كتاب الزكاة 9

كتاب الزكاة 9

الدرس في كتاب الزكاة 9، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تفاصيل إخراج زكاة الأنعام

شرح تفاصيل إخراج زكاة الأنعام مثل البقر والغنم، مع توضيح مفهوم 'الوسط' في الزكاة. يتناول أيضاً حكم إخراج القيمة في زكاة الماشية إذا لم يتيسر إخراج المقدار المحدد شرعًا.

أحكام زكاة المال المشترك والخلطة

يتناول أحكام زكاة المال المشترك بين المسلم والذمي، وشرط الخلطة في زكاة بهيمة الأنعام، وآراء الفقهاء في ذلك. كما يوضح أحكام أخذ الزكاة من المال المشترك ومسؤولية الشركاء في ذلك.

شروط الخلطة في زكاة الأنعام وتطبيقاتها

ناقش شروط الخلطة في زكاة الأنعام، حيث ذهب بعض العلماء إلى اشتراط توفر شرطين أو ثلاثة. كما تطرق إلى مسألة جمع السائمة وغير السائمة في زكاة واحدة إذا كانت مختلطة.

التفريغ النصي الكامل

يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم شرح كتاب الزكاة من مختصر الإنصاف والشرح الكبير للإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- شرح فضيلة الشيخ عبد الله بن مرعي العدني -حفظه الله تعالى- القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس التاسع. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، مر معنا بالدرس الماضي مجموعة من المسائل، ومن هذه المسائل ما مر معنا في أنصبة البقر والغنم. فقلنا: أقل نصاب البقر كم؟ ثلاثون، إلى أن تسعة وثلاثين، فيها ماذا؟ تبيع أو تبيعة، ولماذا سمي تبيع؟ لأنه يتبع أمه، كم سنة؟ سنة. حسن، وبعد ذلك أربعون إلى تسعة وخمسين، فيه مسنة، ما له سنتان، سمي مسنة لبدو أسنانه. وهكذا الأنصبة إلى مئة وتسعة وعشرين، من مئة وعشرين إلى مئة وتسعة وعشرين، فماذا فيها؟ أربع تبيعة أو ثلاث مسنة. والقاعدة بعد ذلك في كل ثلاثين تبيع، وفي كل أربعين مسنة. وعلمنا أن الغنم أقل نصابها كم؟ أربعون، إلى كم؟ مئة وعشرين شاة، فيها شاة. وقلنا: هذا العدد الكثير فيه هذه الزكاة اليسيرة، لماذا؟ لأنه كثير الاستعمال، وتخفيف على ملاكها، أكثرهم من الفقراء. وهكذا إلى أربعمائة، إلى أربعمائة وتسعة وتسعين، ففيها كم؟ أربع شياه، فيها أربع شياه. ومرت معنا مسائل فيما يتعلق بإخراج السن والوصف، والخلاصة في هذا أنه يخرج ماذا؟ الوسط. ما هو الوسط؟ الأحسن. طيب، إذا كانت كلها تعبانة وعنده واحدة وسط، لا هي تعبانة ولا هي صاحية، يخرج الوسط، ولا يخرج التعبانة. يخرج الوسط، عنده واحدة وسط والباقي كلها تعبانات، إذن معناه الوسط. إذن معناه الوسط في القوة، ولكن معناه الوسط من وصف الموجود. فإن كان أغلب الموجود ضعاف، فيخرج ضعيفة. وإذا كان أغلب الموجود قوية، يخرج قوية. وإذا كان فيها الضعيف وفيها القوي وفيها الوسط، أخرج الوسط. فإذن لفظ الوسط ليس على ظاهر اللفظ، وإنما المراد به الغالب العم الذي يغلب على ما يملك. مثل قول الله عز وجل في كفارة اليمين: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾، معناه: من أيش؟ أوسط؟ غالب؟ أوسط غالب أكلكم؟ معناه: من الطعام الأغلب الذي تأكلون. فإذا كان إنسان يأكل في الشهر مرة ومرتين لحم، وثلاث مرات إلى أربع مرات دجاج، وأغلب الأيام رز وبطاط، فالوسط أيش؟ رز وبطاط. لا ليس الوسط الدجاج، الغالب العم ليس الوسط. ننظر الشيء بين الطرفين، لابد أن نفهم هذا. ليس المقصود به الشيء بين الطرفين. الوسط هنا الغالب العم، يعني تخرج من الغالب العم الذي يغلب. الغني مثلًا فطوره كبدة لحم كل يوم، وغداء يأكل فاصولية. والفقير كل يوم فاصولية أو فول، أو خبز وشاي، وغداء يأكل مقلقل أو كبدة. فأيش يخرج؟ الغالب الفاصولية. صاحب الفاصولية، صاحب اللحم يخرج اللحم. وهكذا كذلك بالنسبة لأصحاب الغنم وأصحاب الإبل وأصحاب البقر، يخرجون الوسط، أي الغالب العم. قال الزهري: إذا جاء المصدق قسم الغيدم ثلاثًا، وأخذ من الوسط. ولا يجوز إخراج القيمة. معنى قسم الغنم ثلاثًا: يعني ثلاث أوصاف. ثلاث أوصاف، فيخرج الوسط. في الوسط، هذا إذا استوى الأثلاث. فإذا لم تستوي الأثلاث، فكان كله وصفًا واحدًا إلا القليل، يعني ليس أثلاثًا. فهنا نرجع إلى إيش؟ إلى التفسير الذي سبق، وهو ما معنى الغالب العم. إذا أمكن أن يقسم إلى ثلاثة أقسام، فتخرج الوسط. ثلاثة أوصاف: ضعيفة، سمينة، متوسطة، فتخرج من المتوسطة. إذا كانت ثلاثة أقسام. لكن إذا كانت كلها سمينة إلا ربع منها ضعيفة، فأنت ستخرج من الضعيفة، ولا من السمينة. من السمينة، لأنه هو الغالب العم. والعكس كلها ضعيفة إلا الربع سمينة، فستخرج من الضعيفة. وإذا عنده وصف وصفًا، وكان فعلًا المال ينقسم إلى ثلاثة أثلاث، فتأخذ الوسط. عنده ثلث سمينة، ثلث ضعيفة، ثلث متوسطة، فتخرج من الوسط وصفًا وعددا. فإذا لابد من مراعاة هذين المعنيين. والقاعدة في هذا قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إِيَّاكُمْ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ». قد تقدم معنى كرائم المال، أي الكريم في القيمة، أو الكريم في ماذا؟ في الوصف. وقد يكون هذا الوصف في عرف معين، وفي حال هو ليس كريمًا، لكنه باعتبار ندرته صار كريمًا. مثلًا الغالب أن الناس تحب الإناث، ولا الفحول. فالفحول لا، الإناث الذي تأتي بالذرية. أنت الدور، الناس تدور الذرية. فالغالب الناس تنظر إلى ما يتوالد، فيريدون الإناث. لكن إذا كان كل الذي معه إناث، ما عنده إلا فحل واحد، هل يصلح أن تأخذ عليه هذا الفحل؟ لا يصلح. ولهذا جاء في بعض الآثار، وجاء كذلك في كتاب أبي بكر: «أَنْهَى عَنْ أَنْ يُؤْخَذَ التَّيْسُ إِذَا كَانَ وَاحِدًا وَهُوَ أَبُو الْمَزْرَعَةِ». أبو المزرعة، إذا أخذ تبقى المزرعة بدون أب. إذن سيضرر الرجل الذي يملك هذه الأغنام. فمثل هذا، ومنها تقدم أنها لا تأخذ الماخض، أي التي قرب ولادها. ولا التي يعني تربى أو الربى، التي هي سمينة ومرتاحة، ونحو ذلك مما فيه هذا الوصف. قال -رحمه الله-: «ولا يجوز إخراج القيمة». وعنه يجوز، يعني روايتان عن الإمام أحمد -رحمه الله-. وهي كذلك عن الأئمة، فقد اختلف جمهور أهل العلم في إخراج القيمة. فمنهم من منعه مطلقًا، ومنهم من أجازه مطلقًا. الجمهور منعوه، وهي رواية لأكثر أهل العلم. ويروى عن أبي حنيفة وأصحاب الرأي إجازته مطلقًا. والصحيح التفصيل، وهذا الذي يحمل بما يروى عن الإمام أحمد -رحمه الله-. الأصل المنع، ويجوز في حالات. وبتتبع الأدلة في ألفاظها ومعانيها يجوز من ذلك صورتان، كما أشار شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- في مواضع من كتبه، كالفتاوى وغيرها. الصورة الأولى: ما جاء في الصحيحين في حديث أنس في كتاب أبي بكر، فإنه جاء فيه: «مَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ مِنْ الْإِبِلِ صَدَقَةُ الْجَذْعَةِ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُ الْحِقَةُ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الْحِقَةُ وَيَجْعَلُ مَعَهَا شَاتَيْنِ إِنْ اسْتَيْسَرَتَا أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا». هذا معنى أنه إذا انتقل من صنف إلى صنف أكبر منه، فإنه إذا وجب عليه الأكبر، وانتقل إلى الأقل. مثلًا أيهما أكبر؟ الجذعة أو الحقة؟ الجذعة. وجبت عليه جذعة، وليست عنده جذعة، ولكن عنده حقة. قال في كتاب أبي بكر: «وَيَجْعَلُ مَعَهَا» أي مع هذه الجذعة التي هي وليست عنده الجذعة، وعنده الحقة. يجعل مع هذه الحقة ليوفي الجذعة شاتين إن استيسرتا، فإن لم يتيسر عشرين درهمًا. معناه: عن كل شاة كم؟ عشر الدراهم. إذن هنا أجاز دفع المال والقيمة. أجاز دفع المال والقيمة، وهذا بالنص. وكما نقل غير واحد الإجماع على هذه المسألة. فتأتي هنا مسألة: هل هذا خاص في الإبل؟ رواية على الإمام أحمد كما تقدم معنا في الدرس الماضي أنها خاصة في الإبل. وذهب بعض أهل العلم، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- إلى أنه يجوز في غير الإبل إذا لم يتيسر. فمثلًا إنسان وجبت عليه شاة في خمس إبل، ما عنده شاة، ولا يستطيع أن يذهب إلى السوق. ذهابه إلى السوق سيكلف عليه قيمة الشاة والزيادة. فماذا يصنع؟ هل يجوز أن يخرج قيمتها؟ في هذا خلاف. والراجح من كلام أهل العلم، وهي رواية عن إمام أحمد -رحمه الله-، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-، وجماعة من أهل العلم: أنه يجوز. يجوز إخراج القيمة لمن لم يتيسر له. لماذا؟ لأن معناه موجود في كتاب أبي بكر. فقال أبو بكر في كتابه: «فَإِنْ اسْتَيْسَرَتَا لَهُ» يعني يخرج شاتان. يخرج هاتان الشاتان. «فَإِنْ لَمْ يَتَيَسَّرْ أَخْرَجَ بَدَلًا عَنْ الشَّاتَيْنِ عِشْرِينَ دِرْهَمًا». عشرين درهمًا. إذن معناه: عن كل شاة كم؟ عشر الدراهم. فصاحب الخمس الإبل يخرج كم؟ عشر الدراهم، أو ما يعادلها. طيب، اليوم العشرة الدراهم ليس لها قيمة. فالصحيح أنها تقوم قيمة الشاة بالذهب، أو بما يعدلها من المال بالعرف. ويؤكد ذلك أن قيمة الشياه في زمن الصحابة كان قد وصل إلى ثلاثة دراهم. وصل إلى ثلاثة دراهم، حتى جاءوا اشتكوا إلى الحسن بن أبي الحسن البصري. فقالوا له: إن السعاة يأخذون من عشرة دراهم، وإنما قيمة الشاة ثلاثة دراهم. فقال: «سُنَّةُ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-» يعني خذوا بما جاء به في النص. وذهب بعض أهل العلم إلى أنه ينظر إلى ما به العرف. ففي ذاك الزمان كان العرف بين ثلاثة دراهم إلى عشرة دراهم. فإذا تغير العرف، لابد أن يتغير كذلك ماذا؟ الثمن. وهذا هو العدل، لأن الحديث فيه ما يعادلها في زمانهم. فالمقصود هو ماذا؟ إخراج شاة. فإذا لم يتيسر، فقيمة الشاة. وقيمة الشاة يختلف بحسب الزمان والمكان. الصورة الثانية: إذا تعذر فإنه يخرج ما تيسر، فيقدر. هل يجوز أن يخرج في غير الشياه؟ في هذا خلاف. والصحيح: إذا أمكن التقدير، فإنه يجوز. إذا تعذر. والقاعدة ما جاء في كتاب أبي بكر: «فَإِنْ اسْتَيْسَرَتَا لَهُ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا». والشرع لا يفرق بين مجتمع كما لا يجمع بين مفترق. فالأمور يلحق بعضها ببعض. وهذا هو الصحيح من أقوال أهل العلم، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-، كما ذكره في مواضع في الفتاوى، المجلد الخامس والعشرين، وغيره. وهي رواية عن إمام أحمد، وجماعة من أهل العلم. قال -رحمه الله تعالى-: «وعنه يجوز». والصحيح كنا التفصيل. قال: «وإن أخرج سنًا أعلى من الفرض من جنسه جاز». مثلًا ما وجد أن يخرج وجبت عليه الحقة، والعكس. وما وجد الحقة عنده جذعة. فالأصل يدفع الجذعة، ويدفع له ماذا؟ بالشاتين أو عشرين درهمًا. العكس كما جاء في كتاب أبي بكر. كذلك فإذا لم يوجد عند الساعي، وقال الرجل: مسامح، جعلتها صدقة لله. هل يجوز؟ في هذا خلاف. والصحيح أنه ماذا؟ يجوز. لأنه دفع الأفضل، وتنازل عن حقه. قال: «لا نعلم فيه خلافًا». وإذا اختلط نفسان فأكثر في نصاب من الماشية حولًا. طبعًا قوله: «لا نعلم فيه خلافًا» يريد في المذهب. وأما بين أهل العلم، فيوجد خلاف كما نقله غير واحد من أهل العلم. قال: «وإذا اختلط نفسان فأكثر في نصاب من الماشية حولًا فحكمهما حكم الواحد». سواء كان مشاعًا بينهما أو متميزًا. فخلطاه فاشتركاه في المراح والمشرب والمسرح والراعي والفحل. نفسان يعني: شخصين أو أكثر من شخصين. وقوله: «في الماشية حولًا» يعني: سنة كاملة، وبلغت النصاب. وحكمهما حكم الواحد، معناه: لا يفرق بين مجتمع كما جاءت في الأحاديث. كما لا يجمع بين مفترق. وقوله: «سَوَاءٌ كَانَ مُشَاعًا بَيْنَهُمَا» يعني: بدون تحديث. مثل أبناء ورثوا غنمًا من الأب. ملك الأب واحد، الأبناء ورثوا. ما فرقوا. ما قالوا: هذه العشر للزيد، وهذه العشر لعمر. لا قالوا: نحن إخوة، وما ورثناه من الأب ما نفرق بينه. كله ملكنا جميعًا. ويبقى على ما كان عليه في عهد أبينا. الراعي نفس الراعي، المرعى نفس المرعى، المشرب المأكل كل شيء يبقى على ما هو عليه. ما نفرق شيء. هذا يعتبر مشاعًا. أو متميزًا. متميز: زيد، عمر، اشترك هذا معه عشر، وهذا معه عشر من الإبل مثلًا. فجاء هذا بعشره، وجاء هذا بعشره. هذه عشر زيد، وهذه عشر عمر، معروفة متميزة. خلطاها مع بعض، وجعل لها مأكل ومسرح ومرعى وراعي واحد. فهذا كذلك حكمها حكم مال الشخص الواحد. قال: «فَخَلَطَاهُ بِاشْتِرَاكٍ فِي الْمَرَاحِ وَالْمَشْرَبِ وَالْمَسْرَحِ وَالرَّاعِي وَالْفَحْلِ» يعني: حكمها حكم الواحد كما تقدم. قال: وقال مالك: «إنما تؤثر الخلطة إذا كان لكل واحد منهما نصاب». يعني يبلغ النصاب. والصحيح: أنه سواء بلغ النصاب للمفرد منهما أو لم يبلغ. ما دام أن الكل بلغ النصاب، وحال عليه الحول، واتحد المأكل والمشرب، وكذلك المبيت والراعي والفحل. فحكمها حكم الواحد. قال -رحمه الله تعالى-: «ولنا قوله» يعني: خلافًا لإمام مالك. ومما يرجح قول الإمام أحمد: «لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ». وما كان من خليطين فإنهم يتراجعان بالسوية. رواه البخاري. فالحديث نص في المسألة. وهذا عام، سواء أكان في مال مشاع أو مال متميز، أو كان بافتراقهما ينقص عن النصاب أو بافتراقهما لا ينقص عن النصاب. واضح، ما دام أن الاجتماع يبلغ النصاب، وقد حال عليه الحول، وحصل معنى الاشتراك بصفاته السابقة. فهو خليط، لا يجوز التفريق بينه. بنص حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- في البخاري وغيره. قال -رحمه الله تعالى-: «ولا تراجع إلا في خلطة الأوصاف». وقوله: «لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ» إنما يكون هذا إذا كان لجماعة. فإن الواحد يضم بعض ماله إلى بعض، وإن كان في أماكن. وهكذا قوله: «لَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ» يعني: إذا كان مال متفرق لأشخاص متفرقين، فلا يجمع بينها. لكن إذا كان مال متفرق لشخص واحد، فهل يجمع بينها؟ في هذا خلاف. والصحيح: يجمع بينها. لأن المالك واحد. لأن المالك واحد، والواجب عليه أن يصدق. ويقول مثلًا: عنده هنا أربع من الإبل، وعلى بعد خمسين كيلو أو أكثر أربع أخرى، وفي مكان آخر مرعى ثالث أربع أخرى. فالأربع التي هنا ليس فيها الزكاة. لكن إذا جمعت هذه الأربع مع تلك الأربع مع تلك الثالثة، بها الزكاة. ليس بها الزكاة. المالك واحد. وليس واحد. وحال عليه الحول، بلغت النصاب. فالصحيح: ما دامت سائمة، واجتمعت كل الصفات وجوب الزكاة، يجب عليه أن يزكي. ولا يجوز أن يخفي ما يملك، لأن المالك واحد. قال -رحمه الله تعالى-: «إنما يكون هذا إذا كان لجماعة». فإن الواحد يضم بعض ماله لبعض، إن كان في أماكن. يعني: إذا كان جماعة لا يجمع، فلا يجمع بين متفرق. وهكذا قوله: «لَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ». ويشترط لها أن يكون من أهل الزكاة. فإن كان أحدهما مكاتبًا أو ذميًا لم يعتد بخلطته. وهذه مسألة أخرى ترجع إلى ما سبق الكلام عليه في أول مباحث الكتاب: هل الذمي والمكاتب يملك؟ الصحيح التفصيل: إن كان مال المكاتب، فكما قلنا: هو من الديون التي ليس فيها الزكاة. وإن كان مال غير مال المكاتب، فالصحيح: إنه يزكي. مثل ما قلنا في العبد. ومن باب أولى الذمي. وأما إذا كان لسيده، فسيده هو الذي يزكي. فإذن الصحيح التفصيل. ثم الخلطة ينظر في هذه الخلطة، إذا اجتمعت شروط الخلطة التي سبقت الإشارة إليها. فلا يفرق بين مجتمع. ولو كان ماله المنفصل ليس فيه الزكاة. مثلًا ذمي وثق بمسلم، فقال: أريد أن نتجر معك، فأكاثر بالغنم. فاشترى عشر شياه، وضمها إلى شياه ذاك المسلم الذي عنده أربعون، أو عنده ثلاثون. قل: ثلاثون. فكمل معه ما تجب فيه الزكاة. فبالاجتماع وجبت الزكاة على الصحيح. ولو كان المشارك ذميًا. ما دامت الخلطة بشروطها تمت. قال -رحمه الله-: «وأن يختلطا في نصاب» يعني: ما يبلغ النصاب. على الصحيح، خلافًا لما قاله الإمام مالك: من أنه يشترط بلوغ النصاب في كل شريك. «وأن يختلطا في جمع الحول» يعني: ليس بعض السنة. الخلطة في كل السنة. والشرط الثالث: أن يكون مما تجب فيه الزكاة، أي سائمة. والشرط الرابع: ألا تكون عاملة. والشرط الخامس: أن تتوفر فيها شروط الخلطة. أربع شروط هي شروط زكاة بهيمة الأنعام. والشرط الخامس: بوقها، ما هو؟ اتحاد وسط الخلطة. قال -رحمه الله تعالى-: وقال مالك: «لا يعتبر اختلاطهم في أول الحول». لقوله: «لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ» إلى آخره. يعني: في وقت الزكاة. ويشترط في خلطة الأوصاف اشتراكهما في المراح وما بعده. والصحيح: أنه إذا وقع حولان الحول على الجميع، فإنه يكون له هذا الحكم. يكون له هذا الحكم. قال: وقال بعض أصحاب مالك: «لا يعتبر إلا الراعي والمرعى». لقوله: «لَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ». والاجتماع يحصل بهذا. وحكي عن أحمد: أنه لا يعتبر إلا الحول والراعي والمراح. ولا تؤثر الخلطة في غير السائمة. والصحيح: أن الخلطة في غير السائمة تؤثر. لأنها تسقط الزكاة. لكن على ما تقدم: أن يكون أغلب الحول إيش؟ سائمة. أما إذا كان بعض الحول سائمة، والبعض أقل من النصف، فلا يضر. على ما تقدم الكلام عليه. قال -رحمه الله تعالى-: «وعنه أنها تؤثر». وهذا قول الأوزاعي، وإسحاق في الحب والتمر. «ويجوز للساعي أخذ الفرض من مال أيهما شاء». والصحيح كما قلنا: أنه بحسب الأغلب. قال: «ويجوز للساعي أخذ الفرض من مال أيهما شاء». هذا إذا كان الخلطة خلطة فيها ماذا؟ تميز. أما إذا لم تكن متميزة، فالمال واحد. لكن أيهما شاء، إذا كان الكل وصد. أما إذا كان ينتقي بما فيه ضرر على المالكين، فهذا لا يجوز. لقول النبي -صلى الله عليه وسلم- في النهي عن اتقاء كرائم الأموال. قال: «ويرجع على خليطه بحصته من القيمة». يعني: لو أخذ من مال زيد مثلًا. هذا عنده عشرون، وهذا عنده عشرون. العشرون التي للأول، والعشرون التي للثاني متميزات. فأخذ الساعي واحدة من العشرين التي للشخص الثاني. فيرجع الشخص الأول، فيعطي للثاني نصف قيمة العشرين، أو يعمل ما هو حل من الحلول. المهم لا يقول: خلاص أخرجت من حقك، هذا قدر الله عليه. لا، لابد من العدل في هذا الباب. قال: «ويجوز للساعي أخذ الفرض من مال أيهما شاء». «ويرجع على خليطه بحصته من القيمة». يعني: إذا قدرها بعشرين درهمًا، أو بعشر الدراهم بحسبها. فعليه نصف المبلغ. قال: «ومن هنا إلى آخر الباب من الإنصاف: لا يجوز إخراج القيمة». وعنه يجوز. اختاره الشيخ. والصحيح: أن الشيخ لم يختاره مطلقًا، ولا الإمام أحمد -رحمه الله- اختاره مطلقًا. كالحنفية. ولكن الصحيح: أنه بقيود كما تقدم. معنى كلام شيخ الإسلام الذي ذكره في الفتاوى، وفي غيره. قال: واختار أيضًا جوازه للمصلحة. وإن اختلف في القيمة، فالقول قول المرجوع عليه مع يمينه. يعني: إذا حصل خلاف، فمن كان عنده يقين يحلف، ويكون القول قوله. إذا اختلف الساعي والمالك مثلًا. الساعي قال: أنا أقدر أن الشاة بعملتنا مثلًا اليوم ما يعادل مئتين وخمسين ألف. فقال الآخر: لا كثرت علي، ظلمتني. قال له: كم؟ قال: مئتين ألف. فاختلف. من استطاع أن يحلف حلف، ودفع. قال الشيخ: «وتجه أن القول قول المعطي». لأنه كالأمين الذي سيعطي المال. سواء كان الساعي أو كان من المعطي الذي وجبت عليه المال. لأن أحيانًا الذي سيعطي المال من الساعي. إذا كان الفرق العكس كما تقدم معنا. إذا كان سيخرج المتصدق السن الأكبر، فمن الذي سيدفع؟ الساعي. وإذا كان سيخرج السن الأصغر، فإن الذي سيخرج من المال. قال: «وإذا أخذ الساعي أكثر من الفرض ظلمًا لم يرجع بالزيادة على خليطه». قال الشيخ: «الأظهر أنه يرجع». وهذا هو العدل. إذا وقع ظلم، فإنهم يتقاسمان ذلك. كما إذا وقع فضل، فإنهم يتقاسمان ذلك. يتقاسمان الفضل والظلم. وهذا هو العدل في الشركاء. أنه إذا حصلت خسارة فبالنص، وإذا حصل ربح فهو كذلك ماذا؟ بالنص. وهذا هو الذي يبطضيه عمومات الأدلة. والله تعالى أعلم. إلى هنا ونكمل إن شاء الله في درس اللاحق. يقول: إذا كانت الغنم تسوم وتعلف في نفس الوقت في كل يوم، ويعطي الذي رعاها جعلًا فيها. فهل فيها زكاة؟ ينظر كم تطعم في كل يوم. مثلًا يحصل هذا الغنم ترعى، لكن المرعى ضعيف ما يكفي. فيحتاج الرجل أن يعطيها كم يعطيها؟ هل يعطيها ما يعادل أقل من نصف أو مثل الذي رعت؟ إذا كان مثل الذي رعت، فليس فيها زكاة. لأنه صار نصف نصف. وإذا كان أقل من الذي رعت، ففيها الزكاة. ومن باب أولى إذا كان أكثر، فليس فيها الزكاة. كما تقدم معنا في هذا الباب. يقول: كان لأبي مليون، وقد حال عليه الحول. فهل يجب عليه الزكاة؟ كم حسبنا تلك المرة نصاب الذهب؟ يعني ليس فيه زكاة. ليس في هذا المبلغ على الصحيح زكاة. لأن النصاب على الصحيح، والمسألة فيها خلاف: نصاب العملات الورقية بنصاب الذهب. هذا الراجح، والمسألة فيها خلاف. والله أعلم. يقول: إذا كان عندي مال زكاة، وسرق هذا المال أو ضاع. فكيف العمل؟ تسقط عنك الزكاة إذا لم تكن مفرطًا. أما إذا فرطت، أو تأخرت، أو تساهلت، أو نحو ذلك. يبقى في ذمتك إلى أن يتيسر لك، فتخرج. يبقى في ذمتك كالدين. يقول: هل في السيارة زكاة؟ لا، السيارة من المركوب. وفي حديث النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لَيْسَ عَلَى الرَّجُلِ فِي عَبْدَيْهِ وَفَرَسِهِ صَدَقَةٌ». نعم، إلا إذا كانت عروض تجارة. إنسان يبيع ويشتري في السيارات. ليس يركبها ويستخدمها، وإنما تاجر سيارات يبيع ويشتري. فتثمن هذه السيارة. فإذا بلغت النصاب، وحال عليه الحول، فتجب فيها الزكاة. يقول: نقل ابن قدامة في المغني، والشوكاني في النيل: عدم الخلاف في جواز إخراج سن أعلى من الفرض من جنسه. طيب نراجع هذه المسألة. أنا الذي أعرف أن المسألة فيها خلاف. نراجعها. وإن شاء الله ذكروني غدًا بإذن الله تعالى. يقول: إذا كان إخوان أو لأخوين غنم يشتركان فيها، وقد اختلفوا في أحد الشروط. فهل تجب الزكاة عليها؟ ماذا تقصد اختلفوا في بعض الشروط؟ يعني تقصد شروط الخلطة. فإذا غلبت الخلطة، فالصحيح: أن تخلف بعض الشروط لا يبطل هذه الخلطة. يعني ينظر إلى الأغلب: هل الأغلب شروط الخلطة موجودة أم لا؟ كما سمعت. ذهب الإمام مالك إلى توفر شرطين يكفي. وذهب الإمام أحمد إلى ثلاثة شروط. وبعضهم ذكر أكثر من ذلك. والصحيح: أن معنى الخلطة إذا غلب وجود أكثر الشروط، فعدم توفر بعض الشروط لا يضر. مثلًا كانت خليط في كل شيء إلا أنها تختلف في التيس. ما عندها تيس واحد أصلا ما عندهم تيس. فمن باب التخفيف. زيد من الناس راح يبحث العواء أن أحد يذهب بغنمه ليكسب فيها الحمل من تيس. والثاني ذهب إلى مكان آخر. لأنه لو ذهبوا إلى مكان واحد، كان فيه مشقة وإحراج. فخفف كل واحد دبر نفسه في موضوع اللقاح. فهل هذا يضر الخلطة؟ صحيح لا يضر الخلطة. هذا لا يضر الخلطة. ونحو ذلك في بعض الاختلاف اليسير. ما دام الأغلب هو وجود الخلطة. يقول: لو أن إنسانًا لديه بهيمة عام، بعضها سائمة وبعضها ليست سائمة. فهل يجمع بينهما؟ إذا كانت في مكان واحد. فيفرق. ليست السائمة لا تدخل بالزكاة. والسائمة فيها زكاة. مثلًا بعضها في البيت، وبعضها تخرج. فهذه التي تخرج فيها الزكاة، والتي في البيت ما تخرج. ليس فيها الزكاة. لكن إذا كانت مختلطة أحيانًا. مثل بعض أهل البادية. رأيت مثلًا أنا في سقطرة أغنامهم في الجبال، ولكن يحفظون بعضها لأجل الحليب. وهذه التي يحفظونها يعلفوها في البيت، ويأكلوها من أكل البيت. فإذا خلص الحليب رموا في الجبال، وأتوا بأخريات فيها حليب. إذن هل يستطيعون يعرفون؟ ما الذي أعلفوه؟ ما الذي لم يعرفوه؟ ما يستطيعون. لكن في الغالب هو يعرف الذي أعلف من هذه هي الأقل، ولا الأكثر؟ يستطيع. فإن كانت الأقل، فغلبت الظن أنها أكثرها سائمة. ولو كان يعرف بعضها. ولو كان يعرف بعضها. لكن إذا كانت منفصلة. عنده غنم خاص للبيت، وغنم خاص في الجبال ترعى. فالتي في البيت ليس فيها الزكاة. ما دام يطعمها ويعرفها. والتي ترعى في الجبال هذه فيها الزكاة. واضح؟ والأمر بغلبة الظن. وإذا كان العكس. عنده قليل وما يعرفها أكثر مما ترعى. فليس فيها الزكاة. ليس فيها الزكاة. إلى هنا والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم عن نبينا محمد وآله. صلى الله وسلم. شكرًا.