ذهب إلى أن هذا على وجه الاستحباب، وهم أكثر أهل العلم. ومن أهل العلم من ذهب إلى الوجوب، لما جاء في بعض ألفاظ هذا الحديث التي أشار إليها، وهي في الأصل. ففيها أمر النبي ﷺ بذلك. ففي حديث ابن عباس الصحيح: «إن معاشر الأنبياء أمرنا أن نضع أيماننا على شمائلنا في الصلاة». وفي هذا دليل أن هذا الحكم ليس في دين الإسلام فقط، بل وفي غيره من الأديان الأخرى. وذهب بعض أهل العلم إلى أن هذا الحكم خاص بدين الإسلام، وهو ناسخ لما قبله من الأديان. فالأنبياء تبع لما جاء به النبي ﷺ. ولهذا لما ينزل عيسى عليه الصلاة والسلام يصلي خلف المسلمين. ويدل عليه حديث الإسراء في صلاة النبي ﷺ بالأنبياء. وسواء كان هذا أو ذاك، فالمهم أن سنة الأنبياء التي أمروا بها جميعًا، وهو أمر لهذه الأمة أن يضعوا اليمين على الشمال في الصلاة. كما قال رحمه الله: «وأمر به رسول الله ﷺ أصحابه»، يعني أن يضعوا أيمانهم على شمائلهم في الصلاة. وأشار إلى ذلك في الأصل، فجاء الحديث بجهة الخبر الذي فيه معنى الأمر، وبصيغة الأمر، وبصيغة الخبر الذي فيه المداومة، كما ذكر ذلك في الفقرة الثانية والثالثة من هذا الموضع. حديث وائل بن حجر في صحيح مسلم، وهو الصحيح أنه يجب وضع اليمين على الشمال في الصلاة في قيام القراءة. ويؤيده ويؤكده قوله عليه الصلاة والسلام: «صلوا كما رأيتموني أصلي». ولم يثبت أنه في صلاة واحدة ترك النبي ﷺ وضع اليمين على الشمال، بل ولم يثبت عن أحد من الصحابة أنه ترك ذلك. فهذه المواظبة تؤكد الوجوب، تؤكد الوجوب. وإذا صح الحديث فيجب القول به، ولو كان أكثر أهل العلم على خلاف ذلك. فإن بعض أهل العلم نقل هذا عن جماعة، فالقول بالوجوب ليس ببعيد. والمسألة الثانية من مسائل هذا الفصل: كيفية وضع اليمين على الشمال. وقد أشار إلى ثلاث كيفيات: الكيفية الأولى أن يضع اليمين على الشمال، وعلى الرسغ والساعد، يضع ظهر يده اليمنى على ظهر كف اليسرى، وعلى الرسغ والساعد. هكذا. والكيفية الثانية أن يقبض باليمنى على اليسرى، أن يقبض باليمنى على اليسرى. وهذه الكيفية لها كيفيتان: إما أن يقبض باليمنى على اليسرى من جهة الساعد، هكذا. وإما أن يقبض على اليسرى مع الرسغ والساعد، هكذا. فهذه ثلاث كيفيات: الكيفية الأولى وضع اليمنى على ظهر اليسرى والرسغ والساعد، هكذا. والثانية القبض، قبض اليمنى على اليسرى، ويجوز فيه وجهان: هكذا، تقبض على اليسرى، أي ذراع اليسرى. أو هكذا، مع الرسغ والساعد، قبض. وهناك كيفية رابعة، فهمها بعض أهل العلم من حديث الوضع، وضع اليمنى على اليسرى، هكذا، من دون قبض على ساعد اليسرى، من دون قبض، هكذا. والأمر في هذا واسع، والمطلوب هو وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة. وهذا الذي قال الجمهور أنه مستحب استحبابًا مؤكدًا. وقال جماعة من أهل العلم أنه يجب. أما كيفية ذلك، فالأمر واسع، يجوز هذا ويجوز هذا ويجوز هذا. هذه ثلاث كيفيات أو أربع كيفيات أشار إليها أهل العلم، وكلها جائزة، وهي من تنوع العبادة. وقوله: «وتارة وتارة»، معناه أنه يفعل هذا أحيانًا، وهذا أحيانًا. وكما تقدم، الأمر في هذا واسع. بقيت مسألة ثالثة، وهي التي أشار إليها بقوله رحمه الله: «ويضعهما على صدره». فقط الرجل والمرأة في ذلك سواء، ولا يجوز أن يضع يده اليمنى على خاصرته. هذه مسألة ثالثة من مسائل هذا الفصل، وضع اليدين حال قيام القراءة. فاختلف أهل العلم أين يضع المصلي يده؟ هل على صدره أم على نحره؟ هذا الصدر، الصدر من أطراف الأضلاع من الأسفل إلى أعلى الترقوتين من الأعلى، هذا كله صدر. هل يضعه على الصدر أو على البطن والسرة كما قال به بعض الحنفية؟ أو يرسلهما كما قال به بعض المالكية، وهو قول فرقة من الرافضة والشيعة، وبعض فرق الخوارج من الأباضية وغيرهم؟ أو يضعهما على النحر؟ هذا النحر. وروي عن بعض الأئمة، روي عن بعض أهل الحديث الوضع على النحر. وممن روي عنه على الصدر، قال على التديين، هذا أنا التديان، فيكون تخصيص موضع الصدر. ومن نظر إلى الأدلة وجد أنها تدل على وضع اليدين على الصدر في جهة التديين، كما روي عن إسحاق وأحمد وجماعة من أهل الحديث. الصدر في جهة التديين، يعني وسط الصدر. فمن جمع أدلة الباب وجد أنها تدل على ذلك. ومن ذلك ما أشار إليه في الأصل، في حديث وائل بن حجر رضي الله عنه، أرضاه، فإنه يدل على هذا المعنى. وقد أشار إلى عدة أحاديث تدل على هذا المعنى، وروي معناه عن عدد من الصحابة والتابعين. وقال به جماعة من الأئمة، بل روي كذلك عن بعض الصحابيات، وهو يدل على أن هذا من سنة الصحابة، وهي توضح وتفسر سنة النبي ﷺ التي جاءت في تلك الأحاديث. وهذا هو الصحيح في هذه المسألة. ويخالف ذلك ثلاثة أشياء: الأمر الأول، شيء هو بدعة، وهو إرسال اليدين، لأنه خلاف الواجب في هذا الباب على الصحيح، والتدين به مع قيام الحجة على صاحبه من بدع الصلاة ومحدثات الصلاة، لقوله عليه الصلاة والسلام: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد». وقد قال عليه الصلاة والسلام: «إن معاشر الأنبياء أمرنا أن نضع أيماننا على شمائلنا في الصلاة». وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي». والثاني، شيء يخالف هذه السنة، هو خلاف الصواب وخطأ، لكن لا يصل إلى البدعة، لأن الأحاديث الواردة في هذا الباب ليست صريحة، فهو من مسائل الاجتهاد التي لا يصل المخالف فيها إلى التحذير. مثل قول الحنفية في الوضع على السرة، فهو خطأ وخلاف الصواب، لكن ما نقول أن فاعله مبتدع. ومثل ما يروى عن بعض أهل الحديث من الوضع على النحر، فهو خلاف الصواب، ولكن ما يصل إلى البدعة، ما يصل إلى البدعة. خلاف الصواب والسنة، ولا يصل إلى البدعة، لأنه رويت في هذا الباب آثار هي محل شبهة. فقول الشيخ رحمه الله: «ولا يجوز أن يضع يده اليمنى على خاصرته»، يعني هكذا، لأنه ورد النهي عن ذلك في حديث أبي هريرة في الصحيحين، وأشار إليه في الأصل. ورؤية أحاديث ضعيفة في الوضع على السرة عن علي وجماعة، وهي كذلك لا حجة فيها. فالخلاصة: محل وضع اليدين على الصدر في جهة الثديين، هذا هو الصواب والسنة في هذه المسألة. وها هنا مسألة رابعة، أشار إليها في الأصل رحمه الله تعالى، وسيأتي إن شاء الله الإلماح إليها في موضعها، وهي مسألة ضم اليدين في القيام الثاني بعد الركوع. ضم اليدين في القيام الثاني بعد الركوع، فقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة. والصحيح أنها من المسائل التي هي محل اجتهاد، ويسوغ فيها الخلاف، لأن من قال بالضم في هذا القيام الثاني استدل بعمومات وأدلة، منها ما ورد في هذا الباب. ومن قال بعدم الضم استدل بأصل البراءة الأصلية، وأن الأصل عدم التشريع في ذلك، فيبقى على الإرسال. وهذه مسألة محل اجتهاد، ينبغي أن يسع فيها الخلاف. ولهذا روي عن إمام أحمد رحمه الله في مسائله أنه لما سئل عن هذه المسألة، قال: «من شاء ضم، ومن شاء لم يضم». إشارة منه رحمه الله أنها من المسائل التي يسوغ فيها الخلاف، فلا ينبغي أن يشدد فيها. وإن كان المشهور عن الإمام أحمد رحمه الله، من فعله، أنه كان يضم في القيام الثاني. والأمر في هذا واسع، هذا باختصار ما يتعلق بهذه المسألة. قال رحمه الله: «الخشوع والنظر إلى موضع السجود»، أي من مسائل صفة الصلاة طلب الخشوع بالنظر إلى موضع السجود، حتى لا يتشتت النظر فيذهب الخشوع. فطلب الخشوع مطلوب، ومما يناسب ذكره في هذا ما ذهب إليه الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه، في باب أشار فيه إلى معنى طلب الخشوع في الضم، ووضع اليمين على الشمال في القيام. واستدل من قال بإطلاق هذا الضم في القيامين بهذا المعنى، مما يؤيد ما قالوا به، يعني في القيام الثاني. والأمر في هذا واسع. قال رحمه الله في هذا الفصل: «وعليه أن يخشع في صلاته، وأن يتجنب كل ما قد يلهيه عنها من زخارف ونقوش، فلا يصلي بحضرة طعام يشتهيه، ولا وهو يدافع البول والغائط، وينظر في قيامه إلى موضع سجوده، ولا يلتفت يمينًا ولا يسارًا، فإن الالتفات اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد، ولا يجوز أن يرفع بصره إلى السماء». هذه مجموعة من المسائل تدور حول معنى طلب الخشوع وعدم تشتيت النظر. أولًا، قوله: «وعليه أن يخشع في صلاته»، لأن الله عز وجل أثنى على الخاشعين في الصلاة، وهو أمر بالخشوع، ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾، فالخشوع في الصلاة مطلوب، وقد ثبت في القرآن، ومعناه في السنة. وقوله: «أن يتجنب كل ما قد يلهيه»، كل من ألفاظ العموم، وضرب أمثلة على معنى هذا التعميم، يعني سواء ما يشغل بصره أو ما يشغل فكره وذهنه. فمما يشغل البصر الزخارف والنقوش على الأرض التي يصلي عليها، أو على الجدار التي أمامه في الصلاة، أو على غير ذلك مما قد يقع عليه البصر. ومنه حديث عائشة في الصحيحين: «اذهبوا بخميصة هذه وأتوني بمجانية أبي جهم، فإنها ألهتني عن صلاة آنفا»، لأجل ما فيها من زخارف. وفي حديث ابن عباس الصحيح: «نهى النبي ﷺ عن تشييد المساجد»، وجاء موقوفًا وله حكم الرفع، «وزخرفتها». وصح عن عمر رضي الله عنه أنه «نهى عن تلوين المساجد بتحمير أو تصطير»، وغير ذلك مما روي عن الصحابة موقوفًا ومرفوعًا في هذا الباب، كل ذلك طلبًا للخشوع، وأن لا يشغل المصلي بتلك الزخارف والألوان فيذهب خشوعه. وقوله: «فلا يصلي بحضرة طعام يشتهيه، ولا وهو يدافع البول الغائط»، يعني كذلك يجتنب ما قد يذهب الخشوع مما يشغل الذهن، من اشتهاء الطعام، وما كان بمعناه. فينبغي أن يخلي نفسه من الشواغل حتى لا يفتقد الخشوع. ومنه لو كان عنده عمل لم يتمه، أو شيء خاف ضياعه، فكونه يخرج حتى لا ينشغل في صلاته، هو الأفضل، إذا كان ذلك ليس في صلاة جماعة، أو إذا كان ذلك إلى حد أنه قد يضيع القيام بالواجب في الصلاة مثلًا. وقوله رحمه الله: «وينظر في قيامه إلى موضع سجوده»، هذا هو المقصود من هذا الفصل، أن من معاني طلب الخشوع تثبيت النظر بتوجيهه إلى موضع السجود، كما جاء معناه في حديث عائشة عند الحاكم والبيهقي بإسناد حسنه العلامة الألباني رحمه الله في مواضع، وضعفه في مواضع أخرى. ففي «الإرواء» أشار إلى ضعفه، وفي «صفة الصلاة» حسنه، فهو حديث محتمل، ولكن تؤيده أحاديث أخرى موقوفة ومرفوعة تؤيد هذا المعنى. والصحيح أن المقصود تثبيت النظر، سواء إلى موضع السجود أو إلى غيره مما لا ينافي جهة القبلة. ويؤيده التفات النبي ﷺ في صلاة الكسوف إلى جهة جدار القبلة، فتقدم وتأخر، وهذا يدل أنه كان أحيانًا، وأخبرهم سبب التقدم والتأخر، وهذا يدل أنه أحيانًا كان لا ينظر إلى موضع السجود، لكن لا شك أن الأكمل والأفضل، وهو الذي تدل عليه معاني الأحاديث، أنه لا يصوب ولا يشخص، معناه أنه يعتدل في وضع رأسه، وهذا الاعتدال يواجه موضع السجود، إذا لم يرفع ولم يخفض، إذن يجعله معتدلًا، هذا هو موضع السجود، النظر إلى موضع السجود. وكما قلنا، جاءت فيه أشياء مقوفة ومرفوعة تؤيد هذا المعنى، والله أعلم. وبذلك نعلم كذلك أن هذا هو الأفضل، خلافًا لمن ضن كما أشار بالشرح إلى أن الخشوع يطلب بإغماض العينين. فيعلم أن إغماض العينين ليس من السنة. وهل يجوز إغماض العينين إذا وجد المصل ما يشغله؟ الجواب: يجوز، بشرط ألا يضره من جانب آخر. وإن كان نظره مع مجاهدة نفسه هو الأفضل. ويدل عليه حديث عائشة في قصة «بجانية أبي جهم». ثم قال رحمه الله: «ولا يلتفت يمينًا ولا يسارًا، فإن الالتفات اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد». وهو ما جاء معناه في حديث عائشة بالبخاري وغيره. فالمسلم يحرص على طلب الخشوع بعدم الالتفات، لا بالعينين ولا بالرأس. فالالتفات بالعينين مكروه، والالتفات بالرأس تشتد كراهته. وذهب بعض أهل العلم لأنه محرم، لأن النبي ﷺ نهى عن التفات كالتفات الثعلب. والتفات الثعلب ليس بالعينين، إنما بماذا؟ بالرأس. من يعرف الثعلب يلتفت برأسه هكذا يمين ويسار، فهذا النوع من الالتفات بتحريك الرأس محرم على الصحيح. والالتفات بحركة العينين مكروه. والالتفات بكل الجسد، الصحيح أنه محرم. وقد يبطل الصلاة، ذهب جماعة من أهل العلم أنه يبطل الصلاة. والصحيح أنه إذا خرج عن كونه مصليًا أبطل الصلاة. فهو يجوز للضرورة، مثل صلاة الخوف، ومثل قتل ما يضر، وما كان بمعناه مما لأجل الضرورة. فلا يجوز الالتفات بالرأس ولا بالجسد، فهو محرم. والالتفات بالجسد قد يبطل الصلاة، فهو أشد. وأما بالعينين فهو مكروه. قال رحمه الله: «ولا يجوز أن يرفع بصره إلى السماء»، لما جاء عن النبي ﷺ من النهي عن ذلك في أحاديث كثيرة. حديث أبي هريرة، وهو بالصحيحين. وجاء معناه عن جابر وجماعة. بل توعد النبي ﷺ وخوف أن تخطف أبصار هؤلاء الذين يرفعون أبصارهم إلى السماء. قال العلماء: وذلك لأمرين: الأمر الأول، لأنه شيء ينافي الأدب مع الله، فهو بين يدي الله، فالمصلي بين يدي الله سبحانه وتعالى. فكونه يرفع بصره إلى السماء، هذا منافي للأدب مع الله في هذه الصلاة، الذي يقتضي الخضوع والذل. ولا يكون ذلك أبدًا برفع البصر إلى السماء، فهو ينافي مقام العبد مع ربه وخالقه. ولهذا كان الوعيد شديد فيه، فهو محرم تحريمًا شديدًا. ولهذا التوعد وخوف النبي ﷺ من فعل ذلك أن تخطف أبصاره أو بصره، يعني يصاب بالعمى. والمعنى الثاني، لأنه من المعنى الأشد الذي يذهب معه الخشوع، الذي يذهب معه الخشوع. قال رحمه الله تعالى: «دعاء الاستفتاح». قال: «ثم يستفتح القراءة ببعض الأدعية الثابتة عن النبي ﷺ، وهي كثيرة، أشهرها: ﴿سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ وَتَبَارَكَ اسْمُكَ وَتَعَالَى جَدُّكَ وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ﴾، وقد ثبت الأمر به، فينبغي المحافظة عليه». هذه مسألة أخرى من مسائل صفة الصلاة. وقد أشار إليها في الشرح بشيء من البسط، أو الأصل في الأصل بشيء من البسط. وهي فيها مباحث ومسائل في كتب الفقه وشروح الحديث. من أهمها أولًا: مشروعية دعاء الاستفتاح. فالصحيح الذي عليه أهل التحقيق من أهل العلم، وقال به جماعة من أهل الفقه والحديث: أن الاستفتاح مشروع. وكونه لم يذكر في حديث المسيء في صلاته لا يعني أنه ليس بثابت، لأنه ثبت في أحاديث أخرى. وعدم النقل ليس نقلًا للعدم. ولأن المسيء في صلاته علم ما يحتاج لتعليمه، وليس كل ما في الصلاة علمه إياه. وقد جاء معنى حديث الاستفتاح في أحاديث كثيرة، من أشهرها حديث أبي هريرة رضي الله عنه، حين سأل النبي ﷺ: «ما يقول في سكوته قبل قراءته؟» وهو صريح في هذا المعنى. والمسألة الثانية: ما هو الدعاء المستحب في دعاء الاستفتاح؟ دعاء الاستفتاح دعاء يقال بعد تكبيرة الإحرام وقبل شروع المصل في القراءة. وقد اختلف أهل العلم في الأفضل، بعد اختلافهم في ثبوت هذا الدعاء وعدمه. والصحيح ثبوته. اختلفوا ثانيًا: ما هو الأفضل؟ فذهب بعضهم إلى ترجيح هذا الدعاء، والذي أشار إليه في حديث عمر: «سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيره». وذهب بعضهم إلى ترجيح حديث أبي هريرة: «اللهم باعد بيني وبين خطاياي»، بالصحيحين. وذهب بعضهم إلى غير ذلك. والصواب أن كل ما صح يجوز الدعاء به، فهو من باب تنوع العبادات، يجوز هذا ويجوز هذا ويجوز هذا. أهم شيء هو صحيح ثابت عن النبي ﷺ. هذا أمر، وأمر آخر: إذا قيل: ما هو أفضل هذه الأدعية بعد علمنا أن كل ما صح فهو يجوز؟ الجواب: أفضله أصحه وأجمعه. ومما يذكر: أنه أصح ما ورد هو حديث أبي هريرة: «اللهم باعد بيني وبين خطاياي»، فهو أصح ما ورد في هذا الباب. وحديث ابن عمر حسنه جماعة من أهل العلم، وهو جاء موقوفًا ومرفوعًا. ورجح عدد من الحفاظ وقف هذا الحديث. ولو صح موقوفًا فهو له حكم الرفع، لأنه مما لا يقال بالرأي. فالصلاة الأصل فيها ماذا؟ التوقيف. والله أعلم. فالأمر في هذا واسع، فيقال: كل ما صح يجوز. والأفضل الأجمع من جهة الدعاء، وقوة ثبوت الحديث. وأشهره كما تقدم: حديث أبي هريرة. وأما ما ذكر من الأمر بهذا الحديث، فهو الذي لأجله قال الإمام أحمد وجماعة: بأن هذا الدعاء أفضل ما يقال. والصحيح كما تقدم: أن الحديث فيه اختلاف. وأقوى منه حديث أبي هريرة رضي الله عنه. هذا ما يذكر على وجه الاختصار، وبه نكتفي. والله تعالى أعلم. وإن شاء الله الباقي يكمل في درس لاحق. شكرًا.