شرح مختصر السيرة 1

شرح مختصر السيرة 1

الدرس في شرح مختصر السيرة 1، الدرس الأول : وفيه : ( ترجمة الشيخ محمد بن عبدالوهاب ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

سيرة الإمام محمد بن عبد الوهاب ودعوته الإصلاحية

ولد الإمام محمد بن عبد الوهاب في العُيينة بنجد ودرس في الحجاز والبصرة، ودعا إلى التوحيد الخالص ونبذ البدع. أثرت دعوته على رجال الإصلاح في العديد من البلدان.

أثر دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في الدعوة إلى التوحيد

دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب كانت تذكيراً بدعوة السلف الصالح، قامت على الكتاب والسنة وآثار السلف. كتبه ورسائله كانت لها السبق في معالجة واقع الناس المخالف للدين.

التنبيه على الأخطاء العلمية في كتب الإمام

يجب التنبيه على الأخطاء العلمية في كتب الإمام محمد بن عبد الوهاب بهدف إبراء الذمة وإكرام أهل العلم، مع مراعاة المصالح والمفاسد في ذلك.

ختام الدرس والدعاء بالتوفيق

يختتم الدرس بدعاء الله جل وعلا بالتوفيق لما يحب ويرضى، ويعلن اكتفاءه بما تمت مناقشته.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة نبدأ إن شاء الله من هذا اليوم قراءة في درس مقتصر من سيرة الشيخ الإمام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى. وقبل القراءة في الكتاب نحب أن نقرأ شيئًا من سيرة هذا الإمام ما يعرفنا بترجمته رحمه الله تعالى، فنقرأ شيئًا مختصرًا. وإلا بعد ذكر بسيرته رحمه الله الشيء الكثير مما يبين السبب الذي لأجله جعل الله جل وعلا الخير الكثير على هذا الرجل. فإن الإمامة الدين لا تنال إلا بالصدق واليقين، ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾، صدق وصبر ويقين نال بهؤلاء الإمامة الدين. فلا شك أن هذه الإمامة ما يتوصل إليها براحة الجسد، بل لا بد أن يبتلوا بأنواع البلاء: بلاء في تحصيل العلم، وبلاء في العمل بالعلم، وبلاء في الدعوة إلى هذا العلم، وبلاء كذلك في ذلك كله. وهذا هو المحك الذي به يتميز أهل الصدق من غيرهم. وآل الشيخ الترجمة نقرأها مما ذكره خير الدين الزرقلي في كتابه، قال: ابن عبد الوهاب هو محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي النجدي، زعيم النهضة الدينية الإصلاحية الحديثة في جزيرة العرب. ولد ونشأ في العُيينة بنجد، وهي منزلة بقرب الرياض، مدينة الرياض هي اليمامة التي كانت تسمى من قبل باليمامة، فالعُيينة من مناطق نجد القريبة من الرياض. قال: ورحل مرتين إلى الحجاز، فمكث في المدينة مدة، قرأ بها على بعض أعلامها، وزار الشام ودخل البصرة فأوذي فيها، وعاد إلى نجد. وقد أخذ عن علماء هذه البلاد، أخذ العلم عن بعض أهل الحجاز وعن بعض أهل نجد. وهذا حال أهل العلم، فإنهم لا يذهبون إلى بلد إلا ويأخذون ويستفيدون من العلم الموجود فيها. وهكذا كذلك يعتبرون من أحوال الناس فيها، فهو كلما دخل بلدًا ورأى حال الناس وتعلقهم بغير الله وعبادتهم لغير الله جل وعلا، ازداد يقينًا وبصيرة أن دين الله جل وعلا الذي بعث به نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم صار أصحابه في غربة في ذلكم الزمان. وكلما قرأ شيئًا من كلام أهل العلم وحالهم مع أهل الباطل ازداد كذلك يقينًا أن الواجب الذي تعلق به وبأمثاله أمر عظيم، وأنه لا بد عليه من يؤده. قال: ودخل البصرة فأوذي بها، وعاد إلى نجد، فسكن حريملاء. وكان أبوه قاضيها بعد العُيينة، ثم انتقل إلى العُيينة. ناهجًا منهج السلف الصالح، جاعيا إلى التوحيد الخالص، ونبذ البدع، وتحقين ما علق بالإسلام من أوهام وارتيا. أمير العُيينة عثمان بن حمد بن معمر إلى دعوته فناصره، ثم خذله. فقصد الدرعية بنجد سنة سبع وخمسين ومئة وألف، فتلقاه أميرها محمد بن سعود بالإكرام، وقبل دعوته، وآزره. كما آزره من بعده ابنه عبد العزيز، ثم سعود بن عبد العزيز. وقاتلوا من خالفهم، واتسع نطاق ملكهم، فاستولوا على شرق الجزيرة كله. ثم كان لهم جانب عظيم من اليمن، وملك مكة والمدينة، وقبائل الحجاز، وقاربوا الشام ببلوغهم المزيريب، وهي منطقة من مناطق الشام. وكانت دعوته وقد جهر بها سنة ثلاثين وأربعين ومئة وألف، الموافق سنة ثلاثين وسبعمائة للميلاد. قال: والشعلة الأولى لِدعوته أضاءت الحديث بالعالم الإسلامي كله، كأثر بها رجال الإصلاح في الهند ومصر والعراق والشام وغيرها. فظهر الآلوسي الكبير في بغداد، وجمال الدين الأفغاني بأفغانستان، ومحمد عبده في مصر. وهؤلاء وإن كانوا أي الأفغاني ومحمد عبده نابذوا بعض الشركيات، إلا أنهم كانت لهم نظر عقلانية في بعض المسائل الشرعية. بل إن جمال الدين الأفغاني كانت له علاقات بمنظمات ماسونية، مما شكك أهل العلم فيه، خصوصًا ما كان له من فتاوى ومن منهج فيه سلخ أهل هذا الدين عن الدين. قال: وجمال الدين الأفغاني بالشام، وخير الدين التونسي بتونس، وصديق حسن خان في بهوبال. وصديق حسن خان كذلك من هؤلاء الذين يعني انتفعوا بهذه الدعوة دعوة التوحيد، ولكن أخذ عليه بعض المسائل في مبحث الأسماء والصفات، وفي بعض المباحث الأخرى. وإن كان هو في مبحث توحيد الألوهية والربوبية كان على شأن عظيم من الاستقامة، فنفع الله جل وعلا به نفعًا عظيمًا. وهذا كذلك في باب الفقه وغيره. قال: وأمير علي في كل كتة، ولمعت أسماء آخرين، وظهر من ولاه وشد أزره في قلب الجزيرة بأهل التوحيد إخوان من أطاع الله، وسماهم أصحابه بالوهابيين نسبة إليه. وشاع هذا التسمية الأخيرة عند الأوروبيين، فدخلت معجماتهم الحديثة. وأخذ بعضهم فجعلها مذهبًا جديدًا بالإسلام، لأنهم يجهلون. وبعضهم ليس جهلًا، ولكن عمدًا يريدون بذلك أن يشوهوا جمال الإسلام، فينسبون هؤلاء إلى رجل، لأجل أن يبين أنه ليس هذا هو دعوة السلف. وإلا فالشيخ محمد بن عبد الوهاب شيخ الإسلام رحمه الله تعالى ما دعا إلا إلى كتاب الله وإلى سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وبفهم السلف. ولكن لما دعا إلى شيء غريب بينه ناس وقعوا في عظيم من الجهالات، جهالات في باب الاعتقاد، وفي باب الفكر، وفي غيرها من الأبواب الأخرى. قال: وكان مما أطلعهم وجعلها مذهبًا جديدًا بالإسلام، تبعًا لما اختراه فصوم ولسيما دعاة من كانوا يتلقبون بالخلفاء من الترك العثمانيين. وهل الخلافة العثمانية خلافة أم ليست بخلافة؟ الصحيح أنها خلافة، وإن كانت خلافة قائمة على بدع وعلى ضلالات، بل وفي فترة من الزمن على الشركيات. لكنها خلافة. لكن الخلافة خلافتان: خلافة راشدة، وخلافة جائرة ظالمة. والناس بهذا طرقان ووسط، والذي عليه أهل السنة والجماعة هو الوسط. قال: ومن أفضل ما كتب عن جزيرة العرب بعد قيام دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ذكر اسم أحد هؤلاء المستشرقين، وهو قال: "History of the Wahhabis" يعني كأنه كتب عن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، قال: "تاريخ الوهابيين" تأليف لا مألف، طبعة بباريس سنة 1810 ميلادية، أي بعد وفاة الشيخ بـ 18 سنة. وكانت وفاته في الدرعية. وحفداه اليوم يعرفون ببيت آل الشيخ، يعني أحفاده في النسب، وإلا في العلم وأهل التوحيد في كل مكان استفادوا من كتب شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، لأنها كتب واقعية جمعت بين الأدلة الشرعية وبين معالجة أحوال واقع الناس مما خالف تلك الأدلة في باب الاعتقاد. وكان فيها شيء من الدقة في معالجة هذه الوقائع والمسائل والأحوال، فلأجل هذا اعتنى بها أهل العلم، ليس لأن ذلك مفقودًا في نصوص الكتاب والسنة وكلام أهل العلم المتقدمين، ولكن لأن هذه الكتب كتب الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى وأحفاده ناقشت كما قلنا أشياء واقعية وقع فيها الناس، وبدقة. فإنهال العلماء وطلبة العلم على هذه الكتب، واستفادوا منها لحبهم من نظرة هؤلاء الأئمة لواقع الناس. فكان ذلك هو الذي جعل هذه الكتب لها السبق في هذا الباب. وإلا فليست هي بدعوة جديدة، بل هي دعوة تذكير بدعوة من سبق من أهل العلم، من الصحابة رضي الله عنهم إلى من بعدهم من التابعين وأتباع التابعين، وأئمة الهدى ومصابيح الدجى، بكل زمان من أهل الهدى، أتباع السلف حتى هذا الزمان. فالدعوة واحدة وتخرج من مشكاة واحدة، وليس الذي أتى به شيئًا جديدًا. وإنما الجديد هو أنهم أنكروا الواقع المرير الذي تعيشه المجتمعات الإسلامية في هذه العصور. في حصر الشيخ ومن بعده ممن جاء بعده من أحفاده ومن دعاة التوحيد في كل مكان. فكان هذا هو الجديد على العامة، على عامة الناس. وأما ما أتى به من العلم والهدى فليس بشيء جديد، بل هو آية من كتاب الله، أو حديث من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أو آثار من آثار السلف الصالح. وهذه كتبهم مشحونة بذلك، ليس بها إلا أحد هذه الثلاثة. ويضاف على ذلك تأييد ونقولات أهل العلم من المتقدمين والمتأخرين، من الذين وافقوا أهل التوحيد أو خالفوهم في بعض المسائل. كلهم ينقلون ويبينون أن دين الله الحق هو هذا الذي يدعو إليه دعاة التوحيد. وكان ذلك بابتداء شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في ذلك الإنكار العلني الذي قام وأجهر به على واطئ الأمة الإسلامية الذي سقط فيه كثير من الناس في هذا الزمان، وهو الوقوعه في الشركيات والجهل وغير ذلك مما يخالف الدين ويشوه جماله. قال رحمه الله تعالى: "ولهم مقام رفيع عند آل سعود، وذلك لأن حقيقة ارتفاع هذه الدولة كان بهم، فإنهم نصروا بهذه الدعوة دعوة التوحيد. فلولا أن الله جل وعلا وفقهم لنصر في ذلك المنهج القويم لما كانت لهم هذه الرفعة. ولكن هذا من فضل الله عز وجل عليهم وعلى كل من وفق إلى الدين الحق القويم، أنه تكون له الرفعة بقدر التمسك بدين الله جل وعلا". قال: "وله مصنفات أكثرها رسائل مطبوعة، منها: كتاب التوحيد، ورسالة كشف الشبهات، وتفسير الفاتحة، وأصول الإيمان، وتفسير شهادة أن لا إله إلا الله، ومعرفة العبد ربه ودينه ونبيه، وهي التي تسمى بالأصول الثلاثة. والمسائل التي خالف بها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أهل الجاهلية أكثر من مئة مسألة، وهي التي تسمى بمسائل الجاهلية". وقال: "فضل الإسلام، وهذا هو الكتاب المشهور. ونصيحة المسلمين، ومعنى الكلمة الطيبة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومجموعة من القواعد، ومفيد المستفيد في كفر تارك التوحيد. وهذه رسالة نافعة مفيدة جدًا، ينصح العلماء بقراءتها. وقد قرأناها قبل فترة، ونسأل الله عز وجل نفعنا على قراءتها مرة أخرى، فهي رسالة مفيدة تعالج كثيرًا من المسائل الواقعية التي يقع بها الكثير من الناس في هذه المجتمعات". قال: "ورسالة بأن التقليد جائز لا واجب، وبيان كذلك حال التقليد الصحيح من غير الصحيح. وكتاب الكبائر كذلك. وأكثر هذه الكتب مطبوع متداول. وتاريخ ابن غنام وهو من أحسن تواريخ نجد". قال: "رسائل بعددها الشيخ إلى أهل البلاد المجدية وللطائفة الإسلامية. وفي هذه الرسائل فوائد عظيمة، فيها بيان وحقيقة دعوة الشيخ الإمام، الشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى. فإنه لم يقم دعوته على السيف فقط، بل كان رحمه الله تعالى يدعو إلى دين الله وإلى التوحيد". هذه الحقيقة، وإلا فلم يستحل دماء المسلمين، ولم يقاتل إلا من أصر على الشرك وجاهر به. وهذا الذي حصل. قال: "ومن يكتب في سيرته محمد بن عبد الوهاب أحمد عبد الغفور عطار" يعني ممن كتب في سيرة هذا الإمام. وقد كتبت في سيرته كتابات كثيرة، وبحوث متعددة، اشتهر كثير منها. وإنما أراد رحمه الله تعالى أن يظل المثال لذلك، أو ما كان قد اطلع عليه خير الدين رحمه الله تعالى. وهنا ننبه بأمرين، أمرين يلبس بهما أهل الباطل في سيرة هذا الإمام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى. الأمر الأول: أنه كان يستحل دماء المسلمين. ويرد ذلك ما في كتاباته ورسائله، وفي دعوته مما يبين أن ذلك لم يكن منه رحمه الله تعالى، بل كان على غاية الورع، وعلى غاية كذلك التوقف عند النصوص الشرعية. وإنما كان ذلك بسبب من يمتنع ويعارض ويصر على آله الدعوة الشركية من بعض الأمراء، ومن يعاونهم على ذلك. وكانت دعوة النبي عليه الصلاة والسلام على ذلك، يدعو الناس لدين الله وإلى توحيد الله، فإذا أبوا قاتلهم عليه الصلاة والسلام. وهذا هو الواجب على أئمة المسلمين، هذا هو الواجب على أئمة المسلمين. والمسألة الثانية: يزعمون أن الشيخ الإمام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله ومن تابعه ومن سار بطريقته يكفرون المجتمعات المسلمة. وهذه كذلك فرية أخرى اتهم بها الشيخ رحمه الله واتباعه. وكل ذلك أهل الحق منه براء. فإن أهل السنة في مسألة التكفير وسط بين المفرطين والمفرطين. قوم لا يريدون تفويت الكفر في المسلمين، ويزعمون أن الإسلام لا يكون معه كفر، وهذا خطأ. بل هذا لو حقق الحق فيه لكان هو قول من ضل ممن ضل من المرجئة. وآخرون انطلقوا في ذلك فأطلقوا الكفر في غير دليل ولا برهان ولا ضوابط شرعية، وهذا خطأ. والصواب في ذلك أن باب الكفر باب عظيم، فلا يفتح إلا بدليل واضح، وبعد توفر الشروط وانتفاء الموانع. فإذا وقع ذلك فإن الكفر يوصف به من وقع فيه، ولو كان مسلمًا. يوصف من وقع به ولو كان مسلمًا، فإن المسلم يخرج من الدين لو وقع بشيء من الأمور الكفرية. ولذلك أدل كثيرة بسطها الإمام رحمه الله بعدد من رسائله، وكذلك تلامذته. ومن ذلك رسالة "كفر تارك التوحيد" ففيها وفي غيرها من البحوث الأخرى الأدل الكثيرة من الكتاب والسنة، فيما يدل على أن من ترك التوحيد فإنه يقع بالكفر. لو لم يكن إلا قول الله جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾، الخطاب للنبي عليه الصلاة والسلام، أنه لا بد أن يكون الإنسان على دعوة التوحيد، وعلى الدين الحق الذي أمر الله جل وعلا به. وحكى الأنبياء، وحكى من باب أولى من بعدهم ومن دونهم. فإذا كان هذا الخطاب بحق نبينا عليه الصلاة والسلام، فكيف بمن دونه؟ كيف بمن دونه؟ والله عز وجل يقول كذلك: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، فإن عمل العاملين يحبط بسبب الشرك وبسبب الكفر. ويقول النبي عليه الصلاة والسلام: «من بدل دينه فاقتلوه، من بدل دينه فاقتلوه». وغير ذلك كثير مما هو في أدلة الكتاب وأدلة السنة. فهاتان شبهتان أهل الحق منهما براء، وإنما قالها من قالها وهو أحد رجلين: رجل جاهل، نقلت إليه هاتين الشبهتين وما علم حقيقة أمرها وأمر أهل الحق فيهما، فهو مقلد يصدر بكلام لا يعرف ما حقيقته، ولم يحقق الحق فيه، ولم يبحث ويدقق في هاتين القضيتين. وآخر صاحب هوى، يعرف الحق ولكنه لا يريد أن ينصفه تعاليًا وتكبرًا، وكذلك تمسكًا بالباطل والفوى الذي هو فيه. وهكذا ننبه على مسألتين أخريين نبه عليها بعض أهل العلم. وتنبيه من نبه من أهل العلم من باب الإنصاف، لكن الناس فيها طرفان ووسط. وذلك أن بعض أهل العلم نبه أن في كتب شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، وبعض أحفاده بعض الأحاديث الضعيفة، والقصص غير الصحيحة. فنبه على ذلك في موضعه، إبراء للذمة وإكرامًا لصاحب الحق من هؤلاء الأئمة، إبراء للذمة وإكرامًا لصاحب الحق. وكان ذلك سببًا في وقوع طرفين في هذا المبحث: طرف ظنوا أن ذلك يعني فتح باب شر، وأن ذلك يعني استنقاص لهذه الدعوة، وأنه ليس يجوز أبدًا أن يكون مثل هذا التنبيه، هذا خطأ. وآخرون كذلك فرحوا بهذا وطاروا به، وجعلوا ذلك مما تشوه به هذه الدعوة، وهذا كذلك خطأ. والصواب في ذلك أن هذا التنبيه إذا كان مقتصرًا على الموضع، ولم يشهر ويطار به برسالة منفردة، ولا بحديث عام، ولا بمجالس عامة. كان هذا من التحقيق والتدقيق والإنصاف، والمسلك العلمي الصحيح الذي ينبغي أن يكون عليه أهل العلم. فكل منهم يأخذ من قوله ويرد، ولا زال العلماء يقولون: كل يأخذ من قوله ويرد، إلا صاحب هذا القبر. وما من الناس إلا ورد ومردود، ومع ذلك فلا شك أن التنبيه على عدم إشاعة مثل ذلك، بما يكون سببًا في تشويه جمال هذه الدعوة دعوة التوحيد، هو الواجب. وأن كذلك عدم الإشهار والتشهير بذلك برسائل خاصة ومنفردة، فهذا هو الواجب، لا شك في ذلك. وأن هذا هو الذي تبطره الضوابط والقواعد الشرعية الصحيحة. برء المفاسد أولى من جلب المصالح، وغير ذلك. لكن ليس معنى ذلك تغطية الحق، ومناصرة الباطل. وكذلك الزعم بأن ذلك كله ليس موجودًا، أو غير ذلك مما يوصل المرء إلى المكابرة. لا، هذا ليس بصحيح. هذا ليس بصحيح. لكن التصرف يكون تصرفًا علميًا حكيمًا حليمًا فيه، كما قلنا: إضراء للذمة، وفيه كذلك إكرام أهل العلم الذين وقعت منهم هذه الأخطاء. فإنهم يفرحون بإبعاد الخطأ وإكمال النقص. ما من عالم منصف إلا ويفرح بإبعاد الخطأ من كتاباته، وإكمال النقص. لأن هذا الذي يقربه إلى الله جل وعلا، وهذا الذي يمتع الناس. وما أرادوا إلا نفع الناس، هذا هو الإنصاف في هذه المسألة. يعني أن الأخطاء هذه تنبه، لكن بشيء من الشلم، وبشيء من الحكمة، وبكذلك دقة علمية، ومراعاة للمصالح والمفاسد، ونظرة كذلك وبعد نظر لاستغلال الأعداء لمثل ذلك. فهذا يجعلنا نقول في موقف صحيح سليم، معتدل، لا إفراط ولا تفريط. والمسألة الثانية هي مسألة معاتبة الأخطاء العلمية. وما منا إلا وله وعليه، سواء أكانت في الفقه أو في غيره. فإن الشيخ الإمام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى لا نشك أنه يدين لله جل وعلا بما عليه أهل السنة والجماعة، من التدين بالكتاب والسنة، واتباع سلف الأمة. وإن كان هو تربى على المذهب الحنبلي، لكن لا يعني ذلك أنه متعصب له. ولكن لم يسلم رحمه الله كغيره من أهل العلم من الوقوع في بعض الأخطاء العلمية، مما خالف فيها المذهب، وخالف فيها الدليل. فكذلك التنبيه على ذلك يقال فيه بمثل ما قيل في مسألة التنبيه على الأحاديث الضعيفة، التي ليست بصحيحة، وغير ذلك مما ذكر من تفصيل في المسألة الأولى. والناس في هذا طرفان ووسط، والحق في هذا هو الاعتدال والإنصاف في هذا الباب، ومراعاة المصالح والمفاسد. وأن هذا هو الواجب: التنبيه على هذه الأخطاء، أولًا إضراء للذمة، وثانيًا إكرامًا لصاحب الحق. فإن صاحب الحق يفرح بما يكون من التنبيه على أخطائه، وكذلك إكمال نواقصه. هذا الذي يريده، وهذا الذي يقربه عند الله جل وعلا. لكن كما قلنا: مع مراعاة المصالح ودفع المفاسد، لا نجعل هذا سببًا لاستغلال الأعداء لمثل ذلك، بالتشويه من جمال هذه الدعوة المباركة، واستغلال ذلك في القدح. فنختار العبارات اللطيفة، والكلمات المؤدبة، والثناء العطر قبل وبعد هذه التنبيهات، بما لا يكون فيه قدح، ولا مدخل للقدح، ولا استغلال من مستغل، لا من قريب ولا من بعيد، للقدح في هذا الإمام، أو القدح في دعوته، أو أحد أنصار هذه الدعوة المباركة. هذا الذي يمضي أن يكون عليه، والإنصاف عزيز. نسأل الله جل وعلا أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى. وبهذا نكتفي.