الدرس في كتاب الطهارة 12، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تناول الإمام الشوكاني آراء الفقهاء حول استقبال القبلة أو استدبارها أثناء قضاء الحاجة، حيث ذكر ثمانية أقوال مختلفة مستندة إلى أحاديث نبوية. يُظهر الشوكاني الأدلة والاستدلالات التي اعتمد عليها كل قول.
يُجمع بين الأدلة الشرعية في حكم الاستقبال والاستدبار للقبلة، حيث نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك مطلقًا، ولكن يُستثنى البنيان إذا كان هناك حائل. يُؤخذ بالجمع بين الأدلة لتجنب التعارض بينها.
يشرح حكم الاستجمار بثلاثة أحجار، ويبين أن الأحاديث النبوية تدل على أن الاستنجاء يكون بثلاثة أحجار طاهرة، مع تجنب استخدام النجاسات والمحترمات. كما نهى النبي عن استخدام الأشياء الضارة في الاستنجاء.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، قال الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى: وأما المنع من التخلي في المواضع التي هذا قرنه، قال: وأما المنع من الاستقبال والاستدبار للقبلة، فقد ورد في ذلك أحاديث، منها ما في الصحيحين وغيرهما، من حديث أبي أيوب، بلفظه: «إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها، ولكن شرقوا أو غربوا». وأخرج نحو مسلم وغيره، من حديث أبي هريرة، ومن حديث سلمان أيضًا، وابن ماجة، وابن حبان، من حديث عبد الله بن حارث بن جزء، وأشار بالتعليق أن صوابه من حديث معقل بن أبي معقل، وهو ضعيف؛ فيه أبو زيد مولى بني ثعلبة، ضعفه غير واحد. وما تقدم، ففي صحيح مسلم، كما أشار، قال رحمه الله: قال من حديث عبد الله بن المغفل، ورواه عبد الله بن المغفل، من طريق الحسن عنه، وقد عنعنه ولم يسمع منه. قال: والدارمي في مسنده، من حديث سهل بن حنيف، وأشار في التعليق إلى ضعف حديث عبد الله بن المغفل، وكذلك حديث سهل بن حنيف؛ ففيه عبد الكريم بن أبي المخارق، متروك، وهكذا أيضًا عنه الوليد بن مالك، مجهول، فهو ضعيف. قال: وقد اختلف أهل العلم في ذلك على ثمانية أقوال، استوفيناها في شرح المنطقة. وذكر هذه الأقوال الثمانية في المنطقة، خلاصتها: القول الأول، أنه مختص بأهل المدينة فقط، أي النهي، ومن شاكلهم وساماهم، وكان بين يديه جهتهم، واستدلوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ولكن شرقوا أو غربوا». وهذا القول مرجوح للأحاديث الأخرى الكثيرة التي تعم، وسيأتي معنا إن شاء الله الكلام عليها. كذلك القول الثاني، مما أشار إليه، أنه لا يجوز الاستقبال إلا في الصحاري، أو يقول: لا يجوز الاستقبال لا في الصحاري ولا غيرها، ولكن في البنيان، يعني استثنى البنيان فقط. وهذا القول روي عن أبي حنيفة، واستدلوا على ذلك بحديث سلمان، الذي تقدم في لفظه: «نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستقبل القبلة ببول أو غائط». وظاهره أن النهي مطلق، وجمعوا مع الأحاديث الأخرى بهذا الجمع. ورد عليهم بأن النهي عن الاستقبال والاستدبار، صح في الأحاديث الصحيحة، يعني هذا القول لا يجوز الاستقبال مطلقًا، ويجوز الاستدبار. وكما قلنا، رده بأنه جاء النهي عن الاستقبال والاستدبار مطلقًا. والقول الثالث، التحريم مطلقًا عن الاستقبال والاستدبار في كل قبلة، قالوا: حتى إلى جهة بيت المقدس. حتى إلى جهة بيت المقدس، ورؤية هذا عن إبراهيم النخعي، وابن سيرين، وجماعة، واستدلوا بحديث معقل بن أبي معقل، وهو ضعيف كما تقدم معنا، ولفظه: «أن تستقبل القبلة ببول أو غائط». الحديث وهو ضعيف كما تقدم. والقول الرابع، جواز الاستدبار في البنيان فقط، ويروى هذا عن أبي يوسف، وجماعة، مستدلين بحديث ابن عمر، وفيه أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يقضي حاجة، مستقبل الشام، مستدبر القبلة، يعني في البنيان. والحديث في الصحيحين. ومن الأقوال أيضًا أنه لا يجوز الاستقبال والاستدبار لا في الصحاري ولا في البنيان، ويروى عن النخعي والثوري، ورواية عن أحمد، وروي عن جماعة من الصحابة والتابعين، كابن مسعود، وأبي هريرة، وسراقة بن مالك، وعطاء، والأوزاعي، والحسن، واستدلوا بحديث أبي هريرة، بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من أتى إلى حاجته فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها»، يعني ظاهره الإطلاق. والقول السادس، الجواز في الصحاري لا في البنيان، الجواز في الصحاري لا في البنيان، واستدلوا بحديث عائشة، وسيأتي معنا إن شاء الله الإشارة إليه. والقول السابع، أن الكراهة كراهة تنزيه، واستدلوا على هذا الاستثناء بحديث ابن عمر، وحديث عائشة، وغيرهما، جمعًا بين الأدلة. والقول الثامن، أنه يحرم لا في العمران، يحرم في الصحاري، ولا يحرم في العمران، ويروى هذا عن مالك والشافعي، وهو قول الجمهور. هذه أشهر الأقوال، وتوجد أقوال أخرى غريبة، كقول بعضهم: لا يجوز الاستقبال مطلقًا، لا القبلة، ولا يستدبر، ولا بيت المقدس، ولا يستدبر، ولا الشمس، ولا القمر، قالوا: كل ذلك لأجل التنزيه، ولأجل أيضًا التعظيم. ولا شك أن هذا لا دليل عليه، ومن كان هذا حاله، لا يدري أين يقضي حاجته، إذا كان لا يستقبل ولا يستدبر، ولا يشرق ولا يغرب، ولا بيت المقدس، ولا يستدبر، ولا الشمس، ولا القمر، يذهب إلى كوكب آخر. قال رحمه الله تعالى: وقد اختلف أهل العلم في ذلك على ثمانية أقوال، قد استوفيناها في شرح المنطقة. وقد استدل من لم يمنع من ذلك بما أخرجه الجماعة من حديث ابن عمر، قال: «رقيت يومًا على بيت حفصة، رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقضي حاجته مستقبل الشام، مستدبر الكعبة». وجعلوا هذا الحديث ناسخًا لأحاديث النهي. والأولى أن يقال: ليس ناسخًا، ولكن مقيد، جمعًا بين الأدلة؛ فنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الاستقبال والاستدبار باقٍ، لكن في غير البنيان، في غير البنيان، ففي غير البنيان لا يستقبل ولا يستدبر، وفي البنيان لا يستقبل لكن يستدبر، جمعًا بين الأدلة. قال رحمه الله: وجعلوا هذا الحديث ناسخًا لأحاديث النهي. ومن جملة ما استدل به حديث جابر عند أحمد، وأبي داود، والترمذي، وحسنه، وابن ماجة، والبزار، وابن الجارود، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، والدارقطني. والحديث كما أشار في التعليق أنه حسن، وحسنه الشيخ الألباني كذلك رحمه الله في مواضع من كتبه. وهكذا الشيخ الوادعي رحمهم الله. قال رحمه الله تعالى: قال: «نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن تستقبل القبلة ببول». فرأيته قبل أن يقبض بعام، يستقبلها. وقد نقل الترمذي عن البخاري أنه صححه، وأشار في التعليق أنه لم يقف على ذلك، فلعلها في بعض النسخ. قال: وصححه أيضًا ابن السكن، وحسنه أيضًا البزار. ولا يقف أنه قد تقرر في الأصول أن فعله صلى الله عليه وسلم لا يعارض القول الخاص للأمة؛ فما وقع منه صلى الله عليه وسلم لا يعارض النهي عن الاستقبال والاستدبار للقبلة. وأجاب بعض أهل العلم أن هذا يحمل أنه كان مع البنيان؛ فلأنه لم يذكر هنا أنه في بنيان أو في غير بنيان. قالوا: جمعًا بين الأدلة؛ فإعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما. ولكن الأولى أن لا يستقبل ولكن يستدبر؛ فإذا ضاق عليه المكان، فلا بأس أن يستقبل أو يستدبر. لهذا الحديث حديث ابن عمر، فيه ماذا؟ الاستدبار. وحديث جابر، على من يقول بتحسينه، فيه ماذا؟ الاستقبال. فكيف نصنع بالأحاديث المطلقة التي فيها النهي عن الاستقبال والاستدبار؟ فبدلًا من أن نقول بالنسخ، وقد قال بهذا بعض أهل العلم كما رأينا في الأقوال، والقاعدة: إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما، خصوصًا وأنه لم يرد شيء صحيح صريح يدل على النسخ؛ فما دام أنه ليس عندنا شيء صحيح صريح يدل على النسخ، فالجمع بين الأدلة هو الأولى. فيقال: الأولى أن نجمع بين الأدلة، فنقول: إذا كان في البنيان، فيجوز؛ لوجود حاجز وحائل. ولكن الأولى ألا يستقبل بل يستدبر. لكن أحيانًا لا يمكن للإنسان أن يستدبر ببعض، مثلًا دورات المياه أو الحمامات، يدخل فيها الإنسان، فلا يستطيع أن يستدبر، يكون حمام ضيق، وكيفية وهيئته مثلًا بسبب شطاف الماء أو نحو ذلك، لا يستطيع أن يستدبر، ولكن يستطيع أن يستقبل، فهل يجوز؟ الجواب: يجوز. وإن استطعت أن تنحرف فتنحرف، كما كان الصحابة وجدوا في الشام كذلك، فكانوا ينحرفون قليلًا ويستغفرون الله، يعني خشية أن يكون قد وقعوا في مخالفة حديث النبي صلى الله عليه وسلم. هذا هو الصواب والله أعلم، جمعًا بين الأدلة. قال رحمه الله تعالى: فإن قلت: حديث عائشة عند أحمد وابن ماجة، قالت: ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن الناس يكرهون أو يكرهون أن يستقبلوا القبلة بفروجهم، فقال: «أو قد فعلوها؟ حولوا مقعدتي قبل القبلة». واللفظ ظاهر مما يذكر فيه أنه لا يمكن أن يقول نبي صلى الله عليه وسلم مثله مع ما ثبت من الأحاديث الأخرى. ولهذا أيضًا أكد بأن الحديث في إسناده ضعف؛ ففيه انقطاع في موضعين، ورجح الحفاظ فيه الوقف، وأشار في التعليق إلى ذلك؛ ففيه انقطاع بين عراك بن مالك؛ فإنه لم يسمع من عائشة، وهكذا قبل ذلك فيه انقطاع آخر. ورجح كثير من الحفاظ الوقف، كما أشار في التعليق عن البخاري، وحاتم، وغيرهما. قال رحمه الله: قلت: لو صح هذا لكان صالحًا للنسخ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فع صلى الله عليه وسلم فعله لقصد التشريع للأمة. ولكن الصحيح أنه لم يصح؛ الصحيح أنه لم يصح. قال: وليس مخالفة من كان يكره الاستقبال، ولكنه لم يصح؛ فإن في إسناده خالد بن أبي الصلت، قال ابن حزم: مجهول. وقال الذهبي في الميزان في ترجمة خالد بن أبي الصلت: إن هذا الحديث منكر؛ فخالد بن أبي الصلت مجهول، وفيه انقطاعان، ونكارة في اللفظ، وفي الإسناد. وكذلك رجح الحفاظ فيه الوقف؛ فهذه أربع علل. وقد ضعفه الشيخ الألباني رحمه الله في مواضع من كتبه. وهكذا أيضًا الشيخ عبد الرحمن رحمه الله في مواضع من شروحه. قال رحمه الله: وقد استدل من خصص المنع من الاستقبال والاستدبار للقبلة بالفضاء، بمخرج أبي داود والحاكم، عن مروان الأصفر، قال: «رأيت ابن عمر أناخ راحلته مستقبل القبلة يبول إليها، فقلت: يا أبا عبد الرحمن، أليس قد نهي عن ذلك؟ فقال: بلى، إنما نهي عن هذا في الفضاء؛ فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك، فلا بأس». وهذا الذي روي عن ابن عمر رضي الله عنه وأرضاه هو قوله. وإن كان بعض أهل العلم لم يصححه حتى عن ابن عمر، كما أشار في التعليق إلى ذلك. والأولى العمل بما تقدم، جمعًا بين الأدلة؛ جمعًا بين الأدلة؛ فلا يتجرأ الإنسان على ذلك إذا كان يستطيع غيره؛ فالأصل أنه يحرص على عدم الاستقبال والاستدبار مطلقًا، إن استطاع، فيشرق أو يغرب. فإن لم يستطع، وكان في البنيان، والغالب أن عدم الاستطاعة تكون في البنيان؛ لأن الضيق يكون في البنيان، ليس بغير البنيان. أما في الفضاء، فهو يستطيع أن يشرق أو يغرب. لكن في البنيان، قد يضيق عليه الحال؛ إن استطاع في البنيان أن يشرق أو يغرب، فهذا هو الأولى. ولهذا على الصحيح، يستحب وضع بنيان الخلاء، بيت الخلاء، على جهة المشرق والمغرب، لا إلى جهة القبلة، لا استقبالًا ولا استدبارًا. لكن إذا ابتلي بذلك، فإنه عند ذلك يستدبر ولا يستقبل، وإن اضطر كذلك في الاستقبال، فينحرف قليلًا، جمعًا بين الأدلة الواردة في هذا الباب. قال رحمه الله: قد حسن الحافظ في الفتح، إسناده. ولكنه إنما يكون هذا دليلًا إذا كان قد سمع من النبي صلى الله عليه وسلم ما يفيد تخصيص ذلك النهي السابق. وقد تقدم أن بعض أهل العلم ضعفه. ولم يصحح؛ لأنه من رواية الحسن بن ذكوان، وهو ضعيف. وبعضهم جعله حسنًا. واستدلوا بآثار أخرى، قالوا: تؤيد هذا الموقوف. ولكنه إنما يكون هذا دليلًا إذا كان قد سمع من النبي صلى الله عليه وسلم ما يفيد تخصيص ذلك النهي السابق. وأما إذا كان مستنده إنما هو مجرد فهمه من فعله صلى الله عليه وسلم في بيت حفصة، فلا يكون هذا الفهم حجة. ومع هذا الاحتمال، لا ينتهض للاستدلال؛ يعني ما وقع فيه الاحتمال، بطل به الاستدلال، على القاعدة المشهورة. والأصل أننا ننظر: إن أمكن الجمع بين الأدلة، فإعمال الأدلة أولى من إهمال بعضها. وكما رأينا، وردت أدلة كثيرة، وتجتمع هذه الأدلة، والله أعلم، أنه يقال: صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الاستقبال والاستدبار مطلقًا، والأمر بالتشريق والتغريب. والواجب المصير إلى هذا الأمر. ولكن في البنيان، ثبت عنه عليه الصلاة والسلام الاستدبار في حديث ابن عمر، والاستقبال في حديث جابر؛ فنجمع بينها، أن الأصل: إن استطاع أن يشرق أو يغرب في الفضاء أو في البنيان، فليفعل، تأدبًا مع أمره عليه الصلاة والسلام العام. ولكن إن اضطر في البنيان، فيقدم ماذا؟ الاستدبار. وينحرف إن استطاع. فإن ابتلي بالاستقبال؛ لأن الاستقبال أقبح من الاستدبار. فإن ابتلي بالاستقبال، فينحرف ويستغفر الله، كما فعل الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم. لكن إن كان في سعة، فلا شك أن الأولى امتثال ماذا؟ عموم أمره عليه الصلاة والسلام بأن يشرق أو يغرب. وأما قول من قال: إنه خاص بأهل المدينة، فهذا ليس بالصحيح؛ بل المقصود هو عدم استقبال أو استدبار القبلة، سواء من جهة المدينة أو من أي جهة أخرى، أو من أي جهة أخرى؛ فليس دائمًا يكون التشريق والتغريب يعني من كان في جهة المدينة، أين ستكون القبلة منه؟ القبلة تكون جنوبًا؛ المدينة الشمال مكة، فالقبلة ستكون جنوبًا؛ فمعناه إذا شرق أو غرب هنا، لن يستقبل القبلة. لكن من كان في شرق القبلة، من كان في شرق القبلة، فالقبلة ستكون أين؟ في غربه، وهو لن يستقبل القبلة ولن يستدبرها؛ فأين سيتجه؟ الشمال أو الجنوب؟ فالحكم يدور مع علته: ماذا؟ وجودًا وعدمًا. لا نأخذ الأمر بظاهره، فنبقى على ظاهرية، نقع في النهي؛ لو قلنا: نشرق ونغرب دائمًا، معناه: لو كنت في جهة الشرق، ستتجه للقبلة، أو كنت في الغرب، ستتجه إلى جهة القبلة. لكن شرق أو غرب، إذا كنت أين؟ في الشمال أو في الجنوب؟ وأما إذا كنت في الشرق أو الغرب، فستتجه... هذا هو المعنى المفهوم من الأحاديث التي وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال رحمه الله تعالى: وأما الاستجمار بثلاثة أحجار طاهرة، فوجهه ما في صحيح مسلم وغيره، من حديث سلمان، أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الاستجمار بأقل من ثلاثة أحجار. قال: وعن الاستنجاء برجيع أو عظم. والشاهد منه: نهيه عن الاستجمار بأقل من ثلاثة أحجار؛ فاستدل كثير من أهل العلم أنه لا يجوز الاستنجاء بأقل من ثلاثة أحجار، وهذا لنص حديث النبي صلى الله عليه وسلم. واختلفوا فيما إذا كان شيء يقوم مقام الثلاثة الأحجار، كأن يكون حجر له ثلاثة أوجه، أو ورق واحد يجزئه ثلاثة ورقات؛ استنجاء بالورق، تعرفون: إذا كان الورق قليلًا، فكفاه. فالصحيح أنه يجوز، لكن لا يكون واحدًا، يعني مسحة واحدة، لا تكون مسحة واحدة. وأما مسحة واحدة أو مسحتين، فلا يجوز؛ لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك. وهذا هو الذي يفهم من حديث سلمان. قال رحمه الله تعالى: وأخرج أحمد والنسائي وأبو داود وابن ماجة والدارقطني، وقال: إسناده صحيح حسن، من حديث عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا ذهب أحدكم إلى الغائط، فلا يستطيب بثلاثة أحجار؛ فإنها تجزئ عنه». وهو حديث حسن بمجموع طرقه؛ فله شواهد ومتابعات يرتقي بها إلى الحسن. صحيح أن فيه مسلم بن قرد مجهول، وهو مجهول الحال، لكنه له شواهد. وقد حسنه الشيخ الألباني رحمه الله بشواهده. وهكذا الشيخ عبد الرحمن رحمه الله كذلك في مواضع من شروحه. قالوا: أخرج نحو أبو داود والنسائي، من حديث أبي هريرة. وأخرج أحمد، أبو داود والنسائي وابن ماجة، من حديث أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمر بثلاثة أحجار، وينهى عن الروثة والرمة. وأخرج ابن خزيمة وابن حبان والدارقطني، وأبو عوانة في الصحيح، والشافعي، من حديث أبي هريرة أيضًا، بلفظ: «ليستنجي أحدكم بثلاثة أحجار». وفي الباب أحاديث غير ما ذكرنا. وهذا كذلك الحديث حسن بشواهده. وقد رويت فيه مراسيل، يرتقي بها، وكذلك بعض الأسانيد فيها ضعف، لكنها ليست ضعفًا شديدًا؛ الشيخ عبد الرحمن رحمه الله كذلك يحسنه، وكذلك الشيخ الألباني رحمه الله قبل ذلك. والشاهد أن هذه الأحاديث تدل على أن الاستنجاء يكون بثلاثة أحجار، وأن تكون الأحجار أيضًا طاهرة؛ لأن الروثة نجسة، كما تقدم معنا في الأحاديث المتقدمة. قال رحمه الله تعالى: وفي الباب أحاديث غير ما ذكرنا. وإذا لم توجد الأحجار، فغيرها يقوم مقامها للضرورة، ما لم يكن ذلك الغير مما ورد النهي عنه، كالروث والرجيع والعظم؛ فإنه لا يجوز ولا يجزئ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك، كما في حديث سلمان، وغيره من الأحاديث الأخرى. وهذا هو قوله: «بثلاثة أحجار طاهرة»، بثلاثة أحجار طاهرة. فخلاصة هذا الباب، أو هذا الفصل، أو هذه الفقرة: أنه يحرص على ثلاثة أحجار فأكثر، حتى ينقى المكان. فإن لم ينق بثلاث، فيوتر؛ لما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك: خمسًا أو سبعًا أو نحو ذلك. والحكمة من الوتر: زيادة اليقين أولًا بحصول الوتر، وثانيًا لعموم أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالوتر؛ فإن الله وتر يحب الوتر. وكان هذا هديه عليه الصلاة والسلام في أبواب كثيرة، وهذا منها. وكذلك أن تكون طاهرة، ليست نجسة؛ فلا تستخدم النجاسات. وكذلك لا يستخدم المحترم؛ فالعظم طعام الجن، والرجيع النجس؛ فعلم بهذا أنه لا يجوز أن يستخدم كل ما يحترم للاستنجاء؛ للاستنجاء. فالورق المحترم، الصحيح أنه لا يستخدم إلا للضرورة. والورق المكتوب عليه، لا يجوز أن يستخدم. ولا شك أنه لا يجوز استخدام الأكل، ولو كان جافًا، غير مستخدم؛ لأنه طعام البهائم، وإن لم يكن طعام الإنس، وإن لم يكن طعام الإنس، وهي نعمة من نعم الله عز وجل. وهكذا كذلك قل في كل محترم؛ فالعظم يدخل فيه كل محترم، والرجيع يدخل فيه كل مستقبح، ويدخل في المستقبح ما يضر من الأشياء؛ لأن النهي عن التعامل بالنجاسات لشيئين: لخبثها الحسي، ولخبثها المعنوي. أما المعنوي فالنجاسة، وأما الحسي؛ لأن هذه النجاسات خبث، فهي مظنة الضرر، ملامستها مظنة الضرر. وقد أثبت الطب الحديث ذلك؛ أخباث الناس والدواب تجتمع في ماذا؟ فيما يخرج منها، فيما يخرج منها؛ فكذلك كل ما يضر، فإذا استخدمت حديدًا فيه ماذا؟ صدى، إنه يضر، أو فيه شجحات، إنه يضر. وكل شيء يضر، فلا يجوز الاستخدام؛ لا يجوز استخدامه في الاستنجاء؛ لأن هذا من علة النهي عن الاستخدام: الرجيع والعظم والروث وما كان بمعناه، ما صحت به السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم.